لم يبق لنا غيرك. غيركم. من الحلم، من القضية، من الصليب، من المسيرة... ذخيرة حية صغيرة في لفافة قماش عتيقة. ما عادت نبرة تهزّنا، ما عادت صورة تسقط الدمعة إلا صورتك. صورتكم. نشيدكم وحده يهيج القلب، فيزلزل الأضلع في الصدر. غيابكم وحده الدليل على أنه كان حق وكانت شعلة وكان إيمان وأنه حتما كان اعتداء وكان ظلم...
لخيرك، لخيركم أنكم ما عدتم هنا، في جحيم المتاهات والتكرار وغياهب الفراغ الدنيء. حتى الشهادة سلبوها كرامة الخيار العنيد والصدر المقدام، لتصير اغتيالا خبيثا، قل اصطيادا لفريسة ناصعة.
الجميع، قدامى وجدد ومتجددون ومخضرمون، يتفقون بنوستالجيا على أن الماضي كان أصدق، كان أنقى. أمور كثيرة انقلبت، تغيّرت، تبدّلت. فصحيح أن المتاريس تغيّر زيّها وهندستها وموادها، ولكنها ما زالت متاريس. وصحيح أن الخصومات تبدلت هويتها وأسماؤها وأبواتها، لكنها ما زالت خصومات. وصحيح ان الجبهات انقلبت خطوطها وعناوينها وحرّاسها، لكنها ما زالت جبهات. وصحيح ان الزعماء تبدلت شهراتهم وأعمارهم وألقابهم، ولكنهم ما زالو الزعماء... الروح بشهادة كثر، هي التي اختلفت! روح النضال التي تجمع، روح الصمود التي تلزم العين باحتضان البذور لا بقنص الغلّة...
في كل ايلول، يتذكرك، يتذكركم الجميع، فيتنازعون عظامكم. يتسابقون بالقرنفل والغار الى حيث ترقدون بصمت. يستحضرونكم كلما اجتمع خمسة. يتلهفون الى تعداد أسمائكم ووجوهكم وبطولاتكم، ويكرّرون القَسَم برتابة، فيحلفون بالكراسي، بالمقاعد، بالنسب، بالشعارات، بالأرقام، بأنهم لن ينسوكم في الأسابيع الخمسين الآتية... ويعلو التصفيق والصيحات والأناشيد على شرفكم... فيما في بضع زوايا باردة، تشهق دمعة ساخنة، على خدّ أب موجوع، أم مشتاقة، أخت مقهورة، وابنة بالكاد تفهم لماذا...
الجميع متفق على أنك، على أنكم رحلتم باكرًا جدًا. والجميع متفق على أن دماءكم لن تذهب رخيصة. غير أن القافلة تبدو طويلة بعمر القهر والظلم، والنذر يتأكد غاليًا وشاقاً بعذاب درب الجلجلة...
بشير... 26 عاما، ويستمر التعداد.
ف. داغر