News : Articles Last Updated: Jun 30, 2011 - 6:45:53 AM


هل تعرفون جيلبير؟


By F. (Al Massira)
Sep 12, 2009 - 9:33:29 PM

Email this article
 Printer friendly page

جيلبير كان في السنتين من عمره يومها. هو لا يذكر شيئا من ذلك الاسبوع الطويل. عكسنا من حوله. كنا مزنّرين بسكوت غريب. بالكاد نأكل او نشرب. كان حزنا حقيقيا، عميقا، مخيفا. كان خاطرا مكسورا. كان حلما واغتالوه، فقتلونا!

جيلبير اليوم، رجل. يحكي عن ذلك الاسبوع الطويل البعيد، كأنه امس. كأنه عاشه بدقة ووعي، فيمضي ايام ايلول ككل ايلول من كل سنة، يجول في سيارته، موزعا مكبرات الصوت في الجيب المكشوف، مرتديا نظاراته " الرايبان" السوداء ولو في عز الليل، رافعا صوت المسجلة الى اقصاه، يلفّ المقود والكوع تلو الكوع، ويجول بين البلدات الجبلية من وسط كسروان الى جرده، من دون توقف، واناشيد الثمانينات تصدح وتملأ الشوارع كما بشير ملأها قبل ثلاثين عاما تقريبا!

في الجيب، في الصندوقة الصغيرة قرب الفيتاس، زجاجات بيرة وكيس من الفستق الحلبي والفستق العبيد، وكروس من الدخان. احيانا لا يكون جيلبير وحده، بل معه شلة من الرفاق يتقاسمون معه متعته في دائرة الذكريات المقفلة. عالصخر منحفر كتائب... هي هي القوات اللبنانية... من هاك الملعب ما نسينا... الاشرفية البداية... بشير ينادي سمير... دق الخطر عالبواب... إلخ إلخ والسيارة تلف الشوارع، وجيلبير يسكر بالماضي، كأنه ينفذ مهمة ايقاظ الضمير في عز النسيان قبل المواطنين في عز الليل، والتذكير بالحلم الذي مضى...

احيانا يرتدي جيلبير البنطلون الكاكي مع الحذاء العسكري والقميص القطني الزيتي، ويضع الكاسكيت على رأسه بالمقلوب وعليها صورة " الباش" كما " البادج" على زجاج السيارة الامامي، ويلف زنده الايسر بقطعة قماش سوداء في ثناياها ذخيرة من عود الصليب، كما كان يفعل الشباب المقاتلون في زمن الحرب، مسلّحين بشفاعة القديسين والرب، خلف متاريس سكنها الرصاص والبارود.

جيلبير لا يحكي كثيرا، إذا تحدث، فعن زمن مضى وإنْ بالكاد يذكره، عن شرقية وغربية، مدعّما عباراته القليلة بقسم "وحياة الباش" ينزل ماضيًا كحدّ الحقيقة المطلقة التي لا ريب فيها ولا هامش للشك!

جيلبير يعرفه اهالي الضيع والمنطقة، ومثله جيلبرات آخرون كثر، ارادوا "النكتة" في مرحلة يطلق عليهم فيها تعبير "ركاب البوسطة"، للدلالة على اولئك الذين  لم يصدقوا ان بشير استشهد، ان الزمن يمر، ان الحياة مستمرة، اننا دخلنا القرن الحادي والعشرين، اننا على مشارف الـ 2010، ان الساعة لا تعود الى الوراء وان زمن بشير انتهى في 14 أيلول 1982. ولن يعود مع إبن اخته، ولا زوجته ولا إبنه، ولا حتى رفاقه. فبشير كان فريدا. كان حلما. كان ولم يعد، للاسف يا جيلبير... ويا امثال جيلبير الكثر. للاسف.

احيانا، اخرج الى شرفة المنزل، واقف انتظر جيلبير حين يمر مقلقا الحي والنائمين فيه لأرمي على رأسه زجاجة مياه، او اصرخ به ليذهب وينام، واذكره بأن حنينه مضى عليه ثلاثون عاما، وارشقه براجمة توبيخ بأن يذهب وينام ويتركنا ننام، لأن الوظيفة تنتظرنا في الصباح ولا بد من العمل والاستمرار والبحث عن الغد والتطلع الى المستقبل... واحيانا، اشد اللحاف فوق رأسي في السرير، واطلق تنهيدة حنين طويلة واروح اتمتم مع جيلبير "يا مزيّن الساحات سيفك ما انسحب إلا بوجّ الموت تتردّد" وأعيدها وأعيدها ضابطة جولة سيارة جيلبير ومذياعه العالي على وقع اللازمة، متذكرة تلك الايام العشرين ذاك الصيف من العام 1982...

Top of Page

Related Articles:

هل تعرفون جيلبير؟

- Sep 12, 2009 - 9:33:29 PM

أسئلة الى الأباتي بولس نعمان...

- Sep 12, 2009 - 9:04:35 PM



© Copyright 2009 by Lebanese Forces Official Website

Articles
Latest Headlines

حوارة، بلدة الذكريات والامل

Lebanon: calm before the storm?
Cedars to the East: A Study of Modern Lebanon

ربـيـعُ الـعرب أو ربـيـعُ الأصوليات؟

Did Hizballah Beat the CIA at Its Own Techno-Surveillance Game?
Lebanon: Hezbollah Digs In

البطريرك الراعي ... " حيث لم يُقدمْ الآخرون "

بطريرك الموارنة ... والهواجس المشروعة

Arab spring may prove a dawn of false hope
Senior Hizballah Official Wanted for Murder