News : Articles Last Updated: May 8, 2010 - 7:30:19 AM


1600 عام على وفاة القديس مارون "شهادة ايمان وسيرة شعب "


By Akhbar el Yom
Jan 27, 2010 - 11:46:13 AM

Email this article
 Printer friendly page

StMaroun.jpg
1600 عام على وفاة القديس مارون "شهادة ايمان وسيرة شعب "
اطلاق برنامج احتفالات اقرها صفير من المركز الكاثوليكي للاعلام
قداديس وكتيب خاص بسنة اليوبيل عن مار مارون وسيرة الكنيسة
وتنظيم ندوات ومحاضرات في لبنان وبلدان الانتشار ورحلات حج

أطلق ظهر اليوم في المركز الكاثوليكي للاعلام برنامج الاحتفالات التي ستجري لمناسبة مرور 1600 سنة على وفاة القديس مارون بعنوان "شهادة إيمان وسيرة شعب" التي اقرها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، خلال ندوة شارك فيها رئيس اللجنة البطريركية للاحتفالات المطران بولس اميل سعادة ورئيس اللجنة الإعلامية وأمين سرها الدكتور انطوان سعد، نائب رئيس جامعة الروح القدس - الكسليك الاباتي بولس نعمان والنائب فريد الخازن، في حضور نقيب المحررين ملحم كرم، مستشار وزير الإعلام اندره قصاص، مديرة "الوكالة الوطنية للاعلام" لور سليمان صعب، رئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام المطران بشارة الراعي، راعي ابرشية بعلبك ودير الأحمر للموارنة المطران سمعان عطاالله، أعضاء لجنة اليوبيل وعدد من الإعلاميين وطلاب من كليتي اللاهوت والتاريخ في جامعة الروح القدس.
المطران سعادة
بداية، رحب المطران الراعي بالحضور، ثم تحدث المطران سعادة عن معاني اليوبيل وأبعاده عارضا لبرنامج الاحتفالات وقال: "يسعدني أن ألتقيكم اليوم في هذا الصرح الكريم لأعلن إطلاق احتفالات السنة اليوبيلية التي أقرها صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير بطريرك انطاكية وسائر المشرق الكلي الطوبى ومجلس المطارنة لمناسبة مرور ألف وستماية سنة على وفاة القديس مارون الناسك والكاهن. انها المرة الأولى التي تعلن فيها كنيستنا المارونية سنة يوبيلية لأبيها وشفيعها وملهم روحانيتها الانطاكية المميزة القديس مارون. لقد أعلن صاحب الغبطة والنيافة في رسالته الخاصة لهذه المناسبة أن احتفالات السنة اليوبيلية ستنطلق في 9 شباط 2010، بقداس احتفالي يترأسه هو في كاتدرائية مار جرجس المارونية في قلب بيروت ويعاونه السادة المطارنة ولفيف من الاكليروس ويحضره فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري ورئيس مجلس الوزراء الاستاذ سعد الحريري وأركان الدولة من وزراء ونواب حاليين وسابقين والهيئات السياسية والديبلوماسية والمدنية وحشود المؤمنين. وتمتدّ حتى 2 آذار 2011، عيد القديس يوحنا مارون البطريرك الأول ومؤسس الكنيسة المارونية".
واضاف: "ستكون هذه السنة اليوبيلية سنة مقدسة تحمل شعار: "مار مارون - شهادة إيمان ومسيرة شعب" وتدعو إلى مسيرة صلاة وتضحية وفحص ضمير وفعل توبة وفرصة تفكير عميق من أجل تنقية القلوب وتغيير الذهنيات. ستكون دعوة إلى العودة إلى حياة مار مارون وإلى تاريخ مسيرة الكنيسة المارونية والتأمل فيهما وأخذ العبر وإحياء القيم المارونية في التزام أبناء مارون الديني والكنسي والاجتماعي والسياسي والثقافي. ستكون سنة تطرح خلالها كنيستنا المارونية، أمام الرب، أسئلة على ذاتها حول أمانتها لهويتها ولرسالتها الانجيلية ومدى التزامها بعيش هذه الهوية وهذه الرسالة شهادة للمسيح الرب والمخلص في عالمنا اليوم. وسنسعى إلى إعادة اكتشاف جذورنا الايمانية وإلى توعية شبابنا وصبايانا وأجيالنا الطالعة على أهمية الرسالة التي يحملون مع كنيستهم باسم المسيح وخطورة الدور الذي ينتظرهم في مواجهة تحديات الحضور المسيحي في الشرق، في ضوء الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" والمجمع البطريركي الماروني. وكي تتجاوب كنيستنا مع أهداف هذه السنة اليوبيلية فتؤتي ثمارها المرجوة، عمد صاحب الغبطة والنيافة إلى تعيين لجنة بطريركية وكلفها القيام بالترتيبات اللازمة ومواكبة الاحتفالات والنشاطات الدينية والروحية والثقافية والاجتماعية مستلهمة الروح القدس في السير على خطى القديس مارون وحمل الرسالة الانجيلية والشهادة للمسيح. وبعد اجتماعات لأشهر عدة، وضعت اللجنة تصورا للاحتفالات جاء على مستويات عدة:
على مستوى الاحتفالات الدينية المركزية والفرعية: تنظيم قداس الافتتاح في 9 شباط 2010 وقداس الاختتام في 2 آذار 2011. تنظيم قداسات عامة للاكليروس الأبرشي والاكليروس الرهباني وللأخويات وللشبيبة وللجامعيين وغيرهم. طبع كتيب خاص بسنة اليوبيل عن حياة مار مارون ومسيرة الكنيسة المارونية. توزيع صور لمار مارون لترفع في كل بيت ويحمل كل شخص ليكون مار مارون رفيقه الدائم.
-على مستوى النشاطات الثقافية:
تنظيم ندوات ومحاضرات في لبنان وبلدان النطاق البطريركي وبلدان الانتشار للتعريف بمار مارون وروحانيته وبالكنيسة المارونية وهويتها ورسالتها ومسيرتها التاريخية وبدور الموارنة والبطريرك والبطريركية والقديسين.
تنظيم زيارات حج إلى الأماكن المارونية المقدسة والمراكز البطريركية، وبخاصة الأماكن والمراكز التي حددها صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والتي تمنح فيها الغفرانات خلال سنة اليوبيل، وهي: دير مار يوحنا مارون كفرحي، دير سيدة إيليج، دير سيدة قنوبين، دير سيدة بكركي، موقع قبر مار مارون في براد قرب حلب. وتم الاتصال بإذاعة "صوت المحبة" وببعض وكالات السياحة لتنظيم مثل هذه الرحلات. تنظيم احتفالات في الأبرشيات والرعايا والأديار والمؤسسات من قداديس وزياحات وتطوافات وساعات سجود وصلاة للتأمل في حياة مار مارون والقديسين من بعده وأخذ العبر والأمثولات من روحانيتهم. أما كتاب قداس مار مارون والصلوات الخورسية والزياح فيطلب من معهد الليتورجيا في جامعة الروح القدس - الكسليك.
تنظيم ندوات في الجامعات المارونية وغير المارونية تهدف إلى التعمق في التعريف عن مار مارون وعن المارونية من كل جوانبها الدينية والكنسية والثقافية والاجتماعية والعمل على رسم خطة مستقبلية تجعل الكنيسة المارونية ترقى إلى الرسالة الانجيلية الأممية التي تحملها في عالم اليوم. تنظيم نشاطات وبرامج خاصة في المدارس المارونية والكاثوليكية تهدف إلى التعريف بحياة مار مارون وروحانيته وبالكنيسة المارونية عن طريق أمثولات في التعليم المسيحي وإجراء مباريات مدرسية ومحاضرات وندوات ورسيتالات وزيارات حج وتأليف وتلحين تراتيل.
تنظيم يوم الشبيبة المارونية الثاني بالتعاون مع الأمانة العامة للبطريركية ولجنة الشبيبة المنبثقة عنها. تنظيم معارض دينية وتراثية وإنشاء متاحف في الأبرشيات والأديار والجامعات. إحياء برامج إعلامية عبر وسائل الاعلام المتعددة والمتنوعة. تشجيع إصدارات فكرية للموارنة وعن الموارنة. إحصاء المعابد والكنائس المشيدة على اسم مار مارون في لبنان وعالم الانتشار. إحصاء الأشخاص الذين يحملون إسم مارون. توزيع ميدالية مار مارون على الرسميين.
-على المستوى الوطني:
انه من الطبيعي أن يكون الاحتفال بمار مارون احتفالا لبنانيا وطنيا بامتياز. فالموارنة ركن أساسي وتأسيسي في هذا الوطن، لبنان، الذي هو حصن المارونية وحضنها لأنها فيه نشأت ومعه نمت وانتشرت على كل مساحته ومنه أبحرت إلى كل الأمم حتى أقاصي الأرض، وفيه شهدت لإيمانها واستشهد أبناء لها، وفيه عاش أبرارها والقديسون. لقد تفاعلت المارونية مع لبنان وتكاملت رسالتها برسالته وهي رسالة الانفتاح والحوار والعيش الحر حتى أصبح الوطن- الرسالة. من هنا ندعو السياسيين الموارنة والعاملين في الشأن العام إلى التفاعل مع شركائهم في الوطن في إعادة بناء لبنان في دعوته التاريخية وحمل رسالته إلى كل بلدان العالم.
لذا، فإننا ندعو كل أبنائنا وأخوتنا الموارنة أينما وجدوا، كما ندعو الأبرشيات والرعايا والرهبانيات والجامعات والمدارس والمؤسسات والجمعيات الكنيسة والمدنية والمجموعات والنوادي والروابط، إلى الاحتفال بهذه السنة اليوبيلية تجاوبا مع نداء صاحب الغبطة والنيافة أبينا الكاردينال مار نصرالله بطرس واللجنة البطريركية لاحتفالات يوبيل مار مارون بروح الأخوة والتضامن والمحبة".
وتابع: "أما أنتم أيها الإعلاميون الأعزاء، فإننا نعول عليكم لإنجاح هذه السنة اليوبيلية. وأنتم خير من يدرك أن الإعلام لا يكتفي بنقل الواقع بصدق وجرأة وتجرد بل يولد حالة روحية واجتماعية وتكوين رأي عام يعي أبعاد المناسبة ويتفاعل معها بما يليق بهذا الحدث التاريخي ويخدم أهدافه السامية. أشكركم على حضوركم والتزامكم مواكبة هذه السنة. كما أشكر أخي صاحب السيادة رئيس اللجنة الأسقفية للاعلام والخوري عبده أو كسم مدير هذا المركز وأعضاء اللجنة البطريركية الذين رافقونا لأشهر وسيرافقوننا طيلة السنة، متمنيا لكم جميعا دوام النجاح بشفاعة أبينا القديس مارون وقديسينا أجمعين".
سعد
ثم أعلن الدكتور سعد عن الموقع الالكتروني للسنة اليوبيلية، وقال: "الموقع الالكتروني الذي يستطيع من خلاله الجميع مواكبة هذه السنة اليوبيلية سيتم افتتاحه رسمياً يوم عيد مار مارون في 9 شباط، وهو على العنوان التالي: www.jubilestmaroun.org وقد اردناه مساحة جديدة تتيح للزائرين التعرف الى مار مارون - شخصيته وروحانيته - وعلى الكنيسة المارونية وعلى وجودها في لبنان وفي بلدان الانتشار.
في الموقع ابواب وخدمات يتم الاعداد لها منها: روزنامة المواعيد وبرنامج الاحتفالات التي ستتم في مختلف الابرشيات والرعايا والجامعات وسائر المؤسسات المارونية.
Feedback ويتضمن تعليقات وتحاليل لأحداث ونشاطات ومواقف متعلقة بالمناسبة.
Guest Book وهي فسحة تستقبل ضيوفا من كل الطوائف والفئات يشاركون في الكتابة.
Forum أو منتدى لمناقشة مواضيع تخص المارونية وكل ما له ارتباط بالمناسبة بما يوفره هذا الباب من تفاعل نتمناه مفيدا ومثمرا" Gallary او معرض ايقونات وصور لمن يرغب ولا سيما من الاعلاميين Newsletter او جريدة الكترونية توضع في تصرف من يطلبها، ويكفي أن يضع المشترك اسمه وعنوانه الالكتروني حتى يصله العدد مجانا وفورا.
Media press zone وهو ركن خاص للاعلاميين، يدخلون اليه من خلال رقم خاص ويأخذون منه كل المعطيات التي تهمهم وتفيد عملهم، وهذا اجراء يريحهم ويسرع عملهم".
وختم: "يبقى ان نجاح عمل هذا الموقع والافادة منه مرتبطان بتجاوب المعنيين ومده بالمعلومات والعناصر الاساسية ولا سيما اخبار النشاطات التي ستتم في لبنان او في الخارج. انها محاولة لجعل الكل، أينما كانوا، معنيين بهذه السنة اليوبيلية المقدسة، ومشاركين في تحقيق الاهداف المطلوبة منها".
الاباتي نعمان
ثم تناول الاباتي نعمان موضوع "المارونية رسالة تحرير مشرقية" وقال: "قيل في المارونية الشيء الكثير، ويقال اليوم فيها وعنها الشيء الأكثر، ذلك أنها كانت ولا تزال حاضرة وفاعلة في محيطها، لها ما له من الوهن والضعة، ومن الرفعة والمكانة. حضور متواصل ومتكامل روحيا وفكريا، حياتيا ونضاليا، من ساعة النشوء سنة 452 حتى الساعة 2010. 1552 سنة من الحضور الدئم، الفاعل والمنفعل، نستعرضها بإيجاز، لا على سبيل المفاخرة والتقويم بل في محاولة لفهم ثوابت ومحركات وأساليب عيش هذه الجماعة المشرقية الملتزمة، التي أحدثت أهم انقلابين، في محيطها المشرقي المونوليتي، على المستوى الاجتماعي والحضاري: الوطن التعددي الحر والمستقل، والإنسان المنفتح على الحضارات".
واضاف: "جماعة بيت مارون"، كما ذكرهم التاريخ لأول مرة، هم فئة من المسيحيين الأنطاكيين المعترفين بعقيدة طبيعتي السيد المسيح الإلهية والإنسانية التي أثبتها مجمع خلقيدونية سنة 451، والقاطنين في نطاق بطريركية أنطاكية: من قيليقيا في الشمال الغربي إلى فلسطين في الجنوب، ومن فينيقيا الساحلية في الغرب، إلى "العربية" في الشرق، حسب التنظيم الروماني بعد إصلاح الإمبراطور "ديوكلاسيان" سنة 284. على أثر هذا المجمع، انشطرت الكنيسة المسيحية إلى قسمين كبيرين:
-لاخلقيدونيين الذين يوحدون الطبيعة في المسيح، وهم: الأقباط والأحباش من بطريركية الإسكندرية، السريان الارثوذكس والنساطرة من بطريركية أنطاكية، الأرمن الأرثوذكس من بطريركية القسطنطينية.
-وخلقيدونيين ثنائيين، الذين يعترفون بأن للمسيح طبيعتين: إلهية وإنسانية كاملتين، وهم: بابا روما والكنيسة الغربية؛ بطريركية القسطنطينية والروم البيزنطيون؛ الملكيون من بطريركية أنطاكية، أي الروم والكاثوليك والموارنة. العقيدة الخلقيدونية هذه، هي تأكيد صريح لانسانية المسيح الكاملة، لأن أحدا لم ينكر على المسيح طبيعته الالهية.
هذا الاعتقاد النظري يستتبع مواقف عملية وحياتية تتحول، مع الزمن وبفعل الأمانة في الممارسة والعيش الحياتي الصادق، إلى مؤثرات حضارية طبعت المجتمع الماروني منذ نشأته. فالتجسدد الإلهي يعني عمليا، دخول الإله في التاريخ، في الزمان والمكان، تتميما لعملية الخلاص، وفق هذه العقيدة، فإن الإله المتجسد يسوع لم يعد انتظارا أو حنينا، كما أنه ليس فكرة في الذهن أو صفة لموصوف تجهله، بل هو قدوة ومثال عيش، إنه إنسان ينشئ علاقة كيانية مع كل إنسان، ليمكن الإنسان بدوره من أن ينشئ علاقة إلهية مع الإله-الإنسان يسوع، الوسيط الوحيد بين الله والناس. فالاشتراك الإلهي بالطبيعة الإنسانية، يخول الإنسان المؤمن حق الاشتراك الفعلي في الطبيعة الإلهية، وهذه هي عملية الخلاص، كما نصلي في القداس: "وحدت يا رب لاهوتك بناسوتنا وناسوتنا بلاهوتك أخذت طبعنا لتعطينا طبعك، لك المجد".
واضاف: "المسيحية، من هذا القبيل ومن هذا المنطلق التجسدي، هي تلاق مع كل إنسان في إنسانية يسوع الشاملة وهي دينامية تطور وصيرورة، قد يدخل المسيحي بالهوية في خطها أو يظل عاجزا عن فهم أبعادها. فهو يحقق مسيحيته بقدر ما يسمو بإنسانيته والسمو في الإنسانية هو تلاق مع كل إنسان وانفتاح عليه، لأن كل إنسان مفتدى بيسوع المسيح بالقوة. والمارونية، لأنها تاريخيا، التزام نضالي خاص في الدفا عن إنسانية يسوع الكاملة، عرفت أن تعيش الحالة التجسديةة هذه، منذ التأسيس والنشأة وقد كونت مجتمع شاملا لا حصريا، لا يرفض الغير لأنه مختلف، بل يفتش عنه لأنه مختلف، كما أنها اعتبرت الوحدة في التنوع الثراء للانسان، وأن كل ما هو إنساني لا يجب أن يكون غريبا عنها. ولأن الموارنة عاشوا حالتهم هذه، ملتزمين ومنتظمين، أطول مدة من الزمن كونوا جماعة متراصة، شاملة لا حصريةـ تقبل الغير مع فروقاته، ولا ترفضه لأنه مختلف، بل تفتش عنه لأنه مختلف تتميما لرسالتها، لذلك أدرك أمراء لبنان وحكامه، الغيارى على استقلال لبنان في تعدديته، هذه الصفات في المجتمع الماروني، فسمحوا لهم، لا بل أغروهم وأرغموهم، منذ القرن السادس عشر، على التوسع والتوزع في أنحاء لبنان كافة، وفي مختلف ضياعه وقراه، من الشمال إلى الجنوب، ليكونوا اللحمة والملح الذي يشدد الربط والصلات بين مختلف عائلات لبنان وطوائفه، كما طلب منهم، في منطقة جزين بالتحديد، أن يؤلفوا حدا يفصل بين شيعة الجنوب ودروز الشوف، من تخوم نيحا في الشرق حتى مدينة صيدا في الغرب، وأكثر الذين عاشوا معهم في لبنان، شهدوا لهم هذه الصفات والمزايا الجامعة والموحدة التي سمحت ومهدت لقيام وتكون وطن تعددي في قلب الاميراطورية العثمانية التوتاليتارية".
وتابع: "ولأنهم عرفوا أيضا أن يكونوا جماعة ملتزمة جوهريا ووجوديا، ولأنهم أحبوا الأرض اللبنانية المضيافة وارتبطوا فيها وأخصبوها، كان لهم تاريخ عريق، انبثق من عيشهم وعملهم وتفكيرهم أدب وحضارة إنسانية مميزة كانت من الشرق وفي خدمة الشرق والعربية بنوع خاص، خدمة يعرفها القاصي والداني، ولا مجال الآن لتعداد صفات هذه الخدمة الإنسانية التي أوجدت حضارة تجلت للعيان في فكرهم وأدبهم وفنهم وموسيقاهم. وقد انعكست على حضارة الشرق العربي. هذه الحضارة اتصفت بالوحدة والشمول، وحدة من حيث الينبوع المباشر الأصيل، وشمول من حيث الارتباط بالروافد الشرقية والغربية. وبهذه الطريقة، ومع الزمن، استطاعوا أن يحققوا ما حلموا به، أي الوطن الحر والمستقل والإنسان المنفتح والمطل على الحضارة العالمية.
يقول البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي إلى اللبنانيين : "هذا البلد الحضاري الفريد من نوعه، والذي ليس كباقي الأوطان، فيه نمت وترعرعت جماعات عدة بشرية، وفي الواقع اليوم، كما في الأمس، يدعى فيه أناس متباينون على الصعيد الثقافي والديني إلى العيش معا، على الأرض نفسها، إلى بناء أمة حوار وعيش مشترك، وإلى الإسهام في خير الجميع. كما تسعى اليوم، جماعات مسيحية وإسلامية إلى جعل تقاليدها أكثر حيوية... إنه وطن مركب يتألف من عناصر متعددة، ومن الضروري والملح أن تتربى فيه الضمائر على السلام والمصالحة والوفاق بين جميع عناصر الأمة. وأن تتعافى وترضى بالتعددية رضى كاملا، حتى تتوافر للمواطنين الشروط الضرورية لاقامة حوار حقيقي (92) حتى يبقى لبنان بلدا ديموقراطيا منفتحا على الآخرين في حوار الثقافات والديانات ويكون قادرا على توفير وجود كريم للجميع (98)".
وقال: "في نهاية هذا الموجز، أعود إلى حيث ابتدأت، إلى تلك الظاهرة الفريدة في تاريخ الشرق المتقلب والصاهر للأوطان، إلى ديمومة هذه الجماعة الصغيرة المتواضعة وفاعليتها، إنما الواعية والمدركة لذاتها ولرسالتها، والتي عمرت سحابة ألف وخمس مئة وخمسين سنة من الوجود الواعي والمتكامل دينيا واجتماعيا، حتى أنها أصبحت محورا للوجود الإنساني في الشرق، يفخرون بها إذا عملت ما يدعو إلى الفخار، ويأسفون لها إذا عملت ما يدعو إلى الأسف. عل قادتها الروحيين والزمنيينن يدركون اليوم دورهم الإنساني الطليعي في هذا الشرق، من خلال وعيهم لرسالتهم الخاصة، رسالة الإنسان الحر والمحرر "فيترهبون ويزهدون"، كما يقول مفكرنا الكبير شارل مالك، ويقبلون على القيادة كأنبياء وكرائين يتخطون الطوائف بما فيها الماروني، الإنسان الحر والمحرر".
النائب الخازن
وفي ختام الندوة، تحدث النائب الخازن عن "الموارنة وتحديات الحضور الفاعل والحر"، وقال: "نحتفل هذه السنة بمرور 1600 عام على وفاة القديس مارون في مطلع القرن الخامس. على اسم القديس مارون، الراهب الناسك، كان الدير الحاضن لانطلاق مسيرة الكنيسة الانطاكية السريانية المارونية. وحول هذا الدير نشأت البطريركية المارونية بين نهايات القرن السابع والنصف الاول من القرن الثامن. والبطريرك الاول، يوحنا مارون، كان راهبا في دير مار مارون من ثم رئيسا عليه. وعلى اسم القديس مارون سار اتباعه على طريق الايمان والصلاة والزهد. هكذا كان الاطار الديني الكنسي للمارونية في بداياتها. وجاءت التحولات التاريخية المتعاقبة لتؤثر في مسار الكنيسة وتزيدها زخما وعطاء ولتعطي الموارنة هوية لرسالتهم ورسالة لهويتهم عنوانها النضال المتواصل من اجل الحرية والانفتاح اينما حلوا في التاريخ والجغرافيا".
واضاف: "انها الكنيسة المارونية، كنيسة الرجاء: كنيسة انطاكية سريانية ذات تراث ليتورجي خاص، وكنيسة خلقيدونية، وكنيسة بطريركية ذات طابع نسكي ورهباني، وكنيسة في شركة تامة مع الكرسي الرسولي الروماني، وكنيسة متجسدة في بيئتها اللبنانية والمشرقية وفي بلاد الانتشار، بحسب ما جاء في نصوص المجمع البطريركي الماروني. انها الهوية المتأصلة في الشرق والمنفتحة على الغرب والمنتشرة في العالم اجمع. فمنذ القرن الثامن، برز الموارنة جماعة كنسية مستقلة ضمن الكرسي الانطاكي الى جانب كنائس اخرى. وهذه الجماعة تفاعلت مع محيطها مدى العصور وكان حضورها المسيحي للشهادة والرسالة والخدمة. ومع تمركز الجماعة الكنسية في جبل لبنان منذ القرن الثامن او التاسع، برزت جماعة المؤمنين، اي الشعب الماروني المتحلق حول كنيسته، حول البطريرك والاساقفة والرهبان في اديرة ساهمت في الانتشار الماروني على امتداد جبل لبنان وفي محيطه في حركة تمدد ديمغرافي واجتماعي وتربوي على مدى ثلاثة قرون. الحقبة الاكثر ارتباطا بالمرحلة المعاصرة تبدأ في زمن السلطنة العثمانية، وتحديدا مع الامارتين المعنية والشهابية، حيث بدأت تتشكل الملامح الاولى لنواة المجتمع السياسي للبنان المعاصر. فمنذ القرن السابع عشر والموارنة في حركة صعود متواصل في الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لا على صعيد النفوذ فحسب بل على صعيد المبادرة وفي حركة التواصل مع الآخر في الداخل والخارج، على حد سواء".
وتابع: "فاذا كان الموارنة في بدايات نشوء كنيستهم جماعة ديرية، وكأنها "رعية البطريرك"، وفي ما بعد جماعة كنسية في شركة مع الكرسي الرسولي، فان الموارنة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، باتوا جماعة سياسية تحمل مشروعا تمثل بالمطالبة بقيام دولة لبنان الكبير، أسوة بجماعات اخرى تكلمت لغة العصر السياسية في حقبة ما بعد انهيار السلطنة العثمانية ونشوء كيانات جديدة ركيزتها الدولة-الامة، وان اختلفت مضامينها ومنطلقاتها التاريخية والسياسية".
وقال: "تجلى الحضور الماروني في ادوار مفصلية، قبل نشوء الدولة وبعدها، نشير الى بعضها:
اولا، مواكبة الموارنة، وتحديدا الكنيسة المارونية، لحركة الحداثه قبل نشوء الدولة بثلاثة قرون. ومن ابرز معالم هذا المسار النهوضي انشاء المدرسة المارونية في روما في العام 1584، وهي التي ساهم تلاميذها في انجازات حضارية في روما وفي جامعات اوروبا وكانو في اساس انطلاق حركة اصلاحية شاملة داخل الكنيسة المارونية بدءا بالمجمع اللبناني في 1736 الذي اوصى بالتعليم للبنين والبنات.
ثانيا، قيام نظام المتصرفية الذي وضع المداميك الاولى للنظام السياسي في دولة لبنان الكبير، وادخل مبدأ الانتخاب الى جبل لبنان الذي تمتع بحكم ذاتي ضمن السلطنة العثمانية وباعتراف الدول الكبرى.
ثالثا، الموارنة هم اصحاب مبادرة ساهمت في بلورة محطات محورية في تاريخ لبنان الحديث منذ نشوء الدولة في 1920: في انجاز الاستقلال المتلازم مع الميثاق الوطني عام 1943، وفي اعادة اللحمة الى البلاد بعد احداث 1958، وفي المساهمة باقامة نظام سياسي واقتصادي ليبرالي منفتح وديموقراطي، ميز لبنان عن انظمة الحكم السلطوية في المحيط العربي".
واضاف: "كثيرة هي التحديات التي واجهت الموارنة في مسيرتهم التاريخية، الدينية والسياسية والاجتماعية، الا ان التحديات التي تواجه الموارنة في المرحلة المعاصرة مرتبطة بشكل اساس بمرحلة ما بعد نشوء الدولة التي شهدت التحول الاساس في تاريخ الموارنة المعاصر والاكثر ارتباطا بواقعهم الحاضر في لبنان وبلاد الانتشار. لعل التجربة الاهم التي خبرها الموارنة في المرحلة المعاصرة تتمحور حول الدولة لجهة الدور الذي اداه الموارنة في ارساء ركائزها وفي انجازاتها واخفاقاتها حتى اندلاع الحرب في منتصف سبعينات القرن المنصرم. ولقد تجلت هذه الحركة بالحضور الفاعل للموارنة في بيئتهم الاجتماعية والسياسية المباشرة، وفي البيئة الاوسع على مستوى الوطن، وخارج حدود الدولة. تحديات اخرى واجهت الموارنة والمسيحيين في لبنان، منها الوضع الديموغرافي المتراجع والهجرة والتهجير خلال سنوات الحرب.
تحد اضافي برز في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب تمثل باستهداف سياسي وديموغرافي بهدف تهميش دور المسيحيين الوطني، وصولا الى المسائل التي نعيشها اليوم ومنها محاولة الخروج من تبعات الحروب الداخلية والخارجية والوصاية، اضافة الى الحاجة الى التعامل الخلاق مع واقع المتغيرات داخل المجتمع اللبناني وفي محيطه الاقليمي. المصير المشترك الذي يجمع بين ابناء الوطن الواحد يفرض التضامن للحفاظ على الحرية التي هي في صلب العيش المشترك في دولة سيدة ومستقلة وفي نظام سياسي ديموقراطي. يبقى ان رهان الموارنة والمسيحيين هو على نظام قيم جامع مع شركائهم في الوطن من اجل خير الانسان في لبنان، ومن اجل مواجهة التطرف الآتي من كل اتجاه.
لذلك فان الحضور الفاعل والحر للمسيحيين في لبنان، وتحديدا في الشأن الوطني، يشكل ضمانا لعيش مشترك بارادة حرة، بعيدا عن الالغاء والتهميش المرادف للديكتاتورية والعنف المدمر للذات".
وتابع: "لقد رفع البابا يوحنا بولس الثاني لبنان الى مصاف الرسالة بقوله "ان لبنان هو اكثر من بلد. انه رسالة حرية ونموذج في التعددية، للشرق كما للغرب". فلولا الحضور الماروني والمسيحي، لما اكتملت الرسالة. فلا التعددية ممكنة بلا التنوع في مكونات لبنان الطائفية والدينية، ولا الحرية ممكنة بلا حضور فاعل في ادارة شؤون الرعية والوطن. والتحدي يكمن في صون جوهر هذه الرسالة في القول والفعل معا فنحول القدر الذي لا خيار لنا في صنعه الى معطى ندركه بالالتزام الجاد بالقيم الانسانية التي منحنا اياها الخالق. يبقى "ان المسيحيين عموما، والموارنة خصوصا، هم ابناء التاريخ، ابناء المبادرة الالهية في الخلق كما في الخلاص، فرجاؤهم متأصل في هذا التدبير الالهي، الذي من سماته امانة الله لوعوده التي لا بد لها من ان تتحقق مهما بدت الظروف والاحداث معاكسة لها". (المجمع البطريركي الماروني، ص 15) هذا الكلام جسده القديس مارون في سيرته، فلنكن اوفياء لذكراه".

Top of Page

Related Articles:

1600 عام على وفاة القديس مارون "شهادة ايمان وسيرة شعب "

- Jan 27, 2010 - 11:46:13 AM



© Copyright 2010 by Lebanese Forces Official Website

Articles
Latest Headlines

كنيسة القديس يوحنا مرقس دليل على وجود الجماعات المسيحية الأولى في لبنان

دولة شهود الزور

دير سيدة إيليج: مقام لـ18 بطريركاً مارونياً يلخّص في أيقونة تاريخية علاقة المورانة بالعذراء مريم

Drums of War: Israel and the "Axis of Resistance"
Robert Fisk: Israel-Lebanon tensions flare after skirmish leaves four dead

فولكلور المماحكات لن يأتي بالنفط

What don't we know about Syrian security?

مبروك

Syria seeks a military return to Lebanon
In Lebanon, A Reason For Heartbreak