مع مغيب احد الايام في بداية الثمانينات، دخل الاستاذ جوزف ابو خليل (رئيس تحرير جريدة "العمل" آنذاك) مكتبي في الجريدة. كان يحمل فنجان قهوة اكسبريسو وملعقة بلاستيكية صغيرة يحرّك بها قطعة السكر بلا توقف. جلس على غير عادته، والملعقة لا تكف عن الدوران في قعر الفنجان تماما كما الابتسامة الهادئة لا تغادر ثغره! يبتسم ويتأمل حبيبات السكر تذوب، وكأنه يتحسس دقات قلبه المتسارعة في ابتهاج قلما بدا على وجه "عمو" كما كانوا ينادونه... رفع عينيه اليّ من غير ان يتوقف عن تحريك الملعقة في الفنجان: " ما رأيك لو اصبح بشير فخامة الرئيس؟"
استدارت عيناي ولم افهم. وبالطبع لم الفظ كلمة. عاد بنظره الى فنجان القهوة والملعقة تدور فيه وتدور، كأنه يحدّق في كرة بلّور ويستمر في الابتسام: "الم تسمعي؟! ما رأيك لو اصبح بشير رئيسا للجمهورية اللبنانية؟"
... جلس جوزف ابو خليل يومها، على غير عادة، لاكثر من ساعة في مكتبي. كان يحكي كأنه يحاكي نفسه، كان يسرد كأنه يقرأ بين الصفحات، كان ينتقل من فصل الى آخر كمن يطوي ملفا ويفتح آخر، كلامه يجري بثقة وهدوء في شبه مراجعة دقيقة ومفصّلة وكاملة. لا يسكت الا ليتنهد او ليمسح بابهامه طرفي شفتيه. اذكر تماما انه لم يشرب فنجان القهوة، بل كان يحمله طيلة الساعة ويكتفي بتحريك الملعقة فيه... بدا لي كمن يقرأ غيبا، كمن يطالع المستحيل: اجتياح اسرائيلي... قضاء على الاحتلال الفلسطيني. اقتلاع الدويلة الفلسطينية من قلب الدولة اللبنانية. انسحاب الجيش السوري. تحرير كامل الارض. تحرير اﻟ 10452 كلم2. استرجاع مؤسسات الدولة. احياء السلطات. بسط سلطة الجيش اللبناني على كامل الاراضي اللبنانية. انتخاب رئيس للجمهورية. بشير! بشير الجميل رئيسا في قصر بعبدا. استرجاع الجمهورية. احياء الميثاق. انتهاء الحرب. انتهاء محنة لبنان.
"ما رأيك؟" طبعا، لم يكن ينتظر مني اجابة! وقف باعتزاز، وضع فنجان القهوة على الطاولة، هنا فقط التفت اليّ وقال: "امامنا عمل كثير". قبّلني على جبهتي، مدركا فجأة انني لم اعي ولم افهم. خرج، فبدأ العمل!
طيلة اشهر طويلة، تحولت "العمل" الجريدة الطليعية حينها، خلية لا تهدأ على مدار النهار والليل. كما كل المؤسسات القواتية والكتائبية تحديدا، وكل الخلايا السياسية في البلاد على اختلاف تلاوينها وانتماءاتها وتطلعاتها، ولو كل من زاوية، حتى المتناقضة منها.
وكان بشير غالبا ما يزورنا في "العمل"، في المساء وبعد منتصفات الليالي، ويعقد في مكاتبها الاجتماعات مع السياسيين، مع الدبلوماسيين ومع الاعلاميين. يمر مسرعا ويغادر مسرعا. يتناول وجبة سريعة، فلافل في الغالب، ولا ينسى ابدا ان يلقي التحية على الجميع وفردا فردا، مرددا: "يعطيكم العافية"!
وبعد اكثر من سنة بقليل، كان رواق "العمل" الضيق الطويل يهتز بالتصفيق. كانت الشمبانيا جاهزة والورود. كان 23 آب 1982... اذكر ذلك اليوم تماما كما لن انسى صدى لوح الزجاج يتحطم في احد مكاتب الجريدة، بعدما لطمه مدير التحرير بمعصمه عمدا وغضبا، حين تأكد الخبر الفاجعة في وقت متأخر من ليل 14 أيلول 1982!
ما زلت اذكر، ذاك الليل الطويل. كنت عائدة من الصحيفة عند مدخل بيروت الشرقي، نحو الرابعة فجرا. كانت كل البيوت مضاءة، الناس على الشرفات تمسح دموعها، الحواجز العسكرية منتشرة على الطرق. كانت عجقة كثيرة، وكان صمت كثير. حتى محركات السيارات كانت تدور بصمت. "الشباب" على الحواجز يبكون، يقومون بالواجب ويبكون. ساحات البلدات مجبولة بالبشر وصامتة. لم ار حزنا مماثلا. لم اسمع صمتا اعظم!
ليس شائعا ان يغيب زعيم، فتظل ذكراه بعد 25 عاما مشعة برّاقة كأنه غُيِّب امس!
سقط بشير شهيدا ﻠﻠ 10452 كيلومتر مربع، منذ ربع قرن، اول شهيد لثورة الارز، اول شهيد في سبيل استرجاع السيادة والحرية والاستقلال، اول شهيد في سبيل استرداد الجمهورية، كل الجمهورية. اغتالوه قبل ربع قرن، والى اليوم يستوقفك جيل ليسألك بلهفة: اخبرونا عنه انتم الذين كانت لكم فرصة معرفته. اخبرونا المزيد عن بشير.
في كل بيت، مسيحي تحديدا، له ذكرى، له صورة، له مكانة حميمة تحكي حكاية الشهب الذي عبر سماء لبنان الداكنة، وحكاية الحلم الذي طرّز ليالي البلاد الحالكة، وحكاية الواحة التي لوّنت صحاري الجلجلة اللبنانية.
هكذا عبر بشير في سمائنا... بالكاد مرّ بنا، لكنه خطف العمر! شغل البلاد وملأ ناسها، وقبل ان ندرك غاب! وغيّب الحلم تاركا املا. الامل بان للخلاص بابا في ما لو وجد التصميم والارادة والايمان.
نعم، عرفنا بشير. نعم، لم يسرق مكانته من بعده... احد. نعم، ما زلنا نحتفظ بايمان كبير وارادة اكبر لتحقيق الحلم واسترجاع لبنان.
في ذكرى مرور 25 عاما على انتخابه في 23 آب 1982، وعلى اغتياله في 14 ايلول من العام ذاته، "المسيرة" في اصدار خاص، تحية وفاء واستنهاض للذاكرة والارادة، عشية الاستحقاق الرئاسي. مع الامتنان والتقدير لكل من ساهم وكتب وشارك في اصدار هذا العدد، ومع شكر خاص للاستاذ بيار صادق الذي حبك الغلاف بريشته المميزة.