Contact us | Join Our Mailing List | En Français

Biography | Conference | Political Trial |  For Justice & Truth | Remembers |Pictures | Speeches | Thought & Cause

 

For Justice and Truth ... Samir Geagea
Book 1

للحق، للحقيقة ....سمير جعجع


مقدمة

لم أعايش سمير جعجع مثلما عايشه آخرون، وبالتالي لم تكن العلاقة حميمية وشخصية كتلك التي كانت تربطني ببشير. لذلك أستطيع القول إنّ علاقتي بسمير لا تشوبها العاطفة أو تغلب عليها، إنّها نابعة من اقتناع عقلاني وداخلي بقيادته، ومن إعجابي به وتقديري له. تعرّفت إليه من خلال كلامه ومواقفه، مثلاً، بعد وفاة بشير، عقدت ندوة كبيرة في سيّدة البير حول الفيدرالية، وتبيّن لي من المناقشات والمداخلات وضوح الرؤيا عنده في شكل مذهل، وهذا ما لم أره عند أيّ قيادات كتائبية وقوّاتية أخرى. ولاحظت نظرته الشاملة إلى أيّ موضوع يطرح عليه. أيّ فكرة أراد معالجتها كان يتطرّق إليها من زواياها المختلفة، ذاهباً إلى أعماق المسـألة، ساعياً إلى تحليل عناصرها كافة فتبدو للسامع واضحة وجليّة وغير مبهمة. كنت أعجب به وأنظر إليه كقائد للقضيّة التي كنت كرّست نفسي لها منذ زمن بعيد.

لأنّه كان عقلانياً ومخلصاً، كان إن أحسّ عند شخص ما نوعاً من اللعب على "القضيّة"، من بعيد أو قريب، يعرف أن يأخذ منه مسافة، ولربّما أخذ منه موقفاً قاسياً، وهذا ما يفسّر انقلاب بعض المعاونين عليه. فهو لم يكن يرحم في ما يعتبره إخلالاً بحقّ "القضيّة". بمعنى آخر، إنّ القوّاتيين الذين انقلبوا على سمير مسؤولون عن هذا الانقلاب بمقدار مسؤوليتهم عن ابتعادهم عن الإخلاص ل "القضيّة".

بقي سمير إنساناً مجهولاً وغير معروف على حقيقته. الإشاعات حوله، والدعايات المغرضة في حقّه سيطرت على صيته، مثلاً يقولون إنّه "دموي". قال لي مرّات عدّة: "عندما أعرف أنّ أحداً جرح أو مات، أحسّ بأنّ قطعة منّي ذهبت". مرّة ثانية قال لي: "أيّاً كان النظام الأفضل للبنان، لا أقبل أن يقوم هذا النظام على أساس تهجير ولا على أساس سفك دماء. لا أريد أن أترك للأجيال المقبلة مشكلة لاجئين أو مهجّرين". وكان يلبّي كلّ إنسان يتصل به طلباً للمساعدة. كنّا نشعر أنّه ضعيف جداً أمام طلب المساعدة. في اجتماعات عدّة، أكانت ثنائية أم موسّعة، كان سمير يطالب دائماً بحلول قائمة على الإقناع والابتعاد أقصى ما يمكن عن الحلول المستندة إلى القوّة والعنف.

ربّما كان هذا الرجل لا يعبّر عن مشاعره في الظاهر، وربّما كان كبته لعواطفه يظهر قسمات قاسية على وجهه، هذه الأمور كانت تجعل من يعرفونه يأخذون عنه فكرة القسوة. أمّا هو فبالعكس كان عاطفياً جداً، وإن بمظاهر صارمة.

لكنّه في طبعه لا يحبّ الندب ولا يحبّ التوقف عند المآسي والكلام المستمرّ عنها، كان يطغى تطلّعه إلى المستقبل على نحو دائم وملحّ، ممّا كان يجعل كلامه عن الماضي قليلاً.

وحين دعي إلى أن يهرب لم يفعل، لأنّه شخصيّة متكاملة ونزيهة. إنّه قائد لا يقبل أن يكون في المؤخّرة فيما رفاقه يتلقّون طعنات المقدّمة. بعد الذي صار أقول:"الآن أستطيع أن أضع يدي في يده، عارفاً أنّه لن يلقي بي، لن يجازف بي، ولن يهرب مثلما عمل غيره".

 

                                                أنطوان نجم

                                                المسيرة 19/6/1995


 

خطـاب التغييــر

العقلانيّ


"أنا من عائلة فقيرة إلى حدّ العَدم الكلّي، ففي بيت مؤلّف من غرفة واحدة، تكوّن الصالون وغرفة النوم والاستقبال، مساحتها 15 متراً مربّعاً، وُلدت". ("بشاريا" 2/7/1990). "كان الحمّام يبعد عن "البيت"25 متراً". (المصدر نفسه).

"في "بشرّي"، لم نكن نملك سوى القليل القليل من الرزق والأرض.

إطار منزل ولادتي كان فقيراً جدّاً، فلا بيت "حارة المجادلة" كان بيتاً، ولا بيت "بشرّي" كان هو الآخر بيتاً؛ شبه بيت كنّا نعيش فيه، لكنّها حياة مسيحية سعيدة وراضية". (المصدر نفسه).

"عائلتي من العائلات المارونية الممارسة للطقوس بشكل حرفي: الصلاة في الصباح وفي المساء، القدّاس نهار الأحد تحضره العائلة مجتمعة، صلاة المساء نحضرها سويّاً".

"أوّل وآخر كلمة أسمعها في النهار هي "الأبانا والسلام". كنت أغفو على يدي والدي وهو يتلو صلاته للسيّدة العذراء، وأستيقظ لأجد والدتي وبيديها مسبحة الوردية، تتلوها وتدعونا لمشاركتها فيها". (المصدر نفسه).

"أوّل مدرسة لنا في مأوى العجزة الماروني. وثاني مدرسة (Ecole Bénilde) في "فرن الشبّاك"، وكانت هذه المدرسة خاصّة ومجّانيّة". (المصدر نفسه).

هذا الشريط السريع يصلح تماماً قاعدة لكتابة رواية حياة.

ففيه نموذج من مئات النماذج التي عرفتها بيروت الخمسينات، لعائلات مسيحيّة تأسّست في الجبال، وحملت طموحاتها إلى المدينة، ساعية إلى ترجمتها، فنجحت أعداد منها، وفشلت أخرى، وبين النجاح والفشل درجات ونسب.

عائلة فريد جعجع، المكوّنة من أب وأم وصبيين وبنت هي الصغرى، تنتمي إلى فئة العائلات العصاميّة الناجحة. فربّ الأسرة، الجندي، بلغ رتبة معاون أوّل في السلك العسكريّ، الرتبة الأعلى الممكنة لعسكريّ الصف، لسنوات خلت. الأولاد تربّوا تربية مسيحيّة بديهيّة، ودُفعوا إلى العلم بهاجس الترقّي الذي يعرفه جيّداً أبناء الجبل والسهل: سهراً وكدّاً متواصلين، حتى بلوغ الجامعة، على رغم الصعوبات الماليّة، وربّما بسببها. والبيت المتواضع غدا فسيحاً ومقبولاً قبيل سنّ المراهقة. والمدرسة غدت رسميّة سريعاً، إلى انتهاء المرحلة الثانويّة. والمنحة أمّنت دخول الجامعة. وصار للعائلة بيت خاص بها في "بشرّي"، بنته بقرش التوفير الذي يعرفه جيّداً كذلك، أبناء الجبل والسهل. كلّ ذلك في إطار من حزم الأبوّة وحنان الأمومة وتفهّمها، وتوازن إيمانيّ سَمِح بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد، وبين هؤلاء.

إلى هنا، نكون قد دخلنا دوائر توسيع الكتابة الروائية بتناول عناصر أساسية فيها، تفتح الباب أمام تحديد الأشخاص والمضيّ في تفاصيل الثابت والمتحرّك لدى هؤلاء الأشخاص وما يحيط بهم، وتفاعلاتهم الداخليّة والخارجيّة.

ونأخذ مثالاً الابن الأوسط سمير.  

غالباً ما تقوّي الأوضاع الماديّة الصعبة وعنفوان الطموح ملكات الأحاسيس لدى العصاميّين، قوة الملاحظة، والرغبة في المعرفة، وحدَّة الذاكرة، وجموح الخيال، إلى عاطفة فيها الكثير من خفر التعبير، وقيَم الإيمان، ولا سيّما المسيحيّ.

سمير جعجع يملك أشياء كثيرة من هذه الصفات، تشكّل محاور منفتحة على بعضها بعضاً في شخصيّته، منذ الصغر.

وهو يروي أنّه، عندما كان يعتقد بأنّ هناك لصّاً ما داخل البيت، ويتقدّم نحو مصدر الصوت، "كنت أفكّر كم عليه أن يشعر بالخجل من هذا الموقف، وأخجل منه قبل الوصول إليه". ("الديار" - "الشرق الأوسط" - 3/12/1990).

وفي ذروة معارك الشوف وعاليه، "ذهبت إلى "رشميّا"، و"اتصلت بأمّي من هناك، فقالت لي: إنتبه على حالك وعلى المدنيّين وعالعسـكر اللي معك." (المصدر نفسه - 10/12/1990).

وفي هاتين المحطّتين، دليل رهافة وإفراديّة يسمح لنا بولوج عالم سمير جعجع، كصاحب فكر شموليّ، قد تكون مقاربته من خلال مواضيعه إحدى الوسائل الفضلى لفهمه.

 

القائـد والقيـادة

 أوّل ما يلفت في هذا الفصل، هو عِبَر الطفولة: "طفولتي الصعبة علّمتني دروساً كثيرة في حياتي، معاناتي الماديّة والمعنويّة خلقتا في نفسي روح التمرّد والثورة على هذا الواقع . كلّ لحظة من حياتي كانت مليئة بالعبر والدروس التي استفدت منها كثيراً، وكانت منطلقاً للمسيرة التي بدأتها وأوصلتني إلى موقع القرار. أنا أعرف طعمها. لذلك، كلّ طلب مساعدة أحاول ألا أردّ صاحبه خائباً. أنا أعرف ما معنى أن يكون ربّ عائلة محتاجاً إلى مساعدة مالية، أو مَرَضية، أو غذائية (). لم تبق معاناتي مجرّد ذكريات بالبال، لا بل من خلالها أمارس مسؤوليّاتي وأجسّدها أفعال خير في المجتمع". (المصدر نفسه).

ثمّ إنّ معاناة من هذا النوع، ينبغي أن تكون مدعاة فخر لصاحبها، لأنّ "الإنسان الذي يجهل ماضيه، أو يتناساه، أو يخجل منه، إنسان فاشل حتماً (). والذي يعتبر أنّه بالمال والمناصب والشعارات الفارغة يصبح بطلاً، مخطئ جدّاً". (المصدر نفسه).

وهي ينبغي أن تكون كذلك، حافزاً للآخرين:"أنا لا أسمح لأحد بالاطلاع على البريد الذي يصلني، أو أن يبتّ به، لا لشيء بل لأنّني حريص على مشاعرهم، وعلى مشاكلهم (أي القواتيّين)". (المصدر نفسه).

هكذا يصبح "أجمل ما يميّز البشر عن بعضهم، الرحمة الموجودة في قلوب بعضهم"، "وأجمل عمل في حياتي هو عمل الخير". (المصدر نفسه).

ويغدو التقشّف، في المقابل، نور الهداية:"أنا لا أحبّ أن يستعمل الإنسان من هذه الناحية (المادية) إلا الأشياء اللازمة لمتابعة حياته في شكل مقبول". (المصدر نفسه).

هاجس الحرص على الحقّ والعدل ونزاهة الأحكام، أفضى بسمير جعجع إلى عالم العقل ضماناً للحقيقة:"منذ صغري، وحتّى اليوم، تعلّمت أن أعيد النظر في تصرّفاتي،

وأحاسب نفسي، وكأنّ شخصاً آخر يحاسبني، على كلّ خطأ وقعت فيه، لأتجنّب الوقوع فيه مجدّداً، كما أنّني أعيد النظر في المسار الذي أنتهجه ككلّ، لأرى ما إذا كنت سائراً على الطريق الصحيح، وماذا عليّ أن أفعل لأحقّق جميع أهدافي التي أحلم بها منذ صغري". (المصدر نفسه).

وإلى ضمان الحقيقة، العقل أساس في النجاح ورادع لعرقلة التأثيرات الفرديّة على دروب التقدّم:"عمليّة الاحتكام إلى العقل عمليّة أساسيّة في حياة الأشخاص، خصوصاً الذين يريدون أن يكونوا ناجحين في حياتهم. مفروض على الإنسان عدم تسليم نفسه للتأثيرات التي تمرّ في حياته، وإلاّ قضى نصف حياته في البكاء". (المصدر نفسه).

وعلى العقل أن يحيا الواقع ويتفاعل مع التجربة، ليأتي نتاجه فعّالاً، فـ "مهمّ جدّاً أن يتثقف الإنسان، لكنّ الأهمّ أن يكون عملياً، ولا يبقى خارج إطار الواقع. كلّ علوم الدنيا لا تساوي ساعة ممارسة على الأرض". (المصدر نفسه - 15/11/1990).

أمّا قرار العقل، فيتطلّب مجهوداً هائلاً، وهدوءاً يأتي بصفاء الذهن المتأمّل، نظراً إلى ما يستتبعه من مسؤوليات ونتائج على مستوى القيادة والقاعدة: "التركيز عملية مهمّة جدّاً لاستجماع القوى، وعند القرارات الكبرى أختلي بنفسي متأمّلاً بعيداً عن الضوضاء". ("النهار" -15/2/1992).

ولأنّه ينبغي أن يكون متجرّداً، يحسّ القائد دائماً بوجود "صراع (في داخله) بين العاطفة والتاريخ". ("النهار"- 14/02/1990).

لكنّ تعزيته تبقى في "أنّ قراراتي لا تتبع إلا قناعاتي". ("وكالة الأنباء الصحافية" -9/3/1985). وهي تغدو بذلك محصورة فيه: "عدت إلى غرفتي في مقرّ القيادة (لاتخاذ قرار الانسحاب من بحمدون) واختليت بنفسي نحو ربع ساعة". ("الديار" -"الشرق الأوسط" -10/12/1990).

ومفهوم سمير جعجع للصراحة مفهوم كلّي:"أنا هيك، إمّا أن أقول الحقيقة كاملة، وعليّ وعلى أعدائي يا رب، وإمّا لا أتكلّم". ("العمل" - 1/1/1984).

والقيادة يعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من كيانه: "إنّ شيئاً ما يشدّني دائماً إلى دور مهمّ، والأشياء الصعبة تجذبني". ("الديار" - "الشرق الأوسط" - 3/12/1990).

وهو يحدّد هذه الأمنية بالقول في تفسيره للوعد: "أن يقطع الإنسان وعداً على نفسه ويظلّ مثابراً حتّى يحقّقه: وعدي لنفسي، أوّلاً، أن أحاول تسريع المسيرة البشريّة أكبر قدر ممكن، وثانياً، أن أتمكّن قدر المستطاع والممكن من بلوغ الكمال. ووعدي للمقاتلين معي إنهاء المحنة التاريخيّة التي يمرّ بها الإنسان اللبنانيّ المسيحيّ. أمّا وعدي للبنانيّين ولبنان، فهو تغيير التركيبة اللبنانيّة البالية وإقامة تركيبة مكانها، يحقّق فيها كلّ إنسان ذاته، ليعيش حرّاً، كريما،ً وسيّداً إلى أبد الآبدين". (المصدر نفسه).

وعلى القيادة، وطموحها بهذا الحجم، أن تكون على مستواه تصميماً ومثابرة في النضال: "أستسلم؟ لا أحبّ هذه الكلمة، في أيّ إطار جاءت، ومهما كانت الظروف". ("الوطن العربي" 17/1/1992).

والنضال ملك الناس قبل أيّ شيء آخر: "في اللحظة الصعبة، لا تستطيع الاستقالة من مصير الناس، وأن تبتعد وكأنّ الأمر لا يعنيك". ("الديار" - "الشرق الأوسط" - 9/12/1990).

لكنّه نضال يستدعي صلابة في الرجال: "هذه المنعطفات (مرحلة تشكُّل الحكومة الانتقالية العسكرية) في حياة دولة أو شعب () تحتاج قبل كلّ شيء، إلى رجال بحجم المسؤوليّة أو المشكلة". (المصدر نفسه - 16/12/1990).

كما يستدعي (الأمر) صراحتهم ووضوحهم: "يستحيل أن يحترمك الذين يعملون معك إذا لم يكن خيط الصراحة والوضوح هو ما يربطك بهم. وحتّى خصومك، لا يمكن أن يحترموك إلا إذا كان لديك سلم قيّم". (المصدر نفسه - 3/12/1990).

لذلـــك، "لست من قماشة الذين يفكّرون بالنجاة بأنفسهم أو بتحسين صورتهم على حساب كلّ شيء آخر. أصحاب هذا الأسلوب لا يستحقّون المشاركة في صنع القرارات أو المصائر". (المصدر نفسه - 2/12/1990). كما "لست من هواة اصطياد السلبيّات وتظهيرها ونقلها إلى الآخرين، ولست من مدرسة الشائعات ومطابخ الحملات والتذاكي والتشويه". (المصدر نفسه - 3/12/1990). و"التعايش معي لا يناسبهم، لأنّني أؤمن بالبناء الهادئ، وبفريق العمل والجهد اليومي". (المصدر نفسه). و"ما يهمّني، هو حكم الله والتاريخ". (المصدر نفسه).

إنّما على الإنسان العودة دوماً إلى واقعه: "حيال العالم والكون والأحداث، وأمام قامة التاريخ، يصعب على الإنسان الذي يبدو في صورة قزم أن يعتبر نفسه منقذاً". (المصدر نفسه).

وفي القيادة، ينبغي أن يكون مكان الإنسان كبيراً: "تمرّ في حياة المسؤول لحظات تدمي قلبه. وفي بعض الحروب، يأكلك الألم، حتّى لو ربحت معركة وجودك. لا بل أنّ هذا الربح يبقى مجلّلاً بالحزن على من ماتوا في حرب لا مبرّر لها، في حين كان يمكن أن يموتوا في حرب السلام أو أن يعيشوا لمعركة السلام". (المصدر نفسه).

وسط سيل المدّ والجزر، من هو سمير جعجع؟

"لست داعية حرب ولا داعية سلام، أنا رجل لبنانيّ يهتمّ بالشأن العام. أكيد مؤمن بالله وبتعاليمه وبتعاليم الكنيسة والدينونة، أعيش وفق هذه التعاليم والقوانين وبتقوى الله". (“الوطن العربي " - 3/1/1992).

مسيحيّ مؤمن وممارس، ممّا يوجب الحقيقة من دون مواربة، إنّما "إذا أعطيت رأيي … كارثة"… ("العمل" - 1/1/1984).

لكنّه أعطاه، هذا الرأي، أو هو في مسيرة عطائه، عملاً بالتزامات الإنسان والقائد فيه، والتي رأينا بعض وجوهها حتّى الآن، وسوف نرى مزيدا ً منها تباعاً.


حزب الكتائب اللبنانيّة

اختار سمير جعجع تعاطي الشأن العام من خلال حزب الكتائب اللبنانيّة، إبّان سنوات المراهقة، على رغم وجود ميل في البيت إلى سياسة الرئيس كميل شمعون.

وكانت نهايات الستّينات وبدايات السبعينات فترة دقيقة من تاريخ تمظهر العمل السياسي صراعاً متصاعد الحدّة بين يمين ويسار، مع تنامي قوّة الفلسطينيّين العسكريّة، وتدخّلهم المتزايد في شؤون لبنان الداخليّة، إلى جانب المسلمين واليساريّين.

أحسّ سمير جعجع بسرور بالغ أمام واقع الانتماء إلى حزب مسيحيّ قوي، وأمام الإفادة السياسيّة والعسكريّة التي جناها من ذلك، فضلاً عن تحمّل المسؤوليّات.

وقد يكون أحد كبار المضحّين من جيله في سبيل الحزب، بعد شهدائه ومصابيه. فقد ارتضى التخلّي عن دراسة الطبّ في أشهرها الأخيرة، لتسلّم مسؤوليّات القيادة في عمليّة إهدن. ثم غدا هذا التخلّي نهائيّاً، على أثر تفاعلات العمليّة، ليصبح سمير جعجع مسؤولاً عن قيادة قطاع الشمال، ويرابط في أعاليه حتى بداية مرحلة التحوّلات في القوّات اللبنانيّة.

وفي بيان إعلان ترشّحه لرئاسة الكتائب، يعطي سمير جعجع صورة للحزب الذي التزم بمبادئه: "تعلّمنا أن نكون أوّل من يُقدِم. وتعلّمنا أن نشدّ الأنظار إلى العُلى والواجب، وأن نكفّ الأيدي عن المناصب والمراتب. وهكذا سنبقى: لا نساوم على المبادئ، ولا ندور في أسواق السياسات الضيّقة والمصالح الصغيرة (…) والخنوع والمداهنة والركوع ليس من شيمنا". (30/6/1992).

ثم يؤكّد على حركية الحزب، في وجه التكلّس الذي أصابه: "ليست الكتائب (…) فكراً مُعلّباً، بل مَلعباً للفكر الحرّ"، أي العودة إلى الأصالة.

وهو يحدّد المطلوب بما يلي:

·         ·       "إعادة جمع شمل الحزب".

·         ·       "تطوير هيكليّة الحزب وتوسيع بناه الشعبيّة".

·         ·       "اعتماد الأنظمة والقوانين التي تضمن أوسع مشاركة ممكنة للقاعدة في تحرّك

      القيادة الحزبيّة".  

وكلّ ذلك عبر الانعتاق من المفهوم الفرديّ في القيادة، إذ "لا بدّ للمنهج الكتائبيّ المؤسّساتيّ من أن يشقّ طريقه إلى التطبيق (…) فعبثاً ننادي بالديمقراطيّة، إن لم نطبّقها على أنفسنا أوّلاً".

"لقد تربّيت أصلاً في جوّ عائليّ وعشائريّ. ولكن، لو أعجبني الجوّ، لكنت تابعت مع عشيرتي (…) من البداية، هربت من الواقع العشائري وأدركت محدوديّته، وأنّنا كشباب، لا يمكن أن نساهم في أيّ تطوير أو تغيير من خلال هذا الإطار (…) من هنا بدأت انتفاضة 12 آذار 1985" (المصدر نفسه)، والتي تُشكّل رفض وضع يد القيادة التقليديّة على قرارهم والمصير.

 

التقليد المسيحيّ واللبنانيّ:

يعتبر سمير جعجع أنّ لدى المسيحيّين في لبنان "أزمة قرار ورؤية"، و"أزمة وجود ومصير". ويضيف: "نبدّل الحلفاء كما نبدّل ثيابنا. نتلاعب بمصيرنا بخفّة مطلقة". ("وكالة الأنباء الصحافية" - 9/3/1985).

وال"نحن" هنا تعود إلى القيادات المسيحيّة التقليديّة.

ومنذ البدء، فهو يحدّد الموقف من هذه القيادة:"بعض الذين يطرحون ويتباكون على وحدة المسيحيّين في هذه الأيّام، لا يطمحون ضمناً إلى وحدة المسيحيّين، بل إلى وحدة الإقطاع المسيحيّ، وهذا ما لا نريده، لا بل نريد مواجهته" . ("النهار العربي والدولي "- 25/6/1984).

من هنا أنّ "هذا النوع من الزعامات لا ينجب إلاّ الكوارث". (المصدر نفسه).

هي زعامات تتملّكها شهوة السلطة...

على أنّ التقليد المسيحيّ أو اللبنانيّ متكاتف، متضامن، متصاهر، و"متمصلح"، بحيث يشكّل مؤسّسة على جانب خطير من التجذّر والقوّة، تجمع "الذين استقالوا من مصير الوطن ومصير الناس"، أولئك الذين يمكنهم وحدهم "القول إنّهم يعيشون خارج هذه الدورة العنيفة".

("الديار" – "الشرق الأوسط" - 2/12/19990).

ويبلغ الخطاب السياسي مداه الأعنف عند سمير جعجع في وصف التقليد والتقليديّين المعتمدين ل"مفهوم الشطارة والتشاطر" (الخطير) في العمل الوطنيّ، (المصدر نفسه -14/12/1990)، والقادرين بغرابة "على الاختباء في ثيابهم". (المصدر نفسه -16/12/1990).

وهو يقول: "هناك تراث من الممارسة السياسيّة الساقطة. عقليّة دكاكين وسماسرة تنجب هؤلاء المتسلّقين الذين لا يتردّدون في الإقدام على أيّ شيء وفي استخدام أيّة وسيلة لتحقيق مآرب صغيرة مخجلة". (المصدر نفسه - 3/12/1990).

وهذه العقليّة يريد أصحابها "إقطاعيّات جامدة ونهائيّة، وهذا يتعارض مع منطق الحياة وسنّة التطوّر"، (المصدر نفسه)، وهم يفضّلون "في أحيان كثيرة (…) الجلوس في الواجهة على الفاعليّة، ويفضّلون التسميات على العمل الدؤوب الذي وحده يضمن البناء على أسس ثابتة". (المصدر نفسه -14/12/1990.)

ويمكننا اعتبار خطابه في "يوم الشهيد" ("النهار" - 16/9/1991)، ذروة الإدانة للطبقة التقليديّة، المطلوب إزالتها وفتح الباب واسعاً أمام تفاعل الحياة السلي