للبعض هو عيد إرتفاع الصليب أو هو حتى يوم عاديّ. أنا أنتمي إلى جيل بالنسبة إليه - وفي مثل هذا اليوم من العام ١٩٨٢ - سقط شهيداً صاحب شعار الـ ١٠٤٥٢ كلم. مربع، رئيس الجمهوريّة الشيخ بشير الجميّل قائد المقاومة اللبنانيّة.
ما زلت أذكر وكأنّها البارحة صورته على الجدران وعليها عبارة "الحلم".
تحلّ ذكرى ١٤ أيلول هذه السنة... وقد انتهيتُ لتوّي من قراءة مذكّرات الأباتي بولس نعمان: الإنسان، الوطن، الحرّية (من اعداد الصحافي انطوان سعد). هذه المذكّرات سمحتْ لي بالإنحناء على "زمن" قابع - بعناد - في زاوية من ذاكرتي (وخاصّة العاطفيّة). كنتُ شاباً يافعاً... عايشتُ تلك الأحداث "على طريقتي"... وقراآتي لأدب هذه المرحلة كانت لأشخاص "ملتزمين" - بالمفهوم السلبي للكلمة - وقلّما قرأت عن أحداث وأناس وأبطال ذلك الزمن بقلم أشخاص ملتزمين، هذه المرّة، فقط بالإنسان وبالوطن وبالحريّة... إقتناعاً منهم بأنّهم يسيرون وكما يقول الأباتي نعمان:" وفق ما يمليه عليّ ضميري وواجبي الرهباني في ضوء تاريخ شعبنا وتعاليم آبائنا ومعلّمينا في البيت والمدرسة والدّير"... (يتابع)، "غيرآبهين بحصد مجد باطل أو شهرة زائلة كمجد زهرة الحقل" (صفحة ٤٦٨).
سألتُ جمهوراً قرأ مذكّرات الأباتي. كلّهم أجمعوا: "كتاب دسم... قرأناه ونقرأه بتأنٍّ. أحياناً صفحات قليلة تحتلّ أمسياتنا، تعبر مشاهده كفيلم سينمائي"... و"عندما وصلنا إلى الصفحة الأخيرة - موت بشير - (يكملون)، "وكأنّها بلاطة جثمت على صدورنا".
تابعوا... "يمكن معو حق الأباتي (بكلمته التأبينيّة التي ألقاها في ذكرى استشهاد بشير - الأربعين). ... " هيدا قصاص إلنا، قصاص للشعب". الأباتي قال بكلمته (القاها باللغة اللبنانيّة): " بيضلّ بالنهاية إنّو غياب البطل وموته قصاص للشعب وشهادة عدم استحقاق". جملة قالها العام ١٩٨٢. (كأنّه) عم بقولها اليوم لشعب ما تعلّم شي: شوفوا "وين" لبنان اليوم، "وين" المسحيين اليوم.
أمّا بعد، وكلمات الكتاب ما زالت نديّة في رأسي... جئتُ أتقدّم بالأسئلة التالية - نوع من كتاب مفتوح إلى الأباتي بولس نعمان - خير تعبير عن قلقي وخوفي وحزني وحسرتي لما آلت إليه الأمور في بلدي (أسئلة مرتبطة حصراً بما ورد في الكتاب):
السؤال الأوّل: يقول الدكتور فؤاد افرم البستاني - صفحة ١٤٩ - "على مختلف عهود لبنان، كان الشعب اللبناني أعظم من حكّامه، أيّاً كانوا. في مختلف البلدان، الحضارات مبنيّة على أشخاص. لكن في لبنان، الحضارة هي حضارة شعب" (...).
هل توافقونه الرأي في وقت اختزلت تجربة "بشير" وكما بينتم بالكتاب، الشعب والقضيّة اللبنانيّة... بشير أصبح محرّكها. ولاحقاً تجربة شهيد آخر، الرئيس رفيق الحريري الذي اختصر واختزل أيضاً فكرة لبنان - خصوصاً باستشهاده - وقد "سرّع بتلبنن" قسم كبير من الشعب اللبناني كان متحفّظاً عن نهائيّة الكيان اللبناني... فتراه اليوم سباقّاً ينادي بلبنان سيّد حرّ مستقلّ.
السؤال الثاني: تحدّثتم عن تباين (تاريخي) بين الرهبنة والبطريركيّة في الامور السياسية والوطنية (...) مرده كما تقولون في الصفحة ١٥:" إلى الدور المختلف للرهبان عن دور الأكليروس الأبرشي (...). فالرهبان هم أشدّ التصاقاً بالناس. وقد تولّوا رعاية حاجاتهم الزمنيّة، وليس فقط حاجاتهم الروحيّة على غرار كهنة الرعايا" (كما تقولون).
ويبقى السؤال: انطباع ربما انا فيه على خطأ؟ لماذا انحسر دور الرهبانيّة تدريجيّاً بعيد العام ١٩٨٢ لصالح البطريركيّة المارونيّة... مروراً بالبيان "الأيلولي الشهير" لمجلس المطارنة (2000)، ليعود فيُختزل "التمثيل" المسيحي، حصراً، بشخص البطريرك صفير؟ وما الذي حدث وكان وراء هذه النقلة؟
السؤال الثالث: "لجنة البحوث اللبنانية" ضمت كبار المفكرين والمثقفين المسيحيين. بوتقة شكلت المادة النبيلة - ما يعرف بالفرنسية بـ Matière grise - للفكر المسيحي و/أو اللبناني المقاوم...كان أعضاؤها يجتمعون دوريا في جامعة الكسليك يصدرون وينشرون دراساتهم وتحليلاتهم و برامجهم...والتي تصب بامتياز في خدمة وفي صلب الامن الاستراتيجي لمسيحيي لبنان.
لماذا هذا التصحير اليوم؟ ماذا حدث؟ أين مقاومة وثورة " المثقفين" والتزامهم بقضية لبنان؟...(طبعا هناك استثناءات: من الاب سليم عبو الى الشهيد سمير قصير)...
هل نحن امام "تقوقع" و انسحاب المفكرين والمثقفين من أي التزام في الشأن العام والايديولوجيات والسياسة...وعلى من تقع المسؤولية؟
السؤال الرابع: الاحزاب اللبنانية كانت تتباهى وتفتخر بانضمام المفكرين والمثقفين الى صفوفها. الحقيقة وكأن هذه الاحزاب كانت تسعى بشكل غير مباشر، "لشرعنة" قضيتها وايديولوجيتها...عبر انضمام هذه الفئة الى مجلس قيادتها. يكفي ان نتذكر عضوية كبارنا، من شارل مالك الى فؤاد افرام البستاني الى ادوار حنين...الخ في "الجبهة اللبنانية". اليوم احزابنا تفتش عن "الحشد" في اغلب الاحيان. أيضا، ما الذي حدث؟
السؤال الخامس: الجيش اللبناني والذي أعطى قياديين وابطال كمثل الشهيد سمير الاشقر(وقد افردتم له فصلاً - صفحة 236) وغيره ممن التزموا قضية لبنان... ضباطاً ورتباء وأفراداً ممن كانوا "يغضون النظر" عن قوافل السلاح احيانا لصالح احزاب الجبهة اللبنانية - صفحة 110...(الكتاب زاخر بالاسماء والمواقع و"الخبريات"، لن ندخل بالتفاصيل). ويبقى السؤال، ما الذي أوصل الامور الى حدّ التصادم بين الجيش اللبناني والقوات اللبنانية لاحقا، ما عرف بحرب الالغاء التي دمرت المجتمع المسيحي؟ كيف تطورت "ثقافة" المواجهة هذه إلى حد الالغاء؟ ومن المسؤول؟ هل في هذه المواجهة التي حصلت حتمية ما؟ ومن المسؤول عن "تغير ما" في عقيدة الجيش القتالية نحو الداخل (في وضعنا هنا، نحو الداخل المسيحي)؟
السؤال السادس (والأخير): الى متى الجزء الثاني من المذكرات؟
بعد "البشير" أحداث كثيرة حصلت. انتخاب الرئيس امين الجميل. حرب الجبل ومآسي التهجير. الانتفاضات المسيحية. حكومة عون الانتقالية. حرب التحرير وحرب الالغاء. سيناريو "انفجار سيدة النجاة" وحلّ حزب القوات واعتقال قائده. اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات الاخرى. الانسحاب السوري، الخ...
بنسبة كبيرة واحيانا حصرية عصفت هذه الاحداث بالمجتمع المسيحي تحديداً. أين موقع الأباتي والرهبنة من كل هذه الاحداث؟ لماذا أحس المسيحيون بالفراغ الكبير والاحباط؟
قدس الأباتي. انتم امام مسؤولية كبيرة تجاه الله والانسان في بلدي. هذه المذكرات ربما كانت الوسيلة الوحيدة للوقوف ولفهم كل ما حصل. شهادتكم للتاريخ سوف تسقط الكثير من الاقنعة. وكم من "بطل" سوف تُنزع عنه صفة الألوهة، فهو لم يكن أكثر من "راجح"، راجح الخبرية. الحقيقة تحرر. وليكن "كلامكم نعم، نعم أو لا، لا "...كما عرفناكم، تتقيأون الفاترين من فمكم، على غرار السيد المسيح.
أختم. 2 نيسان 1981. القصف المدفعي العنيف من المرابض السورية ينهمر فجأة على الاحياء المسيحية، حاصدا كالعادة مئات القتلى والجرحى. كنت واقفا امام منزلي في شارع لبنان أعاين آثار القصف والسيارات تحترق في وسط الطريق. تقف سيارة ويفتح سائقها الشباك. كان الاستاذ شارل غسطين وبقربه الأباتي بولس نعمان. يتوجه الي الأباتي وينهرني لاني كنت واقفا على الطريق، بينما القصف يشتد وكانت هذه المرة الاولى التي اقابله فيها...
لقد وجد الوقت في غمرة "معركته لتخليص لبنان" ليحب. هذا ما كان يفعله طيلة الوقت.