Antoine Najem : Books Last Updated: Jul 21, 2008 - 10:57:23 PM


كي لا نسيرَ وراءَ السَّراب


By Antoine Najem
Apr 19, 2005 - 3:46:29 PM

Email this article
 Printer friendly page

آفاق مشرقيّة (10)  

الطبعة الأولى – 2005

جميع الحقوق محفوظة للمؤلّف

   

توطئة  

        مقالات هذا الكتاب وضعتُها في ظروف معيّنة، ونشرتُها في مجلّة "المسيرة"، وأجمعها هنا بعدما أعدتُ النظر في بعضها. وهي تَتَشارك في "قصد" يجوزها كلّها، يعبّر عنه العنوان: كي لا نسيرَ وراءَ السَّراب.

        كم نحن في حاجة في لبنان وفي مشرقنا إلى رؤًى بعيدة، من غير أن نسبح في الأوهام، تعزّز إنسانيّة الإنسان، الإنسان-الشخص، قيمةً وكرامةً وحرّيّةً، وتنمّيها.

ما أجمل أن ينطلق التزامنا قضايانا من هذا المنطلق، ونتعاونَ وأحرارَ العالم على تحقيق مقتضياته بغية بناء مستقبل خالٍ من تسلّط الديكتاتوريّات، ومفسح لبني البشر في مجال أن يأخذوا بأنفسهم قيادةَ أنفسهم نحو ما يؤول بهم إلى السلام والاستقرار.

"القصد" المنشود لا يقتصر على المقالات المذكورة ولا ينحصر فيها. إنّه حاضرٌ صراحةً في كتابات عديدة لي، ومبثوثٌ في أخرى وفيرة. لكن ميزة هذه المقالات أنّها الأقرب في الزمن. ولربّما أعادت إلى ذاكرة القارئ بعضًا من أحداث لا تزال تفعل في قلبه وضميره.  

                                                                        ا.ن.  

ذات يوم جليدي من أيّام الشّتاء،

تنادت جماعة من الشّياهِم [*]

لتحتمي من البرد بحرارة أجسامها المتبادلة.

غير أنّها ما لبثتْ أن تباعدتْ

بعدما ضايقها آلام الوخز.

وكان عليها أن تتدانى من جديد

تحت وطأة البرد.

فأحسّتْ ثانيةً بإزعاج الوخز المؤلم.

واستمرّت عمليّة التداني والتباعد

إلى أن ظفرتْ بالوضع الذي أحسّتْ معه

أنّها في منأى عن الآلام.  

                                شوبنهاور

 

1 - أيّ سلوكٍ في الأزمات الخانقة؟ [i]

             يبيّن التاريخ على نحو قاطع أن التفكير الهادئ والتحليل المنطقي وفهم الواقع القائم على حقيقته وحسن التصرّف في زمن الأزمات الخانقة، مع وضع الغايات النبيلة الأساسيّة نصب العينين وفي مقام الأوليّات، تؤدّي إلى نتائج حميدة، أو مخارج "معقولة"، أو، أقلّه، إلى تحديد الخسائر والتخفيف من مضارّ العواقب.

        أثار هذا الموضوعَ ما تعيشه منطقتنا في الوقت الحاضر من منحًى خطير ومصيريّ، وما عاشه ويعيشه لبناننا منذ ثلاثة عقود ونيّف وأوصلنا إلى ما نحن فيه. وربّما يتحكّم بها إلى أجل لا يعلم إلاّ الله مداه

        وتعود بنا الذاكرة إلى أحداث مفصليّة لنتساءل هل أحسن القيّمون التصرّف يومئذ فنجحوا في تحقيق أهدافهم، أو أنقذوا منها ما أمكن إنقاذه فصانوا الأهداف الرئيسة بتنازلات زهيدة وقدّموا الأهمّ على المهمّ، وسوى ذلك من قرارات ضنّت بالإنسان والقيَم والأخلاق ولم تبدّد إلاّ النـزر وبعض الشكل وأنواع التوافه؟

        وعلى سبيل المثل فحسب:

        هل كان من الأفضل "للقضيّة الوطنيّة" أن يتصرّف يوسف العظمة، رئيس أركان الجيش السوري ووزير الحربية في حكومة الملك فيصل في العام 1920، على النحو الذي فعل في مواجهة الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غورو في ميسلون (غرب دمشق)، فاستشهد وألزم فيصلاً بالتخلّي عن العرش في سوريا وخسارة "المشروع" برمّته؟

        وهل كان من الأفضل "للقضيّة الفلسطينيّة" أن يقبل الفلسطينيّون بقرار الأمم المتحدة في تشرين الثانـي من العام 1947 القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين فلسطينيّة وإسرائيليّة بمساحة متفاوتة لصالح الأولى(إذا استثنينا صحراء النقب)، أو بالقرار 242 في العام 1967، الداعي إلى حدود آمنة ومعترَف بها لإسرائيل، أو أن يخسروا ما خسروه حتى الآن؟

        وهل كان من الأفضل للمسيحيّين في لبنان في العام 1988 أن يقبلوا برئيس للجمهوريّة يأتي به اتفاق سوريّ- أميركي، وهو اتفاق ذو طابع إقليميّ- دوليّ، بدلاً من "الفوضى" التي ضربتنا في ما بعد؟

        وهل كان من الأفضل أن يقبل الرئيس العماد ميشال عون اتفاق الطائف، وهو اتفاق إقليميّ عربيّ ودوليّ أميركيّ أوروبيّ اسوة بما قبل به فريق من المسيحيّين بدلاً من مغامرة أدّت إلى ما أدّت إليه من حرب مدمّرة وخسارة وطنيّة وسياسيّة لا نـزال نئن من وطأتها؟

        واليوم، هل كان من الأفضل أن يتنازل الرئيس صدّام حسين عن السلطة ويجنّب العراق ويلات الدمار والموت، أو أن يستمرّ فيها ويُغرق بلده أكثر فأكثر، على ما هو حاصل، في الدماء والنار التي تحرق كلّ شيء في طريقها؟

        هذه التساؤلات-النماذج، وغيرها، في موضوع إنقاذ الأوطان والشعوب وقضاياها، تأتي في جوّ تفكير استرجاعيّ يدرس ويحلّل ويعمل على استخلاص عبَر ودروس، علَّ الزمن اللاحق يفيد من أخطاء الزمن السابق.

*        *        *

        من المعروف أن للانتصار "آباء" كثيرين يدّعي كلّ منهم أفضاله عليه. أما الهزيمة فلا أب لها ولا أمّ.

        وللانتصار "مزايا" تحجب الأخطاء وتستر العيوب وتُصمت الأفواه بغير المديح والشكر. أما الهزيمة فتُشحذ سكاكين الذبح والسلخ وتُعلي أصوات المنتفعين والشامتين ومبيّضيّ الوجوه والمنافقين وناقلي البندقيّة من كتف إلى كتف...

        قد يقول قائل: إن تقييم قرار (موقف) لا ينبغي أن يدخل في حساباته النتائج التي تحصل. ويوصي بالاكتفاء بفهم نيّة صاحب القرار وبدراسة ظروفه في واقعها ومكانتها وقدراتها من ضمن توازنات القوى القائمة.

        هذا غير صحيح. ومقاربته غير علميّة. فلا فصل بين الفعل وتداعيّاته. إن الارتباط بين الفعل ونتائجه عضويّ. وتلازمهما تلازم العلّة والمعلول.

        لكن التمييز بينهما- وحتى الفصل، أحيانًا- قد يصحّ بسبب تدخّل عوامل لاحقة لا تعود أصلاً إلى القرار ولم تحصل بسببه، ولم يكن بالإمكان التحسّب لها ألبتّة أو التنبّؤ بها أو توقّع حدوثها معًا.

        واختلف المنظّرون في تعيين العوامل والعناصر المؤدّية إلى قرار ما (موقف ما): كمًّا ونوعًا وظروفًا. وتبارت الإيديولوجيّات، على اختلافها، في فلسفة هذه العوامل والعناصر وفي إخضاعها لمعاييرها.

        وفي كلّ الأحوال، وأيًّا كانت النظريّات، فإن من مقتضيات كلّ قرار وعيَ موازين القوى القائمة ودرجة أخذها بعين الاعتبار.

*                *                *

        من أبسط ما يفكّر فيه المرء قبل الإقدام على أيّ مشروع أن يعيّن بدقّة هدفه ويحصي قدراته، من نواحيها كافة، ويعي واقعه في الزمان والمكان والظروف التي تحيط به. فإن رأى كفّة الإيجابيّات راجحة أقدمَ، ولو مع نسبة غير قليلة من المخاطرة. وإذا تبصّر في الأمر واستهول المجازفة أحجمَ.

        هذا في ما يتعلّق، على الأقلّ، بأمورنا الشخصيّة المهمّة. فكيف الحال إذا كان الأمر يتعلّق بأزمة إنسانيّة أو وطنيّة؟ وبمصير قضيّة وشعب ووطن؟

        ودراسة "موازين القوى القائمة" مع أخذ حقائقها بالاعتبار أو تجاهلها هي أولى الخطوات في أيّ استراتيجيّة وعلى أيّ صعيد.

        فممّا تتكوّن موازين القوى؟

        تتكوّن من " كلّ" ما يؤثّر في الحقول ذات الصلة في نجاح الإستراتيجيّة أو في فشلها، من مثل: درجة رقيّ أصحاب العلاقة ونضجهم؛ شبكة علائقهم السياسيّة (إقليميًّا ودوليًّا) ونوعيّتها والقدرة على التأثير فيها والودّ أو النفور في داخلها؛ تقارب المصالح أو تضاربها؛ القدرات الاقتصادية؛ الإمكانات العسكريّة؛ المستوى التكنولوجي؛ المركز الجغراسيّ؛ مصالح الدول الكبرى القويّة والفاعلة وحاجتها إلى الإستراتيجيّة المعنيّة أو لامبالاتها بها أو معارضتها لها... وسوى ذلك من معطيات في غير حقل مؤثّر.

        وموازين القوى في مدٍّ وجزْرٍ على نحو دائم.

        فميزان القوى الفرنسي في نهاية الحرب العالميّة الأولى كان غير ما صار إليه فى العام 1940 أو ما هو عليه الآن. وكذلك ميزان القوى الروسيّ قبل الثورة البلشفيّة وبعدما قام الاتحاد السوفييتي وصار "دولة عظمى" بعد الحرب العالميّة الثانية ثمّ بعد انحلال الاتحاد السوفييتي.

        ولا يكفي، طبعًا، أن يعي صاحب المشروع "وزنه" الحقيقي في موازين القوى العامة القائمة بل عليه أن يقرّر ما إذا كان يأخذ بحقائقها أم لا.

        وإلى جانب موازين القوى القائمة قد يبرز اعتبار آخر له أهميّة خاصة في غير ظرف ودولة وهو طَبْع صاحب القرار (الموقف). ويهمّنا هنا ثلاثة من الطباع، علمًا بأن الحدود بين طبع وآخر ليست واضحة المعالم دائمًا:

·        "العنتريّ". وصاحبه أهوج، متسرّع، يتصرّف بطيش، ولا يفكّر، إجمالاً، في عواقب قراراته.

·        "النَيْرونـيّ" [ii] وصاحبه لا يتورّع عن أيّ وسيلة، أيًّا كانت أضرارها ووحشيتها. وهو مهووس وفي درجة عليا من جنون العظمة.

·        "اللامتّزن". صاحبه غريب الأطوار، طاووسيّ الطلعة، متقلّب في الآراء والمواقف، يخبط خبط عشواء ويحيّر المتعاملين معه.

وأصحاب هذه الطباع مصابون بجنون العظمة، وإنْ بدرجات متفاوتة، وذوو طموح مرضيّ.

الطموح بحدّ ذاته نعمة وضرورة. وهو قيمة إيجابية، وفي أساس كلّ عمل كبير. ومن لا طموح له "يبقى أبد الدهر بين الحفر".

إنّما هناك نوعان من الطموح. النوع الذي يزاوج بين ما يتوق إليه صاحبه والخير العام. وآخر أنانيّ، عدوانيّ، ذو رغبة شديدة في تدمير سواه وإقامة مجده على أنقاضه. هذا كريه ومرفوض وملعون بكلّ المقاييس الأخلاقيّة. وذاك مرغوب فيه ومشكور وصاحبه يحترمه الناس.

وعلى نحوٍ عام، فإنّ "القائد المُلهم" و"الزعيم الأوحد" و"الفوهرر" و"الدوتشي" و"أبو الشعب" وأمثالهم في الأنظمة التسلّطيّة إنّما يظهرون من بين "العنتريين، و"النيرونيين" و"اللامتّزنين" ومن شاكلهم.

أمّا في الأنظمة الديموقراطيّة الحقيقيّة فليس لمثل هذه الأطباع سوى دور خجول، هذا إذا كان لها دور. فالنظام نفسه يقوم، عن طريق تركيبته وهرميّة مؤسساته وسيادة القانون فيه، بالحدّ كثيرًا من تأثير طبع المرجِع الأخير في السلطة حيث يأخذ القرار-الموقف صيغته التنفيذيّة.

*       *        *       

        في ضوء ما جاء أعلاه، نفهم المعيار الذي نقيّم به السلوك الصائب في الأزمات الخانقة.

1.    إذا كان صاحب القرار-الموقف "عنتريّ" الطبع جاء تصرّفه انفعاليًّا، متجاهلاً طوبوغرافية الواقع، وسالكًا سلوكًا لا تبصّر فيه. أمّا النتيجة فكارثة عليه وعلى من اعتمد عليه. وتصرّف يوسف العظمة من هذا الصنف. فهل يجوز أن يجهل وزير حربيّة الملك فيصل اتفاق فرنسا وبريطانيا؟ وهل كان غير واعٍ مدى الفارق الهائل ما بين الطاقات العسكريّة المتيسّرة له وتلك التي يملكها غورو؟ وقد جاء في صفحات التاريخ أن يوسف العظمة لَمَسَ لَمْسَ اليد قبل المواجهة أن لا حلفاء دوليّين يؤيّدونه ولا ذخيرة حربيّة عنده ولو في المقدار الأدنى.

كان يوسف العظمة رجل وطنيّة كبيرًا وذا حماس واندفاع. فاعمته "عنتريّته" عن رؤية حقيقة التوازنات القائمة. فكانت العاقبة وخيمة.

2.    ويمثّل الرئيس صدّام حسين " النيرونيّة" بأجلى مظاهرها مع عمًى واضح عن رؤية التفاوت الرهيب في موازين القوى، وعلى الأصعدة كلّها، بينه وبين أخصامه منذ حربَيْه السابقتَيْن حتى حرب التحالف الأميركي- البريطانـي ضدّه.

مَنْ مِنَ المتابعين الموضوعيّين للأزمة العراقيّة، منذ بدايتها، لم يكن مدركًا نهايتها المأساويّة المتجهة إليها؟ وكم هم كثيرون الذين رأوا أن أفضل الحلول أن يتنحى الرئيس صدّام حسين عن السلطة ليجنّب بلده وشعبه المصائب والبلايا؟

وكم يبدو الفارق كبيرًا بينه وبين الشيخ بشارة الخوري، (رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة 1943- 1952)، عندما استقال من منصبه بعد إضراب عمّ البلاد ومطالبة مسيحيّة- إسلاميّة واسعة بالاستقالة. وعندما روجع بالأمر في ما بعد وسئل لماذا يستقيل والمجلس النيابيّ بأكثريّته الساحقة جدّد ثقته به، أجاب: أرفض أن تهرق نقطة دم واحدة من أجلي ومن أجل بقائي في السلطة.

هذا الديموقرطيّ الأصيل ذو الطبع "الإنقاذي" اتخذ قراره الصائب لأنه فهم يومئذ أن هذا ما يقتضيه الخير العام لأن ميزان القوى بينه وبين خصومه لم يعد لصالحه لا محليًّا ولا دوليًّا.

3 - عيدي أمين دادا [iii]، ضابط شبه أمّي في جيش أوغندا، قام في العام 1971 بانقلاب، مؤكّدًا على إثره أنه سوف لا يبقى في الحكم سوى فترة انتقاليّة تعقبها انتخابات حرّة.

غير أنه بقي في السلطة وأقام نظامًا ديكتاتوريًّا وحشيًّا، وقتل أخصامه والمتهمين بالتآمر عليه بضراوة قلّ نظيرها. وقيل إن عدد ضحاياه بلغ ثلاثمئة الف ضحية بحسب تقرير أمنستي إنترناشونل.

في العام 1976 أعلن نفسه رئيسًا مدى الحياة بعدما خلع على ذاته رتبة الماريشاليّة.

كان شخصًا غريب الأطوار، مقلقًا، ذا ردود فعل غير متوقّعة. يجمع في شخصه خليطًا من السذاجة والحيلة، من العفوية وحسن التدبير، من الحذر والتهوّر، من اللطف والفظاظة والاستفزاز، من التسامح والتعصب ومن الصدق والمخادعة...

ألْحق بنفسه بَصّارًا يستشيره قبل اتخاذ قراراته. وأدعى أن الله يتّصل به ويملي عليه تصرّفه.

فشل في كلّ ما قام به.

في سياسته الداخلية انتقل من مسايرة المسيحيّين من شعبه بعدما خوّنهم إلى اعتماد المسلمين قاعدة له.

وأهان "البِيض" الاستعماريين السابقين وأذلّهم حتى إنه في أحد الاستقبالات الدبلوماسيّة دخل إلى القاعة جالسًا على هودج يحمله أربعة رجال بريطانيّين ويرافقه مهندس هولندي يروّح عليه بمروحة.

وجعل اقتصاد بلده الغنيّ بالثروات الطبيعيّة في أدنى درجات الانهيار.

أمّا في السياسة الخارجيّة فتقلّب ما طاب له التقلّب.

لقد بدأ بعلائق جيّدة مع بريطانيا وإسرائيل. ثمّ انقلب عليهما وطرد المستشارين العسكريّين الإسرائليّين وخمسين ألف أسيويّ يحملون الجنسيّة البريطانيّة. وتوجّه صوب ليبيا والبلدان العربيّة وأوروبا الشرقيّة الشيوعيّة. وهدّد جارته تانزانيا باقتطاع منطقة منها وضمها إلى أوغندا.

كانت سياسته في الداخل والخارج تجسيدًا صادقًا لشخصيّته الغريبة، الفوضويّة، الطاغية، الدمويّة.

وفي العام 1979 لجأ إلى ليبيا بعدما خلعه الأوغنديّون بمساندة دولة تانزانيا.

*        *        *

        وفي الختام نطرح السؤال: أيّ سلوك في الأزمات الخانقة؟

        الجواب هو: حسن التصرّف.

وليس لحسن التصرّف وصفة محدّدة دقيقة مستفيضه شاملة صالحة لكلّ زمان ومكان وظرف. ذلك أن ليس في التاريخ أنواع أزمات محدّدة تتردّد هي هي، ثابتة العوامل والعناصر والأسباب...

البشريّة، في تاريخها، مرّت وتمرّ بأزمات كثيرة. وهذه متغيّرة يصعب تعدادها وحصر أنواعها.

وينبغي معالجة كلّ منها انطلاقًا من ظروفها.

إنّما تبقى توجّهات- أطر ترشد إلى إمكان الوقاية من الأزمات وإلى معالجتها عند حدوثها من غير ادّعاء أن أحدًا قادر على إلغاء الشرّ من العالم.

من هذه التوجّهات- الأطر:

1.    السعي بكلّ القدرات الممكنة لإيصال أناس أسوياء إلى سدّة المسؤوليّة والحؤول دون وصول غير الأسوياء. وقد تبيّن، أقلّه في القرنين الأخيرين، مدى الكوارث التي سبّبها الطغاة والمهووسون على غير صعيد وغير حقل.

2. تنظيم المجتمعات سياسيًّا على أسس الديموقراطيّة الحقيقيّة: هدفًا وشكلاً ومحتوى. ومن أجل ذلك تستنير الدساتير والقوانين بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان وسائر الشّرعات المتمّمة له.

          ولو كان شرقنا ديموقراطيًّا حقيقيًّا في دوله وثقافة أبنائه، يطبّق مبادئ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان ولا يفرض على غير المسلمين "ذمّيّة ما"، مثلاً، لكنّا في حال أفضل إلى حدّ بعيد بعيد. ولكنّا أقرب بعضنا إلى بعض ممّا نحن عليه في الوقت الحاضر. وهذه أوروبا، يوم تحرّرت من الديكتاتوريّات وتبنّت الديموقراطيّة نبراسًا ونظمًا، تقاربت دولها وتكاد تتحد في تجمّع ضخم حرٍّ يخدم إنسانها ويرقّيه.

3. بقاء قاعدة المجتمع على حوار دائم مع قمّته التي تسوسه.

4. جعل الشفافيّة قاعدة حكم إلزاميّة.

5. عند كلّ أزمة، من أيّ نوع، فهم دقيق لموازين القوى القائمة والتصرّف على نحوٍ يزيل أكبر مقدار من الأذى.

6. الاستعداد الدائم للتفاوض والقبول بتسويات وتنازلات بغية الحفاظ على حياة الناس وكرامتهم وحرّياتهم ومقتنياتهم ومستقبلهم...فالأوّليّة المطلقة ليست للإيديولوجيّات ولا للادّعاءات ولا للأوهام ولا للكبرياء ولا للتوافه. بل للإنسان في أبعاده. والإنسان أخو الإنسان. والكرة الأرضيّة صائرة بسرعة لأن تصبح قرية كونيّة واحدة يتمازج بشرها واقتصاداتها وثقافاتها.

وهناك أيضًا غير توجّهات- أطر. ويخطئ من يعتقد أن لها فعل السحر في التطبيق. فالعلاج أبطأ من البطيء. إنّما المهم أن نبدأ به. ولا بدّ من أن نصل إليه يومًا.

هذا العلاج هو تربية البشريّة جمعاء على ثقافة الديموقراطيّة والسلام والحرّيّة.

نقول"البشرية جمعاء" لأن الجماعات ليست أجزاء معزولة بعضها عن بعض. التأثير المتبادل في ما بينها، سلبًا وإيجابًا، أكثر من واقع حقيقي يفرض نفسه فرضًا. ولا يعتقدنّ أحد أنه قادر على إقامة أسوار عالية تحميه ممّا يجري عند الآخرين الأقربين والأبعدين.

 

 

 

 



[*]  - شَيْهَم porc-épic ، porcupine (hystrix) ، جمع شياهِم، ويسمّى الدُّلدُل أيضًا، حيوان لبون قاضم، يعلو جسمَه من قمّة الرأس إلى طرف الذنب شوكٌ كالمِسلاّت متفاوت الطول والغِلَظ، ينفضه للدفاع عن النفس فيَنفذ ويؤذي حيث يغرز. يألف الأحراج والهضاب والأماكن البعيدة عن العمران. يسرح في الليل. قوتُه الأعشاب والجذور والشوك والحشرات والديدان والأفاعي.

 



[i]  - مجلّة "المسيرة"، العدد 911، تاريخ 21/4/2003، في مطلع الحرب الأميركيّة على العراق لاقتلاع نظام صدّام حسين.

[ii]  - إستمدّيتُ هذه التسمية من "نَيْرون"، إمبراطور روما في الأعوام 54- 68 م، الذي لم يتورّع، على ما رُويَ، عن حرق مدينته بغية استلهام منظرها الملتهب في نظم قصيدة وإنشادها.

[iii]  - أوغندا دولة في شرق إفريقيا تتوسّط السودان وكينيا وتانزانيا والكنغو الديموقراطيّ.

Related Articles:

كي لا نسيرَ وراءَ السَّراب

- Apr 19, 2005 - 3:46:29 PM

Top of Page



© Copyright 2005 by Lebanese Forces Official Website

Books
Latest Headlines

لن نعيش ذمّيّين

التنظيم المؤسّسيّ والمسؤوليّة في الديموقراطيّة

Envisioning a Formula for Living Together in Lebanon

رسالة إلى المسيحيين

كي لا نسيرَ وراءَ السَّراب

الأليكسو، فلسفة وإشكالات