From Lebanese Forces Official Website

Articles

الاتّحاديّة منطلق الحلّ


By Antoine Najem
Mar 29, 2008 - 1:56:09 PM

antoine_najem.JPG
انطوان نجم- Antoine Najem
تغيير شكل الدولة أو نظامها، في أيّ بقعة من العالم، ينبغي أن يلبّي حاجة مجتمعيّة عميقة. أمّا إذا تمّ التغيير لغير هذا السبب الحيويّ، فيصعب عليه أن ينجز وعده ويخدم هدفه. كما أنّه لا يستمرّ إذا ما تبدّلت موازين القوى الفاعلة التي جاءت به. فضلاً عمّا يفضي إليه من تفسّخ داخليّ، قد يؤول إلى عواقب وخيمة، في أغلب الأحيان.
وأفضل منطلق فكريّ لتوجيه خطّ التغيير في الاتّجاه الصائب، يكمن في مقاربة الواقع المجتمعيّ مقاربة واقعيّة، تصفه كما هو، وترسم حقيقته على ما هي عليه، بغية استنباط القواعد الضروريّة والملائمة لانتظامه السياسيّ من خلال ديناميّته الداخليّة. أمّا أسوأ مقاربة فتكمن في مقاربة إيديولوجيّة تسجن، مسبقًا، خطّ التغيير في قوقعتها، أوافق التغيير تلك الحاجة المجتمعيّة أم لم يوافقها. وقد تذهب به مثلُ هذه المقاربة إلى ما هو أدهى من المجهول.
ويتّسم الواقع المجتمعيّ اللبنانيّ بما يأتي:
1. جماعاته متمايزة. وهي تتطوّر ذاتيًّا، وإنْ تجاورت جغرافيًّا. وتنظر كلّ منها إلى ذاتها أنّها وحدة مجتمعيّة متكاملة. والفرد فيها يتماهى مع طائفته أكثر من تماهيه مع أيّ بُعد آخر. وهذا مردّه إلى أنّ الطائفة، في لبنان والشرق برمّته، جسم مجتمعيّ تاريخيّ متلاحم، تداخلت فيه وتشابكت، في فعل جدليّ، مواقف ومفاهيم دينيّة بمواقف وخيارات سياسيّة. وقد تبلور هذا الجسم، عبْر الأجيال، بكلّ ما مرّ من أحداث وظروف، على الأصعدة المختلفة، ممّا أفرز واقعًا مجتمعيًّا، وماديًّا، ومعنويًّا، وروحيًّا، وطقسيًّا، وثقافيًّا، وسياسيًّا، عُرفت وتُعرف به الطائفة. لذا، تشكّل الطائفة بنية تحتيّة صلبة، أساسيّة وخلويّة، في الواقع المجتمعيّ-السياسيّ في لبنان والشرق.
هذا لا يعني أنّ عديدًا من الناس، في كلّ الطوائف، لم يخرجوا، أو لا يعملون على الخروج، من طوائفهم وعليها، باختيارهم توجّهات سوسيو-ثقافيّة أخرى، بنظْرات مختلفة إلى المصالح المجتمعيّة الوجوديّة العليا. ولكنّهم غيرُ ذوي فعّالية تقريريّة عامّة حتى الآن. لا بل لاحظتُ عندهم، في العقود الثلاثة الأخيرة، عودةً إلى طوائفهم على غير صعيد.
2. نظام جماعاته السياسيّ هو نظام التوافق بين "مختلفِين"، وقد اقتضاه "تعايش الضرورة" للدفاع عن الذات الطائفيّة.
3. "خطوط حمر"، نفسيّة وسياسيّة، تتحكّم في سلوك كلّ من هذه الجماعات، بهدف تحصين "مصالحها الوجوديّة العليا". وكلّ تخطٍّ لهذه الخطوط يشكّل خطرّا داهمًا على الجماعة. وأهمّ هذه الخطوط الحمر هي:
31. الحاجة الدائمة لكلّ جماعة أن تحيا وفق معتقداتها بحرّيّة، وأن يكون شعور الحرّيّة هذا ملازمًا لها في كلّ لحظة. والشعور بالخوف الدائم من فقدان هذه الحرّيّة يولّد لدى هذه الجماعة حساسيّة مفرطة تجاه أيّ خطر، حقيقيّ أو محتمل، يمكن أن يهدّد وجودها.
32. الميل الواعيّ واللاواعيّ، عند كلّ جماعة، لإحاطة ذاتها بسياج من الضمانات تتّقي به مخاطر المستقبل والمجهول.
33. ميل كلّ جماعة إلى طلب المزيد من الضمانات باعتبارها عاملاً نفسيًّا يزيد من الطمأنينة. وذلك لأن الخوف مستمرّ، عند كلّ جماعة، من أن تستبيح الجماعات الأخرى "المدى الحيويّ" أو "النطاق المحرّم"، السياسيّ والجغرافيّ، الذي تتحرّك هذه الجماعة في إطاره.
34. شعور الفوقيّة الذي يتجسّد في وعي كلّ طائفة لذاتها، وبالمقارنة مع الطوائف الأخرى، "تفوّقًا نوعيًّا" -وإنْ وهمًا- دينيًّا أو ثقافيًّا أو ديمغرافيًّا إلخ، خلقَ لدى كلّ منها إحساسًا بضرورة ترجمته سياسيًّا. وهذا ما أوجد عندها نزعة تسلّطيّة دفعتها، وتدفعها، إلى المطالبة بما هو أكثر، وخلقَ لها، أيضًا، تخوّفًا من الآخر "الأدنى" الذي قد يفقدها هذا التمايز بفعل "طمعه" بها.
هذا الوصف لسلوك الطوائف اللبنانيّة التاريخيّ تعبير عن البنية المجتمعيّة اللبنانيّة، ودليل أوّل صارخ وصُراح عن حقيقتها التعدّديّة الطوائفيّة. وقد جاءت الدولة اللبنانيّة، في تطلّعها البعيد، تحاول، عبثًا، أن تلغي هذه الحقيقة، أو تطمسها، على الأقلّ. من هنا تبرز، أمامنا، في جدليّة استمرار النظام السياسيّ، مجموعة من المعطيات، أُوجزها في النقطتَين الآتيتَين:
• الأولى، تكمن في أنّ دوام دولة لبنان، شكلَ دولةٍ ونظامًا، مرتبط بدوام الإرادة الاجماعيّة لطوائفه. والتعبير الدائم عن هذه الإرادة ضروريّ في سلوك الطوائف السياسيّ، لأنّ الإرادة التأسيسيّة التي عبّرت عنها كلّ طائفة لم تكن بلا شروط، علنيّة أو ضمنيّة.
• الثانية، تكمن في أنّ الطوائف وُجدت قبل الدولة والنظام، وهي علّة وجودهما. فالدولة هي المصلحة المشتركة بينهما. والنظام هو شبكة العلاقات والتنظيمات المتداخلة لتأمين هذه المصلحة. وأيّ تغيير في شكل الدولة يَفترض، بالتالي، إرادة إجماعيّة. وكلّ تغيير في النظام، أي في مستوى المصالح المشتركة وتنظيمها، لا يوافق عليه الجميع يعني انتفاء علّة وجود الدولة، أي انتفاء هذه الدولة في وجدان المتضرّرين.
إنّ هذه المعطيات التاريخيّة المجتمعيّة تشكّل المنطلقات الضروريّة لفهم جدليّة العلاقات بين الطوائف والدولة في لبنان.
فالدولة لا يمكن أن تكون كيانًا فوقيًّا يفرض ذاته على الطوائف. ولا يمكن أن تقوم الدولة على حساب الطوائف، بل لحساب الطوائف. فوجود الدولة، بالنسبة إلى الطائفة، ليس غايةً في ذاته، بل وسيلة دفاع وضمانة. فإذا بطلت الدولة أن تكون هذه الوسيلة وهذه الضمانة، بطلت الحاجة إلى وجودها. ويتمّ هذا البطلان في حالَي التعارض بين الدولة والطوائف، وعجز الدولة عن تنفيذ مهمّتها في حماية الطوائف.
في ضوء هذه اليقينيّات، وسواها من نوعها، نفهم، عمليًّا، طبيعة التوتّرات والاضطرابات التي هيمنت على الحياة السياسيّة اللبنانيّة، على الرغم من اتّفاق العام 1943 واتّفاق العام 1989.
إنّ اتّفاق 43 ذو شقَّين في غايته.
• الأوّل، "الميثاق"، وهو التوافق المسيحيّ-الإسلاميّ على العيش المشترك في دولة لبنان الحرّة السيّدة المستقلّة في حدودها الدوليّة المعترف بها، في كلّ ما تفترضه هذه الكلمات من أبعاد. وهو "الثابت". وهذا ما أكّدته الأحداث، على اختلافها، ورسّخه الزمن.
• والشقّ الثانيّ، "الصيغة"، وهي الشكل التطبيقيّ الدستوريّ-القانونيّ-السياسيّ، وما تعارفت عليه السياسة في الممارسة. وهي "المتحوّل". والتعديل الأساسيّ، الذي جرى لها، كان في "اتّفاق الطائف" في العام 1989 والذي "جمّلها" من غير أن يمسّ جوهرها. وقد بيّنت الوقائع منذ الاستقلال أن "الصيغة" وتعديلاتها لم تنجحا بالمقدار الذي أمله واضعوهما. فما هو السبب؟
قامت "صيغة 43" على قاعدة قبول التعدّديّة المجتمعيّة اللبنانيّة كواقع تاريخيّ، إنّما مرحليّ، ينبغي تجاوزها والوصول، في نهاية المطاف، إلى مجتمع انصهاريّ موحّد. وهذا ما عناه الزعيم رياض الصلح في البيان الوزاريّ الاستقلاليّ الأوّل، عندما اعتبر "أنّ الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفيّة هي ساعة يقظة وطنيّة شاملة مباركة في تاريخ لبنان". فقد حَسِبَت صيغة 43، من خلال روحيّتها، أنّ التركيبة الطائفيّة للمجتمع قابلة للتحويل والاستيعاب بعمليّة موجَّهة منهجيّة، وأنّ التطوّر الاعتياديّ للمجتمع يسير في اتّجاه تخطّي التعدّديّة. من هذه النقطة، يتّضح التناقض الظاهر في صيغة 43 بين الانطلاق من الواقع التعدّديّ وتوزيع السلطات في النظام على أساسه، من جهة، وتجميع كلّ السلطات في إطار مفهوم الدولة المركزيّة الموحّدة، من جهة أخرى. فالواقع التعدّديّ يفترض، منطقيًّا، دولة على صورته، أي مركّبة. أمّا الدولة المركزيّة الموحّدة فتفترض وجود مجتمع على صورتها، أي منصهر موحّد. هذه هي المفارقة الجوهريّة.
لم تُفلح الدولةُ المركزيّة الموحّدة في منع الطوائف من الاستمرار في تأكيد ذاتيّاتها المؤسّسيّة الخاصّة على حساب الدولة، وفي الدولة. هذا التأكيد أدّى إلى "انحراف اتّحاديّ" عن مفهوم الدولة المركزيّة، من ناحيتَين، على الأقلّ. ناحية وجود سيادة مزدوجة: سيادة ذاتيّة تمارسها الطائفة باستقلاليّة في شؤونها الداخليّة (الأحوال الشخصيّة...)، وسيادة الدولة المركزيّة. وناحية وجود ازدواجيّة مؤسّسيّة في نطاق الدولة: بنية الطوائف المؤسّسيّة في موازاة مؤسّسات الدولة المركزيّة.
ووقعت "العمليّة التجميليّة"، المسمّاة "اتّفاق الطائف"، في التناقض ذاته وثبّتته. فقد دعا هذا الاتّفاق، بخلفيّة تخطّي التعدّديّة والتوجّه نحو الانصهار، إلى تجاوز التوزيع الطوائفيّ تدريجًا، فإلغاء النظام الطائفيّ السياسيّ. وبخلفيّة الإقرار الضمنيّ باستحالة تخطّي التعدّديّة الطوائفيّة والوصول إلى الانصهار، دعا إلى استحداث "مجلس شيوخ تتمثّل فيه جميع العائلات الروحيّة". وبخلفيّة التشديد على الدولة المركزيّة، اعتبر أنّ "الدولة اللبنانيّة دولة موحّدة ذات سلطة مركزيّة قويّة". وبخلفيّة الإقرار الضمنيّ، أيضًا، بأنّ للدولة شركاء في السلطة من خارجها لا يمكن إغفالهم أو التنكّر لهم، أعطى رؤساء الطوائف اللبنانيّة حقّ مراجعة المجلس الدستوريّ في ما يتعلّق بالأحوال الشخصيّة وحرّيّة المعتقد وممارسة الشعائر الدينيّة وحرّية التعليم الدينيّ.
وبقيت مطالب المشاركة في السلطة، واتّهامات الاستئثار بالسلطة، أو فئويّة السلطة، والقول بالغبن وانعدام العدالة، دلائل على نظرة الطوائف الخاصّة تجاه السلطة. وهي نظرة تعتبر السلطة وسيلة إضافيّة لتأكيد خصوصيّتها وتأمين مصالحها. فالمشاركة هي الوجه المعلن للاعتراض على حصول الآخرين على حصّة أكبر. والقول بالغبن هو الوجه المعلن للاعتراض على الدولة التي لم تؤمّن للطائفة الحصص التي تطالب بها.

في النتيجة، إنّ الخلل الرئيس والأساس يعود إلى تعارض شكل الدولة اللبنانيّة ونظامها السياسيّ مع الحقيقة المجتمعيّة اللبنانيّة في متطلّباتها الوجوديّة.
المجتمع اللبنانيّ تعدّديّ. وتعدّديّته ثنائيّة-كثاريّة: ثنائيّة دينيّة، وكثاريّة طوائفيّة.
وستبقى الدولة اللبنانيّة والمجتمع اللبنانيّ يعيشان في الأزمات المستمرّة ما دام شكلُ الدولة حائرًا بين الاتّحاديّة والوحدويّة المركزيّة، ونظامُها متردّدًا بين الديمقراطيّة التوافقيّة والديمقراطيّة الكلاسّيكيّة العدديّة.
إنّ الحلّ يفرض نفسه، وهو وجوب تطابق البنية الفوقيّة (شكل الدولة ونظامها) مع البنية التحتيّة (الواقع المجتمعيّ التعدّديّ). وهذا لا يتمّ إلاّ بـ"الاتّحاديّة".
هذا في الوقت الحاضر. أمّا إذا فرزت المجتمعات الطوائفيّة، في المستقبل، تيّارات ذات توجّهات سوسيو-ثقافيّة تعارض التوجّهات الحاليّة بكثافة مؤثّرة، فإنّ المعطيات الجديدة تفرض، حينئذٍ، أن يجري البحث عن نوع مختلف من الانتظام السياسيّ يتطابق مع الواقع المجتمعيّ المتغيّر. وكنتُ قد أشرتُ إلى هذا الأمر في كتابات سابقة لي، ومنها النصوص الآتية:
في العام 1966: "إنّ الإنسان والحياة في حوار وتفاعل مستمرَّين"... والتطور يستند إلى تزاوج العناصر الآتية: "1-معطيات الحياة.
2-الغاية التي نرمي إليها.
3-فعلنا الحرّ الخلاّق."
في العام 1979: "مبدأنا أن نعالج، اليوم، قضايانا من المعطيات التي بين أيدينا، ونترك للأجيال المقبلة أن تعالج قضاياها انطلاقًا من معطياتها التي تكون بين أيديها. فلا تجميد للتاريخ ولا احتكار له".
في العام 1992: "لا يوجد حلّ نهائيّ، دائم، ثابت، جامد. الحياة في سيرها، في تطوّر وتغيّر مستمرَّين. الحياة تقدّم كلّ يوم معطيات جديدة وقدرات جديدة، ممّا يفترض تصوّرات جديدة. إنّ ما يصلح اليوم قد لا يصلح غدًا، وما يصلح غدًا قد لا يصلح بعد غد".
في العام 1994: "وإذا نمت (الطائفة العلمانيّة) إلى حدٍّ تصبح فيه أكثريّة عند كلّ من المجموعتَين، أو ذات تأثير كبير في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، فسيشكّل ذلك دليلاً على تلاشي "الطائفيّة"، أو على الأقلّ، على تقلّصها التدريجيّ. عند ذاك، توجّهٌ آخر في النظر إلى "النظام اللبنانيّ" سيفرض نفسه على اللبنانيّين جميعهم."
في العام 2007: "من دروس التاريخ، أن النظمَ السياسيّة، في مفاهيمِها وتطبيقاتِها، خضعت لتحوّلاتٍ مستمرّة، في أنواعها ومستوياتها، استجابةً لما طرأ من تغيّرٍ في أحوال الناس وظروفِهم، وحاجاتِهم وتطلّعاتِهم، وثقافاتِهم وحضاراتِهم... فليس، بالتالي، من انتظامٍ سياسيٍّ معيّن، في أيّ مكانٍ وزمان، شكّلَ نموذجًا نهائيًّا، دائمًا، ثابتًا، جامدًا. إلاّ أنّ زُبدةَ ما حطّتْ عنده ديناميّةُ الرقيِّ الإنسانـيّ أنّ خيرَ الناس: كرامتَهم، وحرّيّتَهم وحرّياتِهم، وتأكيدَ هويّاتهم، وتعميقَ القِيَم فيهم، وتفتّحَ كلِّ شخصٍ منهم ونماءَه، هو الغايةُ المرتجاة من كلّ انتظامٍ سياسيّ".
"الاتّحاديّة"، إذًا، بمعالجتها الوضع القائم، تعزّز دولة لبنان في كيانه المعلن في العام 1920، وتنقل اللبنانيّين من العيش المشترك التصادميّ إلى العيش المشترك التآلفيّ.
"الاتّحاديّة" هي تأكيدُ ميثاق 43، وبديلٌ من صيغة 43.

لا أهدف إلى قيام "الاتّحاديّة" فورًا، أو في المدى القريب.
كلاّ!
لا بدّ من تهيئة اللبنانيّين لهذا المشروع، واقتناعهم بفوائده، خصوصًا بعدما افتُريَ على "الاتّحاديّة" باتّهامها بغير سيّئة ونقيصة. وهناك أفكار واقعيّة عديدة في هذا الشأن، تجعل القواعد الشعبيّة اللبنانيّة تحيا وفق الاتّحاديّة، عمليًّا، على أرض الالتزام السياسيّ اليوميّ، حيث تتأكّد إيجابيّاتُها قبل أن تطالب بها. كما ينبغي، أيضًا، أن يزكّي هذه المطالبةَ قبولُ المحيط الشرق أوسطيّ بها. إذ لا يُعمى علينا أمرُ الارتباط الوثيق، وحتى الأحشائيّ، القائم بين ذلك المحيط وطوائف لبنانيّة. علينا الإقرار بواقع هذا الارتباط وبحقيقته، والسعي لتنظيمه، بحيث لا يأتي لا على حساب الدولة ولا على حساب أيّ فريق لبنانيّ آخر.
 ولا بدّ من التأكيد، أيضًا، أنّ "الاتّحاديّة" ليست عصا سحريّة قادرة على نقل المجتمع اللبنانيّ، تلقائيًّا، من التوتّر والاضطراب وخطر التباعد بين مكوّناته، إلى الاستقرار والتماسك المجتمعيّ وصولاً إلى المؤالَفة convivance، بفعل التشريعات الدستوريّة الاتّحاديّة وتطبيقاتها فقط. "الاتّحاديّة"، كنصوص دستوريّة، هي الخطوة الثانية بعد الخطوة الأولى المتمثّلة بالقبول اللبنانيّ والمحيط الجغرافيّ بها. وهي لا تُثمر، ولا تَستكمل معطيات نجاحها، إلاّ إذا طبّق اللبنانيّون "الاتّحاديّة"، وفق حقيقة أهدافها وحتميّة مقتضياتها، على اختلاف مسؤوليهم ومسؤوليّاتهم، ومدّوها، على نحوٍ دائم، بكلّ أسباب الحياة، ودافعوا عنها وجدانيًّا وبكلّ اقتناع. وقد علّمنا التاريخ أنّ ما من نظام، سياسيّ أو غير سياسيّ، نجح، حتى ولو كانت جذوره ضاربة في أعماق السماء، إلاّ إذا عاش أبناؤه وفق مستلزماتِه خلقيًّا.
 ثمّ لا مناص من الإشارة إلى أنّ "الاتّحاديّة" لا تَحسم نهائيًّا، وعلى نحو قاطع، مشكلة الخلافات بين الطوائف، إذا كانت الأسباب تعود إلى نوازع وأهواء نفسيّة وخلقيّة وسياسيّة.
لكنّ "الاتّحاديّة" ستستجيب لحاجة ملحّة في المشاكل القائمة، وهي التسليم الرسميّ والمؤسّسيّ والشعبيّ بوجود كلّ من المجموعتَين اللبنانيّتَين وخصوصيّات كلّ منها، وحرّيّتها في تنظيم وجودها وتطويره. وستزيح هذه الاستجابة عن الوجدان الجماعيّ، لكلّ مجموعة، الخطرَ-الفعليّ، أو المحتمل، أو الوهميّ-الذي تشعر أنّه يَحدق بهويّتها وشخصيّتها، فتُنهي الانفصال المستحكم في لبنان بين المجتمع والسلطة.
وليس من مجال، هنا، للدخول في تفاصيل مشروع معيّن للاتّحاديّة المرجوّة.
للاتّحاديّة أشكال عديدة. وللدّاعين إليها تصوّرات تطبيقيّة لها غيرُ متجانسة بالضرورة، إذ لكلّ منهم مشروعه الخاصّ به. وهو أمر ديمقراطيّ مشروع. فلْنضع مشاريع التصوّرات المختلفة على بساط البحث والمناقشة والتفاوض، ولْنخرج بمشروع يرتضيه الجميع. علمًا بأنّ مشروعًا مفصّلاً في 215 صفحة، وضعته لجنة من الباحثين منذ العام 1990. وقد نُشر في العام 2007 بعنوان "دولة لبنان الاتّحاديّة، أو دولة المساواة والعدالة والتنمية والتعايش التآلفيّ-مشروع للبحث والمناقشة-. (يُطلب من مجلّة "المسيرة"). وهذا المقال مستوحًى منه.
وقد اعتبر واضعو المشروع أنه قابلٌ، في تفاصيله كلّها، للتعديل والتبديل... وليس كالحوار القائم على الموضوعيّة والإخلاص والمحبّة وإرادة المؤالَفة ما يوصل إلى الاقتناع بالحلّ المرتجى، فيعمل له، باندفاع عميق وتأييد شديد، رأيٌ عامّ لبنانيّ طوائفيّ عريض.
        عن الملحق السنوي
لجريدة "لوريون-لوجور"



© Copyright 2008 by Lebanese Forces Official Website