محاولات عدّة جرت لانتزاع «القوات» من بين يديّ سمير جعجع أثناء وجوده في السجن، لكنها باءت جميعها بالفشل ولم تتمكن من تغيير المعادلة. بقي جعجع الرجل الأول في التنظيم. ثابتتان أساسيتان تشكلان العمود الفقري لنفوذ جعجع في «القوات»، كما تقول الأوساط القواتية، «الأولى هي قناعة كل من اقتنع خلال المرحلة الأخيرة بدوره وخياره السياسي وأدائه، والثانية تمتعه بالأفضلية والتقدم على غيره بسبب الالتفاف الشعبي حوله وتضحياته خلال المرحلة الماضية. ولذا هناك اجماع على وصفه بالأكفأ لقيادة القوات خلال هذه المرحلة».
القاعدة «القواتية» تبدو اليوم مزيجاً ممن عايشوا عصر القوات «الذهبي» ومن جيل جديد لم يعرف من «القوات» سوى ما وصل إليه من روايات من محيطه، وينتمي إلى المؤسسة القائمة راهناً بفعل الترابط العاطفي، اعتقاداً منه أنها تشكل استمرارية للمؤسسة الأم. ولهذا تركز معراب جهودها على الجيل الجديد، بدءاً من سن المراهقة حيث يصار إلى تحضير هذه الفئة من خلال المدارس والحركات الكشفية، لتكون الهيئات الطالبية في الجامعات مهيأة لاتمام وظيفتها الحزبية، قبل الالتحاق في الصفوف الأخيرة في «الجامعة الشعبية».
«القيادات العتيقة» ترى في «قوات اليوم» بذور تدمير ذاتها، «القائمون عليها وتحديداً جعجع يريدون أن يتخلصوا من «الحقبة النضالية»، لسببين، الأول هو إزاحة كلّ القيادات التي تحمل إرث المؤسس بشير، والتي بمقدورها منافسة جعجع في عقر داره، ومحاسبته على «الأداء الديموقراطي» وتداول السلطة، والثاني هو محو كل الحقبة العسكرية التي نشأت من أجلها «القوات» وكبرت في سبيلها، والتي يبدو أنه «يخجل» بها ويسعى إلى طي صفحتها، علماً بأن جعجع هو المسؤول عن سلبية أدائه خلال فترة الحرب».
ولهذا فإن ملف المصالحات الداخلية لم يسلك طريقاً سليماً وإنما اكتفى ببعض الشكليات على قاعدة من أدّى قسطه إلى العلى. وفي جعبة «قدامى القوات» وهي هيئة استحصلت على علم وخبر لها بعد أحداث الخامس من شباط 2006، وتضم فادي افرام، ايلي أسود، جو اده، مسعود الأشقر، وجوزيف الزايك، حادثة قد تحمل مؤشراً برأيهم إلى احتمال أن تتطور إلى خطوات مصالحة. إذ بعد رفع دعوى جزائية قدح وذم من جانب المحامي أسود بحق القوات اللبنانية ممثلة برئيسها أمام محكمة المطبوعات في بيروت، حضر إلى مكتبه مديرا مكتبي جعجع في خطوة بدت وكأنها شبه اعتذار لأمين سر «القوات» سابقاً المحامي أسود، ما دفعه إلى اسقاط الدعوى بعد اتفاق الطرفين على متابعة الحوار بعد الانتخابات النيابية... ولكن تلك المبادرة لم ترو غليلها من النقاش المتبادل، وبقيت خطوة على طريق الألف ميل.
وبانتظار وضوح الرؤية، فإن «القدامى» «مؤتمنون» على إرث «القوات» وشرعيتها، ولا يسعون وراء السلطة، كما يقول أسود، الذي يحمل حتى اللحظة بطاقته القواتية ذات الرقم أربعة، مؤكداً اكتسابه موقعه من بشير مباشرة، وعبر الانتخابات الشرعية وليس بواسطة السلاح.
القداس الذي يقام سنوياً بدعوة من مجموعة يترأسها بوب حداد، في «غابة الشهيد» في طبرية، شهد هذا العام حضوراً قواتياً حاشداً، ليعطي إشارة على تواصل هادئ بين معراب وهذه المجموعة.
أسماء في وجدان «القواتيين»
كثيرة هي الأسماء التي تحمل رمزية قواتية وراسخة في ذهن قاعدتها، فادي الشماتي، ألفرد ماضي، توفيق الهندي، روبير فرح، شارل جريصاتي، جوزيف رزق، حنا العتيق، نوفل ضو... الحاجة متبادلة بين الفريقين للسير في طريق واحد، ولكن تراكم الخلافات يقف حاجزاً بين معراب و«رفاقها». الاتصالات قائمة، ولكن «التقنين» يبطئ من حركتها. تتعدد الروايات عن مشاورات جرت مع بعض من تلك الشخصيات، اتصالات غير مباشرة مع الشماتي كانت ستفضي إلى وقوف مجموعته خلال الانتخابات النيابية إلى جانب انطوان زهرا، لكنها دعمت منافساً له، تعطلت لغة الحوار، وعاد التباعد سيد الموقف.
في ذهن «القدامى» الكثير من التساؤلات حول مستقبل التنظيم الذي يتم انشاؤه، ومنها استقلالية هذا الحزب وهذا الزعيم ومدى امكانية انفصاله عن حلفائه. الطرح السياسي الذي يحمله هذا التنظيم وارتباطاته الإقليمية. مدى الجدية في تصحيح المسار التنظيمي وتحويله من نظام القائد الملهم إلى مؤسسة حزبية... وفي تقديرهم أن القوات دخلت في حقبة جديدة غير قابلة للتطور، حيث يحاول القائمون عليها استبدال المعالجة الجذرية ببعض عمليات التجميل، وهو ما سيؤدي بالنتيجة إلى حصول الطلاق بين الحزب الناشئ والقاعدة التاريخية للقوات اللبنانية.
ورغم «الديكور» الذي يحيط بعملية إعادة بناء الحزب إلا أن هذه العملية برأي «القدامى» لا تمت للقوات بصلة لا روحاً ولا جسداً. ولذا هناك من اقترح حلاً جذرياً، أن يقدم جعجع استقالته من القوات ليصار إلى إنشاء لجنة لإدارة شؤون التنظيم ووضعه على سكة المأسسة. وحده جعجع برأي «القدامى»، يُحمّل مسؤولية التشرذم الذي شلّع أجنحة «القوات» منذ خروجه من السجن، «لأنه أقفل الأبواب حينها على كلّ المصالحات، مع القيادات القواتية والقيادات المسيحية، ولو أنه فتح يديه للغير، لكان صار زعيماً دون منازع».
الخلافات كثيرة وملفاتها مثقلة بتاريخ غير وديّ بين الفريقين، السياسي منها والشخصي والتنظيمي. في السياسة يبدأ الخلاف حول التبعية السياسية. يظهر في مقاربة بسيطة حول غياب صور قائد القوات عن مناطق بيروت والجبل، فيما تنتشر صور العماد ميشال عون في الضاحية الجنوبية، وكأن المطلوب من قيادة القوات أن تكون مترجماً لحلفائها. في التنظيم، تتراكم الملاحظات على إدارة الشؤون في المناطق، على الجامعة الشعبية التي تبدو من الحقبة الستالينية، كما يتخطى دور القوات أن يتم استخدامها في صراعات ونكايات (المقصود ضدّ عون).
يقول «قائد القوات» السابق فؤاد أبو ناضر أن جعجع في طور تأسيس حزب جديد، ارتأى التمسك بتسمية «القوات» لاستثمارها، لما تحمل من معان تاريخية وعاطفية في وجدان المسيحيين. إلا أن هذا التنظيم قيد الإنشاء صار مصبوغاً بشخص جعجع، والخلاف معه لرفضه إجراء المصالحات الداخلية ومع محيطه ومع المسيحيين عموماً. والخطيئة المقترفة هي عدم استناد هذا التنظيم إلى تاريخه وماضيه وأفكاره السياسية وعدم الاستفادة من خبرات رجالاته وأخطائهم، لتنشأ مؤسسة نموذجية تتكئ على الممارسة الديموقراطية ومبدأ تداول السلطة.
يلفت أبو ناضر إلى أن أحد أسباب خسارة المسيحيين الحرب هو الصراع الدموي على السلطة، والذي اندلع بين فصائل هذا الفريق، ومن ثم الابتعاد عن جوهر القضية التي قامت من أجلها تلك الفصائل. ولذا فإنه من المفترض على المؤسسة المنتظر ولادتها أن تأخذ بعين الاعتبار تصحيح هذين العاملين، لأن اعتماد النظام المؤسساتي السليم يمنع الصراع على السلطة ويحوله إلى تنافس ديموقراطي. ولا يمكن للعدالة التنظيمية أن تتكرس دون اعتبارين أساسيين أولهما، الممارسة الديموقراطية واحترام مبدأ تداول السلطة، علماً بأن كل الأحزاب المسيحية تعاني من هذا الخلل، وثانيهما إعادة إحياء قضية التعايش الحقيقي بكرامة ومساواة وحرية وأمان بين كلّ اللبنانيين.
رسائل تطمينية
في قراءة «أهل معراب»، الصورة مختلفة. حرص على إبقاء ملف المصالحات قيد الكتمان. وتؤكد الأوساط القواتية أن القيادة معنية بلقاء كل شخص يحافظ على هويته «القواتية»، لا سيما وأن ثمة أشخاصا صاروا في المقلب الآخر، اتخذوا خيارات سياسية مغايرة، صار الحوار بسببها عقيماً. وباستثناء هذه الحالات فإن الانفتاح هو سمة التعاطي الذي تبديه معراب في هذا الملف، وثمة عمل متواصل سيفاجئ الكثيرين يوم الإفراج عنه، وستحصل خطوات علنية في وقت قريب. أما غياب الكلام عنها فهو من باب الحرص على تأمين نجاحها، فيما المطلوب من كل من لديه النية، التقدم خطوة إلى الأمام لما فيه خير المسيحيين وخير لبنان.
ورغم كل هذه الرسائل التطمينية التي تطلقها القيادة القواتية تجاه من وقفوا إلى جانب قائدها في أصعب ظروفه، فإن كل المؤشرات التي تظهر إلى العلن لا توحي بعودة بعض الفصائل القواتية إلى «البيت الأبوي»... في حسابات معراب أن «ورشة المصالحات قد تثمر في نهاية المطاف عن صياغة إطار تنظيمي يحول «القوات» إلى إطار جامع للمسيحيين مع الحفاظ على خصوصية كلّ فريق. بمعنى آخر، حزب «القوات»، وشخصيات أخرى في ضواحيه وتدور في فلكه».
كثيرة هي الاتهامات التي تساق بحق قيادة معراب بشأن إنشاء حزب على قياس جعجع يكون فيه الأقوى، ولهذا جرى استبعاد قيادات قواتية لها وزنها على الأرض وقادرة على الوقوف بوجه جعجع، أقله في الموقف. وفق الأوساط القواتية «هو يعمل على تأسيس تنظيم يحترم الأصول الديموقراطية التي تتيح للجميع الفرص بشكل متساو ولا حاجة لتفصيل على قياسه يعطيه أحادية القرار».
ومن الأسباب التي تتراكم حول خطة مبرمجة لاستبعاد الوجوه العسكرية، سعي معراب إلى إسقاط الصفة الميليشيوية عن الحزب ـ الجنين. الأوساط تنفي هذه «التهمة» وتؤكد «لمّا تخلينا عن البارودة كان ذلك بقرار ذاتي نابع من قناعتنا، لأننا كنا نقاتل في سبيل قيام الدولة ولما رأينا مؤشرات قيام هذه الدولة سلمنا السلاح. ما من محاولات اليوم لنزع هذه الصورة الميليشوية، نحن قاتلنا بفخر ولا حياء من هذه المرحلة. نسعى اليوم إلى الحفاظ على الدولة ونرفض وجود سلاح خارج إطار الشرعية، ولا نقبل بتعييرنا بالماضي العسكري».