الراعي مثّل صفير وذكّر
بأقوال الرئيس الراحل عن التعايش في الجبل
الذكرى الـ21 لبشير الجميّل
كرّست صعود نجله نديم
وتحولت مهرجاناً انتخابياً
لديب ومُتنفساً "قواتياً" آخر
كتبت ريتا صفير:
كانت الذكرى الـ21 لاغتيال الرئيس بشير الجميل أمس مختلفة
عن سابقاتها شكلا ومضموناً. ففي الشكل، تقدم موعدها يوماً لمصادفته وموعد الانتخاب
الفرعي في دائرة عاليه - بعبدا اليوم، وبرز تساهل أمني مقارنة بالعالم السابق،
وتوسع في رفع الاعلام والشعارات المحظورة واكتفاء قوى الامن باقفال الطرق المؤدية
الى مكان الاحتفال وفي الشكل ايضاَ وخلافاً للاعوام السابقة، لم يتل نديم الجميل
"النية" خلال القداس. بل خرج الى الباحة الخارجية بعده، وعلى غرار والده الراحل رفع
يده اليمنى لتحية الحضور. واحاطته والدته وشقيقته يمنى من الجهة اليمنى والمرشح
حكمت ديب من الجهة اليسرى. والقى بالعامية الكلمة التي اعتادت صولانج الجميل
القاءها.
انطلاقاً من هذه المعطيات، حملت الذكرى الـ21 في طياتها
المضامين الآتية:
- على المستوى الوطني، حضر الاستحقاق الانتخابي بقوة، وتحول
القداس في جانب منه مهرجانا انتخابيا لدعم "مرشح المعارضة، مرشح السيادة والقرار
الحر"، على قول نديم الجميل في "معركة بين السلطة والمعارضة". والاستحقاق عينه تطرق
اليه راعي ابرشية جبيل المارونية المطران بشارة الراعي الذي القى كلمة نيابة عن
البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وضمنها تذكيراً بأقوال الرئيس
الراحل عن وحدة الجبل لدى لقائه وفداً من الطائفة الدرزية.
- على المستوى "القواتي"، جاء احياء ذكرى اغتيال "القائد
المؤسس"، بعد ايام على احياء ذكرى "شهداء القوات" واستحضار "القائد السجين" في
حريصا. وشهدت المناسبتان تنفيسا "قواتياً" لافتاً.
- على مستوى عائلة بشير الجميل، شكلت الذكرى محطة لانتقال
الزعامة من الاب الى الابن الذي اكمل اعوامه الـ،21 بعد مرحلة انتقالية تولتها
الوالدة صولانج الجميل.
تحت صورة كبيرة لبشير الجميل في ساحة ساسين، وعلى وقع
اغنيات وعد يا لبنان و"دق الخطر" ومن "هاك الملعب"، بثتها مكبرات للصوت، بدأت
الوفود تتقاطر الى مكان إحياء الذكرى. ورغم البيان الذي اصدرته السيدة صولانج
الجميل وتدعو فيه الحاضرين الى التزام رفع الاعلام اللبنانية دون سواها، فقد غطت
الاعلام الحزبية باحة الكنيسة وارتفعت رايات "القوات اللبنانية" و"الحركة الاصلاحية
الكتائبية" وحزب الاحرار و"التيار الوطني الحر" والصلبان المشطوبة وصور مشتركة
لبشير الجميل وسمير جعجع، ولافتات تشدد على "الوفاء لاستشهاد القائد والـ5 آلاف
شهيد كتائبي". وقطعت الهتافات مراراً الترانيم والكلمات مطالبة بـ"ببراءة الحكيم"
و"الحرية والسيادة والاستقلال".
هذا في الخارج. اما في الداخل فكان التصفيق يدوّي مع وصول
الشخصيات الى الكنيسة وكان لنديم الجميل وستريدا جعجع وصولانج الجميل النصيب
الاوفر.
أقامت عائلة الرئيس الراحل بشير الجميل القداس السنوي في
كنيسة الايقونة العجائبية في الاشرفية وشارك فيه الرئيس امين الجميل وعقيلته
والنواب: جورج افرام، ومنصور غانم البون وفارس سعيد ونعمة الله ابي نصر، وبيار
الجميل، وانطوان غانم، وعاطف مجدلاني، والنواب السابقون غبريال المر، وميشال ساسين،
وبيار دكاش، وعثمان الدنا، وجميل الشماس.
وحضر ايضاَ رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون، والسيدة
ستريدا جعجع، ورئيس الرابطة المارونية حارس شهاب، ورئيس "المجلس الماروني" ريمون
روفايل، والدكتور ايلي كرامة. والمنسق العام لـ"التيار الوطني الحر" اللواء نديم
لطيف، والمرشح عن دائرة عاليه - بعبدا المهندس حكمت ديب، ممثلا حزب الطاشناق أغوب
بقرادوني، مستشار الرئيس الحريري داود الصايغ، مارون ابو شرف، مسعود الاشقر، غلاديس
ميشال سماحة، جوزف ابو شرف، المحامي سليم الاسطا، الى جانب عائلة الرئيس الراحل
السيدة صولانج وولديها نديم ويمنى وحشد من الشخصيات النقابية والحزبية والتربوية
ووفود شعبية من بيروت والمناطق.
كلمة صفير
ترأس الذبيحة الالهية التي بدأت في الرابعة وعشر دقائق بعد
الظهر، المطران بشارة الراعي ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال صفير، وعاونه الاب
انطوان كرم والاب جان الحاج. وبعد الانجيل القى عظة جاء فيها:
"(...) تجمعنا اليوم الذكرى السنوية الحادية والعشرون
لاستشهاد رئيس الجمهورية اللبنانية المنتخب الشيخ بشير الجميل، بعد واحد وعشرين
يوما من انتخابه، وهو في الرابعة والثلاثين من العمر، على مقربة من هذا المكان وفي
مثل هذه الساعة، يوم عيد ارتفاع الصليب المقدس، في 14 ايلول .1982 برعاية صاحب
الغبطة والنيافة الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك انطاكية وسائر المشرق
الكلي الطوبى، نقيم هذه الذبيحة المقدسة لراحة نفس الرئيس الشهيد ورفاقه الذين
سقطوا معه على مذبح الوطن، ولاحياء ذكراه التي توقظ الضمائر وتنعش الآمال. وقد
شرفني صاحب الغبطة بتكليفه اياي تمثيله والقاء هذه الكلمة باسمه ونقل بركته
الرسولية وتعازيه الى اسرته وآله الاعزاء وهذا الحضور الكريم. وقد قال في عظة
الرثاء يوم جنازته، مستوحيا الآية من سفر رؤيا يوحنا (8/10): "سطع نجما كبيرا في
سماء لبنان لما عُلق عليه من آمال زاهية، وهوى من عليائه شهيد طموحاته الكبيرة الى
بناء وطن منيع الجانب، خفاق الراية بين الرايات في سماء السيادة والكرامة
والاستقلال". اجتذبه صليب الفادي فحمله صليب لبنان، في بيته الوالدي، بيت الشيخ
بيار الجميل، وهو طفل بعمر الاستقلال. وكان شعاره، وهو في العاشرة: "لبنان اولا".
فأطلقه اسما للفرقة التي اسسها في بكفيا مطلع السبعينات، وجعله القضية الاولى في
برنامج رئاسته، فأعلن قبيل استشهاده بخمسة ايام، في 9 ايلول :1982 "لدينا اليوم
تطلعات وآمال جديدة تنطلق جميعها من"لبنان اولا". ننظر الى المستقبل بكل امل، لنحقق
ما استشهد من اجله خمسة آلاف من شبابنا، كما استشهد شباب لبنانيون آخرون، يعتقدون
غير معتقداتنا ولهم وجهة نظر معينة الى لبنان. نحترم كل شاب سقط في سبيل فكرة معينة
عن لبنان ،ولكن جميع الافكار التي كانت تتصارع في وقت من الاوقات ستتوحد اليوم
وستندمج كلها، اذ اصبح عندنا لبنان واحدا" (بشير الجميل، الرئاسيات، صفحة 175-176).
واضاف في خطابه الاخير في دير الصليب قبيل استشهاده بقليل: ان لبنان الواحد هو
"لبنان الـ10452 كلم2 الذي علينا ان نربحه كله، لكي يكون لجميع ابنائه بكل طوائفهم
ومعتقداتهم وشعائرهم" (المرجع نفسه، صفحة 187). وقبلها بيومين صارح وفودا شعبية من
منطقتي البسطة وعائشة بكار في بيروت انه بسبب "تدخل الغريب في شؤوننا الداخلية حصل
ما حصل، وسقط مئة الف قتيل بين مسلم ومسيحي، اضافة الى مصابي الحرب والمهجرين الى
اي فئة او منطقة انتموا. فليسامح الله الغرباء الذين فعلوا بنا ما فعلوا، وليسامحنا
نحن الذين افسحوا في المجال امامهم، ليحقق كل منهم مآربه على حساب مصلحتنا، فصار
هناك لبناني ليبي، ولبناني عراقي، ولبناني سوري، ولبناني مصري، ولبناني لا اعرف
ماذا، آمل، بعد اليوم، في ان يعود اللبناني لبنانيا، وان نتناسى كل الاحقاد التي
عانيناها، ونفتح صفحة جديدة في ما بيننا" (المرجع نفسه، صفحة 181) (...) ان ارتفاع
الصليب مسؤولية تدعو جميع الناس، على اختلافهم وخلافاتهم، ليصيروا واحدا تجمعهم
النعمة والحقيقة. ويقولها بولس الرسول: "اما الآن ففي المسيح يسوع انتم الذين كنتم
من قبل بعيدين، صرتم بدم المسيح قريبين. فانه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدا،
وفي جسده نقض الجدار الفاصل بينهما اي العداوة" (افسس 2/13-14) في ضوء هذه الحقيقة
المطلقة، قرأ الرئيس الشهيد المنتخب شهادة الشباب والاطفال الذين ضحوا بكل شيء
وضحوا بحياتهم ليستمر لبنان، وقال في خطاب القاه امام المعاقين في 29 آب :1982 "احب
ان اؤكد لكم اننا سنكون اوفياء لكل ما قمتم به من اجل لبنان. وانا كرئيس جمهورية
لبنان اود ان تكون هذه الكلمة موجهة الى كل لبناني مصاب في الحرب، والى جميع
الشهداء اللبنانيين، وقد مات كل منهم في سبيل نظرة معينة الى لبنان، الا انهم جميعا
ماتوا من اجل لبنان. امل في ان يتوحد لبنان من جديد. وسأبذل كل ما في استطاعتي
لتوحيده. وسيتوحد الشعب والانسان، وتتوحد الارض. واننا نطلب من الغرباء، الذين
كانوا سبب محنتنا، ان يعودوا الى بلادهم، لنعود نحن كلبنانيين اوفياء لكل الشهادات
التي قدمت ليبقى لبنان واحدا، سيدا مستقلا" (بشير الجميل، الرئاسيات، صفحة 119)".
اضاف: "رفع يسوع على خشبة الصليب محكوما عليه بالموت، بقرار سياسي، تقاطعت فيه
مصالح تيوقراطيتين: اليهودية الاسرائيلية والوثنية الرومانية، في قلب صراع على ارض
ارادتها التيوقراطية اليهودية ليهوه اله اسرائيل، والتيوقراطية الوثنية لالهة روما.
فقتلوه متفقين، رغم خلافاتهم المستميتة، لأنه اراد تحريرهم من تيوقراطيتهم، يوم
قال: "اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مرقس 12/17). بهذا القول حرر، من جهة،
الامانة ليهوه من التعلق بالارض بحيث لا يستبيح الانسان بعد اليوم القتل والاعتداء
باسم الله حفاظا عليها وعلى حقوقه، فيما دعا الى العبادة "بالروح والحق"، (يو
4/23-24)، ونزع عن الارض طابعها القدسي فتكون ادارتها امرا بشريا لا يلزم الامانة
لله مباشرة بل تعود الى الحوار وعمل المؤسسات البشرية العامة. ومن جهة اخرى حرر
السلطة السياسية، المتمثلة بالقيصر، من طابعها الالوهي. فالقيصر مجرد انسان يحكم
عليه من جهة افعاله كانسان مثل غيره. وشرح بولس الرسول هذا الكلام بالقول: "نحن
نعلم ان لا وثن في العالم، وان لا اله الا الله الواحد. وقد يكون من يزعم انهم
آلهة، بل هناك كثير من الارباب، واما عندنا نحن، فليس الا اله واحد هو الاب، الذي
الكل منه ونحن به، ورب واحد هو يسوع المسيح، به كل شيء وبه نحن ايضا" (كورنتس
8/4-6).
رُفع لبنان على صليب العالم منذ ،1975 لا لخلافات تنبع من
الداخل، بل من صراع التيوقراطيات القديمة والحديثة، الدينية والسياسية، وصراع
"التيوقراطيات" المستحدثة التي تستعبد الناس لالهة المال والسلطة والقوة والسلاح
والمناصب. لقد رفض لبنان دوما اي نظام تيوقراطي" وظل دولة تشهد ان "حرية الاعتقاد
مطلقة، وبتأديتها فروض الاجلال لله تعالى، تحترم جميع الاديان والمذاهب وتكفل حرية
اقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها، وتضمن للاهلين على اختلاف مللهم احترام نظام
الاحوال الشخصية والمصالح الدينية" (الدستور اللبناني، المادة 9). وتمسك لبنان
بالنظام الديموقراطي البرلماني القائم على احترام الحريات الشخصية والحريات العامة
مثل حرية الرأي والمعتقد، وحرية التعليم والاجتماع وتأليف الجمعيات، وحرية الملكية
والاقتصاد (الفصل الثاني)، وعلى المساواة بين جميع اللبنانيين امام القانون، بحيث
يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دون
ما فرق بينهم (المادة 7)، وعلى ميثاق العيش المشترك الذي بموجبه تتمثل الطوائف،
التماساً للعدل والوفاق، في الوظائف العامة دون ان يؤول ذلك الى الاضرار بمصلحة
الدولة (المادة 95).
تجاوز لبنان الى الآن محنة الصليب، رغم استمرارها، بوعي
ابنائه دعوتهم التاريخية، حسب تعبير قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وهي المحافظة
عليه" ارضاً نموذجية، يدعى فيها اناس متباينون على الصعيد الثقافي والديني الى
العيش معاً، على الارض نفسها، والى بناء أمة حوار وعيش مشترك، والى الاسهام في خير
الجميع" (الارشاد الرسولي: رجاء جديد للبنان، 119).
في عيد ارتفاع الصليب، رفع الرئيس المنتخب الشيخ بشير
الجميل على صليب لبنان، بقرار سياسي تقاطعت فيه مصالح دول وافراد وفئات خشيت على
مصالحها الشخصية من قيامة لبنان الواحد. ألم يتعهد يوم انتخابه في 23 آب :1982 "وضع
خط فاصل بين الماضي والحاضر وبدء مرحلة جديدة مع الجميع بتخطي الفئويات والحساسيات
والاعتبارات" قائلاً: "ان يدي في يد كل لبناني مخلص، ويدي في يد كل عربي مخلص، ويدي
في يد كل رجل دولة، وفي ايدي اصدقائنا في الخارج الذين يريدون مساعدتنا باخلاص"
(الرئاسيات، صفحة 97)؟ ألم يصرح بجرأة وصدق ان "المشكلة ليست بين مسيحيين ومسلمين،
بل حقيقة المشكلة هي وجود جيوش غريبة على ارض لبنان ينبغي اخراجها... لقد ارتكبنا
عدة اخطاء في السابق، ولكن لنا الحق في ان نعيش كدولة حرة مستقلة، وآمل في الا نعود
الى تلك الاخطاء. يجب ان ننظر الى المستقبل، وعندما نصل كلبنانيين الى اتفاق وطني،
سوف نجبر الغريب على ان يترك ارضنا" (المرجع نفسه، صفحة 103)؟ ألم "يقل في صراحة
للحزبيين: "علينا ان نخلق علاقات طبيعية ومتجانسة بين الدولة والحزب; وان نعرف اين
تبدأ حدود الحزب وحقوقه واين تبدأ حدود الدولة وحقوقها; وعلينا الا نخلط بين الحزب
والدولة; ويجب الا تهيمن الدولة على الحزب او الحزب على الدولة، فالحزب له دور
والدولة لها دور" (المرجع نفسه، صفحة 132)؟ ألم يصارح الميليشيات: "آمل في ان نكون
معاً في المستقبل وان اتمكن من النزول الى ثكناتكم: ثكنات القوات اللبنانية، وثكنات
المرابطون، وثكنات أمل، وثكنات كل لبناني كانت له في وقت من اوقات هذه الحرب، لنشرح
للجميع معنى هذه المسائل وانه ابتداء "من اليوم يجب ان تكون عندنا دولة واحدة، وجيش
واحد، وحكومة واحدة، ومصدر قرار واحد، فالقول "لبنان واحد" يعني رأساً واحداً لا
رأسين، وقراراً واحداً لا قرارين" (المرجع نفسه، صفحة 151)؟ ألم يشدد باسم
الديموقراطية، التي تميز لبنان، على قيام حكم ومعارضة، بحيث يجب ان تكون
الديموقراطية كاملة، وان تقوم الاحزاب بادوارها كاملة، وان يتحمل كل واحد مسؤوليته،
وان يبت مجلس النواب هذه الامور، وان تتحمل الحكومة مسؤوليتها، وان يحافظ رئيس
الجمهورية على الدستور المؤتمن عليه، وعلى كل الممارسات الديموقراطية" (المرجع
نفسه، صفحة 107)؟
نعم، كل الذين تمسكوا بخلاف ما دعا اليه الرئيس الشهيد هم
الذين اغتالوه، سواء بالفعل او بالفكر، بالقرار او بالتنفيذ، بالتنظيم الفعلي
لعملية الاغتيال او بالشوق. فاغتياله اغتيال لبنان الواحد الموحد، لبنان السيادة
والقرار الحر، اغتيال الديموقراطية والعيش معاً في حوار الاديان والثقافات. ولهذا
السبب، عملية الاغتيال دائمة الى ايامنا بأبشع وسائلها التي اشار اليها النداء
الرابع الذي اصدره مجلس المطارنة الموارنة برئاسة صاحب الغبطة والنيافة أبينا
البطريرك في 3 ايلول الجاري، وهي: فساد الادارة والاهمال في شتى المجالات، والتدهور
الاقتصادي والاجتماعي والمالي والسياسي والامني والوطني، وتغليب المصالح الخاصة على
المصلحة الوطنية العامة، وتفكك الاحزاب، وتسييس القضاء، وانتقاص السيادة بفرض
وصاية، والاستخفاف بالقيم الانسانية والدينية والخلقية.
منذ ألفي سنة، رُفع يسوع، فادي الانسان، على الصليب، فكان
"قداس دائم على قمة العالم"، يتواصل كل يوم على المذابح، وفي قداسنا هذا، من اجل
فداء البشر وخلق عالم جديد، ويتواصل حسياً في آلام المصابين والمتألمين والضحايا
البريئة من اجل "اتمام ما ينقص من آلام المسيح لخلاص العالم" (كولوسي 1/24)، ومن
بينهم الرئيس المنتخب الشيخ بشير ورفاقه وعائلاتهم التي ما فتئت جراحها تنزف
للمأساة بحد ذاتها، ولتكرارها في محاولات اغتيال احلامه الجميلة، وهي احلام، قال
عنها صاحب الغبطة في عظة رثائه يوم الجنازة "انها باقية ولن تتبخر، لانها احلام شعب
يريد الحياة الكريمة، وينشد الوحدة والسيادة والسلام، وسيقيض الله لاحلامه من
يجسدها وقائع ملموسة وحقائق راهنة تبقى على الدهر، ولن تقوى يد الاجرام، مهما اشتدت
قبضتها، على تحطيمها وابادتها" (وغابت وجوه، الجزء الاول، صفحة 345).
بشير والتعايش
والجبل
غداً يتوجه الناخبون في دائرة بعبدا - عاليه لانتخاب نائب
خلفاً للمرحوم الوزير والنائب بيار حلو، فليتذكروا ما قاله الرئيس الشهيد في وفد من
الطائفة الدرزية زاره للتهنئة: "هذا يوم ابيض في تاريخ لبنان الجديد، يعود فيه
الجبل الى وحدته كتمهيد وخطوة اولى نحو اعادة توحيد كل لبنان وكل المناطق
اللبنانية، واعادة توحيد الارادة اللبنانية الحقيقية. لدينا تقاليد واحدة درجنا
عليها منذ مئات الاعوام، يجب ان نحافظ عليها، لانها اساس الجبل واساس لبنان الى حد
كبير. هذه امانة بين ايدينا، وعلينا جميعاً ان نعرف كيف نحييها ونخلقها من جديد
ونحافظ عليها" (الرئاسيات، صفحة 155).
في ختام هذه الكلمة، اجدد باسم صاحب الغبطة والنيافة أبينا
البطريرك الكلي الطوبى، التعازي الحارة والآمال الكبار لرئاسة الجمهورية والمؤسسات
الدستورية وللسيدة صولانج عقيلة الرئيس الشهيد وام ابنته الشهيدة مايا، ولابنته
يمنى ولنجله نديم، ولشقيقه فخامة الرئيس الشيخ امين الجميل واسرته، ولشقيقته راهبة
الصليب الأم ارزة، ولسائر شقيقاته وعائلاتهن، والانسباء والاصدقاء، بل للاسرة
اللبنانية جمعاء. ومعاً نرفع عيوننا وقلوبنا، وسط المخاطر والهواجس، الى فادي
الانسان يسوع المسيح الذي قال: "وأنا اذا رُفعت عن الارض، جذبت اليّ الجميع"،
سائلينه النور والقوة والرجاء لنواصل رفع ذواتنا ووطننا وشعبنا الى قمم الخير والحق
والحرية والسلام. آمين".
كلمة نديم
الجميل
وبعد القداس القى نديم الجميل عند مدخل الكنيسة الكلمة
الآتية: "من كم سنة كنتو تشوفو عا هالمنبر رفيقة بشير بحياتو ونضالو، صولانج
الجميل. كانت تتوجه الكن كل سنة بكلمة بتعبّر عن مشاعرنا وتوجهاتنا الوطنية. صولانج
الجميل يللي تخطت كل مصاعب استشهاد بشير واختي مايا، علمتنا قيمو واخلاقو ومبادئو،
وكانت بالنسبة النا ام وبيّ. انا اليوم بدي وجه إلها كل احترام وتقدير وشكر بأسم
يمنى وباسمي. ورح منكمل كلنا سوى المسيرة يللي حافظت عليها. نحنا مجتمعين اليوم، 13
ايلول، لنحيي ذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل ورفاقو، وقبل يوم من موعدها، لأنو
السلطة اكدت إلنا مرة جديدة، انو هيي ما بتعرف تكرّم شهداء ولا تحافظ على حدّ ادنى
من الاحترام لذكراهن. قررنا نقبل التحدي، ونغيّر الموعد، حتى كلّنا سوا نكرّم
شهداءنا اليوم، ونشارك بكرا الاحد 14 ايلول (اليوم) بكثافة بانتخابات بعبدا -
عاليه، وندعم مرشح المعارضة، مرشح السيادة والقرار الحر. وخلّوني إرجع أكّد:
المعركة بكرا هي بين مرشح السلطة ومرشح المعارضة. وما حدا يجرّب يخبّي هالحقيقة،
وما تنتظروا يجي التغيير من برّا. التغيير انتو بتعملوه.
والرهان هوّي عليكن. اتهمونا باثارة الغرائز والنعرات
الطائفية. التمسك بالسيادة الوطنية ما بثير الغرائز والنعرات الطائفية، والمطالبة
بالحرية والديموقراطية ما بترجْعنا لاحداث الـ،75 والدعوة لنختار بحرية ممثلينا،
منها دعوة تصادمية وما بتهدد العيش المشترك، والمطالبة بالتغيير ما بيهدد مسيرة
السلم الاهلي.
نحنا منرفض مفهوم السلطة للسيادة والحرية والكرامة
والديموقراطية لأنو مفهومها هو الهيمنة والخنوع والركوع والانبطاح والاستسلام. حان
الوقت لنبني وطن، وطن بكل معنى الكلمة، مش مزرعة. ما منقبل مواطن درجة اولى ومواطن
درجة ثانية. ما منقبل بغالب ومغلوب. ما منقبل بصيف وشتي تحت سقف واحد.
او هالوطن بيكون لجميع ابناءو، او ما بيكون في وطن. المسيحي
القوي بحاجة للمسلم قوي، والمسلم القوي بحاجة للمسيحي قوي. بيكفينا البعض يلعب على
الوتر الطائفي. هيدي امور ما بتعنينا، نحنا لبنانيي قبل اي شيء آخر. ومنقول لكل
شركائنا بالوطن: إيدنا ممدودة للجميع. نحنا ما بدنا نتحدى حدا، ولكن ما منقبل حدا
يتحدانا.
بهالمناسبة، بوجّه سؤالي لكل المسؤولين: وين العدل؟ وين
العدالة؟ وقت يللي بعد 21 سنة، ملف اغتيال بشير الجميل رئيس الجمهورية بعدو عم
يتنقل بالعدلية من مكتب لمكتب، ومن جارور لجارور، بينما المجرم عم يسرح ويمرح، وما
حدا بيسألو وينَك؟
وين العدل والعدالة وقت يللي سمير جعجع بيكون بالحبس؟ وين
العدل والعدالة وقت يللي ميشال عون ممنوع يرجع على وطنو؟ هيدا شي مرفوض وما منقبل
فيه.
وبها الذكرى يللي عم تجمعنا، بدعي الموجودين هون، ويللي
موجودين على مساحة الـ 10452كلم2 ويللي منتشرين بالعالم، إنو نتعلم من اخطاء
الماضي، ونوحّد صفوفنا، لأنو نحنا، شباب لبنان، ولاد القضية، ولبنان النا وهون
مستقبلنا. هيدي كانت رسالة بشير، هيدي هيّ قضيتنا، وبوعدكن انو رح ابقى عالوعد وَفي
لرسالتو وللوطن وللقضية".
وفي الختام توجه الحضور مشياً الى مكان الانفجار الذي قضى
فيه الرئيس الراحل ورفاقه امام بيت كتائب الاشرفية ووضعوا اكاليل امام النصب
التذكاري.