Antoine Najem : Articles Last Updated: May 17, 2009 - 4:29:26 AM


من "القوميّة" الى "الهويّة المجتمعيّة"


By Antoine Najem
Sep 23, 2007 - 7:12:46 PM

Email this article
 Printer friendly page

كان موضوع "القومية"، إثر  إنهيار السلطنة العثمانية وخصوصا بعد نشوء دولة إسرائيل وبسببه، طليعة ما خضّ شرقنا برمّته، ودافعا الى إنقلابات عسكرية وتأسيس أنظمة ديكتاتورية. كما أثار المشاعر في طول الشرق وعرضه وأقام الدنيا ولم يقعدها بعد.

 منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى وخلالها وبعدها، طرح اللبنانيون مسألتهم الوطنيّة من زاوية "القومية"، بواسطة جمعيات وأحزاب في الوطن ودنيا الإغتراب. ومنها "حزب الاتحاد اللبناني" في الاسكندرية (مصر) بمساعي المحامي يوسف السودا. وإن الشاب اللبناني الدرزي عباس المصفي كان أول من استعمل بالعربية عبارة "القومية اللبنانية" عندما القى خطابا بعنوان "روح الشعب اللبناني وروابطه القومية اللبنانية" في احتفال حزبي في الاسكندرية في 3 آذار 1918.

 هدف هؤلاء اللبنانيون الى إقامة دولة لبنانية مستقلة، سواء عن الدولة العثمانية قبل انهيارها، أم عن المحيط السوري بعد ذلك. وفي إقتناعهم العميق ان الكيان المرتجى حام لخصوصيتهم، حرية وعبادة وتفتحا، وخصوصا مبعدا عنهم كأس الذمّية المرير.

 ورفضُ المسلمين، عموما، وغالبيتهم سنّة، تقسيم الشرق الى دول بعد صدمتهم بإلغاء "الوحدة الاسلامية" التي كانت متمثلة بالامبرطورية العثمانية، أدّى بهم الى طرح "وحدة" بديلة وان بمساحة أقلّ. فانطلقوا في سعيهم من مفهوم اعتمد العالم عليه حينذاك، خلقته اوروبا ورعته. هذا المفهوم هو "القومية". فشكلت "القومية" رأس حربة في نضالهم، وعباءة لطت تحتها، في لبنان، ثلاث اتجاهات.

 الأول – سائر في خطّ إيماني ديني اسلامي (القائلون بالوحدة الاسلامية والغالبية الساحقة من أصحاب القومية العربية)

 الثاني – رافض كليّا للذّمية، او لما يحاكيها او ينتسب اليها من قريب او بعيد، ولو بقدر قلامة ظفر (القوميون اللبنانيون)

 الثالث – رافض للكيان اللبناني لاعتقاده أن الحكم الحقيقي فيه بيد الموارنة، أو لأنه عائق في وجه الوحدة العربية.

 لذلك، ما إن دعا أنطون سعادة الى القومية السورية – وهو من أعطى الفكر القومي منذ مطلع الثلاثينات من القرن الماضي زخمه وجاذبيته – حتى انضوت تحت لوائها النفوس المهيئة للقبول بها، كلّ انطلاقا من أفقها وخصوصيتها وهدفها.

 إن المحرك الأساسي للإنضواء في الحزب السوري القومي الاجتماعي، خصوصا في فترته الاولى، لم يكن "علمانية القومية" التي قدمها بصدق وإخلاص مؤسس الحزب وصحبه وعارفو أهدافه معرفة دقيقة – وقد ذهبوا بالعلمانية الى حدّ اللامبالاة الدينية، لا بل الى البرودة الدينية والى تشجيعها على نحو غير مباشر. كان المحرك الأساسي هو نزعة التخلص من الكيان اللبناني والإفادة، بالنسبة للعروبيين، من الدعوة الى "توحيد" لبنان وسوريا كخطوة اولى نحو وحدة عربية أكثر إتساعا. لذلك خسر الحزب قاعدة إسلامية واسعة بوتيرة نشوء حركات عروبية صريحة، بدءا من "النداء القومي" في العام 1933، مرورا "بالبعث العربي" في نهاية الأربعينات، وصولا الى الدعوة القومية العربية لعبد الناصر منذ منتصف الخمسينات، بالإضافة الى ما حركته كتابات ساطع الحصري وميشال عفلق وزكي الأرسوزي في موضوع القومية العربية.

 والحزب السوري القومي الاجتماعي، اليوم، وإن بقى على فكره العلماني الأساسي، إلا أنه يعمل على الغاء الطائفية السياسية فحسب. ليس لأن " الغاء الطائفية السياسية " هو الخطوة الأولى نحو العلمانية، أو لأنه وحده الممكن في الوقت الحاضر، لا يأسا من الوصول الى العلمانية على المدى المنظور او الأبعد منه، في أجواء غليان الأصولية الاسلامية المسيطرة في المناطق الاسلامية من أقصى شرقها الى أقصى غربها.

 أما الشيوعيون المنتظمون في تلك الفترة تحت قيادة حزبية لبنانية – سورية واحدة فانتقلوا من العقيدة اللاقومية الى تبنّي القومية العربية صراحة في أيار 1956 والتأكيد عليها في كانون الثاني 1958. فكانوا بذلك مسلّمين، عمليا، بسيطرة الفقه الاسلامي على نظام الدولة العربية الواحدة التي تعمل لها القومية العربية. وقد عرفنا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أن النظام الماركسي المتشدد في الالحاد المناضل واللامركزية المتزمتة، فشل هناك في قتل الايمان الديني وفي الغاء الإعتقاد الفقهي بالنظام الاسلامي حيث يسود المسلمون (الشيشان). فكيف يكون الوضع، بالتالي، حيث المسلمون لم يمرّوا بالتجربة الماركسية وهم يعملون براحة وبصورة تلقائية طبيعية لنظام حكم اسلامي ؟

 وهكذا فرز الناس أنفسهم.

 ومع أنهم كاهم يلعنون الطائفية ويشتمونها ليل نهار، فهم يعملون لها بنيّات مختلفة. منهم من يرمي الى إقامة أنظمة حكم دينية صريحة (الأصوليون السنة والشيعة)، أو سيطرة إسلامية معلنة (العروبيون)، أو الحفاظ على نظام تعددي قائم على الطوائف (القوميون اللبنانيون من علمانيين وغير علمانيين).

 ثم ما الذي لاحظناه منذ الثمانينات من القرن الماضي ؟

 إن عددا كبيرا ممن كانوا في الحزب الشيوعي او منظمو العمل الشيوعي او الحزب السوري القومي الاجتماعي، او في في احزاب وحركات الحادية وعلمانية، انتقلوا الى "حزب الله" و "الجماعة الاسلامية" و "الأحباش" و "القوات اللبنانية" و "حراس الأرز" ...

 فبدل ان تتغلغل فكرة "القومية العلمانية" أكثر فأكثر في النفوس فها هي تتراجع أكثر فأكثر حتى تكاد تغيب عن الساحة. وما مشروع "إيسيسكو" الذي كان مطروحا في مطلع سنة 2004 إلا رصاصة الرحمة في التيار العلماني، قوميا كان أو غير قومي. ولن تكون "إيسيسكو" الحلقة الأخيرة في سلسلة المساعي الى تطبيق الذمّية بطريقة او بأخرى.

 الصراع القومي حاصر الانتلجنسيا، بنوع عام، والانتلجنسيا الملتزمة بالاحزاب العقائدية، بنوع خاص. فلوّن حياتها النضالية حتى في عمقها. وكاد يحتكر تفكيرها. وألهاها عن السعي العملي للمطالبة المنظمة بالتنمية على أشكالها وأصعدتها والتي تقتضي، لكي تتحقق، أجواء وطنية سلمية هادئة.

 في ضوء ما ورد أعلاه، نفهم اسباب الخلاف بين اللبنانيين، بعد الاستقلال، منذ أن طرحت مسألة اتفاقية النقد بين لبنان وفرنسا وسوريا وفرنسا في العام 1948، او قامت الانقلابات العسكرية في سوريا في العام 1949، او قامت الوحدة المصرية – السورية في العام 1958، او حصلت الاحداث في لبنان إثر قيا هذه الأحداث، أو تم توقيع اتفاق القاهرة مع الفلسطينيين سنة 1969، او انفجر الوضع في لبنان النفجار الكبير سنة 1975 وما تلاه من موت وكوارث وتدمير وفقدان للسيادة والاستقلال... فكيف يتمكن مجتمع يتنامى فيه الانقسام الداخلي على نحو مريع من دفع دولته الى وصع برامج تنموية طموحة وتنفيذها ؟

هذا ما جرّته علينا "القومية" بألوانها الدينية والرفضية والعلمانية من مصائب وأهوال طوال هذه المدة. وقد عرف الأنانيون والوصوليون والمتسلطون وصغار النفوس كيف يستغلون "العاطفة القومية" ليزيدوا الطين بلّة ويدهوروا الأوضاع في لبنان والشرق الى الدرك الذي وصلت اليه.

Top of Page



© Copyright 2007 by Lebanese Forces Official Website

Related Articles:

من "القوميّة" الى "الهويّة المجتمعيّة"

- Sep 23, 2007 - 7:12:46 PM

Articles
Latest Headlines

كلمة هادئة في التوطين

مفهوم التعايش

الاتّحاديّة منطلق الحلّ

رؤيا والتزام

يوميّات في الملجأ

من "القوميّة" الى "الهويّة المجتمعيّة"

متى يبطل وجود مقاتلين مسيحيّين في الوضع اللبناني؟

وحدة المسيحيين في لبنان: واقع ومرتجى

الأليكسو: فلسفة و إشكالات

نحو أحـزاب طـوائفـيـة ذات بنـيـة فيـديـراليـة