في خلفيّة ما جرى في مجلس النوّاب يوم الإثنين الواقع فيه 22/2/2010، برهان حسّيّ على صحّة ما ناديتُ به منذ ثلاثة عقود ونيّف. فقد أرجأ المجلس إقرار مشروع يجيز للشباب الاقتراع ابتداء من سنّ الثامنة عشرة، إلى حين إقرار مشروع يعطي الجنسيّة اللبنانيّة لمستحقّيها من المغتربين، وآخر يسمح للبنانيّين الموجودين خارج البلاد بالمشاركة في الانتخابات. ذلك أنّ ما وراء المواضيع الثلاثة، ويتضمّنها، يعبّر عن مسألة "الخلل الديمغرافيّ" بين الطوائف اللبنانيّة وأهمّيّتها الضخمة في الحياة السياسيّة اللبنانيّة. وبفضل المناقشات حول الموضوع، انتبه اللبنانيّون، ولو متأخّرين، إلى ضرورة إيجاد مخرج يحدّ من مساوئ ذلك الخلل، بغية احترام المساواة الفعليّة بين الجناحَين اللبنانيَّين. فلا تشكّل الأرجحيّة العدديّة الإسلاميّة ثقلاً يطيح ما تبقّى من مشاركة ذات قيمة حقيقيّة مع الفريق المسيحيّ الأقلّ عددًا.
و"الخلل الديمغرافيّ" معضلة المجتمعات المتغايرة sociétés hétérogènes ،حيث طغيان العدد يشوّه الديمقراطيّة. ففي الهيمنة العدديّة لا يبقى من الديمقراطية إلاّ الشكل والظاهر. والحياة السياسيّة لا تبخل علينا بأمثلة على "ديمقراطيّات" تمعس هويّات مجتمعيّة أقلّيّة وتهرسها.
وكان كثير من اللبنانيّين قد أشار إلى الخلل الديمغرافيّ، القائم أو المرتقب، منذ ما قبل الاستقلال في العام 1943. إنّه أمر ما زال حاضرًا في السياسة اللبنانيّة. فقد كتب محمد جميل بيهم في هذا الشأن في جريدة "بيروت" في العام 1936: "إنّ أحوال المسلمين الشخصيّة وإقبالهم على الزواج تكفلان لهم عمّا قريب أكثريّة عدديّة. وكلّما مرّ الزمن ازدادوا كثرة، لا سيّما وأنّهم أقلّ من سواهم ميلاً للهجرة."
وقد جئت على ذكر هذا الخلل في العام 1958، في أحد اجتماعات المجلس المركزيّ الكتائبيّ، بعد تأليف حكومة الأربعة في مطلع عهد الرئيس فؤاد شهاب، إثر انتصار الثورة المضادة بقيادة حزب الكتائب اللبنانيّة. إقترحتُ، وقتذاك، قانون انتخابات نيابيّة جديدًا، يكون فيه عدد النوّاب مناصفة بين المسلمين والمسيحيّين. وكي لا تكون هذه المناصفة شكليّة، بل مفصحة عن حقيقة مواقف الفريقَين، ارتأيتُ أن تأتي الدوائر الانتخابيّة على نحو لا ينجح فيه مرشّح مسيحيّ بأكثريّة أصوات إسلاميّة، ولا مرشّح مسلم بأكثريّة أصوات مسيحيّة. وأضفتُ: "نحن، اليوم، نشارك في السلطة بعدما انتصرت الثورة المضادة. لننتهزْها مناسبة ونستغلّها لمصلحة الجميع. لنأخذ المبادرة ونعمل لهذا الاقتراح باسم المساواة بين اللبنانيّين، أيًّا يكن عدد المسيحيّين وعدد المسلمين في لبنان. لنسبق الظروف، وننشئ "معادلة" تبقى صالحة حتى ولو رجحت في المستقبل كفّة المسلمين الديمغرافيّة. أمّا إذا لم نفعل، فإنّ النسبة الحاليّة (6/5) ستتغيّر حتمًا ذات يوم، ولكن على الرغم منّا، ومن غير موافقتنا، وضدّ مصلحتنا."
وكانت فكرة الخلل الديمغرافيّ تقضّ مضجع بشير الجميّل. وفي حديث على انفراد معه بعد انتخابه رئيسًا للجمهوريّة، قال لي: "أتعلم ما هو برنامجي للعام 1983؟" أجبته: طبعًا! قال: "البرنامج الذي أعنيه لم يرد في المشروع الذي وضعتَه مع اللجان المختصّة لسنوات الولاية الستّ. إنّه محدّد بهدف استعادة خمس مئة ألف مغترب مسيحيّ". قلتُ له، بعد لحظة تفكير: "الهدف رائع. ولكن هل تدرك أنّ عليك تأمين المسكن والعمل لهؤلاء العائدين؟" وأضفتُ: "أرى أن تحصر هدفك بخمسين ألفًا فقط". واستدركتُ بسرعة وقلت: "لا أظنّ أنّ فكرتك عمليّة، خصوصًا في هذا المدى الزمنيّ الضيّق. ليكن برنامجك إيقاف الهجرة في العام 1983. فإنْ نجحتَ أقمنا لك تمثالاً في ساحة ساسين".
* * *
في يقيني أنّ موضوع الخلل الديمغرافيّ لا حلّ له، عمليًّا، من طريق استعادة المغتربين. وبكلام آخر، أيًّا تكن النيّات حسنة والمساعي ناشطة، فإنّ نسبة المغتربين العائدين ستكون جدّ ضئيلة: نقطة ماء من بحر واسع. خصوصًا بعدما طال الزمن على مَن ولدوا في بلاد الاغتراب ونشأوا. على كلٍّ، لا بدّ من المحاولة، وإعادة المحاولة دائمًا. فالقليل أفضل من لاشيء.
ولا حلّ من طريق ردم الهوّة بين الديمغرافيّتَين بتشجيع زواج المسيحيّين والإكثار من الإنجاب. هذا وهْم.
ولا حلّ بإقرار العلمانيّة. فهذه من رابع المستحيلات.
ولا ننسى أنّ مرسوم التجنيس الذي صدر في عهد الرئيس الياس الهراوي أضاف إلى الخلل البنيويّ خللاً آخر. وستتّسع هوّته بتوطين الفلسطينيّين. هذا التوطين آتٍ، لا محالة، يوم تقرّ الدولة اللبنانيّة قانونًا يجيز لزوج المرأة اللبنانيّة الأجنبيّ ولأبنائه أن يحصلوا على الجنسيّة اللبنانيّة.
ولا يمكن الاتّكال على النصائح الكريمة للحؤول دون استغلال هذا الخلل. فكلام الطيّب الذكر الإمام محمد مهدي شمس الدين، في "الوصايا"، في "الثبات والالتزام بنظام الطائفيّة السياسيّة مع إصلاحه"، لم يؤثّر البتّة في زعيمّي أبناء طائفته. كذلك لا يُعوَّل على توازنات إقليميّة-دوَليّة في استمرار اعتماد المناصفة في المجلس النيابيّ والحكومة وموظّفي الفئة الأولى، وربّما، عرفًا وموقّتًا، في سائر فئات الموظفين. علمًا بأنّ المناصفة في المجلس النيابيّ القائم شكليّة فحسب. إنّ خمسة وثلاثين نائبًا من أصل أربعة وستين نجحوا إمّا بأصوات أكثريّة إسلاميّة، وإمّا بأصوات إسلاميّة مرجّحة. والمعروف أن هؤلاء الناجحين مضطرّون إلى "مسايرة" مَن أوصلهم. وسيكون ذلك على حساب تمثيلهم للمسيحيّين.
الموضوع جلل. ويستحقّ علاجًا، بالمعنى الوافي للكلمة. فلا يعرف أحد متى تتغيّر الظروف والتوازنات، وتطير معها "التوافقات".
العلاج المنشود موجود. ويتمّ بموجب نصوص تشريعيّة يصعب التلاعب فيها، على أن يُقرّ الجميع، بادئ ذي بدء، وباقتناع نهائيّ، أنّ المجتمع اللبنانيّ ثنائيّ-كثاريّ: ثنائيّ دينيًّا وكثاريّ طوائفيًّا، وأنّ لهذا الواقع، الذي يفرض نفسه، مقتضيات منطقيّة. فلنقبل بها بكلّ رضًى.
لبنان في حاجة إلى تجاوز مفهوم الحكم الأكثريّ بـ"الأكثريّة العدديّة" التقليديّة الكلاسيكيّة المعروفة في التشاريع الغربيّة. الصيغة الملائمة للواقع المجتمعيّ اللبنانيّ هي تلك التي توصل إلى أكثريّة قادرة على التعبير عن حقيقة الخيارات لدى جميع الطوائف في لبنان. فالحكم في لبنان لا يمكن إلاّ أن يكون "طوائفيًّا-توافقيّا". وهذا يعني ملازمة الطوائفيّة ملازمة حتميّة لطبيعة تكوين السلطة السياسيّة الديمقراطيّة في لبنان.
لذلك، لا علاج للخلل الديمغرافيّ إلاّ في إقامة الدولة الفدراليّة، حيث المساواة الوطنيّة-السياسيّة بين الطوائف اللبنانيّة، والمشاركة العادلة في إدارة البلاد، لا تعطيان الأعداد والأحجام فوق ما لها من شأن وأهمّيّة.
شرط قيام "الفدراليّة" في لبنان أن يأتي ثمرة قبول شعبيّ لبنانيّ طوائفيّ حرّ وعريض.
ولا يحصل القبول الشعبيّ بالفدراليّة إلاّ بتهيئة الناس لها من طريق إنشاء "أحزاب طوائفيّة بتكوين فدراليّ"، وهيئات مؤسّسيّة أخرى تكون على شاكلهتا يلتقي فيها المواطنون، على اختلاف طوائفهم، فيتفاعلون في ما بينهم، ويتفاهمون، ويتوافقون، ويعيشون معًا همومهم وآمالهم الوطنيّة، مع محافظة كلّ منهم على شخصيّته الطائفيّة، وخلفيّاته التاريخيّة، وأجوائه الثقافيّة، ومفاهيمه الاجتماعيّة وتقاليده.
في "الأحزاب الطوائفيّة بتكوين فدراليّ"، لا يبقى اللبنانيّون متجمّعين في "بْلوكات طائفيّة" سياسيّة منغلقة، بل يتوزّعون على هذه الأحزاب العاملة على مدى أرض الوطن.
وفي توزّع الطائفة الواحدة على "الأحزاب الطوائفيّة بتكوين فدراليّ"، لا يمكن أن تشعر أيّ طائفة أنّها أصيبت بهزيمة، أو أُقصيت، إذا ما انتصر أحد تلك الأحزاب في الانتخابات النيابيّة أو المحلّيّة... ذلك أنّ أبناء لها، من المهتمّين بالسياسة والعاملين في حقولها، موجودون هنا وهناك وهنالك... فلا تعود "الطائفة-البلوك الواحد" قادرة أن تتحكّم، وحدها، بمقدّرات البلاد، وبمصير الحكم فيها، وبإسقاط السلطة ورفعها متى تشاء.
وبهذه الطريقة، يتيسّر لكلّ طائفة أن تنتخب، وحدها، ممثّليها إلى المجلس النيابيّ والمجالس المحلّيّة مع تطبيق نظام النسبيّة، ترشحهم الأحزاب الطوائفيّة بتكوين فدراليّ. إذّاك تشعر كلّ طائفة بالعدالة السياسيّة وباحترام هويّتها، ويزول شبح سيطرة أيّ فئة عليها، ويختفي استغلال ضعفها العدديّ، ولا يعود من مجال لضرب مصالحها وحقوقها الوجوديّة عبْر إضعاف مشاركتها في السلطة. وبذلك، أيضًا، يقوم توافق صحيح وصادق في القواعد الشعبيّة المختلفة، وإنْ لم تتجاور سكنيًّا وجغرافيًّا. إنّها تنخرط في تفاعل فريد من نوعه، قد يوصلها، في مستقبل يستحيل تحديده، إلى واقع مختلف عمّا هي عليه الآن، تتداخل عناصره وتتبادل التأثير. وإذّاك يخلق الله ما لا تعلمون.
* * *
مشروعي في حاجة إلى مدى زمنيّ ومناهج عمل طويلة النفَس كي يتحقّق. المهمّ أن نبدأ بإنشاء "الأحزاب الطوائفيّة بتكوين فدراليّ". وبانتظار الوصول إلى الفدراليّة، تبقى روحيّة "اتّفاق الطائف"، مع ما يستجدّ من توافقات من آنٍ إلى آخر، منارة لحياتنا السياسيّة-الوطنيّة.
وأتمنّى على مَن يرفض مشروعي أن يأتي بآخر يتوافق والحقيقة المجتمعيّة اللبنانيّة في أبعادها المختلفة، ويخدم الهدف النبيل نفسه.
الغاية، في نهاية الأمر، أن تقوم ديمقراطيّة معافاة، في أجواء ديمقراطيّة صحيحة، وبوسائل ديمقراطيّة سليمة، لنضع حدًّا نهائيًّا لأثمان فاحشة دفعناها، وربّما ندفع، غدًا، مثلها وأغلى منها، إذا ما خانتنا الشجاعة وأصررنا على المراوحة.