هل تتخيلون أن في دمشق شارعاً يحمل اسم الرئيس اللبناني الشهيد بشير الجميل أسوة بالنفق البيروتي الذي يحمل اسم الرئيس السوري الراحل بشار الاسد؟ فكرة، وان كانت منطقية، فهي طبعا مستحيلة!
الا ان التساؤل الطبيعي الذي يجب طرحه، والسكوت عنه يعتبر غير منطقي، هو لماذا غاب اسم بشير الجميل عن شوارع بيروت لربع قرن من الزمن، في حين حملت شوارع المدينة أسماء من هم أقل قدرا وتأثيرا منه؟ وكيف غاب اسم الرئيس الذي صدم اغتياله اللبنانيين، عن المدينة، في حين حصل غالبية رؤساء الجمهورية اللبنانية الذين لم يقضوا اغتيالا باستثناء رينيه معوض، من بشارة الخوري مرورا بالياس سركيس وصولا الى الياس الهرواي، على شوارع خلدت ذكراهم؟ حتى الرئيس اميل لحود الذي لم تنته ولايته الممدة بعد ولم يصبح في عداد الرؤساء السابقين أو الراحلين، حصل على طريق دولي خلّد فيه ذكراه قبل أن تصبح حتى ذكرى!
... في آب 2007، وبالتزامن مع الذكرى الخامسة والعشرين لانتخابه رئيساً للجمهورية، وقبل ذكرى استشهاده في 14 أيلول، أصبح لبشير الجميل شارع يحمل اسمه، بعد أن اعلنت بلدية بيروت اطلاق اسم الرئيس الشهيد على الطريق الممتدة من مستشفى اوتيل ديو حتى مدرسة الحكمة في الاشرفية. اعلان، وان جاء متأخرا، لاقى ترحيبا واسعا من سكان المنطقة وفاعلياتها. فسكان الاشرفية الذين اعتبروا ان تسمية شارع في الاشرفية على اسم بشير الجميل من المسلمات، انتظروا هذه اللحظة منذ ان فارقهم رئيسهم في العام 1982.

فماذا تغير اليوم حتى أطلق اسم بشير الجميل على هذا الشارع في الاشرفية، وما كانت العوائق التي حالت دون ذلك من قبل؟
لا شك ان الوجود السوري في لبنان كان الحائل الاول دون حصول ذلك، ومنع اطلاق اسم بشير الجميل على شارع في الاشرفية كان جزءا من الممارسات القمعية التي امتهنتها الاجهزة الامنية ضد المسيحيين في لبنان طوال الفترة الماضية، كما يؤكد رفيق بشير الجميل والامين العام لتجمع "الاتحاد لاجل لبنان" مسعود الاشقر. بتأثر كبير مصحوب بعتب وتعجب، تلقى الاشقر خبر اطلاق اسم رفيقه على شارع في الاشرفية. "كافحنا لسنوات لاطلاق اسم بشير على احد شوارع الاشرفية ولم نكن نلقى ردا، اما اليوم وقد حصل ذلك، فلا يمكنني الا ان اتأثر بهذا الاعلان، الا انني اتعجب من الموافقة على الموضوع اليوم وأتساءل ما الهدف من وراء ذلك؟ ولماذا يتذكرون بشير في فترات معنية وينسونه في فترات أخرى؟".
رئيس بلدية بيروت عبد المنعم العريس يقول ان "التأخير لم يكن لاسباب سياسية بل تقنية لتفادي اشكالات مع عائلة من كان الشارع يحمل اسمه. وقد أطلق اسم ألفرد نقاش على الشارع قبل توسيعه وعندما كان لا يزال طريقا متفرعة صغيرة، وبعد أن أصبح طريقا عامة، انسحب الاسم عليها".
الا ان المسؤول الاعلامي في مؤسسة بشير الجميل جو توتونجي، أكد أن بلدية بيروت اتخذت قرارا في العام 1983، يوم كان شفيق السردوك يرأسها، باعطاء اسم بشير الجميل على الطريق الممتد من اوتيل ديو حتى مدرسة الحكمة، وأحيل الملف الى المحافظ الذي احاله بدوره على وزارة الداخلية، حيث قبع لغاية الامس القريب. وقال توتونجي ان عائلة الجميل اعادت اثارة الموضوع في العام 1997 من دون الحصول على جواب. وأشار الى ان المراجعات والكتب الموجهة الى بلدية بيروت تتالت منذ سبع سنوات، حتى استجيب الطلب الاسبوع الماضي.
قد لا يكون لاطلاق اسم الرئيس الذي أدمى قلوب محبيه حزنا على فراقه، دافع سياسي مباشر، الا انه قد يكون مؤشرا الى طي صفحة سوداء من تاريخ المسيحيين اللبنانيين، والى عودتهم الى الساحة، ويبشر ببدء مرحلة جديدة، وقد يكون كذلك بداية لعودتهم الى الطريق الصحيح، الطريق الذي رسمه بشير الجميل، والخروج نهائياً بلبنان من نفق الأسد...المظلم جداً!