|
لكل
شيء في الحياة حدوده.
وللإنسان قدرة معيّنة على الاحتمال... احتمال الألم مثلاً، أو الجوع،
أو الظلم...
فمتى استنفذها الصبر قد تنفجر بشكل من الأشكال. في الأيام الماضية،
تعرض طلاب
الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية في جامعة البلمند إلى الاستفزاز
من قبل بعض
الطلاب المنتسبين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وذلك بالوسائل
الكلامية،
والتهجّم على أبرز مراكز الدولة وأرفعها، وهو مركز رئاسة الجمهورية،
وبصورة مباشرة
إلى الشهيد الراحل فخامة الرئيس الشيخ بشير الجميّل، كما وأننا
اتُّهمنا بالتعصّب
المسيحي وخراب البلاد والعمالة مع إسرائيل... لقد ضقنا ذرعاً من سماع
هذا الكلام،
وإننا لن نسمح لأحد لا من قريب أو من بعيد أن يستوطي حائطنا بعد
الآن. كما وإننا
لم نخجل ولن نخجل بتاريخنا أبداً. وليكن في معلوم الجميع إننا نرفض
سياسة الخنوع،
والخضوع، والركوع، كما وإننا نرفض سياسة أمرك يا بك. فنحن أحرار
وسوف نظلّ كذلك
في مجتمعنا. نحن نرفض أن نكون مستعبَدين من أحد، كما نطالب بأن يكون
لنا سيادة
مطلقة على أرضنا، وليست سيادة مع 600 ألف لاجئ غريب و40 ألف جندي
احتلال.
لقد
اتّهمونا بالتعصّب المسيحي! ونحن نقول لهم: يكون لبنان وطن التعايش
والتفاعل بين
الأديان والحضارات أو لا يكون.... لن نستطيع إنقاذ لبنان إلا عندما
نؤمن جميعاً
بالتمسّك بالولاء للوطن أولاً (وليس بالولاء لسوريا)، ويجب أن نتمسّك
بالوحدة
الوطنية ونتصرّف على هدى ما نؤمن به... فتعصّبنا للبنان لا يقلّل من
عروبتنا ولا
من مسحيّتنا. الاختلاف في الرأي ليس أمراً غريباً، إنها حالة تعرفها
كل الشعوب.
لكن الغريب أن يكون الاختلاف حول شأن مصيري، فهذا نرفضه كلّياً.
زملاؤنا، لقد تساقطت علينا اللعنات والاتهامات الباطلة. ليُسمح لنا
بأن نعبّر عن
وجهة نظرنا بمنتهى الصراحة ولا نطلب إلا بعض الإصغاء وبعض التروّي في
الحكم. من هو
المتعصّب الحقيقي في الأمور الدينية والطائفية؟ بالنسبة لنا، لبنان
القوي في المسلم
القوي، وفي المسيحي القوي. أمّا غيرنا، فهم جماعة التلفيق وأصحاب
الألف وجه ووجه،
إنهم أصحاب الأفكار المشوّشة، والمبادئ المزيّفة، إنهم أصحاب الغدر
والقتل.
فلنتكلّم قليلاً عن مبادئ آخر الأنبياء وهو سعادة. فبنظرنا سعادة قد
انتهى من
حيث بدأ: في الاختلافات الدينية. فلو كان الأمر ممكناً بتركها لله،
لما كان بحاجة
لكل هذه الشروحات! المهم أن هذه المحاولة التوفيقية لترتيب دين
جديد تعتمد على
الالتباس أكثر مما تعتمد على الحقيقة، ذلك أنه لا يكفي أن نختار
تسمية موحية بلفظة
الإسلام
باعتبار أن الدين عند الله، الإسلام لكي نكون في حيّز ديني صحيح.
إن
الحلقة الأساسية المفقودة في موضوع الدين هي الوحي. فبدون الوحي
يبقى الكلام على
الدين خارج الدين. والقول بالوحي يفرض حتمية وجود الله، والزعيم
سعادة يتجاوز
الإثنين معاً. فالكلام القرآني عنده عزاه محمد إلى الله. وهو أيضاً
لا يعرض
لإثبات
أو نفي حلول روح الله في جوف مريم العذراء. فإذا خلت المحمدية من
وحي الله
للنبي بواسطة جبريل، وإذا خلت المسيحية من بشارة مريم وحلول الروح
القدس، نتساءل
ماذا يبقى من المسيحية والمحمّدية كدين؟ إن كلمة الله عنده هي مجرد
لفظ ينبغي
استبداله بلفظة الأمة. وقد تلاعب سعادة على الالتباس اللفظي لكلمة
إسلام لتدمير
الإسلام من الداخل ليسهل عليه تحقيق عقيدته، وأخذه بعين الاعتبار
السياسي أن أكثرية
سورية
الطبيعية من المسلمين. وبهذا يصبح دين الإسلام، بمفهوم سعادة،
جزءاً من
العقيدة القومية. فإذا كانت القومية لا تتأسس على الدين فالدين
يتأسس على
القومية. ولقد رتّب هذا الإسلام الخاص به ليوافق الأمة السورية
ويستطيع بواسطته
توحيد الأديان والمذاهب الطائفية. من هنا صار بإمكان الزعيم أن
يعمل من نفسه
مصلحاً وحامل رسالة إنسانية خلاصية، تعادل، كي لا نقول تتجاوز،
رسالة المسيح
ومحمد! هل ترانا نتجنّى أن نبالغ؟ لنقرأ هذه الفقرات من كلام
الزعيم، بعد أن
اهتدى إلى رسالته التاريخية:
-
آمنتم
بي معلّماً وهادياً للأمة والناس...
وآمنت
بكم أمّة مثالية معلمة وهادية للأمم. وقد قوي إيمانكم بي إيماني
بكم
(
شروح
العقيدة، ص 132).
-
المسيحية ابتدأت بفرد، وكذلك المحمدية، وكذلك القومية
الاجتماعية (شروح العقيدة، ص171)
-
إنا
لعالم قد شهد في هذه البلاد أدياناً
تهبط
إلى الأرض من السماء، أما اليوم فيرى ديناً جديداً من الأرض رافعاً
النفوس
بزوبعة
حمراء إلى السماء... نحن لنا نظرة دينية يجب أن نفهمها... (المحاضر
العشر، ص 123
).
-
وفي
هذه المدة كنت أنا أجرّب إبليس وزمرة الشياطين والأرواح الشريرة.
وها
التجربة العظيمة قد انقضت وارتدّ إبليس ( شروح العقيدة)
.
-
كما
حارب أعداء
المسيحية هذه الدعوة في المسيح، وكما حارب أعداء المحمّدية هذه
الدعوة في محمد،
كذلك
حارب أعداء القومية الاجتماعية هذه الدعوة في أنطون سعادة.
(الزوبعة، أغسطس
1946).
-
أتت
تعاليمنا القومية ديناً جديداً واحداً موحداً لترفع هذه الأمة
إليها
إلى الخلود (من خطاب استقبال الزعيم، 2 مارس 1947، جريدة النهضة 15
يوليو 1947
).
-
اليهود
عجزوا عن أخذ المسيح بجرم تعاليمه فسلّموه... وهكذا جرّب
الرجعيّون من سورية ليسلّموا زعيم النهضة السورية القومية
الاجتماعية (سعادة،
الإسلام في رسالته ص 100
).
أيها الرفاق، سعادة بنظرنا هو إنسان موهوم جداً!
يبقى أن التحدي المطروح في وجه السوريين القوميين الاجتماعيين هو
هذا: إلى أي
مدى يمكنهم أن يكونوا لا طائفيين وفي ذات الوقت ينظرون إلى الأديان
نظرة المؤمنين
بها وليس نظرة أنطون سعادة الخاصة والمشوّهة
لها؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي سيبقى
حتماً بدون جواب!
في الأخير، نتوجّه إلى طلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي
ونقول لهم: قد تقرع الأجراس يوماً لتبشر بانتصار إنسان على إنسان.
لكن هذه الأجراس
ستنعي رحيل الإنسان المنتصر ومن بعده الإنسان المهزوم ذات يوم...
كذلك هذه الأجراس
هي حنجرة الإنسان تماماً... تُبخِّر للواحد وتنكر الآخر، ثم تخضع
الإثنين معاً
لشرور تجربتها. نسأل ونتكلّم بمنطق من سيرحل في النهاية... ألم
تعلموا أو تتعلّموا
بعد، أنكم معنا في سجن واحد وإننا كلّنا مساجين الـ... دعونا نوضّح
لكم شيئاً آخر:
الصمت
لا يعني دائماً عدم المعرفة.
طلاب
القاعدة الكتائبية والقوات اللبنانية في جامعة البلمند
|