From
Lebanese Forces Official Website
«القوات» تتحول إلى حزب... أم جعجع ينشئ حزباً؟ 1/2
By كلير شكر, جريدة السفير
Sep 13, 2009 - 5:36:55 AM
«القوات اللبنانية» تتحول إلى حزب، أم أن سمير جعجع ينشئ حزباً؟ معادلتان مختلفتان، شكلاً ومضموناً. التسمية هي المشترك بينهما، ولكن الاختلاف حول الجوهر هو الخيط الرفيع بين الصيغتين. في الحالتين يبقى جعجع الرقم الأصعب والأقوى بين «رفاقه» الموزعين يمنة ويسرة. المبادرة اليوم بيد معراب، تأخذها باتجاه النهج الأحادي رغم «الديكور» المفتعل حول مصالحات منتظرة.
ورشة تنظيمية كبيرة توليها معراب كلّ الاهتمام، تبدأ خارطة طريقها من الصفر، وصولاً إلى مأسسة «التيار القواتي»، بحركته المحلية والاغترابية (70 مكتباً في الاغتراب). مخاض طويل سيخضع له التنظيم قبل ولادته على أيدي لجنة متخصصة، محازبين، وشخصيات مسيحية وغير مسيحية، بهدف استحداث حزب «نموذجي» يكون للمسيحيين للمئة عام المقبلة.
يوم أنشئت «القوات اللبنانية» كانت تنظيماً عسكرياً أراد «ضباطه» أن يكون دوره دفاعياً بامتياز، ذات «رسالة واضحة وهي الحفاظ على سيادة لبنان وحرية مسيحييه وكرامتهم». لم تطمح يوماً لأن تكون حزباً لأنها كانت تشكّل الجناح العسكري للجبهة اللبنانية التي كانت تمثل الأحزاب المسيحية مجتمعة، من الكتائب إلى الوطنيين الأحرار، حراس الأرز والتنظيم، فلم اختزالها بفريق واحد؟ العرف كان يقضي بأن يكون رئيس «الفصائل» من الحزب الأكبر، على أن يكون نائبه من الحزب الذي يليه قوة، فيما يكون أمين السر من «التنظيم». وفي ترجمة أخرى لآلية القيادة القواتية، كان الرئيس كميل شمعون الزعيم المسيحي الأقوى سياسياً، فكان لا بدّ من إيلاء الزعامة العسكرية للفريق الأقوى على الأرض، أي حزب الكتائب.
لم يخطر في بال قادتها يوماً إمكانية تحولّها إلى حزب سياسي واحد، يختصر مكوناته. بالعكس اعتقد بشير إنه بعد انتقاله إلى الرئاسة الأولى من الممكن دمج «القوات» ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية كي «تستفيد هذه الأخيرة من نجاح تجربتها العسكرية»، وفقاً لرؤية أهلها. كثيرة هي الروايات التي تروى في هذا السياق، يتناقلها قواتيو تلك المرحلة، وتحكي عن «الروح الإصلاحية» التي بثها «قائدهم» لحظة انتخابه رئيساً للجمهورية، في جسم الدولة ومؤسساتها، وكأنها «ذبذبات مغناطيسية تسللت بصمت إلى البيئة اللبنانية بجناحيها المسيحي والمسلم».
كانت القوات في توصيف «قيادات عتيقة»، مؤسسة منتظمة في حركتها الذاتية، تسيّرها هيكلية واضحة المعالم، وضعها مختصون محترفون بعد مشاورات استمرت لأكثر من سنة، تقوم على أساس نظام إداري ـ مالي ـ رقابي، يحصّن مسارها الداخلي. تتمتع بالحدّ الأدنى من مقومات الديموقراطية: تحترم آلية صنع القرار، مجلس القيادة يهتم بالشؤون السياسية فيما تتولى هيئة الأركان العسكرية الشؤون العسكرية، تشهد سنوياً عملية انتخابية، ولو شكلية، لاختيار قائد لها، ونائبه وأمين سرّه، حيث كانت تلحظ الانتخابات وجود أوراق بيضاء، عادة ما يضع بشير إحداها.
باختصار، كان بشير team player، لا مانع لديه من العودة عن الخطأ في حال ارتكبه، وفي الحالات التي يتخذ فيها قرارات يتبيّن فيما بعد سوء تقديرها، يعود عنها ليعطي هامش التحرك لغيره من القيادات. يصغي لما يقوله الغير، يستمع لكل الآراء قبل اتخاذ القرار. ويروي قيادي عتيق هنا، كيف تمّت «صناعة» قرار التجنيد الإجباري الذي اتخذته «القوات» بتوصية من هيئة الأركان العسكرية لتعبئة صفوفها، وتوقف بشير عند الأصداء التي وردته من العائلات حول امتعاضها من تطبيقه. ويقول إن قائد «القوات» كان يشدّد على ضرورة تطبيق القانون في مجال «الإعفاءات» ولما كان يطلب بنفسه التدخل لمصلحة أحد المطلوبين للتجنيد الإجباري، كان يواجه من المسؤولين المعنيين برفض أي تدخل، وهي حادثة تكررت مرتين، لم يُعط خلالها قائد «القوات» أفضلية «المرور».
ومن الممارسات التنظيمية التي وضعتها «القوات» تطبيق مبدأ «من أين لك هذا؟»، من خلال استمارات تتم تعبئتها من جانب الكوادر الحزبية المنتسبة إلى «المؤسسة» تبيّن مداخيلهم وممتلكاتهم، ويتم إيداعها في خزنة، ليسأل القيادي فيما بعد عن مصدر «ثروته»، في حال تواجدت.
ديموقراطية الانتفاضات
تلك الديموقراطية، دفنت يوم بدأ عصر الانتفاضات لتنهي عصراً من الممارسة المنتظمة القائمة على أساس تداول السلطة، كما تقول «القيادات العتيقة». الانتفاضة على فؤاد أبو ناضر حصلت بواسطة القوة، في الثاني عشر من آذار العام 1985، قادها عشرة قياديين منهم ايلي حبيقة وسمير جعجع، وحصرت الخيارات أمام أبو ناضر باثنين لا ثالث لهما، إما مواجهة الانتفاضة بسلاحها نفسه واستطراداً إدخال «القوات» في حمام من الدم، وإما تفادي الخراب الداخلي وإن على حساب الدورة المؤسساتية، وتالياً الاستسلام. صارت اجتماعات القيادة تحصل أسبوعياً ويترأسها أحد «قادة الانتفاضة» منعاً للخلاف الداخلي، إلى أن وضع حبيقة يده على وثيقة تدين جعجع بفتح قنوات اتصال مع الرئيس أمين الجميل، فدعا إلى اجتماع فوري لتسمية رئيس منعاً للفوضى، وقدّم افرام حبيقة رئيساً، ورضخ الجميع للأمر الواقع.
أبو ناضر نفسه متهم بالوصول إلى السلطة عن طريق «انتفاضة بيضاء» فرضها الرئيس أمين الجميل ليضمن سيطرته على القوات، كما الكتائب. التوصية الأخيرة التي تركها بشير قبل يوم واحد من اغتياله، كانت تقضي بانتخاب فادي افرام قائداً للقوات، وقد اختاره من خارج المجلس العسكري، والمحامي ايلي أسود نائباً له، ولكن تمّ الانقلاب على رغبة بشير.
جعجع أيضاً تسلق السلم التنظيمي بواسطة السلاح، وقاد انتفاضة الخامس عشر من كانون الثاني العام 1986 بوجه «الاتفاق الثلاثي»، علماً بأن أحد المشاركين في تلك المرحلة يؤكد أنه يوم طرح الاتفاق الثلاثي على الطاولة القواتية لم يتخط اعتراض القيادة على الاتفاق، عتبة الفقرة المتصلة بمسألة المثالثة ضمن المناصفة.
الانقلابات المتعاقبة لم تقض على «جوهر الديموقراطية» في «القوات»، فحسب، وإنما اختزلت القضية في شخص «القائد الملهم» وسخّرتها لتنفيذ مشروعه، على حدّ قول هذه القيادات.
على طريق الحزب
معراب تضع اليوم خارطة طريق أمامها، لانتشال «القوات» من فضاء التيار المتفلت من كلّ الضوابط، لسكبه في قالب التنظيم المحكوم بقيود «الورقة والقلم». تنكب لجنة مؤلفة من حزبيين متمرسين واختصاصيين على مسودة النظام الداخلي التي ستقر لاحقاً على طاولة الهيئة التنفيذية، على أن ترسل فيما بعد إلى المناطق والقطاعات والاغتراب لإبداء الملاحظات عليها كلّ حسب اختصاصه واهتماماته. وبعد أن تقطع هذا المسار ستعود المسودة إلى لجنة الصياغة كي تدخل التعديلات المقترحة عليها. لن تنتهي مسيرة المسودة عند هذا الحدّ، لأنها ستعرض في وقت لاحق بعد أن تأخذ شكلها النهائي، على نحو مئة شخصية مسيحية غير حزبية، من رجال دين وأكاديميين، «لأن «القوات» يجب أن تكون حزب المسيحيين للمئة العام المقبلة، فهي لا تمثل طرفاً مسيحياً بقدر ما تمثل الوجدان المسيحي، ولذا المطلوب حزب نموذجي، أقله أمام المجتمع المسيحي، والاستفادة من كلّ الخبرات المتوافرة»، كما تقول الأوساط القواتية.
وحتى وضوح معالمها، لا مجال للخوض في تفاصيل المسودة لأن اللجنة لم تنته من وضع مبادئها العامة، باستثناء مبدأ الانتخاب الذي سيصار إلى اعتماده، على سبيل المثال، على المستويات كافة، من دون أن يعني ذلك إلغاء آليات المحاسبة. غير ذلك ما من شيء محسوم.
وبعد أن ترى الصيغة النهائية النور، يصار إلى فتح باب الانتسابات على أساس النظام الجديد ضمن مهلة زمنية محددة (قد تكون شهراً)، لتجرى بعد ذلك الانتخابات الداخلية وانتخاب ممثلي القطاعات لحضور المؤتمر التأسيسي العام، حيث سيتم التصديق على النظام الداخلي، وتسمية اللجان المتخصصة التي ستضع خطط عمل الحزب للمرحلة المستقبلية، وقد تحصل انتخابات في حال أعطى النظام الداخلي، المؤتمر العام أي مهام انتخابية.
وبتقدير الأوساط، فإن هذه الآلية التي لا تزال حتى الساعة في خطواتها الأولية، قد لا تنتهي إلا أوائل الربيع المقبل، وهو الموعد الأولي لانعقاد المؤتمر، حيث ترجح أن تنتهي لجنة الصياغة أواخر شهر أيلول الحالي من وضع التصور الأولي للنظام الداخلي، ليصار إلى عرضها على المناطق والمصالح. مسار يبدو طويلاً ومقعداً، لأن «المطلوب هو إشراك أكبر شريحة ممكنة من القواتيين في التعبير عن رأيهم في النظام الداخلي».
تقر الأوساط أن ما يصار إلى إنشائه «هو حزب جديد بكل ما للكلمة من معنى، وأنه يحافظ على المبادئ نفسها التي قامت عليها «القوات»، والمطلوب قيام تنظيم يصون المبادئ الديموقراطية ويحترم روحيتها، بما في ذلك المستوى الرئاسي، لأننا نرفض مبدأ التوريث السياسي ونحترم مبدأ تداول السلطة». وعلى عكس الصورة التي يرسمها البعض عن أحادية أداء جعجع فإن محازبيه يروون الكثير من الأمثلة عن تعاطيه الديموقراطي مع الغير... «خلال أحد الاجتماعات طلبت أمانة السر من الحاضرين تقديم مداخلات مختصرة توفيراً للوقت، فما كان من جعجع إلا تسجيل رفضه والسماح لكل مشارك في الاجتماع بإبداء رأيه، ولو كان مطولاً».
© Copyright 2009 by
Lebanese Forces Official Website