Antoine Najem : Articles Last Updated: Jun 30, 2011 - 6:45:53 AM


كلمة هادئة في التوطين


By Antoine Najem (Al Massira)
Sep 11, 2009 - 7:18:29 PM

Email this article
 Printer friendly page

موضوع "توطين" اللاجئين الفلسطينيّين في لبنان، أي إعطاؤهم الجنسيّة اللبنانيّة، كان، منذ اندلاع الحروب عندنا، ولا يزال، حديثًا يثير ردود فعل عنيفة.
في العلن وفي المواقف الرسميّة، ما من لبنانيّ أيّد، أو يؤيّد، التوطين. على العكس تمامًا. ولم يملّ اللبنانيّون من تكرار رفضهم له. وقد أدخلوا نصًّا في مقدّمة الدستور يفيد أن "لا توطين". والمعنيّون الأوّلون به، أي الفلسطينيّون، يعتبرونه مؤامرة تهدف إلى سدّ الطريق في وجه عودتهم إلى وطنهم.
وعلى الرغم من مضيّ ثلاثة عقود ونصف العقد على الكلام غير المنقطع على "التوطين"، ترانا لا نزال في صلب ضجيجه، ترافقه اتّهامات مختلفة، مباشرة وغير مباشرة.

مبدئيًّا، إنّ اللبنانيّين المتضرّرين من التوطين هم المسيحيّون والشيعة. وربّما أدخل بعض منهم موضوع التوطين في سوق المتاجرة والمساومة، من آن إلى آخر، ومن موقف سياسيّ يحتاج إلى إثارة، إلى آخَر يتطلّب إحراجًا. وهذا ما يحصل في الواقع. ونلاحظه في مفارق سياسيّة حسّاسة ومعقّدة. أمّا سائر القيادات-وهي ضدّ التوطين-فتضطر لإعادة أسطوانة النفي خوفًا من اتّهامها، أقلّه، بالسكوت عنه.
والمتّهَمون بالرغبة في التوطين، في الداخل، هم السّنّة. وينصبّ عليهم الاتّهام لا لأنّهم يسعون له صراحةً، أو ضمنًا، بل لأنّ المتّهِمين يرَون أنّ من "المنطقيّ"، جدًّا، أن يؤيّد السّنّةُ التوطين، لأنّه "يصبّ" في مصلحتهم الديمغرافيّة، فضلاً عن وحدة المشاعر الوثيقة والعميقة التي تشدّ السّنّة بعضهم إلى بعض شدَّ أبناء البيت الواحد، كما الحال، بداهةً، بين أبناء كلّ طائفة من الطوائف الإسلاميّة، خصوصًا في زمن الأزمات.
* * *
أُدلي بدلوي بين دلاء التوطين، لأنقله إلى مستوًى آخر موضوعيّ، تسود فيه العقلانيّة، ويفسح في مجال استشفاف خطّ السير الذي يتوسّله "التوطين" بغية أن يفرض نفسه، ذات نهار ضبابيّ الرؤية، أو ليل يغيب عنه القمر.
أ- إنّ تحقيق توطين الفلسطينيّين في لبنان لن يتمّ بقانون صادر عن المجلس النيابيّ، مخالفًا الدستور، ومتحدّيًا اللبنانيّين في موقفهم الموحَّد ضدّه.
ب- التوطين سيتمّ بذوبان تدرّجيّ، وعلى نحو غير مباشر. إذْ من المعروف، أنّ انتقال الناس من أراضيهم إلى أراضٍ أخرى، مأهولة أم غير مأهولة، لأسباب شتّى ودوافع مختلفة، شكّل إحدى ثوابت التاريخ البشريّ، وأكّدها على نحو مستمرّ. وجعل الناس يتداخلون، حياةً وتزاوجًا، على الرغم من تباين أصولهم وأعراقهم، فاستقرّوا، مع الزمن، حيث حضروا، ما عدا حالات قليلة غير ذات بال. ألم يحصل هذا الأمر عندنا، على سبيل المثل، مع الأرمن والأكراد في القرن العشرين، ومع ما تبقّى على أرضنا من الفرنجة، بعد انهيار سيطرة الصليبيّين على الأراضي المقدّسة انهيارًا تامًّا في أواخر القرن الثالث عشر؟ ألم نكن، جميعًا، يومًا، لاجئين إلى هذه الديار، بشكل أو بآخَر، قبل أن نتجذّر فيها ونصير من "الأصَلاء"؟
ج- بدأ توطين الفلسطينيّين في لبنان، بخطوة خجولة، في عهد الرئيس كميل شمعون. وتلتها خطوة، أقلّ خجلاً، في مرسوم التجنيس الشهير زمنَ الوصاية السوريّة، في عهد الرئيس الياس الهراوي.
د- بدأت، منذ فترة قريبة، حملة تتولاّها حركات نسويّة لبنانيّة، مدعومة، بقوّة، من جماعات حقوق الإنسان، تهدف إلى إقرار نصّ قانونيّ يجيز لأولاد المرأة اللبنانيّة المتزوّجة من أجنبيّ، أن يحصلوا على الجنسيّة اللبنانيّة. وستكون عاقبتُه تهافتَ الفلسطينيّين في لبنان على الزواج من لبنانيّات، خصوصًا وإنّ شريعة تعدّد الزوجات ستسهّل لهم أمورهم. ولن تمرّ حقبة طويلة، بعدئذٍ، إلاّ ويصبح أولاد هؤلاء الفلسطينيّين لبنانيّين.
هكذا، يكون التوطين حالاً قائمة منذ ما قبل الأمس، تتعزّز كلّ يوم، خطوةً خطوة، بهدوء وتؤدة. وسيكتمل، لا محالة، بالنصّ الذي يُعمل له، بغفلة عن الجميع، ومن غير منّة من أحد، كأنّه القضاء والقدر، إلاّ إذا عاد الفلسطينيّون إلى وطنهم- وهذا ما ندعو لهم به من صميم القلب- أو توزّعوا على ديار العرب الواسعة، أو في رحاب العالَم.
لذا، يبدو أن لا خيار لنا إلاّ الحؤول دون تلك المحاولة، حتى ولو اعتبر بعضُهم أنّ هذا الموقف لاأخلاقيّ، لأنّه، في نظرهم، يناقض أبسط المبادئ الإنسانيّة. كما أنّه يضع لبنان في موقع يناهض الشرعات الأمم-متّحديّة، التي تفرض أن يكون لكلّ إنسان "جنسيّة" معترف بها.
* * *
شخصيًّا، وعلى الرغم من أنّني، بكلّ جوارحي، ضدّ التوطين-وموقفي أخلاقي مئة في المئة- أشكّ كثيرًا في أن تفشل جهود جماعات حقوق الإنسان. وذلك للسببَين الآتيَين:
الأوّل، عندما تتنامى أيّ حاجة واقعيّة وملحّة، وتتعاظم، يستحيل الوقوف في وجهها.
والثاني، قد يُقرّ المشروع مع استثناء الفلسطينيّين من أحكامه-وإن بصعوبة كلّيّة-باعتبار أنّ "الدولة الفلسطينيّة" العتيدة ستعطيهم "الجنسيّة الفلسطينيّة". عند ذاك يصبح حكمهم، في لبنان، حكم أيّ أجنبيّ يقيم فيه.
ولكن، إذا طال أمر قيام الدولة الفلسطينيّة، أو تعذّر، سيعود الموضوع، وسيُطرح بحدّة أكثر. ولا ننسى، أنّ الاحتجاجات الصاخبة واللّجوجة لا تزال محتدمةً منذ "استثناء" الفلسطينيّين من حقّ التملّك والقيام بمهن ووظائف معيّنة، وغير ذلك... فالجميع، اليوم، رازح تحت الضغوط الساعية لإعطاء الفلسطينيّين "حقوقهم الإنسانيّة الطبيعيّة". فصارت الإرادات الممانعة أقلّ تصلّبًا تجاه هذا المطلب.
وفضلاً عن ذلك، لا أحد، ولا شيء، يضمن أن يعود الفلسطينيّون إلى ديارهم، حتى بعد حصولهم على الجنسيّة الفلسطينيّة.
* * *
في يقيني، إنّ مسألة التوطين قائمة بشدّة. وستبقى كذلك، مع الأسف. وسيذوب الفلسطينيّون- أو من يتبقّى منهم-، في لبنان، مع الوقت، بطريقة أو بأخرى. هذا ما علَّمنا التاريخ.
ولكن، هناك وسيلة فعّالة تزيل خطر "الإخلال" بالتوازن الداخليّ الطوائفيّ، بتوطين وبغير توطين، سواء أفي الآن أم على المدى البعيد، وهي الدولة "الفدراليّة" في لبنان.
إيجابيّات "الفدراليّة" كثيرة ووفيرة، إذا حققناها بجدّيّة وصدق، ووفقًا لقواعدها ومستلزمات إنشائها، وبإخلاصٍ لمقتضياتها.
فلنطالب جميعنا، بها، باقتناع ورضًى، لأنّ بها وحدها، في لبنان، يمكن أن:
• تسودَ المساواةُ السياسيّة التامّة بين الطوائف، على الرغم من تفاوت الأعداد، في دولة لبنان الواحدة.
• تُحترمَ خصوصيّاتُ الجماعات وأفرادها احترامًا عميق المدى.
• يحيا المواطنُ وفق إيمانه ومعتقداته، على النحو الأفضل، في دولة مدنيّة، لا دين معيّنًا لها.
• تتحقّقَ المساواةُ في الحقوق والواجبات المواطنيّة، من غير أن يجاوز حقٌّ واجبًا، أو واجبٌ حقًّا.
• يتشاركَ المواطنون، بالتساوي، في الحياة العامّة وإدارة الدولة، على المستويات كافّة.
• يرسَخَ الوفاقُ الوطنيّ، والعيشُ المشترك التآلفيّ، والاستقرارُ الصلب، في أجواء الحرّيّة والديمقراطيّة التوافقيّة والعدل الاجتماعيّ.

فرعي:
مبدئيًا ان اللبنانيين المتضررين من التوطين هم المسيحيون والشيعة والمتهمون بالرغبة به هم السُنّة
لن يتم تحقيق التوطين بقانون من المجلس النيابي، مخالفاً الدستور
التوطين سيتم بذوبان تدريجي وعلى نحو غير مباشر
عاقبة إقرار نص قانوني يجيز لأولاد اللبنانية المتزوجة من أجنبي الحصول على الجنسية، تهافت الفلسطينيين للزواج من لبنانيات!
هناك وسيلة فعالة تزيل خطر الإخلال بالتوازن الداخلي الطوائفي: الفدرالية


أنطوان نجم
almassira@almassira.com

Top of Page

Related Articles:

كلمة هادئة في التوطين

- Sep 11, 2009 - 7:18:29 PM



© Copyright 2009 by Lebanese Forces Official Website

Articles
Latest Headlines

في ذكرى الرئيس بشير الجميّل :لنعتمدْ مبدأ "الحلول المتناقضة"

أنطوان نجم : حكم أكثريّ في نظام طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة

كيف نعالج الخلل الديمغرافيّ؟

كلمة هادئة في التوطين

مفهوم التعايش

الاتّحاديّة منطلق الحلّ

رؤيا والتزام

يوميّات في الملجأ

من "القوميّة" الى "الهويّة المجتمعيّة"

متى يبطل وجود مقاتلين مسيحيّين في الوضع اللبناني؟