From
Lebanese Forces Official Website
يوميّات في الملجأ
By Antoine Najem - Al Massira Magazine
Nov 5, 2007 - 7:39:38 AM
خطوة خطوة، تكاد المناطق الشرقية تُقاد عنوة الى عشية بدء ظلمة المدافع وقهرها في العام 1990
.
الخطاب السياسي محشو تهديدات بالنزول الى الشارع، وثمة حديث كثير عن تسلُّح وتدريب هنا وهناك، وأن الآتي الأعظم سيأتي، ليعاود الناس النزول الى الملاجئ، وتنقطع الكهرباء، والمياه، وتدق القلوب على أعتاب الموت
.
أمر مُحيِّر بالفعل، ألا نكون قد تعلّمنا شيئاً، وخصوصًا ألا يكون هواة الزعماء والمُتزعِّمين وزبائنهم قد لاحظوا بعد أن خطر الحرب لن يوفر أحدًا، وأن الناس سوف تحصد الأخضر واليابس، وأن حياتهم هم تحديدًا بالدق، وكل ذلك لقاء ماذا، ومَنْ؟
هذه اليوميات صالحة لكل حرب، في زمنٍ كنا نعتقد فيه بأن العبرة دخلت جماجم الجميع، وبات يومنا نضالاً سمحًا مسالمًا من أجل الحرية والإنسان
.
المسيرة
في حرب الإلغاء، في العام 1990، كنتُ وعائلتي وجيران البناية مجتمعين في ملجإها. تسنّى لي، في بعض اللحظات العصيبة، أن أدوّن، على الفور، ما أكابده، معبّرًا عن أحوالي النفسيّة وعمّا يخطر في بالي من أفكار وهواجس
.
إنّها سطور معاناة بامتياز. يبرز، من خلالها، الضعف البشريّ جليًّا. وتظهر غلبةُ غريزة البقاء وحاجيّات الحياة البدائيّة على تاريخٍ التزاميّ وطنيّ عميق، لم يضعف يومًا من قبلُ. في تلك الفترة، كما في الوقت الحاضر، فقدتُ ثقتي بمن سبق وأوليتهم إيّاها. إنها حال إحباط قد تجوز أيًّا كان. ألم يمرّ المسيح-الإنسان بنوعٍ منها وهو على الصليب؟
وأردتُ أن أبعث بهذه اليوميّات إلى الرفيقة وصديقة العائلة الآنسة غيتا حوراني، مع رسالة فصيحة الدلالات التشاؤميّة، بعدما وصلني خبر من صديق أن غيتا، المغتربة، قلقة على عائلتي. لكنّ البريد خيّب أملي
.
واليوم، إذْ أتعمّد نشر هذه اليوميّات والرسالة المرفقة، وإنْ بدا الأمر في غير أوانه، أهدف أن أبعث، بواسطة قرّاء المسيرة، رسالةً إلى من جعلنا نبتلي في الماضي بحرب إلغاء بالحديد والنار، تلاها احتلال جثم على صدورنا عقدًا ونصف العقد، لأقول له فيها إنّه يقودنا، حاليًّا، بتصميم وإدراك، إلى حرب إلغاء أخرى، وجوديّة، هذه المرّة، قد تكون عواقبها وتداعياتها عميقة الأذى بمقدار لا يخطر في البال
.
11/2/1990
أكتب لأنّني أحسّ بالحاجة الملحّة لأن أكتب، ولأن أحدهم حصل على بطّاريّة سيّارة محطّمة، فأنار عتمة الملجإ المرعبة. إنّه ملجأ بناية أسكن فيها. وهي في نيو جديدة، في خطّ التّماس الجديد حيث يتواجه المتقاتلون الأخوة، وحيث تنصبّ علينا ويلات الفريقَين
.
أكتب بعدما هدأ الصراخ والعويل إثر إصابة خمسة أشخاص من أفراد الملجإ بقذيفة هاون، خاطروا في الخروج قليلاً ليروا نور النهار. أُخذ الجرحى، أوّلاً، إلى مستشفى مار بطرس وبولس. لكنّه ما كان قادرًا على القيام بالخدمات الطبّيّة بسبب الدمار الذي حصل فيه. فنُقلوا إلى مستشفى الأرز. ونحن في انتظار الأخبار عنهم. لا نعلم بعدُ نوعيّة الإصابات ومدى خطورتها
.
هذا يومنا الثاني عشر في الملجإ. ممنوع علينا الخروج منه. ينقصنا كلّ شيء. نتمنّى أن يزورنا أحد من الناس، علّه يتكرّم علينا بهديّة ثمينة جدًا، أيْ بغالون ماء، أو ربطة خبز، أو علبة جبن
...
أكتب والقذائف تنهال علينا
.
يبدو أن شعبنا ارتكب خطايا رهيبة حتى ضُربنا بما نُضرب به
.
لم يكفِ ما قاسيناه سابقًا: الموت، الدمار، خيبات الأمل، خسارة القضيّة. وهذه الأخيرة أفدح خسائرنا. فمن يصدّق، بعد الآن، أنّ لنا قضيّة؟ مَن سيكون عنده، بعد الآن، اندفاع ليمدّ لنا يد المساعدة، حتى ولو كانت أدبيّة أو سياسيّة؟ من سيبقى يؤمن بنا؟ من سيصدّق أنّنا شعب جدير بالحياة الحرّة الكريمة؟ وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فقدنا الفخر بأنفسنا، وفقدنا الكبرياء والماضي المجيد
.
رحم الله الذين ماتوا أو استشهدوا منذ خمسة عشر عامًا. لقد رحلوا من غير جدوى
.
12/2/1990
عرفنا هذا الصباح أنّ جروح المصابين ليست خطرة. فحمدنا الله
.
وتمكنّا، في فترة هدوء قصيرة من زيارة بيوتنا والاطّلاع على ما أصابها
.
كلّ شقّة أصيبت بقذيفتَين على الأقلّ. النار اشتعلت في الأفرشة وخزائن الثياب. كلّ ما هو زجاج لم يعد له أثر. الألومينيوم طار من أمكنته وافترش الطرقات. أحجار الحيطان زرعت المحيط. والمطر يهطل بغزارة، ويدخل من الشبابيك المخلّعة، ويدعو السجّاد إلى السباحة في بحيرات المياه
.
أمّا سيّارتي فثقبتها الشظايا من كلّ الجهات، وسال البنزين على الأرض. سيّارة واحدة في نيو جديدة لم تنجُ من المصير المحتوم. فقد شملتها كلّها بركات الدمار
.
أمّا المكتبة-وهي في منطقة السبتيّة- فلا أعلم عنها شيئًا
.
والمشكلة الكبرى، الآن، أن زوجتي تشعر بآلام مفاصل لا قدرة لها على احتمالها. وهي صفراء الوجه. ترتجف بردًا وألمًا. لا أدري ما العمل. وقد طلبتْ بعضًا من حبّات الأسبرين. فوعدني أحدهم بها. وأنا في انتظارها
.
طفلي مارون–وقد دخل في عامه السادس-يطرح عليّ أسئلة كثيرة. لا قدرة لي ولا لسواي على الإجابة عنها. أسئلة محرجة جدًّا جدًّا. أمّا ماري-جيزو وكيتي ودوللي وجان وبيير فواجمون. ينظرون إليّ بعيون أقرأ فيها العتب والملامة. تصوّرتُ أنهم يتساءلون لماذا أبقيتهم في هذا البلد؟ لماذا غرستُ في قلوبهم حبّ لبنان؟ لماذا جعلتهم يفتخرون بانتمائهم المسيحيّ؟ وما هي المبرّرات السامية لهذا الانتحار الجماعيّ؟ وما مصيرنا بعد أن يقضي بعضنا على بعض؟
كنتُ أحاول أن أخفّف عن الجميع؟ أشدّ من عزيمة زوجتي لأحدّ من آلامها. ولكن عبثًا. شرحتُ لأولادي أن شعوب العالم كلّها أصيبت-وتصاب-بمثل هذا الخَبَل. المهمّ ألاّ نفقد الأمل. المهمّ أن نبقى لنعيد بناء ذاتنا ومجتمعنا. هذا كلام هراء، كلام لا معنى له، قال بعض سكّان الملجإ. وأكاد أنا، أيضًا، أقتنع بأنّه كلام فارغ في مثل هذه الظروف
.
القصف يعاود الآن. أصواته تختلط بأصوات الرعد. والكلّ في الملجإ يندب حظّه. ويُجري حسابات الخسارة، الماديّة منها والمعنويّة. فمنّا من فقد كلّ ما جناه. ومنّا من لا يأمل بأيّ مساعدة تمكّنه من النهوض من كبوته. ومنّا من أغلظ الإيمان بأنّه لن يبقى يومًا واحدًا في لبنان إذا ما قدر على الهجرة
.
15/2/1990
إستيقظنا باكرًا جدًًّا على أصوات انفجارات تصمّ الآذان. إنّه يومنا السادس عشر في الملجإ. أبواب جهنّم مفتوحة
.
بعد وقف إطلاق النار الثاني، هذا اليوم، خرجتُ قليلاً لأتفقّد المنزل. لقد تخلّعت أبوابه، وخرجت صناديق الأبواب من أمكنتها بفعل انفجار خزّان غاز صغير في الكازخانة حصل ليلة أمس
.
أخبار الإذاعات لا تُطمئن. واعتقادي أنّنا بتنا، وطنيًّا، خاسرين كلّ شيء.كنتُ صاحب أمل ورجاء. أمّا الآن، بعد هذا العته، فما عاد عندي لا أمل ولا رجاء. يا ليتني وعائلتي في بلاد غير هذه البلاد
.
18/2/1990
بشّرتنا الإذاعات، مساء أمس، بوقف إطلاق النار وبوقف العمليّات العسكريّة. لا أكتم سرًّا إنْ قلتُ إنّ سكان الملجإ لم يصدّقوا الخبر. إحساسهم يقول إنّه هدنة فحسب. هدنة لا تدوم طويلاً. هدنة من أجل تحضير معارك أشدّ وأعنف
.
عرفنا ماذا جرى في عين الرمانة وفرن الشباك. بعض أشخاص تمكّنوا من الهرب من جحيم المعارك هناك، وأخبرونا عن الدمار والموت اللذين حلاّ في مثلّث الصمود. فبكَوا، وأبكونا معهم
.
الهدنة دامت طوال هذا اليوم. لكن القنص لم يتوقّف. والقنص، عندنا، ليس بالرصاص أو بالرشاش الـ500 فقط. القنص في خطّ التّماس الجديد هذا، والذي يفصل نيو جديدة عن معمل البيره والأوتوستراد، يتمّ، أيضًا، بالآر بي جي. هذا امتياز ننعم به، ويُجبرنا على البقاء في الملجإ
.
هذا يوم أحد آخر أُحرم فيه من المشاركة في القدّاس. إنّه أمر يؤلمني. الذبيحة الإلهيّة تعيد إليّ الرجاء. تخفّف من آلامي الروحيّة. تنسيني سيطرة الشرّ، وتجعلني آمل باستمرار وجود الخير
.
19/2/1990
وقْف إطلاق النار صمد لليوم الثاني. والقنص خفّ كثيرًا. فخرجنا من الملجإ. ولكن المطر المصحوب بالعواصف الهوائيّة أعادنا بسرعة إليه. لا شيء في البيوت يحمينا من البرد. برد الملجإ أخفّ وقعًا. وجود الناس الكثر فيه يعطي بعض الدفء
.
قالت لي زوجتي: تعالَ نضع بيانًا بمصروفاتنا منذ شباط 1989 إلى شباط 1990. سعيتُ إلى التهرّب من تلبية هذا الطلب، لعلمي بأن بيانًا من هذا النوع سيزيد من تعصيب زوجتي ويزيد من أوجاعها. لكنّ إلحاحها وإصرارها جعلاني أنزل عند إرادتها
.
في حرب التحرير، قضينا سبعة أشهر في بلدتي قرطبا. وقد لجأ إلى منزلي، هناك، أقرباء لي. كنّا ستة وعشرين شخصًا. والمكتبة، في هذه الفترة، مغلقة. (آه! نسيت أن أذكر أنّني تفقدتُ المكتبة قبل الظهر بعدما خفّ المطر. لم تصب بأذًى. هذه نعمة كبيرة. وقد خفّف ذلك من همومي). بلغت المصروفات الشهريّة في فترة حرب التحرير وتصليح الألومنيوم وتركيب الزجاج في منزلي ومنزل أهلي مبلغَ... وهو كبير جدًّا بالنسبة إلى دخلي، وقد ألقى على كاهلي دينًا لم أخرج منه بعد
.
أمّا الحرب العبثيّة والمجنونة التي يخوضها المسيحيّون، في الوقت الحاضر، بعضهم ضدّ بعض فقد كلّفتني كذا (وهو رقم كبير، أيضًا). ولكن خسارتنا الجديدة في حرب الإلغاء تعتبر هزيلة أمام خسائر سائر الجيران في البناية نفسها. فضلاً عن الرعب الذي قاسيناه والذي لا نزال نقاسيه. عند هذا الحدّ، قالت لي زوجتي: كفى! كفى! لم أعد أتحمّل. قلتُ: نشكر الله أن أحدًا منّا لم يصب بأذًى. وهذا أكبر ربح. وما سوى ذلك فيبقى بسيطًا. والله لا يترك أحدًا في مصيبته
.
21/2/19990
إنّه يوم الهدنة الرابع. صمد وقف إطلاق النار حتى الآن. لكنّ القنص على خطّ التّماس مستمرّ
.
ذهبتُ للمرّة الثانية لتفقّد المكتبة على الرغم من أنباء لا تبشّر بالخير. المكتبة لست مصابة. وتعجّب بعض الجيران من مخاطرتي في التجوّل هناك
.
23/2/1990
أخبار هذا الصباح جيّدة. فقد جاء في صوت لبنان أن إزالة بعض العوائق والألغام وفتح بعض الطرقات سيتمّان ابتداءً من الساعة السابعة. إستبشر بعض سكان الملجإ بهذا الخبر. أمّا الآخرون فاعتبروا أن العِماد تراجع عن هدفه الرئيسيّ الذي أعلنه. وهذا لا يجوز
.
منذ اندلاع هذه الحرب المجنونة، لم أتفوّه بكلمة واحدة في الشؤون السياسيّة على الرغم من أنني في صميم صميمها. وذلك لسببَين. الأوّل، يشكّل الناس في الملجإ عالمي الوحيد في هذا الظرف. وهم مقسومون بعنف بين مؤيّد للعماد عون وغير مؤيّد له. في ملجإنا، المؤيّدون هم الأكثريّة.(لا أدري كيف الوضع في الملاجئ المجاورة). في ملجإنا لا مجال لتحكيم العقل. الانفعال سيّد مسيطر، خصوصًا عند النساء. وهنّ لا يقبلن البحث في الموضوع إذا كان الكلام لا يؤدّي، سلفًا، إلى إعطاء العماد الحقّ المطلق لما يقوم به. وكلّ حديث هادئ مبنيّ على تحليل عقلانيّ للحقائق السياسيّة والمجتمعيّة القائمة أمر مرفوض من أساسه
.
والسبب الثانيّ يعود إلى استحالة الاتصال بأيّ كان (خارج الملجإ) لاستيضاحه حقيقة ما يجري، أو سؤاله ما يُهيّأ ويُحضّر. وفي غياب المعطيات الصحيحة، فإن الصمت، في هكذا أجواء، أفضل وأجدى لقيام جوّ إنسانيّ هادئ وتضامنيّ في هكذا أحوال، نحن جميعًا في أشدّ الحاجة إليه
.
خصّصتُ فترة قبل ظهر هذا اليوم للخروج من الملجإ بغية إقناع أحد أصحاب المؤسّسات، في بناية قريبة من بنايتنا، بالسماح لنا بمدّ خطّ كهربائيّ تريفازي لمدة ساعتَين فقط، ثلاث مرّات في الأسبوع، من أجل ضخّ مياه الاستعمال من بئر إرتوازيّة إلى خزان المياه على السطح. يا الله! كم أشعر بالخجل والمرارة وأنا أستعطف مواطنًا مسيحيًّا ليشفق على خمسين شخصًا في الملجإ في حاجة، ولا أكبر، إلى التزوّد بالمياه. إضطررت إلى موقف الذّل هذا، وتمكنتُ من الحصول على وعد بالمساعدة مرّة واحدة فقط. قلتُ في نفسي: لنقبل هذه الهبة اليوم ونملئ الخزّان. وسأرى بعد يومَين ما يمكنني أن أفعله
.
على الرغم من أخبار الصباح، تعكّر الجوّ بعد الظهر. وعاد القنص بكثافة إلى حيّنا. فهرعنا جميعًا إلى الملجإ
.
25/2/1990
الأجواء تنحو نحو الهدوء بحسب بعض الإذاعات، وباقية على تشنّجها بحسب الإذاعة اللبنانيّة الناطقة باسم شرعيّة العماد عون. على كلّ حال، فإنّ خطّ التّماس عندنا متوتّر جدًّا، ونكاد لا نقدر على الخروج من الملجإ. إنّنا في حاجة إلى بعض النظافة وإلى تغيير ملابسنا. فلننتظر
.
اليوم هو الأحد. إنّه أحد آخر من غير قدّاس. سنستعيض عنه، في المساء، بصلاة جماعيّة لمن يرغب في الاشتراك فيها
.
تسنّى لي اليوم، وعلى ضوء بطّاريّة سيارة مقبول، أن أقرأ في كتاب
Antimémoires
للكاتب الفرنسيّ الكبير
André Malraux.
وقد لفتتني هذه العبارة لغاندي عن ستالين
: « La Russie a un dictateur qui rêve de la paix et croit pouvoir l’atteindre à travers une mer de sang. ». (
وترجمتها: في روسيا دكتاتور يحلم بالسلام. ويتصوّر أنّه قادر على تحقيقه عبْر بحر من الدماء). إنّ في هذا القول عمقًا ووضوحًا وحكمًا صائبًا، وليس فيه ما يحتاج إلى شرح أو تفسير
.
رفَض صاحب موتور التريفازي تجديد إيصال الكهرباء إلى مضخّة المياه. فعاد همّ تأمين المياه إلى نقطة الصفر. فما العمل؟ لا أدري
.
28/2/1990
اليوم هو نهاية شهر شباط. وهو، أيضًا، اليوم التاسع والعشرون للحرب المجنونة والعبثيّة
.
منذ شهرَين لم نقبض رواتبنا. المال النقدي اختفى من جيوب أكثرنا. وهو في طريقه إلى ذلك عند الباقين. كان هذا الموضوع مدار تعليقات مختلفة لسكان الملجإ. وطلبات الأولاد الصغار لا يمكن أن نُسكتها. وهناك والديّ اللذان هما في حاجة إلى أدوية دائمة لإصابتهما بأمراض مزمنة
.
القلق واضح في عيون الرجال. والتعصيب يشتدّ ويرتفع عند جميعنا، وخصوصًا عند النساء. ما عاد أحد قادرًا على تحمّل أحد. فأيّ رأي يبديه فلان يلاقي معارضة من فلَيتان، لا لشيء إلاّ تنفيسًا عن جوّ ضاغط
.
فكّرتُ في ما ينبغي عمله لتأمين بعض السيولة. فقرّ رأيي على إعادة فتح المكتبة. وما إن أطلعتُ زوجتي على ما عقدته من نيّة حتى أصابها الهلع، وأحسّت فورًا بآلام قويّة في الرأس، فضلاً عن آلامها المستمرّة في المفاصل. وأخذ الأولاد موقف والدتهم، وطلبوا إليّ جميعهم بألاّ أترك الملجأ لأيّ سبب كان. فرأيتُ نفسي بين نارَين. فإمّا أن أخاطر سعيًا إلى بعض المال تأمينًا لأدوية والديّ والحدّ الأدنى من حاجات عائلتي، وإمّا أن أبقى ملازمًا الملجأ منتظرًا أن يمرّ بنا قريب أو صديق يقرضني ما أحتاج إليه، أو إلى بعضه
.
1/3/1990
أمضيتُ ليلة بيضاء لم أعرف فيها النوم. كان عليّ اتّخاذ قرار. في النهاية، تغلّب منطق الحاجة على منطق السلامة. فقرّرت الذهاب إلى المكتبة في الصباح الباكر. وما كادت عيناي تستسلمان للنوم حتى استيقظتُ، وسكان الملجإ مذعورون، على أصوات قصف المدافع على نحوٍ رهيب. كانت الساعة السادسة إلاّ ربعًا من صباح هذا اليوم المجنون الخميس في أوّل آذار
.
إن ما عانيناه في هذا النهار لم نعانِ مثله طوال الشهر الفائت. لم نتمكن من الخروج من الملجإ مترًا واحدًا. مسجونون فيه. ولكنّنا أحياء بفضله. البناية أصيبت، من جديد، مرّات عديدة وبعنف. كذلك الأبنية المحيطة. واشتعلت النيران في غير مكان، وفي بعض خزّانات المحروقات في الكازخانة. دخانها وصل إلى الملجإ، ويكاد يخنقنا
.
قبعتُ حزينًا في إحدى الزوايا، أنظر منها إلى ما يجري في الملجإ، وأتأمّل في ما صرنا إليه. لم يرَ سكان الملجإ ضرورة لأن يتركوا أفرشتهم. خصوصًا وأنّ هذا النهار تميّز، أيضًا، بعاصفة من الأمطار جديرة بشهر آذار. ففضّلنا البقاء تحت الأغطية
.
سكان الملجإ أقلّ عصبيّة هذا اليوم، وأكثر صمتًا ممّا هم عليه عادةً. لقد تعبوا. تعبوا من الانتظار. من التفكير. من نصرة هذا أو ذاك. وأصوات القصف تصمّ الآذان
.
قلتُ في نفسي: أيّ هدف سامٍ، جميل، رفيع، عظيم، يستأهل هذا الموت كلّه وهذا الدمار الذي لا يوصف؟ أيّ مِثال من المُثُل العليا يفترض هذا الانتحار الجماعيّ؟ وما قيمة أيّ نصر، وأيًّا كان صاحبه، بعد أن يحصد الموت والدمار هذا العدد الكبير من الناس والأرزاق؟ هل أصبحتُ كافرًا؟ هل فقدتُ روح الصمود؟ لست أدري. ولكنّني أحسّ بالحاجة إلى دفن رأسي في حفرة قذرة خجلاً من خمسة عشر عامًا من الشهادة والشهداء، ومن الأجيال المقبلة التي أسمعها منذ الآن تقول لجيلنا: تبًّا لكم، يا من خنتم الوديعة واستحققتم لعنة التاريخ والحفداء
!
5/3/1990
إنّه اليوم الأوّل الذي لم تُطلق فيه رصاصة في حيّ التّماس في نيو جديدة. إنّه يومنا الرابع والثلاثون. أيْ قضينا ثلاثة وثلاثين يومًا مجنونًا، فيها العقل غفا، واستيقظت البهيميّة في الإنسان
.
فهل وعى المعتدي ما جنته يداه؟ وهل أدرك، بفعل نعمة خاصّة، هول ما حصل فتوقّف عند هذا الحدّ؟
المهمّ أن تتوقّف هذه الحرب العبثيّة وتنتهي. ولكن أنّى لها أن تصل إلى خواتيمها وأسبابها ما زالت قائمة! الجرح سيختم على زغل، كما يقول مثلنا العامّيّ. ولربّما تنتظرنا حرب أخرى أكثر هولاً وأشدّ فتكًا
.
نجّنا، يا ربّ، من المستقبل الأسود، وأنر عقول القادة، وهبهم الحكمة والرويّة والقلب الرؤوف
.
وفي 8/3/1990، كتبتُ الرسالة الآتية
:
رفيقتي العزيزة غيتا،
أكتب إليك لأطمئنكِ عنّا. العائلة بخير على الرغم من الأوقات العصيبة التي مررنا بها
.
لا أزال تحت وقع الصدمة والقرف. ورأيت أنّ أفضل ما يجعلكِ تشعرين معنا وتعيشين مأساتنا هو أن أرسل إليكِ يوميّات، كما هي، وعلى علاّتها، كتبتُها وأنا والعائلة في الملجإ
.
أتذكرين ما سبق وكتبته إليكِ؟ أتذكرين كم كنتُ متشائمًا من وصول الجنرال إلى السلطة؟ أنا، اليوم، بطبيعة الحال، أكثر تشاؤمًا، خصوصًا بعدما جرى ما جرى
.
أنا مقتنع بأنّ أعداء المسيحيّين، في لبنان، هم المسيحيّون أنفسهم. وإذا كان هناك من مؤامرة، فإنّهم هم المتآمرون. وإلاّ كيف تفسّرين، بربّكِ، ما قاموا به من قتل ودمار؟ إنّ ألدّ أعداء المسيحيّين ما كان قادرًا أن يفتك بهم كما فتكوا، هم، بأنفسهم
.
إنصحي كلّ لبنانيّ موجود في الخارج بألاّ يعود إلى لبنان في زمن الجنرال. وإلاّ سيصبح وقودًا لنار الحقد والصراع الشخصيّ. قولي لهم إنّ لبنان الذي تطلّعنا إليه، وتصوّرناه في تمنّياتنا، ليس لبنان الانتحار الأخويّ. أقدّم هذه النصيحة بكلّ أسف، وبقلب تعصره الحرقة. لقد طعن الجنرال هذا الحلم في أعماقه. ولا ينقذ الحلم إلاّ أعجوبة. فهل يمنّ الله علينا بها؟
صليّ حتى يعود الحلم، ويتحقّق الحلم
.
© Copyright 2007 by
Lebanese Forces Official Website