إلى
الأستاذ فايز قزّي:
طرحتَ
سؤالاً؟ إليكَ جوابي!
إثنان، هنا، يدفعانني "إلى المزيد من
التوضيح". الأوّل، رغبة كريمة أبداها إنسان كريم أعطى التزامَه شبابَه وقواه من غير
حساب ولا تقتير. والثاني، خطورة الموضوع المطروح وما فيه من تحدٍّ على أصعدة قيمة
الإنسان (الإنسان-الشخص)، ومستقبلِ المنطقة، ودورِ "مصالح الجماعات الوجوديّة"
وأهميّتِها في استمرار تنافر الجماعات أو توافقها موضوعيًّا.
ويهمّني، بادئ ذي بدء، أن ألفت عنايتك إلى
مقالي "الفدراليّة، أيضًا وأيضًا..." المنشور في "المسيرة"، عدد 1040 تاريخ
3/10/2005، والذي كان تأييدًا مباشرًا للفدراليّة كحلٍّ اقترحتَه في مقالك في
"المسيرة"، عدد 1039 تاريخ 26/9/2005، وعنوانه "عون-جعجع، أمام التجربة
المستحيلة".
1.
لا
يمكن أن أعتبر أن "المواطنيّة الكاملة المساواة" ممكنة في "إطار الوطن القوميّ أو
الوطن الأمّة". فموقفي من "القوميّة" وضلالها وخداعها ومساوئها وعواقبها معروف
وموثّق. وقد أيّدتكَ في قولك "إن الفدراليّة هي الحلّ التوافقيّ الأوحد الباقي".
ودعّمتك بموقفَيْن مماثلَيْن للصحفيَين الأستاذَين جهاد الزين في جريدة "السفير"
بتاريخ 18/11/1982، وساطع نور الدين في الجريدة نفسها بتاريخ
10/4/1989.
2.
إنّ
دعوتي إلى الفدراليّة تعود إلى 29 عامًا، إذ كتبتُ فيها مقالاً في مجلّة "الصيّاد"،
العدد 1676 تاريخ 9/12/1976، وكان بعنوان "المناطقيّة". وربّما كنتُ أوّل من جاهر
بها علانيّة في وسيلة إعلاميّة مطبوعة. وأخذ هذا المشروع تكوينه وصياغته النهائيّة
في العام 1990 بالتعاون مع لجنة من الباحثين الاختصاصيّين، وعنوانه: "دولة لبنان
الاتحاديّة، أو دولة التنمية والعدالة والتعايش التآلفيّ – مشروع للبحث والمناقشة".
لم ينشر المشروع لأنّ الدكتور سمير جعجع رأى وقتئذ، بحقّ، أنّ الظروف لا تسمح به.
وقد وُزّعت منه أعداد وفيرة. وهو يتألّف من 175 صفحة بحجم آ4. ونَشرت جريدة
"السفير" مقاطع واسعة منه على حلقات إثر حلّ حزب القوّات اللبنانيّة في العام
1994.
3.
وهكذا
شخّصتُ المشكلة وقدّمتُ الحلّ منذ ذلك التاريخ. وهو دعوة إلى دولة فدراليّة تُبقي
على الدولة اللبنانيّة القائمة واحدةً بحدودها الحاليّة المبيّنة في الدستور
والمعترف بها دوَليًّا، وبسلطة مركزيّة واحدة وعلم واحد ونقد واحد وتمثيل خارجيّ
واحد وجيش واحد. دولة مركّبة ونظام ديموقراطيّ توافقيّ، يتولّى فيها أبناء
المحافظات إدارة شؤونهم المحلّيّة، والشريعيّة إذا شاؤوا، بلامركزيّة إداريّة
وإنمائيّة موسّعة. إنّها كيان مشترك للبنانيّين جميعهم. فهي تنوّع في الوحدة، ووحدة
في التنوّع.
هذه الدولة بشكلها الدستوريّ
المركّب ونظامها الديموقراطيّ التوافقي توفّق
على نحوٍ تآلفيّ، من غير تصوّر واهم ولا ركض وراء سراب، بين:
·
إقرار
المسيحيّين بحقِّ المسلمين في أن يتطلّعوا إلى أن يكون لهم حاكمٌ مسلم ونظامٌ
مستمَدٌّ من الشريعة الإسلاميّة، وألاّ يُحرَجوا في ما يتعارض وإيمانَهم
الدينيّ.
·
إقرار
المسلمين بحقّ المسيحيّين، وجميعِ المنادين بالعلمانيّة اقتناعًا، في أنْ يسوسهم
نظامٌ غير مستمدّ من شريعة دينيّة، وليس فيه لا من قريبٍ ولا من بعيد أيُّ لون من
ألوان الذِّمِّيَّة.
·
إقرار
اللبنانيّين جميعهم بالتمسّك بروحيّة الميثاق الوطنيّ (1943) وروحيّة اتفاق الطائف
(1989).
·
إقرار
اللبنانيّين جميعهم بأن مرجِعهم في انتظامهم الدستوريّ المشترك-بالإضافة إلى النقاط
الثلاث أعلاه-هو الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتّحدة وسائر
الشّرعات الأمميّة المكمّلة له.
هذا الإقرار الرباعيّ المنطلقات يسمح
بالعمل بمبدأين متكاملَين، رغم أنّ الثاني هو نتيجة الأوّل ووليده. إنّهما مبدأ
"مصالح الجماعات الوجوديّة" ومبدأ "الحلول المتناقضة". فما هما هذان المبدأان؟
اوّلاً –
"مصالح
الجماعات الوجوديّة" هي
وجود الجماعات، ومصيرها، واقتناعاتها الجوهريّة، ورؤاها،
وكرامتها، وحرّيّاتها، وحقوقها، وغير ذلك ممّا يعتبره شعور الجماعة العفويّ والعميق
تجاه حدثٍ ما أو موقفٍ معيّن أو رأيٍ محدّد موافقًا لمصالحها الوجوديّة أو مسًّا
بها، وتعارضًا لا يمكن أن تتجاهله الجماعة أو تتساهل بشأنه أو تبقى من غير ردّة فعل
سلبيّة تجاهه. وفي "ردّة فعل" الجماعة، ودرجة حدّتها، تعبير صريح عن مصلحتها
الوجوديّة ومعيار يُركن إليه في سبر أغوار هذه المصلحة.
في ما يأتي بعض الأمثلة.
كان التحرّر من "الذِمِّيَّة" في زمن حكم
الخلافة العثمانيّ يمثّل، وقتذاك، أهمّ مصلحة وجوديّة عند الجماعة المسيحيّة،
خصوصًا في لبنان، وبخاصّة عند الموارنة. ففي ضوئها نفهم إلى حدٍّ بعيد سلوك هذه
الجماعة ومواقفها وتطلّعاتها وطنيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، وارتباط بعضها الصريح
بالخارج، سواء أكان بإيطاليا أم فرنسا أم النمسا أم روسيا...
والإصرار على الاستفادة من هزيمة
العثمانيّين في الحرب العالميّة الأولى بغية التخلّص نهائيًّا من "الذِمِّيَّة"،
كان وراء إنشاء لبنان الكبير والعمل للانتداب الفرنسيّ. علمًا بإنّ أفق المسيحيّين
الواسع جعلهم يُدخلون، يومذاك، مناطق إسلاميّة واسعة في الدولة الجديدة رغم النصائح
المعارِضة العديدة التي تبرّع بها غير مؤثّر في ميزان القوى الدوَليّة. وهكذا لم
يعش المسيحيّون في نظام ذمّيّ، كما في السابق، ولا هُمُ، في الوقت نفسه، انفصلوا عن
المسلمين. فمسلمو لبنان صلة وصل المسيحيّين مع الداخل المشرقيّ والعالم الإسلاميّ
بكامله. ومن مصلحة المسيحيّين الوجوديّة على الأصعدة كافة أن تبقى للمسيحيّين صلات
رحبة النطاق بالعالم الإسلاميّ، فلا يختنقون في تقوقعهم ولا يذوبون في انفتاحهم.
وقد تخلّى المسيحيّون عن الانتداب الفرنسيّ في العام 1943 بعدما وثقوا ببقاء الكيان
اللبنانيّ الضامن لهم في الميثاق الوطنيّ الشهير زوال خطر "الذِمِّيَّة".
ووقوف المسيحيّين بقوّة في العام 1958 في
مواجهة التيّار الناصريّ العامل على إدخال لبنان إقليمًا ثالثًا في "الجمهوريّة
العربيّة المتحدة"، كما في وجه كلّ دعوة إلى قوميّة عربيّة تشمل لبنان في ما تشمل،
فسّرته وتفسّره مصلحة المسيحيّين الوجوديّة عودة "للذِمِّيَّة" من الشبّاك بعد
خروجها من الباب.
وفي ضوء هذه المصلحة الوجوديّة بالذّات،
يفهم أيُّ باحث موضوعيّ موقف المقاومة المسيحيّة في العام 1975 وما بعده، وتهليل
المسيحيّين الكاسح لنجاح بشير الجميّل بالوصول إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة وحزنهم
العميق مع الشعور بالخسارة الفادحة في اغتياله.
ولأنّ الحفاظ على إيمان الجماعة المسيحيّة
وعلى ثقافتها واقتناعاتها الجوهريّة يشكّل صميم مصلحتها الوجوديّة، نفهم موقف
المسيحيّين المعارض بحزم كلّيّ محاولة إقرار مشروع "إيسيسكو"
[1]
الشهير في مطلع العام 2004 كمشروع لا يستثنيهم.
وما زلتُ أذكر موقف المسيحيّين في
الخمسينات ومطلع الستينات عندما طُرحت فكرة "تعريب" مواد التعليم كلّها. فقد أحسّ
المسيحيّون أن هذا الأمر يمسّ مصلحتهم الوجوديّة في الإبقاء على اكتسابهم أكبر عدد
ممكن من اللغات الإجنبيّة وإتقانها، وحتى التفوّق فيها، لأنها مطلاّتهم على العالم
الأوسع.
وهي "مصلحة المسيحيّين الوجوديّة" ما
جعلهم يبادرون إلى النزول إلى ساحة الحرّيّة في قلب العاصمة اللبنانيّة، ويشاركون
في الكثافة المعروفة في يوم 14 آذار 2005 الذي أصبح يومًا مشهودًا في تاريخ لبنان
المعاصر.
ومن جهة المسلمين، فإن "مصالحهم
الوجوديّة" كانت، أيضًا، وراء أهمّ مواقفهم وقراراتهم.
فهي تفسّر رفضهم الانتساب إلى لبنان
الكبير في العام 1920، وإرادتهم في الالتحاق بالدولة العربية الموعود بها الشريف
الحسين بن علي حيث المسلمون أغلبيّة، ومقاطعتهم لقاءات وضع الدستور اللبنانيّ في
العام 1926، ومشاركتهم في مؤتمرات الساحل في الأعوام 1928 و1933 و1936 طالبين
الانفصال عن لبنان.
وقد شعر المسلمون بأنّ مصلحتهم الوجوديّة
تلقّت طعنة نجلاء مريعة في إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948 وهزيمة حزيران 1967،
واليوم في سقوط العراق في أيدي الجيوش الغربيّة.
وتُحسّ مصلحة المسلمين الوجوديّة بغبن ما
بعده غبن إذا ما عاش المسلمون في نظام سياسيّ لا تكون الشريعةُ فيه، أو جوهرُها على
الأقلّ، مرجِعهم حياةً وثقافةً وسياسة. وكذلك إذا ما شعروا بما يقطع ارتباطهم بعالم
قِيَم إسلاميّ متكامل، من مثل العلمانية، أو يبتر تواصلهم مع سائر مسلميّ العالم.
وقد فهمتُ موقف هشام نشّابة
[2]،
من غير أن أوافقه الرأي، يوم التقيتُه في جنيف (سويسرا) في العام 1977 إذ قال لي
شخصيًّا ما حرفيّته: "النظام اللبنانيّ أظلم نظام في العالم."
وهي مصلحة المسلمين الوجوديّة ما جعل
"مؤتمر التربية الإسلاميّة" الذي انعقد في قاعة قصر الأونسكو في بيروت في العام
1981، يصدر ببيانه الختاميّ المعروف
[3].
والسبب الحقيقيّ-والمكتوم اليوم-وراء
إصرار الشّيعة على الإبقاء على "سلاح المقاومة الإسلاميّة" لا يخرج في جوهره عن
التعبير عن رفض العودة إلى التهميش التاريخيّ الذي يضجّ في ذاكرتهم الجماعيّة ويقضّ
عليهم مضاجعهم، إذا ما تخلّوا عن سلاحهم.
ما أوردته أمثلةٌ فحسب.
وهي وأمثالها ما شكّل بواعث صداميّة بين
المجتمعَيْن المسيحيّ والإسلاميّ منذ أنشاء لبنان الكبير. حتى إن انتصارًا غير ذي
قيمة في مباراة كرة السلّة لهذا الفريق أو لذاك قد يشعل فتيل أزمة تلهب
الشارع.
هذه "المصالح الوجوديّة" المتنافرة في
الأساس، سيبقى تناقضها صاعقًا دائم الجاهزيّة وتحت رحمة أيّ تافهة من التفاهات، إذا
عجز عقلنا عن استنباط "واقية صواعق" تنجّينا من مثل ما أصابنا سابقًا ومن هول
الفظاعة التي قد تصيبنا لاحقًا.
"واقية الصواعق" هذه أسمّيها مبدأ "الحلول
المتناقضة". فما هي؟
إنّ تطبيق هذا المبدإ ليس غريبًا في
لبنان. فشؤون الأحوال الشخصيّة، ولها ما لها من أهمّيّة قصوى في حياة المواطن، تخضع
لقوانين طوائفيّة "متناقضة" في ما بينها. ومن شاء الخروج على هذه القوانين يمكنه أن
يخضع لقانون مدنيّ ما في العالم. والدولة اللبنانيّة تعترف بزواجه وتقرّ شرعيّته
بانتظار أن "تقدر" على إصدار مثله. والأوضاع في هذا المجال تسير سيرًا عاديًّا من
غير تشنّج ولا تظلّم.
وهناك مدارس رسميّة تعطّل يومَي الجمعة
والأحد، وأخرى يومَي السبت والأحد، وسواها يومَي الخميس والجمعة. والأمور تسير
سيرًا عاديًّا من غير تشنّج أو احتجاج.
فما الذي يمنع أن تنسحب مثل هذه الأمثلة
على نواحٍ أخرى؟
لنعالج بعضًا من المسائل المطروحة. فنبدأ
بالأسهل ثمّ ننتقل إلى قضايا تثير منازعات وخصومات.
1.
لماذا
تُلزم الدولة اللبنانيّة مدارس لبنان جميعها بالتعطيل يوم عيد مار مارون، مثلاً، أو
ذكرى عاشوراء. فما الذي يعنيه عيد مار مارون للمناطق الإسلاميّة البحت، أو عاشوراء
للمناطق المسيحيّة البحت؟ لقد استقصيتُ ما أعطاه هذا "التعطيل العام" في مثل هذه
المناطق على صعيدَيْ "الانصهار" و"الوحدة وطنيّة". فعدتُ صفر اليدَين. أليس
الأَوْلى أن تترك الدولة المؤسّسات التربويّة وغير التربويّة تراعي أوضاع بيئاتها
الخاصّة فتقرّر هي التعطيل أو عدمه؟
2.
لا
يزال اللبنانيّون على خلاف حادّ حول العروبة ومقتضياتها وحتميّاتها. وقد شُبّه
لبعضهم أن "اتفاق الطائف" حلّ ما يكتنفها من غموض.
في رأيي، ليؤمن بالعروبة من يشاء ولينكرها من
يشاء ما دام اللبنانيّون صاروا على توافق تامّ وعمليّ وواقعيّ على دولة لبنان
السيّدة المستقلّة في حدودها القائمة، وعلى أساس أن مصلحتها تأتي في الاعتبار
الأوّل، وعلى التضامن العربيّ من النِّد إلى النِّد بين دول العالم العربيّ.
فمن يؤمن بالدولة اللبنانيّة هذا الإيمان لا
يعود عليه أيّ حرج من أيّ نوع من أنواع عروبته. ومثاله ما ردّده الرئيس فؤاد
السنيورة غير مرّة. فقد قال: "إن إرادة لبنان واللبنانيّين في التزام إرادة الحياة
والاستقلال والحرّيّة والديموقراطيّة والسيادة ستبقى، كما أن لبنان سيظل ملتزمًا
كونه جزءًا من الأمة العربيّة وقضاياها وقوميّته مهما قيل ومهما يقال". وشدّد
الرئيس السنيورة على أنّ "لبنان عربيّ مستقل صاحب سيادة وحريّة وديموقراطيّة، ووحدة
اللبنانيّين هي الأساس وسيبقى على انفتاحه على جميع الثقافات وفي أوّلها الثقافة
الفرنسيّة"
[4].
ماذا يريد لبنان أكثر من ذلك، على هذا الصعيد،
من رئيس وزرائه ومن سائر اللبنانيّين؟ وبماذا يستزيد "الكيانيّون اللبنانيّون"
رئيسَ وزراء لبنان عندما يبادر هذا الرئيس إلى طلب ترسيم الحدود وحلّ معضلة السلاح
الفلسطينيّ وغير الفلسطينيّ؟ أنرفض ما يقوله لنفرض عليه استخدام كلمات وتعابير
سائدة في المجتمع المسيحيّ؟
وفي
هذه الحال، لماذا الغرق في جدل نظريّ عقيم حول كلمات وتعابير وإنْ لا يستسيغها
بعضنا، ما دام جميعنا نريد الغاية الواحدة نفسها؟
أليس
هذا من باب "الحلول المتناقضة"؟
3.
في ما يتعلّق بالسلطة والحكم، فإنّني أعتبر أن التركيبة المجتمعيّة في لبنان وفي
سائر البلاد حيث عدد المسلمين فيها أكثريّ أو مساوٍ للآخرين، لا تتحمّل على الإطلاق
نظامًا سياسيًّا شديد المركزيّة يكون على رأسه شخص واحد غير مسلم. هذا أمر مبتوت
فيه. وعلينا أجمعين أن نقبله ونعتبره معطى أساسيًّا من معطيات شكل الدولة
المستقبليّ ونظامها السياسيّ. فلماذا لا تقوم مشاركة متساوية تمامًا في أعلى قمّة
السلطة بين المجموعتَين اللبنانيّتَين، بدلاً من أن يتولاّها شخص واحد؟
أليس
هذا، أيضًا، من الحلول المتناقضة؟
4.
ويأتي الشعور الانتمائيّ والولاء للبنان ليشكّل أكثر معاضلنا استعصاءً.
لقد
شاعت في فترة طويلة عبارة "لبنانيّ صميم" تمييزًا له عمّن يتطلّع إلى ما وراء
الحدود، سواء مِن أجل "وحدة سوريّة" أم "وحدة عربيّة" أم ربط لبنان بمصير القضيّة
الفلسطينيّة.
وفي
كلّ مرّة كان "اللبنانيّون الصميمون" يستوحون مبادئ "الدولة الحديثة" ومفاهيمها
الأوروبيّة في السيادة والاستقلال والقرار الحرّ لينعتوا الآخرين بالتفريط بهذه
القيَم. وفي المقابل، قامت وتقوم مواقف تستند إلى "مفاهيم" أخرى ذات تطلّعات مختلفة
على نحوٍ تناقضيّ تدفع أصحابها إلى نعت "اللبنانيّ الصميم"-مع لهجة
ساخرة-بالانعزاليّ والمتغرِّب وعدوّ العرب والعروبة والإسلام...
وهكذا انقسم اللبنانيّون وينقسمون، على
نحوٍ عام، قسمَين ما إن تطرح الأحداثُ عليهم ما يستوجب اتخاذ موقف واضح وصريح
منه.
إن الحلقة المفرغة هذه لا يبدو أنّها
ستتحوّل يومًا حلقة اتصال ووصل ما دمنا أغلقنا نفوسنا فيها.
أمّا
الحلّ فيكمن في "قبول" النظرتَين المتناقضتَين معًا-مع بقائهما متناقضتَين-كي
نتمكّن من نزع فتيل التفجير منهما. وبذلك نضع موضع التنفيذ مبدأ ارتباط كلّ جماعة،
إنسانيًّا وروحيًّا، بأصول اقتناعاتها ومعتقداتها وبما تشعر بأنّه يؤالفها ويجذبها.
فنقرّ عمليًّا بالتمايز الحاصل في ما بين اللبنانيّين ونضع حسيًّا المتمايزين في
مستوًى واحد من الاحترام والمساواة. فلا يعود أحد ينظر نظرة ريبة وحذر ،وربّما نظرة
تخوين، إلى علائق مسلمي لبنان الشيعة بإيران وبسائر شيعة العالم ومناطقهم، مع ما
يترتّب على ذلك من نتائج على غير صعيد وصعيد. وكذلك إلى علائق مسلمي لبنان السّنّة
بسوريا والسعوديّة ومصر وسائر السّنّة في العالم ومناطقهم. أو إلى علائق دروز لبنان
بدروز سوريا وفلسطين. أو إلى تلاؤم مسيحيّي لبنان-المتجذّرين في مشرقيّتهم أصلاً
ودينًا ومذاهب ولغةً-وتآلفِهم والعالمَ الغربيّ، بما فيه شرقيّ أوروبا، وعلائقِهم
بحضارته وثقافاته.
التعلّق
بلبنان كما شربناه مع حليب أمهاتنا يرفض هذا النوع من الانتماء. ومفهوم الدولة كما
تعلّمناه في العلم الدستوريّ الغربيّ ينفر من هذا النوع من الولاء. غير أن الحقيقة
الملموسة لا تأبه لما نفهمه، نحن فقط، عن لبنان والدولة. فـ"اللبنانيّ-اللبنانيّ"،
فقط وحسب ولا غير، لا نراه خارج المجتمع المسيحيّ اللبنانيّ. فـ"اللبنانيّ" مع صفة
أخرى موجود على نحو حسّيّ وفاعل عند الفريق اللبنانيّ الآخر، عمومًا. أأعجبنا ذلك
أم لم يعجبنا. وجود "الصفة الإضافيّة" هناك له جذوره وخلفيّاته وتبريره. لا يحقّ
لنا التنكّر له. علينا القبول به والتآلف معه واعتباره من معطيات الواقع
الأساسيّة.
ولا
يمكن أن يفرض علينا اللبنانيّ الآخر الصفة الإضافيّة-أيًّا كانت-التي يسبغها على
نفسه. إنّ لنا، نحن أيضًا، جذورنا وخلفيّاتنا وتبريرنا. لا يحقّ له أن ينكرها
علينا. عليه القبول بنا على ما نحن عليه والتآلف معنا واعتبارنا من معطيات الواقع
الأساسيّة. وهذا يدخل في مبدإ "الحلول المتناقضة".
أُدرك
سلفًا وتمامًا اعتراض بعض النظريّين على موقفي من هذا التصوّر وأفهم شرعيّة
اعتراضهم. وأعي بالمقدار نفسه أخطار إساءة الاستعمال وتجاوز الحدّ المشروع منه. لكن
واقع "ارتباط" الطوائف بالخارج يفرض نفسه. وقد فشِل جميعنا حتى الآن أن يغيّر قيد
أنملة في مساره. ولكنّنا قادرون على إيجاد أسلوب معيّن، كما سنرى، يحدّ من غلواء
هذا الارتباط ويضبطه ضمن حدود معقولة ومقبولة.
5.
ويشكّل موضوع التعليم والثقافة مجالاً مثاليًّا لتطبيق مبدإ "الحلول المتناقضة" كما
الواقع في مسألة الأحوال الشخصيّة. ذلك أن المسار التربويّ في لبنان قدّم براهين
تلو براهين، وفي غير انقطاع، على انقسام عموديّ بين اللبنانيّين في الشأن التعليميّ
والثقافيّ. وإلاّ فليتفضّلوا ويشرحوا لنا أسباب عجزهم منذ نصف قرن، على الأقلّ، عن
إصدار ما وُعدنا به دومًا من كتاب موحّد في التربية الوطنيّة وآخر في التاريخ.
وأسأل، هنا، لماذا لم تتبنَّ الدولة مشروع
"إيسيسكو" للمسلمين، وهو حقّ لهم؟ ولماذا يُربط به قبول المسيحيّين له؟
لن يأتي يوم تصبح فيه تطلّعات التربية
والتعليم والثقافة واحدة موحّدة للمجموعتَين اللبنانيّتَين ما دامتا اثنتَيْن
متمايزتَيْن. وهذه التطلّعات ليست موحّدة كذلك لا في سوريا ولا في العراق ولا في
مصر ولا في السودان.. رغم ما يُقال ويُشاع. فلماذا المكابرة وهدر الوقت؟ لتنتظم
التربية، في كلّ أبعادها، بحسب تطلّع كلّ مجموعة مع جذع مشترك في العلوم
والرياضيّات والتقنيّات. فنتقدّم جميعنا في طريق الفلاح. وآمل ألاّ يتذرّع محاربو
هذا الحلّ بوهم "الانصهار" ونيّة "القولبة". الجميع يرفضونهما رفضًا قاطعًا. فليس
لهما، بالتالي، أيّ مستقبل.
*
*
*
بعد هذا كلّه، يبقى السؤال الأساسيّ: كيف
نضع مبدأَيْ "مصالح الجماعات الوجوديّة" و"الحلول التناقضة" موضع التحقيق
العمليّ؟
ينبغي الإشارة، أولاً، إلى ضرورة الاقتناع
على نحوٍ لا يقبل الجدل بأن أيّ حلّ، من أيّ نوع كان، لايجوز أن يطبّق إلاّ إذا قبل
به المعنيّون قبولاً إراديًّا حرًّا. إنّ أيّ حلّ ينقسم حوله أصحاب العلاقة ومع ذلك
يفرضه توازن قوى معيّن وظروف معيّنة، سينهار عند أوّل تغيير يحصل في هذا التوازن
وتلك الظروف. وسيرتدّ انهياره على اللبنانيّين مآسي وكوارث. لقد تعلّمنا بما فيه
الكفاية. ولسنا في حاجة إلى تجارب جديدة.
الجواب العام البدهيّ على السؤال هو
الآتي: يتحقّق هذان المبدأان في نظام فدراليّ.
ويلي هذا الجواب سؤال-ملحق. كيف نقيم
نظامًا فدراليًّا في وجود مانعَيْن كبيرَيْن: معارضة عامة له في أنحاء العالم
العربيّ، بما فيه لبنان، رغم تبنّيه في الإمارات العربيّة المتحدة والسودان
ومبدئيًّا في العراق، ونيّة مبيّتة للسيطرة على لبنان بكامله لا يكتمها
أصحابها؟
الجواب هو الآتي:
التلاقي الصحيح والصامد هو الذي يبدأ
بالتكوّن من "تحت"، من داخل داخلنا، من رحم توافقنا الأعمق مباشرة،
أيْ من
"توافقنا الطوائفي" في القواعد الشعبيّة مباشرةً، توافق قائم على تَوْقٍ
وجدانيّ مشترك متأصِّل إلى ديمومة الوجود اللبنانيّ السيّد المستقلّ، والمميّز عن
سائر الدول العربيّة بأنّ الدولة اللبنانيّة، كدولة واحدة للجميع، لا يرعاها دين
دولة ولا تُستمدّ تشريعاتها من دين معيّن، أيًّا كان هذا الدين.
نحن "طوائف". أقولها ببساطة، من غير عقدة
ومن غير أيّ تقييم، لا سلبيّ ولا أيجابيّ. لا أنظر إلى واقعنا هذا على أنّه تخلّف
أو تقدّم. هو ما هو عليه. وأترك للزمان أن يأخذ مجراه ومداه التغييريّ، إذ ما من
أمر من أمور الدنيا باقٍ وثابت. فنصل إلى ما نصل إليه مستقبلاً عن طريق التفاعل
الحياتيّ، والتحاور الفكريّ الحرّ الهادئ الرصين بين الأفرقاء المعنيّين جميعهم،
وجدليّة "الْمَعْ" و"الضدّ" في ممارسة ديموقراطيّة سليمة.
نحن "طوائف". ومن حقّنا أن نطمئنّ إلى
حاضرنا ومستقبلنا. أن نرتاح إلى حضورنا. أن ننال حقوقنا وبألاّ يكون أحد منّا لا
مغبونًا ولا خائفًا ولا مقهورًا.
هذه بنيتنا التحتيّة. وعليها ومنها تقوم
بنانا الفوقيّة من غير إلغاءٍ للخصوصيّات، ولا تذويبِ أحد بأحد، ولا قهرٍ، ولا
تنازلٍ قسريّ عن ثقافات وتراثات وتقاليد...
ولبلوغ تلاقٍ بين الطوائف يفرز نيّات
صادقة وينتج منه مواقف صامدة، لا بدّ من العمل لجعل التلاقي حرًّا، مستمرًّا، تنشده
القواعد الشعبيّة وينبع من اقتناعها بضرورته الفائقة، وهادفًا إلى تماسك داخليّ
أفضل وتلاحم وجدانيّ أعمق. هذا إذا ما رمنا إلى الارتقاء بعيشنا المشترك إلى مرتبة
المؤالَفَة فالوصول إلى تماسك وطنيّ حقيقيّ.
فأوّل حقل ينبغي الاهتمام الكبير به هو
النظام الحزبيّ. وذلك لارتباطه الوثيق والعضويّ بحياتنا الديموقراطيّة في مستقبلها
وأبعادها ومرتجياتها، ولأنّه مجال الاحتكاك السياسيّ اليوميّ المباشر بين
المواطنين.
أحزابنا تشكو ممّا تشكو منه طوائفنا، أي
انغلاقها سياسيًّا بعضها على بعضٍ، وإلى حدٍّ ليس بقليل، سَكَنيًّا وحياتيًّا. وإذا
ما التقتْ يومًا كان التقاؤها سطحيًّا وظرفيًّا وفي أحوال استثنائيّة. وهو من أسباب
فشلها حتى اليوم.
أمنيتي أن تنشأ أحزاب بتكوين فدراليّ
يلتقي في داخل كلّ منها مواطنون على اختلاف طوائفهم على أسس واضحة، ومنها "مصالح
الجماعات الوجوديّة" وتحقيقها عن طريق "الحلول المتناقضة". فيتفاعلون في ما بينهم
ويتفاهمون ويتوافقون، مع محافظة كلّ محازب منهم على شخصيّته الطائفيّة وخلفيّاته
التاريخيّة وأجوائه الثقافيّة ومفاهيمه الاجتماعيّة وتقاليده... فلا تكون أحزابًا
"طائفيّة" بالمعنى الدارج والمتداوَل، بل "طوائفيّة" بمعنى أنّها تتشكّل من محازبين
ينتمون إلى طوائف مختلفة.
فالأحزاب
التي أدعو إلى إنشائها هي، إذًا، "أحزاب طوائفيّة توافقيّة".
علامَ تقوم عقيدة هذه الأحزاب؟
لا يكون لهذه الأحزاب عقيدة بالمعنى
المعروف والمتداول ولا إيديولوجيّة. تقوم هذه الأحزاب على "برامج حكم متكاملة
سياسيّة توافقيّة إنمائيّة" وحسب، تستهلّها ديباجة فكريّة أساسيّة ومبدئيّة، يمكن
أن تستوحيها الأحزاب من الإقرار الرباعيّ المنطلقات المنوّه به.
وقد
صار الأمر سهلاً إلى حدٍّ ما بعد صدور "الميثاق الإسلاميّ في لبنان"
[5]
و"الوصايا"
[6]
للإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين.
وكيف
تكون بنية هذه الأحزاب؟
غايتي
أن يتحوّل التواصل بين الطوائف إلى"داخل" كلّ حزب من الأحزاب. ممّا يجعله تواصلاً
دائمًا يفرز توافقًا دائمًا. فيصبح كلّ حزب من أحزابنا لبنانيًّا عامًّا، وفاعلاً
في الحياة الوطنيّة-السياسيّة. فتنجح مهمّته الديموقراطيّة من غير تناقض وواقع
البنية التحتيّة للمجتمع اللبنانيّ، ومع محافظة كلّ محازب فيه على شخصيّته
الطائفيّة وخلفيّاته التاريخيّة وأجوائه الثقافيّة ومفاهيمه الاجتماعيّة
وتقاليده...
هكذا
يقوم تلاقٍ وجدانيّ عميق وحقيقيّ بين لبنانيّين مختلفي الانتماء الطائفيّ، ممّا
يعني أنّ الآخر مقبول على ما هو عليه. فضلاً عن أنّ التلاقي المباشر والدائم وجهًا
لوجه هو من أفضل الطرق وأقصرها إلى التفهّم والتفاهم، فإلى نزع الأقنعة الشديدة
البشاعة التي ألصقها على "وجه" الطائفيّة الحقيقيّ متعصّبون وانكماشيّون وأصوليّون
ومنافقون ومستَعْلون وحاقدون وأنانيّون وغوغائيّون ومستغِلّون ومتاجرون
بالقيَم...
عمليًّا،
يتحقّق هذا الهدف إذا تكوّن الحزب تكوينًا فدراليًّا، أي من "وحدات" طائفيّة ذات
حدٍّ معيّن من الاستقلاليّة الداخليّة، تشكّل كلّ منها "جِذْعًا" حزبيًّا. أمّا عدد
هذه الوحدات (الجذوع) وطرائق قيامها وتجسّدها في واقع بيئاتها ونموّها وتطوّرها
فأمر متروك لكلّ حزب وفق ما يرتئيه محازبوه ويرتاحون إليه وجدانيًّا، وتسمح به
ظروفه. وذلك بالأسلوب الأفضل للمردود الأفضل. وتلتقي هذه الوحدات في القمّة في
"مجلس رئاسيّ" ينتظم على النحو الذي يوافقه مع نظامٍ داخليّ يناسبه، ويخضع أعضاؤه
إلى مبدإ "تداول السلطة".
وفي
الطبيعة شجرة من فصيلة النخليّات اسمها "خاميروبْس قزم"
[7]
ذات
بنية توضح لنا بعض الشيء بنية الأحزاب التي أدعو إلى إنشائها.
من
جذور واحدة من هذا النوع تنبت، مباشرة، وعلى مستوى الأرض، جذوع عديدة. تخال كلّ جذع
وكأنّه شجرة مستقلّة قائمة بذاتها. فتعطي مجموعة الجذوع انطباعًا أنّها مجموعة
أشجار لا شجرة واحدة.
وفي
التشبيه، تشكّل "الجذور" برنامج الحزب. وهو يمدّ الحزب بالحياة والمذاق الواحد
والتجانس في التوجّهات والاهداف. والجذع هو "الوحدة" الطائفيّة. أمّا "مجموع"
الجذوع فهو الحزب. وهو واحد، إنّما بـ"لامركزيّة موسّعة". لهذا السبب يدير الحزب
"مجلس رئاسيّ" لا فرد.
ولا
بدّ من لفت الانتباه، هنا، إلى أنّ عدد الوحدات (الجذوع) في بنية الحزب الواحد لا
يرقى حتمًا، وبذهنيّة دوغماتيّة، إلى عدد الطوائف في لبنان. يمكن أن يرتئي محازبون
مختلفو الانتماء الطائفيّ أن ينضمّوا إلى جذع واحد، وذلك بحسب ما تتقبّله وتسمح به
بيئاتهم واقتناعات أبنائها، ومن غير أن يحصل خلاف على طائفة من يتولّى الرئاسة.
كذلك يمكن أن تتشكّل وحدة مختلطة باسم "الجذع العلمانيّ" لمن يرغبون في الجهر
بخروجهم السوسيولوجيّ من طوائفهم.
*
*
*
لا تتحقّق الفدراليّة "فوق" إلاّ إذا
عاشها اللبنانيّون ومارسوها "تحت".
ويعيشها اللبنانيّون ويمارسونها في
التنظيم المؤسّسي
[8]
على اختلاف تكويناته، وفي طليعتها الأحزاب السياسيّة.
ويوم يُحترم شعور كلّ من اللبنانيّين
وشخصيّتُه واقتناعاته وخلفيّاته التاريخيّة وأجوائه الثقافيّة ومفاهيمه الاجتماعيّة
وتقاليده، احترامًا واقعيًّا فعليًّا وصحيحًا عن طريق ممارسة إراديّة شعبيّة معاشة
فدراليًّا يوميًّا، عند ذاك تزول الموانع التي تحول دون تحقيق الدولة الفدراليّة.
ونتحرّر من مِنَّةِ "القوميّة" ونتخلّص من
سراب "العلمنة" المفروضة.
الهوامش
[1]
- انطوان نجم، كي لا نسير وراء السّراب، آفاق
مشرقيّة (10)، الطبعة الأولى 2005، ص47-49.
[2]
- من كبار التربويّين والمثقّفين المسلمين
السنّة.
[3]
- جريدة "النهار" من 16 إلى 22/3/1981.
[4]
- جريدة "النهار"، الجمعة في 11/11/2005، العدد
22482، ص18.
[5]
- إقترحت "الجماعة الإسلاميّة في لبنان"-وهي
سنّيّة-هذا الميثاق وأجازه حوالى 250 جمعية وهيئة وشخصية إسلامية لبنانية في لقاء
موسّع بتاريخ 14 كانون الأول 2003 في فندق كراون بلازا في بيروت.
حدّد
"الميثاق" "رؤية القوى المشاركة لعدد من القضايا الفكريّة والسياسيّة".
وضع
هذا "الميثاق" قواعد أربعًا للعيش المشترك، هي: احترام الآخر والاعتراف به والتعامل
معه، الأخلاق، العدالة، التعاون.
وعندما
أثار "الميثاق" "قضية تطبيق الشريعة"، أوضحها على النحو الآتي: "يتألف لبنان من تسع
عشرة طائفة معترفًا بها. ومن البديهي أنه لا يمكن أن تفرض أية طائفة على الآخرين
نظرتها ونظامها وتشريعاتها... وإذا كانت الدولة في لبنان مدنية، بمعنى أنها لا
تلتزم دينًا معينًا، وتختار مؤسساتها من قبل جمع المواطنين، فنحن ننطلق من حرية
الاعتقاد التي كفلها الدستور، ومن أن لبنان دولة مدنية تحترم الأديان، لندعو إلى
تبني أحكام الشريعة الإسلاميّة باعتبار أنها جزء من ديننا من جهة، ولاعتقادنا أنها
تحقق أفضل تنظيم للحياة الاجتماعية بين الناس، يؤمّن العدالة للجميع ويحفظ حقوقهم
دون تفريق أو تمييز، معتمدين في هذا على الحوار والإقناع وليس على فرض ذلك بالإكراه
على الناس. من حق غير المسلم أن يقبل هذه الدعوة أو يرفضها، لأيّ سبب يراه."
(ص9-10)
وما
ورد في موضوع الجهاد في سبيل الله ، أوضحه "الميثاق" بالآتي: "لذلك فنحن لا نوافق
على أي تفسير للجهاد يجعله موجهًا ضدّ المجتمع الذي نعيش فيه، أو يطال إخواننا
المواطنين من أبناء الديانات الأخرى، ويؤدّي إلى خلخلة السلم الأهلي وتمزيق الوحدة
الوطنية، ويقدم خدمة مجانية للعدو الصهيوني. وهو أصلاً نقض للعهد لا يجوز أن نقع
فيه..." (ص14)
وفي
شأن النهي عن المنكر، ذكر "الميثاق" أن "النهي عن المنكر واجب شرعي، لكن استعمال
القوة فيه غير مشروع... لذلك نحن نرفض استعمال العنف أثناء النهي عن المنكر بكلّ
أشكاله وصوره." (ص15)
وفي
موضوع "المشاركة الوطنية"، جاء في "الميثاق" أن "لبنان وطننا، والمحافظة على
استقراره وعلى السلم الأهلي فيه، وإشاعة أجواء الحوار والتعاون، وكذلك العمل على
تقويم كلّ انحراف وإصلاح كلّ فساد، وتطوير كلّ جوانب الحياة...يعتبر بالنسبة إلينا
واجبًا شرعيًّا، كما هو واجب وطني." (ص18)
أمّا
في موضوع "الطائفية السياسية"، وبعد الإشارة إلى "النظام الديموقراطي البرلماني
الذي يقوم على إتاحة ممارسة التعددية السياسية لجميع المواطنين، ويكرّس حقهم في
اختيار حكّامهم ومحاسبتهم"، يثير "الميثاق" مسألة "المرض العضال الذي ينخر في جسم
الحياة السياسية اللبنانية ويفسدها، ألا وهو الطائفية السياسية." (ص20)
في
رأيي أن هذا الموضوع، من جهة، ليس محصورًا في موقف المسلمين، ومن جهة أخرى، لم يعد
الاقتناع العام في لبنان، اليوم، ميّالاً إلى إلغاء نظام الطائفية السياسية رغم
ورود بند به في "اتفاق الطائف"، خصوصًا بعدما تراجع الإمام محمد مهدي شمس الدين
صراحةً عن هذا المطلب.
و"حزب
الله" نفسه-وهو شيعيّ-يعلن أنه "لا يمكن أن تكون إقامة الدولة الإسلامية من منطلق
تبني فئة أو فريق، ثمّ يعمل هذا الفريق على فرضها أو فرض آرائه فيها على الفئات
الأخرى، فهذا ما لا نقبله في هذا المشروع ولا في غيره من المشاريع والأفكار، سواء
أكانت صادرة عنّا أو عن غيرنا." (الشيخ نعيم قاسم، حزب الله،
المنهج..التجربة..المستقبل، دار الهادي، بيروت، الطبعة الثانية 2002، ص28)
على
كلٍّ، إنّ أيّ دعوة، سواء أكانت لإقامة دولة إسلاميّة في لبنان، أم دولة مسيحيّة،
أم دولة إلحاديّة -أم أيّ دعوة أخرى- لا يجوز منعها وقمعها ألاّ في حال كان أصحابها
يخطّطون لتحقيقها بالقوّة الماديّة. عند ذاك، يكون الدفاع عن الذات، وجودًا، أو
إيمانًا، أو اعتقادًا، أو حرّيّةً، أو كرامةً، أمرًا مشروعًا وضروريًّا وإلزاميًّا.
ولا بدّ من تعبئة الامكانات كلّها في سبيله. لنترك الفكر يصارع الفكر، وللتطوّر أن
يأخذ مجراه بكلّ حريّة، وليقرّر اللبنانيّون على هذا الصعيد البالغ الخطورة ما
يريدون. علمًا بأنّي مقتنع على نحو مطلق أن المسيحيّين "لن" يُشهروا إسلامهم، و"لن"
يقبلوا بأيّ نظام إسلاميّ، و"لن" يسلّموا بأيّ نوع من أنواع الذّمّيّة. وتبقى
اليقظة والصلابة من أهمّ ما ينبغي أن يتميّز به وعينا جميعًا في التزامنا اليوميّ
وفي حياتنا السياسيّة-الوطنيّة.
[6]
- الوصايا، للإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين
دار النهار، الطبعة الأولى، ايلول 2002.
نادى
الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين منذ العام 1977 وفي "الوصايا" بصيغة "لبنان وطن
نهائيّ لجميع بنيه". وقد رأى فيها "ضرورة للاجتماع اللبناني ولبقاء كيان لبنان، ليس
لمصلحة لبنان وشعبه فحسب، وإنما لمصلحة العالم العربي في كثير من الأبعاد، وحتى
لمصلحة جوانب كثيرة من العالم الإسلامي، ونحن نمرّ في حقبة تاريخية مفصلية تتعلق
بقضايا التنوع والتعددية السياسية وما إلى ذلك. هذا بالاضافة إلى النظر إلى ضرورة
وجودِ وفاعليةِ المسيحيين في لبنان."(ص47-48)
وقال
الإمام: "تبيّن لي أن إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، أن إلغاء نظام الطائفية
السياسية في لبنان، يحمل مغامرة كبرى قد تهدد مصير لبنان، أو على الأقل ستهدّد
استقرار لبنان، وقد تخلق ظروفًا للاستقواء بالخارج من هنا أو هناك، ولتدخّل القوى
الاجنبية من هنا وهناك.
"لذلك
أوصي الشيعة اللبنانيين بوجه خاصّ، وأتمنى وأوصي جميع اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين،
أن يرفعوا من العمل السياسي، من الفكر السياسي، مشروع إلغاء الطائفية السياسية، لا
بمعنى أن يحرم البحث فيه والسعي اليه، ولكن هو من المهمات المستقبلية البعيدة، وهو
يحتاج إلى عشرات السنين لينضج بحسب نضج تطور الاجتماع اللبناني وتطورات المحيط
العربي."(ص52-53)
وعن
اتفاق
الطائف قال الإمام: "هو ليس اتفاق
الضرورة، هو اتفاق الاختيار، وهو اتفاق مناسب لطبيعة لبنان، لأنه يوافق ويحقق جميع
الوسائل الممكنة للاستقرار والتقدم والازدهار..." (ص62)
[7]
-
إسمها
باللاّتينيّة
chamaerops
humilis
،
يسمّيها الإيطاليّون
palma
di S. Pietro
،
والفرنسيّون
palmier
nain
،
جذوعها عديدة بعلوّ يتراوح بين مترَين وخمسة أمتار. لا تخشى البرد. تعيش على معظم
شطوط المتوسط. أوراقها جميلة، تزرع للتزيين ويُستخرج من أوراقها ألْياف قويّة تصلح
لصناعة الحبال.
[8]
- أمين ناجي (انطوان نجم)، التنظيم المؤسّسي
والمسؤوليّة في الديموقراطيّة، منشورات الكتائب اللبنانيّة، بيروت 1970.