Antoine Najem : Articles Last Updated: Jun 30, 2011 - 6:45:53 AM


أنطوان نجم : حكم أكثريّ في نظام طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة


By Kataeb.org
May 13, 2010 - 10:04:17 AM

Email this article
 Printer friendly page

من المسلّم به، في الأنظمة الدمقراطيّة الحقيقيّة، أن تتولّى حكم البلد أكثريّة سياسيّة ناشئة من اختيار حرّ، عبْر انتخابات نيابيّة حرّة دوريّة. ومن الملاحظ، أنّ هذه الأكثريّة الحاكمة متحرّكة بتحرّك المجتمع السياسيّ في ما يمرّ فيه من أحوال وظروف ومؤثّرات. ويبقى الحكم "مستقرًّا"، ولو تغيّرت هويّة الأكثريّة. علمًا بأنّ الاستقرار شرط رئيس في حرّيّة البلد ومستقبل ازدهاره. وحدها دول الحكم الدكتاتوريّ، أيًّا كانت تبريراته الإيديولوجيّة، "تفرض" الاستقرار بالعنف. ولكنّه استقرار إلى حين، لأنّه اصطناعيّ، وبالتالي، هشّ. هذا ما علّمنا إيّاه التاريخ، خصوصًا في القرن الماضي ومطلع هذا القرن.
وما يسمّى "حكومة وحدة وطنيّة"، أي حكومة تجمع أجنحة المجتمع المختلفة، وحتى المتناقضة منها، هي موقّتة في الأنظمة الدمقراطيّة، توجبها ظروف استثنائيّة، وتتشكّل بموجب برنامج مشترك يوضع سلفًا.

ولبنان الدمقراطيّ، ككلّ دولة دمقراطيّة، لا يمكن أن يستقيم الحكم فيه إذا خرج، في الأحوال العاديّة، عن قاعدة حكم الأكثريّة، في تداول حرّ للسلطة، عبْر انتخابات نيابيّة حرّة ودوريّة. وإذا خرج لبنان عن هذه القاعدة، خرج "عليه" القلق والفوضى والخطر الداهم على مستقبله، كما اعترته الحال وأصابته منذ العام 1943.
صحيح أنّ لبنان لم يعانِ كثيرًا، ومباشرة، في تاريخه الاستقلاليّ الأوّل (1943-1975)، مشكلة الحكم الأكثريّ. فمرجعيّة رئيس الجمهوريّة، قبل أحداث 1975، كانت الرافعة الرئيسة، إجمالاً، من حيث "دالّتُها" على مجلس النواب، ونفوذُها في تأليف الوزارات.

غير أنّ هذَين النفوذ والدالّة، غير الطبيعيَّين، وقفا عاجزَين، خصوصًا في أوقات الأزمات، في وجه العواصف، الخفيفة منها والعنيفة (أحداث 1958 وما قبلها، و1969، و1975 وما بعدها)، وأمام اختيار رئيس حكومة اعتُبر أنّه لا "يعبِّر" عن وجدان المسلمين الوطنيّ-السياسيّ، كتعيين سامي الصلح، رئيس حكومة، من 14 آذار إلى 24 أيلول 1958، حتى نهاية عهد كميل شمعون. وكذلك تعيين أمين الحافظ في 25 نيسان 1973، ونور الدين الرفاعي في 23 أيّار 1975، كرئيسَي حكومة في عهد سليمان فرنجيّة.
واستجدّ وضع مشابه في أوّل عهد فؤاد شهاب، إنّما عند الطرف المسيحيّ، حين اعتبر المسيحيّون أنّ الوزراء المسيحيّين، في حكومة العهد الأولى، لا "يعبّرون" عن وجدان المسيحيّين الوطنيّ-السياسيّ. فأطاحتها "الثورة المضادة" بقيادة الكتائب اللبنانيّة، وحلّت محلّها "حكومة الأربعة" المشكّلة من سُنَّيَّين ومارونيَّين فقط، وكأنَّ هؤلاء الأشخاص جسّدوا التوازن المسيحيّ-الإسلاميّ، فاستطاعوا، مع ما كان يمثّله رئيس الجمهوريّة من ثقل داخليّ، ويرمز تفاهمه مع جمال عبد الناصر من توازن إقليميّ برضًى دوَليّ، من إصدار مراسيم اشتراعيّة أسّست لتقدّم نوعيّ في بناء الدولة.
وإنْ ننسَ لا ننسى أن المسيحيّين لم ينظروا البتّة إلى الوزراء المسيحيّين، في عهد الاحتلال السوريّ الصريح للبنان، أنّ هؤلاء ينطقون باسمهم وطنيًّا، وينوبون عنهم في السلطة سياسيًّا. وهل سها عن بالنا أنّ حكومة فؤاد السنيورة، في مطلع الاستقلال الثاني، اعتُبرت "غير دستوريّة وغير شرعيّة وغير ميثاقيّة"، على الرغم من تمثيلها للأكثريّة النيابيّة، وخلافًا لكلّ الاجتهادات الدستوريّة الممكنة، لأنّ ممثّلي "الشيعة" فيها استقالوا منها؟


لهذه الوقائع ثلاثة استنتاجات.

الاستنتاج الأوّل: إنّ إدراك الوجدان المجتمعيّ "لأمرٍ ما" ينبثق من معيار جوّانيّ في داخل الذات المجتمعيّة، لا من معيار خارجيّ خاضع لاعتبارات أخرى ومفاهيم أخرى وطرائق أخرى في النظر والتحليل. لذا، لا يحقّ لأحد أن "يُقيِّم" ردّ فعل جماعة ما بمعيار "الخطإ" أو "الصحّ" النابع من قاعدة فكريّة مرتبطة بالمطلق الذهنيّ الذي لا ارتباط له بالمكان والزمان، وبمفاهيم ناسِهما، وبدرجة الرقيّ المفترضة، سواء أكان معيارًا عائدًا إلى أفكار أوروبيّة حديثة، أم إلى إيديولوجيّات مستوردة، أم سواها.

وعليه، لا بدّ أن نقيّم ردود فعل المسيحيّين والمسلمين في لبنان، في خلال العقود التسعة من عمر الدولة، انطلاقًا من مفهوم "مصالح الجماعات الوجوديّة"، والتي هي وجودُ الجماعات ومصيرُها واقتناعاتُها الجوهريّة ورؤاها وكرامتُها وحرّيّاتُها وحقوقُها وغيرُ ذلك ممّا يعتبره شعور الجماعة العفويّ والعميق تجاه حدثٍ ما، أو موقفٍ معيّن، أو رأيٍ محدّد، موافقًا لمصالحها الوجوديّة أو مسًّا بها، أو تعارضًا لا يمكن الجماعة أن تتجاهله، أو تتساهل بشأنه، أو تبقى من غير ردّ فعل سلبيّ تجاهه. وفي "ردّ فعل" الجماعة تعبير صريح عن مصلحتها الوجوديّة، ومعيار يُركن إليه في سبر أغوار هذه المصلحة.
الاستنتاج الثاني: إنّ مفهوميّة التوازن الوطنيّ-السياسيّ، انتقلت من "ثنائيّة مسيحيّة-إسلاميّة"، عبْر تفاهم عامّ مارونيّ-سنّيّ، في مرحلة الاستقلال الأولى، إلى "كثاريّة طوائفيّة"، في مطلع مرحلة الاستقلال الثاني، عبْر تفاهم مارونيّ-سنّيّ-شيعيّ. وبدخول الطائفة الشيعيّة، بمفاعيل وجدانها المجتمعيّ، في ثِقَل التوازن الوطنيّ-السياسيّ، بدأت الكثاريّة الطوائفيّة تبرز، أكثر فأكثر، مع التأكيد على "الثنائيّة الدينيّة" في الوقت نفسه. وبذلك أخذت الحقيقة المجتمعيّة اللبنانيّة الصريحة في المجتمع اللبنانيّ تجسّد فاعليّتها النامية في الحضور الوطنيّ-السياسيّ. وقد لا يطول الزمان حتى يأتي دور كلّ من سائر الطوائف اللبنانيّة، بفعل تغيّرات تطرأ عليها، أو تنشأ فيها. ومن الآن، وبمقدار ما ستتّخذ هذه الأدوار شكلاً فاعلاً، ستنحسر، بذات الفعل، فكرة "إلغاء الطائفيّة السياسيّة"، إلى مدًى زمنيّ لا يمكن التنبّؤ به.

ويجدر التذكير بأنّ الطائفة، في لبنان والشرق برمّته والعالم الإسلاميّ بكليّته، ليست فرقةً دينيّة بالمعنى الحصري للكلمة، بل هي جسم مجتمعيّ تاريخيّ متلاحم، تداخلت فيه وتشابكت، في فعل جدليّ، مواقف ومفاهيم دينيّة بمواقف وخيارات سياسيّة. وقد تبلور هذا الجسم، عبْر الأجيال، بكلّ ما مرّ من أحداث وظروف، على الأصعدة على اختلافها، ممّا أفرز واقعًا مجتمعيًّا وماديًّا ومعنويًّا وروحيًّا وطقسيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، عُرفت وتُعرف به الطائفة. وهي في أساس البِنية التحتيّة للمجتمع الوطنيّ. وقد صدق المطران جورج خضر عندما كتب: "أنت لا تنشئ المواطنية في الممارسة بمعنى القفز فوق كائنات تاريخية دينية بسرعة" . لذا، بات لهذه الطوائف هذه الأهميّة الكبرى في البِنية التحتيّة للمجتمع اللبنانيّ. وهذا ما ينبغي أن يجعل لها وجودًا حتميًّا، كطوائف، في البِنية الفوقيّة، أي في الحكم والسلطة.
الاستنتاج الثالث: إنّ قيادة لبنان بمفهوم "الحكم الأكثريّ" التقليديّ المعروف في التشاريع الغربيّة، لا يناسب هذا البلد، لا بل هو غير صالح له، وبالتالي، غير قابل للتطبيق. فالحكم في لبنان إمّا يكون طوائفيًّا-توافقيًّا كي يستقرّ، وإمّا يبقى في توتّر دائم وعلى حافّة الانفجار. وقد صدق الرئيس ميشال سليمان حين قال: "لا نستطيع القبول بتكرار تغييب أيّ فريق. إنّ التلويح من البعض بعدم الاشتراك في الحكم في حال خسارته الانتخابات يمكن تلافيه" . وهذا يعني ملازمة الطوائفيّة ملازمةً حتميّة لطبيعة تكوين السلطة السياسيّة الرسميّة في لبنان. وهذا ما أُطلق عليه اسم "الدمقراطيّة التوافقيّة".

ومفهوم "الدمقراطيّة التوافقيّة"، في طبيعتها ومدلولها ومرماها، ليست تلك المشوَّهة والمشوِّهة المطبّقة اليوم. هي نقيضها تمامًا. وكنّا نسمّيها، بعد انفجار 13 نيسان 1975 وفي ما بعد، "الدمقراطيّة التعدّديّة" في مواجهتنا هجمة "الدمقراطيّة العدديّة" التي حمل لواءها حلفاءُ غزاة 1975. وقد توفّق الأب اليسوعيّ جان دوكرويه التوفيق كلّه عندما وصف "الدمقراطيّة التوافقيّة" بالآتي: "إن تمتين الوحدة الوطنيّة يقتضي نظامًا سياسيًّا وطيدًا يشرك كل الطوائف في اتّخاذ القرارات الوطنيّة بحيث لا تفرض أيّة طائفة على الأمة ما لا يناسب ولا يتلاءم وتقاليد الطوائف الأخرى. وهذا النظام لا يمكنه أن يكون تحت رحمة إيديولوجيّة الأكثريّة. فالديموقراطيّة التوافقيّة أو النظام التطابقيّ لا تنطبق على ديموقراطيّة العدد التي تتناسب مع حالة بلد لا تنوّع فيه أساسًا. هذه الديموقراطيّة تفترض حكومة ذات ائتلاف عريض وفيتو متبادلاً حيال القرارات التي تتناقض مع المصالح الحيويّة لإحدى الجماعات، ونسبيّة إجماليّة في توزيع الوظائف لئلا تهيمن واحدة من الجماعات على مناصب المسؤولية باسم القوّة أو العدد. كما أنّ هذا النظام يتطلب استقلاليّة ذاتيّة لبعض القطاعات مثل الأحوال الشخصيّة التي هي من صلاحية الجماعات" .
* * *
نصل، الآن، إلى لبّ الموضوع: كيف نعتبر "الطوائفيّة" و"الدمقراطيّة التوافقيّة" ضرورتَين لازِبتَين، حتمًا، لقيام حكمٍ أكثريّ مستقرّ وحياةٍ وطنيّة-سياسيّة متوازنة، بينما كثيرون يشتكون منهما، ويروّجون لرؤى أخرى؟
سبب الشكوى أن الطوائفيّة ولازمَتها الدمقراطيّة التوافقيّة لا تتحقّقان ولا توصلان إلى الاستقرار المنشود في بِنية دولة بسيطة كبِنية الدولة اللبنانيّة القائمة. أمّا الدولة ذات البِنية المركّبة، أي الدولة الفدراليّة، فقادرة على وضع الهدف المرجوّ موضع التنفيذ.
من هنا، تُطرح مسألتان مرتبطتان عضويًّا: كيف تحقِّق الدولة الفدراليّة مرتجيات الطوائفيّة والدمقراطيّة التوافقيّة، معًا؟ وبأيّ وسيلة دمقراطيّة نصل إلى الفدراليّة؟
الجواب على المسألة الأولى

بما أنّ مدار البحث يعالج موضوع حكم الأكثريّة فحسب، أتطرّق، فقط، إلى السلطة الإجرائيّة في الدولة الفدراليّة المقترحة ، وعلى سبيل المثل.
تناط السلطة الإجرائيّة الفدراليّة بمجلس يُسمّى "مجلس الرئاسة" (بدلاّ من رئيس فرد للجمهوريّة)، مؤلّف، من عدد يُتّفق بشأنه، مناصفة بين المسيحيّين والمسلمين، على ألاّ تتمثّل أيّ طائفة بأكثر من عضو واحد، وألاّ يُختار أكثر من عضو واحد من محافظة واحدة. يمكن أن يأخذ مجلس الرئاسة قراراته بالإجماع، أو بأكثريّة ثلثَي أعضائه، أو بالأكثريّة المطلقة. ويساعده مجلسٌ مؤلّف من أمناء سرّ الدولة (أي أشخاص تنفيذيّون فحسب)، يكون عددهم بعدد الإدارات (بمعنى الوزارات)، يوزَّعون مناصفة بين المسيحيّين والمسلمين.
تنتخب الجمعيّةُ الفدراليّة، بأكثريّة كلّ من مجلسَيها (النوّاب والمحافظات)، أعضاءَ مجلس الرئاسة، باختيارها إحدى اللوائح المرشّحة بكاملها، أي بكامل العدد الوارد فيها، من غير تشطيب، ومن غير إدخال أيّ اسم من خارجها.

إنّ المرشّحين لمجلس الرئاسة، يُنتخبون كمجموعة متجانسة، برنامجًا وتطلّعات وتوافقًا شخصيًّا. ومن جهة أخرى، يتولّى المجلسُ إدارةَ البلاد كمجموعة، أيضًا، أي من غير تخصيص أيّ طائفة بأيّ قطاع معيّن. فيتأكّد مبدأ المشاركة الحقيقيّة الإيجابيّة الضروريّة بين ممثّلي الطوائف مجتمعين، ممّا يساهم في خلق جوٍّ أكيد من التعاون في ما بينهم. فلا مجال أن ينفرط عقد المجموعة، إلاّ عند سوء النيّة (وهذا غير قابل للضبط في أيّ نظام)، أو لسبب لا يمكن أحد أن يرتقبه. ولاية المجلس الرئاسيّ غير قابلة للتجديد. تدوم، مبدئيًّا، ستّ سنوات، أو تتساوي وولايةَ الجمعيّة الفدراليّة، على الأقلّ. وتحدَّد صلاحيّات السلطة الفدراليّة بصورة حصريّة، وفي الحدّ المعقول. وتعطى السلطة الإقليميّة، في المحافظة، سائر الصلاحيّات، ولكن بتكاملٍ وصلاحيّات السلطة الفدراليّة، ومن غير تعارض بين هذه وتلك.

الجواب على المسألة الثانية
يستفظع مقاربو فكرة الفدراليّة ضخامةَ المشروع وتعقيداته، وما يستوجبه من جهود وقدرات وزمن، كي يتمّ التغلّب على العراقيل التي تقف في وجهه، خصوصًا بعد سيطرة الأفكار السلبيّة المسبقة عنه لدى شريحة كبيرة من اللبنانيّين. وقد كتبتُ في "شرعة للفدراليّة في لبنان" ما يأتي: "شرط تحقيق الفدراليّة ونجاحها واستمرارها، أن تأتي ثمرة قبول شعبيّ لبنانيّ طوائفيّ حرّ وعريض، وقبول جامعة الدول العربيّة وهيئة الأمم المتّحدة الصريح بها، وأن يطبّقها المسؤولون وفق حقيقة أهدافها وحتميّة مقتضياتها، ممّا يجعل عيش اللبنانيّين المشترك، القائم بحكم الأمر الواقع، يرقى إلى مستوى المؤالفة الحقيقيّة." لذلك لا تتحقّق الفدراليّة "فوق" إلاّ إذا عاشها اللبنانيّون ومارسوها واقتنعوا بها "تحت"، في التنظيم المؤسّسيّ، على اختلاف تكويناته، وفي طليعتها الأحزاب السياسيّة.

علامَ تقوم عقيدة هذه الأحزاب؟
لا يكون لهذه الأحزاب "عقيدة"، بالمعنى المعروف والمتداول، ولا إيديولوجيّة. تقوم هذه الأحزاب على "برامج حكم متكاملة سياسيّة توافقيّة إنمائيّة" وحسب، تستهلّها ديباجة فكريّة أساسيّة ومبدئيّة.

كيف تكون بِنية هذه الأحزاب؟
لا بدّ من بِنية جديدة ومبتكرة لهذه الأحزاب، بغية أن يتمّ التواصل بين أبناء الطوائف في "داخل" كلّ حزب، أو منتدى سياسيّ، ممّا يجعله تواصلاً دائمًا، يفرز توافقًا دائمًا. فتنشأ أحزاب بتكوين فدراليّ، يلتقي في داخل كلّ منها مواطنون، على اختلاف طوائفهم، وعلى أسس واضحة. فيتفاعلون في ما بينهم، ويتفاهمون، ويتوافقون، مع محافظة كلّ محازب منهم على شخصيّته الطائفيّة، وخلفيّاته التاريخيّة، وأجوائه الثقافيّة، ومفاهيمه الاجتماعيّة، وتقاليده... فلا تكون أحزابًا طائفيّة، بل "طوائفيّة"، بمعنى أنّها تتشكّل من محازبين ينتمون إلى طوائف مختلفة. بذلك، يصبح كلّ حزب من أحزابنا لبنانيًّا عامًّا، وفاعلاً في الحياة الوطنيّة-السياسيّة. فتنجح مهمّته الدمقراطيّة من غير تناقض وواقعَ البِنية التحتيّة للمجتمع اللبنانيّ.
هكذا، يقوم تلاقٍ وجدانيّ عميق وحقيقيّ بين اللبنانيّين المختلفي الانتماء الطائفيّ، ممّا يعني أن الآخر مقبول على ما هو عليه. فضلاً عن أنّ التلاقي المباشر والدائم، وجهًا لوجه، هو من أفضل الطرائق وأقصرها إلى التفهّم والتفاهم، فإلى نزع الأقنعة الشديدة البشاعة التي ألصقها على وجه "الطائفيّة" الحقيقيّ متعصّبون وانكماشيّون وأصوليّون ومنافقون ومستَعْلون وحاقدون وأنانيّون وغوغائيّون ومستغِلّون ومتاجرون بالقِيَم...

عمليًّا، يتحقّق هذا الهدف إذا تكوّن الحزب من "وحدات" طائفيّة، على مدى الوطن، ذات حدّ معيّن من الاستقلاليّة الداخليّة، تشكّل كلّ منها "جِذعًا" حزبيًّا. أمّا عدد هذه الوحدات (الجذوع) وطرائق قيامها وتجسّدها في واقع بيئاتها ونموّها وتطوّرها فأمر متروك لكلّ حزب وفق ما يرتئيه محازبوه ويرتاحون إليه وجدانيًّا، وتسمح به ظروفهم. وذلك بالأسلوب الأفضل للمردود الأفضل. وتلتقي هذه الوحدات في القمّة في "مجلس رئاسيّ" ينتظم على النحو الذي يوافقه، مع نظام داخليّ يناسبه، ويخضع أعضاؤه إلى مبدإ "تداول السلطة".
وفي الطبيعة، شجرة من فصيلة النخليّات اسمها "خاميروبس قزم " ذات بِنية توضح لنا بعض الشيء بِنية الأحزاب التي أدعو إلى إنشائها.
من جذور واحدة من هذا النوع تنبت، مباشرة، وعلى مستوى الأرض، جذوع عديدة. تخال كلّ جذع وكأنّه شجرة مستقلّة قائمة بذاتها. فتعطي مجموعة الجذوع انطباعًا أنّها مجموعة أشجار لا شجرة واحدة.
وفي التشبيه، تشكّل "الجذور" برنامج الحزب. وهو يمدّ الحزب بالحياة والمذاق الواحد والتجانس في التوجّهات والأهداف. والجذع هو "الوحدة" الطائفيّة. أمّا "مجموع" الجذوع فهو الحزب. وهو واحد، إنّما بـ"لامركزيّة موسّعة". لهذا السبب يدير الحزبَ "مجلسٌ رئاسيّ" لا فرد.

ولا بدّ من لفت الانتباه، هنا، إلى أنّ عدد الوحدات (الجذوع) في بِنية الحزب الواحد لا يرقى حتمًا، وبذهنيّة دوغماتيّة، إلى عدد الطوائف في لبنان. يمكن أن يرتئي محازبون مختلفو الانتماء الطائفيّ أن ينضمّوا إلى جذع واحد، وذلك إذا ما رأوه مناسبًا، وبحسب ما تتقبّله وتسمح به بيئاتهم واقتناعات أبنائها، ومن غير أن يحصل خلاف على طائفة من يتولّى رئاسة الجذع. كذلك أن تتشكّل وحدة مختلطة باسم "الجذع العلمانيّ" لمن يرغبون في الجهر بخروجهم السوسيولوجيّ من طوائفهم.
إذًا، يوم يُحترم شعورُ كلّ من اللبنانيّين وشخصيّته واقتناعاته وخلفيّاته التاريخيّة وأجواؤه الثقافيّة ومفاهيمه الاجتماعيّة وتقاليده، احترامًا واقعيًّا فعليًّا وصحيحًا من طريق ممارسة إراديّة شعبيّة معيشة فدراليًّا ويوميًّا، عند ذاك، تزول الموانع التي تحول دون تحقيق الدولة الفدراليّة في لبنان.
وفي النتيجة،
إنّ خصوصيَّة الواقع اللبنانيّ المجتمعيّ-الطوائفيّ-التاريخيّ-السياسيّ الشائك، تستتبعها، بالضرورة، حلول خاصّة ومناسِبة. وإذ يتعذّر، هنا، الدخول في سائر النواحي المرتبطة بمشروع الفدراليّة، وخصوصًا في مسألة الحياد الإيجابيّ الدائم في السياسة الخارجيّة-وكلّها أمور أساسيّة ذات تأثير مباشر في استقرار الحياة السياسيّة في لبنان-، فإنّ ما اقترحتُه في شأن الموضوع المعالَج يعطي فكرة، ولو مقتضبة، عن عدم التعارض بين "حكم أكثريّ" و"نظام طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة". وتتّضح أهميّة ألاّ يتشكّل "الحكم الأكثريّ" من "بْلوكات" طوائف منغلقة وصفيقة ومتجاورة، إذا سقط منه "بْلوك" واحد، سقط الحكم بكامله، بل، بموجب الحلّ المعروض، من الطوائف، جميعها، عبْر "طوائفيّين"، تَوَزَّع مِثْلُهم على جميع الأحزاب والحركات السياسيّة. فهُم، هنا وهناك وهنالك، من المعدن نفسه، متساوون في قيمة التعبير الشعبيّ ووزنه. وبالتالي، لا هيمنة من أحد على أحد، ولا أحد مهمّش أو مغبون. والحكم المستقرّ يتحقّق، حينها، في كلّ مفاعيله الإيجابيّة، وتتحرّك معه "الأكثريّة" و"الأقلّيّة"، نزولاً وصعودًا، وتتبادل المسؤوليّة في السلطة وفي المعارضة.

والأهمّ الأهمّ، أنّ القواعد الشعبيّة لا تعود تعيش، سياسيًّا، في انعزال بعضها عن بعضها الآخر، وإنْ لم تتجاور سكنيًّا وجغرافيًّا. بل تنخرط في تفاعل حياتي قد يوصلها، في مستقبل يستحيل تحديده، إلى واقع مختلِف، تتداخل عناصره وتتبادل التأثير. إذ ذاك، يخلق الله ما لا تعلمون.

وكلمة أخيرة،
إنّ أخطر ما يبتلي به السعي لهدف سامٍ أن يقفز العاملُ له "فوق" حقائق الحياة الموضوعيّة، متصوّرًا أنّه، بذلك، يقصّر الطريق إلى الغاية المنشودة. على العكس. إنّ في حرق المراحل انزلاقًا في التهلكة. والاستنكاف عن جعل حقائق الحياة الموضوعيّة صديقةَ هذا السعي وحليفتَه، سيدفعها إلى الارتداد عليه. فيضلّ الساعي الطريقَ، ويسقط في هوّة الفشل.
فلْنقتنع بأنّ الفدراليّة، في المرحلة التاريخيّة التي نمرّ فيها، صديقةُ التطوير الدمقراطيّ، الحرّ، الهادئ، العقلانيّ، السلميّ، المحترِمةُ للقِيَم كافّة، والآخذةُ بيد ذوي النيّات الحسنة إلى النجاح والفلاح. وبذا، يلتقي الهدفُ الراقي الوسيلةَ الراقية لخدمة الإنسان.

Top of Page

Related Articles:

أنطوان نجم : حكم أكثريّ في نظام طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة

- May 13, 2010 - 10:04:17 AM



© Copyright 2010 by Lebanese Forces Official Website

Articles
Latest Headlines

في ذكرى الرئيس بشير الجميّل :لنعتمدْ مبدأ "الحلول المتناقضة"

أنطوان نجم : حكم أكثريّ في نظام طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة

كيف نعالج الخلل الديمغرافيّ؟

كلمة هادئة في التوطين

مفهوم التعايش

الاتّحاديّة منطلق الحلّ

رؤيا والتزام

يوميّات في الملجأ

من "القوميّة" الى "الهويّة المجتمعيّة"

متى يبطل وجود مقاتلين مسيحيّين في الوضع اللبناني؟