بشير الجميّل، ظاهرة فريدة في تاريخ لبنان المعاصر. ولا أخال أحدًا تسنّى له أن يعرف الشيخ بشير شخصيًا ويدرك شيئاً عن أرضيات نشأته والظروف التي لابست حياته القصيرة الحافلة كلها، خاصة في سنواتها السبع الأخيرة، ويُنعم النظر في مواقفه الأساسية المحفوظة صوتيًا وتدوينيًّا، لا ينتهي الى القناعة الكلية بأننا أمام ظاهرة من أروع الظاهرات الكلاسيكية وأعظمها.
فليس بالأمر العادي البسيط أن تتحدى شابًا مشاكل وصعاب متعددة الجوانب والأبعاد، من داخل لبنان ومن خارجه، في لحظة تاريخية ما أشدها تعقيدًا وتشابكاً، لبنانيًا وإقليميًا ودوليًا، وأن يصمد في وجهها كلها، ويتغلب عليها ويفوز أخيرًا في سن الرابعة والثلاثين برئاسة جمهورية لبنان.
بشير الجميّل حدث حقيقي، غير أنه من الغرابة بحيث يكاد لا يُصدق، فيجنح العقل الى اعتباره مجرد أسطورة. لكنه ليس بأسطورة إغريقية بل حدث وقع بالفعل ودخل في صلب لحمة التاريخ.
يحتوي تراث الشيخ بشير على مؤسسات وهيئات عدة أسسها هو، وأهمها بكل تأكيد القوات اللبنانية. تدين القوات اللبنانية بكل شيء تقريبًا لمؤسسها. هو تصوّرها، وهو نظمها، وهو اختار معاونيه فيها، وهو كوّن كادراتها، وهو بث روحه فيها، وهو أعطاها وهجها وتطلعاتها وأمانيها. سَلْها من أين نبعت، تُجِبْك من بشير الجميّل.
ما هو سر نجاح تلك المؤسسات الذي أدهش العالم؟ هو الأحلام الكبيرة التي كان يحملها الشيخ بشير، هو وضوح الرؤيا لديه والهدف، هو التخطيط الجريء البعيد المدى، هو الشجاعة والإقدام والتضحية ونكران الذات التي تحلّى بها، هو الثقة بالنفس التي تغلّبت على أي خوف، هو لحمة الرفقاء المتراصة المتماسكة، هو انضباطية الرفقاء بالنسبة للقائد، هو القيادة المصممة الحازمة، هو نظافة اليد، هو، بكلمة واحدة، بشير الجميّل ذاته، شخصًا وكياناً وروحًا، وهذه الصفات لا تنتقل بالتعلّم النظري كالرياضيات، بل بالعدوى الحياتية. وبقدر ما أعْدَى بشير رفقاءه وأتباعه بها، صاروها في كيانهم.
14 أيلول 1984