
إيليج الوفاء
|
الى المعبد العابق بصلوات البطاركة والكنيسة العتيقة على القمة وأرض الشهداء المزروعين أرزًا وحرية، يفلفش أيلول أوراقه المبللة بالدمع، في رحلة حج تتكرر كل عام موعدًا ثابتاً الى "محمية الشهداء" في غابة أرز إيليج المحاذية للدير الأثري في جرود ميفوق.
إسم إيليج ورد قديمًا في عداد الأمكنة الأسقفية من بلاد ما بين النهرين، وقد يكون فارسيًا، لكن الأصح أنه مأخوذ من لفظة "هيلوس" اليونانية ومعناها "الشمس" أو من لفظة ألمانية مأخوذة من دون شك عن اليونانية ومعناها القداسة، كمعنى قاديشا بالسريانية، وسيدة إيليج أي السيدة القديسة هي في التاريخ الماروني قبل قاديشا أو هي قاديشا الأولى. وهي الموقع الوحيد في لبنان الذي يضم 235 شهيدًا من كل المناطق اللبنانية استشهدوا في مراحل الحرب وإن كان عدد قليل من الأهالي نقل رفات أبنائهم الى مسقط رأسهم قبل العام 1998.
لسيدة إيليج رابطة فكت ارتباطها بالسياسة وزواريبها الضيقة وشرعت الأبواب على أشعة الوفاء لشهداء هم على موعد أبدي مع الأم الإلهية حتى يوم القيامة، ووعد رفاق عانقوا الشجاعة حتى أبعد حدود الحرية.
الرابطة خلية نحل منذ العام 1994، والقفير غابة أرز تختزن ذاكرة المقاومة المسيحية ورفات مئات الشباب اللبناني ممن آمنوا بلبنان حتى الشهادة، "لأن وجودنا في هذه الأرض ليس قضاءً وقدرًا، وإيليج روح يحتاج إليها شعبنا للصمود والبقاء في وطن الشهادة وليس الجغرافيا، وطن الرسالة وليس حقيبة السفر".
أمين السر في الرابطة فادي الشاماتي يتحدث عن فكرة إيمانية توهجت في بالٍ مثقل بصور رفاق غابوا يوم زار المدافن المهملة وعاين بحرقة رفات أحباء سقطوا على مذبح الوطن. "هالنا الإهمال والنسيان اللذان لحقا بالرفاق حتى في مثواهم الأخير، فقررنا تأهيل المدافن هندسيًا وغرس أحواض الزهور، والأهم إقامة الذبيحة الإلهية عن أرواحهم". قرار عفوي عرف انطلاقته الخجولة مع عدد محدود من الشبان لم يتجاوز الـ 45 شاركوا في التأهيل والقداس وشملتهم الاستدعاءات وقتذاك الى المراكز الأمنية للتحقيق عن دوافعهم والجواب الموحد كان "صون حرمة الشهادة والوفاء لذكرى الشهداء".
"غابة الأرز" غرسها أعضاء الرابطة على جنبات المقبرة الجماعية، وهي تضم 180 غرسة على مساحة 20 ألف متر مربع. "آخر أرزة زرعت العام الماضي تخليدًا لذكرى الشهيد اللواء فرنسوا الحاج". وهناك صخرة باللون الأحمر ترمز الى شهداء الصراعات المسيحية ـ المسيحية وتجاورها 33 صخرة تروي التاريخ المسيحي بمحطاته الأساسية. أما البطاركة الـ 18 الذين قادوا البطريركية المارونية يوم كانت تتخذ من إيليج مقرًا لها، فقد تم اختيار تلة صغيرة على شكل منصة وضعت عليها لوحات صخرية تحمل أسماءهم. ورماد البطاركة السبعة الذين دفنوا في هذا المقر منثور بين صخور إيليج وميفوق ومنحدراتها.
"العوائق التي واجهتنا في البدايات كانت كثيرة، أبرزها مادي، فالأرض التي تحيط بالمدافن تعود ملكيتها الى دير ميفوق، وغرس الأرزات تطلب اتفاقاً مع بلدية ميفوق، لكننا لم نكتف بهذا المقدار من العمل بل أنرنا الدير الأثري والمدافن وغابة الأرز. وهذه الأماكن تضاء ليلاً تكريمًا للشهادة وذاكرة التاريخ".
أعضاء الرابطة الذين تجتمع هيئتهم الإدارية أسبوعيًا يعملون من دون توقف في عطلة كل أسبوع وكل فرصة ممكنة من أجل الحفاظ على هذا الموقع الأثري وإظهار تضحيات الشهداء الراقدين في جوار القديسين قرب الحرديني ورفقا وشربل والأخ اسطفان وتحت شجرات الجوز والدلب القديمة.
أنشطتهم استصلاح الأرض وإقامة مخيمات لشبيبة الرابطة آخرها الشهر الماضي تحت عنوان "أرض وصلاة"، شارك فيه 80 شابًا وشابة ما دون العشرين. "تحتاج شبيبتنا الى واحة هدوء وصلاة وتأمل وعمل، وصلة رحم مع الأرض التي أنجبت ثم احتضنت الشهداء". عمل تطوعي لكنه مكلف و "فلس الأرملة" يجترح المعجزات. "نعتمد على التمويل الذاتي لتغطية كلفة كل هذه النشاطات، فإلى رسم الانتساب والاشتراك الى الرابطة، صناديق تبرعات موزعة على عدد كبير من المحال التجارية وبعض التقديمات من أشخاص شاركوا أو تناهى إليهم خبر رحلات الحج السنوية الى حضن سلطانة الشهداء. نملك سجل مساعدات خاصًا بالرابطة، وتقديماتنا تتمثل في حصص غذائية لعدد من العائلات التي تعاني صعوبات مادية".
"لسنا ملزمين بالامتناع عن عمل الخير لنتفادى تشكيك الفريسيين"، يقول أمين سر الرابطة، "كنيستنا عنوان وجودنا الراسخ في هذه الأرض الطيبة، ووحدتنا جسدناها في غابة أرز الوفاء بمنصة يرتفع فوقها خمسة صلبان مختلفة الأشكال رمزًا لوحدة الصليب والكنيسة".
في الزمن الإيليجي يتكرر المشهد كل أيلول وتنهمر الدموع حارقة كما اليوم الأول من الاستشهاد من عيون أمهات وزوجات وأبناء أمام لوحات رخامية دُونت عليها 4350 اسم شهيد ماتوا من أجل كل لبنان وفي كل لبنان.
عند أقدام سلطانة الشهداء وفي جوار الغائرين في التراب يهيمن صمت هانئ لا تخرقه سوى التراتيل وصلوات الرجاء وعبق البخور وشذاه فوق حجر النار، وأصداء أسماء لأبطال تحولت جباههم مطلع نشيد الكرامة ونبيذ آخر العرس.
في مناسبة عيد ارتفاع الصليب وتكريمًا لشهداء المقاومة اللبنانية، دعت رابطة سيدة إيليج لمشاركتها في الذبيحة الإلهية في كنيسة سيدة إيليج سلطانة الشهداء ميفوق ـ القطارة، وذلك نهار الأحد 20 أيلول الجاري الساعة الحادية عشرة والنصف قبل الظهر.