|
مقدمة
لم أعايش سمير جعجع مثلما عايشه آخرون، وبالتالي لم تكن العلاقة
حميمية وشخصية كتلك التي كانت تربطني ببشير. لذلك أستطيع القول إنّ
علاقتي بسمير لا تشوبها العاطفة أو تغلب عليها، إنّها نابعة من
اقتناع عقلاني وداخلي بقيادته، ومن إعجابي به وتقديري له. تعرّفت
إليه من خلال كلامه ومواقفه، مثلاً، بعد وفاة بشير، عقدت ندوة كبيرة
في سيّدة البير حول الفيدرالية، وتبيّن لي من المناقشات والمداخلات
وضوح الرؤيا عنده في شكل مذهل، وهذا ما لم أره عند أيّ قيادات
كتائبية وقوّاتية أخرى. ولاحظت نظرته الشاملة إلى أيّ موضوع يطرح
عليه. أيّ فكرة أراد معالجتها كان يتطرّق إليها من زواياها المختلفة،
ذاهباً إلى أعماق المسـألة، ساعياً إلى تحليل عناصرها كافة فتبدو
للسامع واضحة وجليّة وغير مبهمة. كنت أعجب به وأنظر إليه كقائد
للقضيّة التي كنت كرّست نفسي لها منذ زمن بعيد.
…
لأنّه كان عقلانياً ومخلصاً، كان إن أحسّ عند شخص ما نوعاً من اللعب
على "القضيّة"، من بعيد أو قريب، يعرف أن يأخذ منه مسافة، ولربّما
أخذ منه موقفاً قاسياً، وهذا ما يفسّر انقلاب بعض المعاونين عليه.
فهو لم يكن يرحم في ما يعتبره إخلالاً بحقّ "القضيّة". بمعنى آخر،
إنّ القوّاتيين الذين انقلبوا على سمير مسؤولون عن هذا الانقلاب
بمقدار مسؤوليتهم عن ابتعادهم عن الإخلاص ل "القضيّة".
بقي سمير إنساناً مجهولاً وغير معروف على حقيقته. الإشاعات حوله،
والدعايات المغرضة في حقّه سيطرت على صيته، مثلاً يقولون إنّه
"دموي". قال لي مرّات عدّة: "عندما أعرف أنّ أحداً جرح أو مات، أحسّ
بأنّ قطعة منّي ذهبت". مرّة ثانية قال لي: "أيّاً كان النظام الأفضل
للبنان، لا أقبل أن يقوم هذا النظام على أساس تهجير ولا على أساس سفك
دماء. لا أريد أن أترك للأجيال المقبلة مشكلة لاجئين أو مهجّرين".
وكان يلبّي كلّ إنسان يتصل به طلباً للمساعدة. كنّا نشعر أنّه ضعيف
جداً أمام طلب المساعدة. في اجتماعات عدّة، أكانت ثنائية أم موسّعة،
كان سمير يطالب دائماً بحلول قائمة على الإقناع والابتعاد أقصى ما
يمكن عن الحلول المستندة إلى القوّة والعنف.
ربّما كان هذا الرجل لا يعبّر عن مشاعره في الظاهر، وربّما كان كبته
لعواطفه يظهر قسمات قاسية على وجهه، هذه الأمور كانت تجعل من يعرفونه
يأخذون عنه فكرة القسوة. أمّا هو فبالعكس كان عاطفياً جداً، وإن
بمظاهر صارمة.
لكنّه في طبعه لا يحبّ الندب ولا يحبّ التوقف عند المآسي والكلام
المستمرّ عنها، كان يطغى تطلّعه إلى المستقبل على نحو دائم وملحّ،
ممّا كان يجعل كلامه عن الماضي قليلاً.
وحين دعي إلى أن يهرب لم يفعل، لأنّه شخصيّة متكاملة ونزيهة. إنّه
قائد لا يقبل أن يكون في المؤخّرة فيما رفاقه يتلقّون طعنات
المقدّمة. بعد الذي صار أقول:"الآن أستطيع أن أضع يدي في يده، عارفاً
أنّه لن يلقي بي، لن يجازف بي، ولن يهرب مثلما عمل غيره".
أنطوان نجم
المسيرة 19/6/1995
خطـاب التغييــر
العقلانيّ
"أنا من عائلة فقيرة إلى حدّ العَدم الكلّي، ففي بيت مؤلّف من غرفة
واحدة، تكوّن الصالون وغرفة النوم والاستقبال، مساحتها 15 متراً
مربّعاً، وُلدت". ("بشاريا"
2/7/1990).
"كان الحمّام يبعد عن "البيت"25 متراً". (المصدر
نفسه).
"في
"بشرّي"، لم نكن نملك سوى القليل القليل من الرزق والأرض.
إطار منزل ولادتي كان فقيراً جدّاً، فلا بيت "حارة المجادلة" كان
بيتاً، ولا بيت "بشرّي" كان هو الآخر بيتاً؛ شبه بيت كنّا نعيش فيه،
لكنّها حياة مسيحية سعيدة وراضية". (المصدر
نفسه).
"عائلتي من العائلات المارونية الممارسة للطقوس بشكل حرفي: الصلاة في
الصباح وفي المساء، القدّاس نهار الأحد تحضره العائلة مجتمعة، صلاة
المساء نحضرها سويّاً".
"أوّل وآخر كلمة أسمعها في النهار هي "الأبانا والسلام". كنت أغفو
على يدي والدي وهو يتلو صلاته للسيّدة العذراء، وأستيقظ لأجد والدتي
وبيديها مسبحة الوردية، تتلوها وتدعونا لمشاركتها فيها". (المصدر
نفسه).
"أوّل مدرسة لنا في مأوى العجزة الماروني. وثاني مدرسة (Ecole
Bénilde)
في "فرن الشبّاك"، وكانت هذه المدرسة خاصّة ومجّانيّة". (المصدر
نفسه).
هذا الشريط السريع يصلح تماماً قاعدة لكتابة رواية حياة.
ففيه نموذج من مئات النماذج التي عرفتها بيروت الخمسينات، لعائلات
مسيحيّة تأسّست في الجبال، وحملت طموحاتها إلى المدينة، ساعية إلى
ترجمتها، فنجحت أعداد منها، وفشلت أخرى، وبين النجاح والفشل درجات
ونسب.
عائلة فريد جعجع، المكوّنة من أب وأم وصبيين وبنت هي الصغرى، تنتمي
إلى فئة العائلات العصاميّة الناجحة. فربّ الأسرة، الجندي، بلغ رتبة
معاون أوّل في السلك العسكريّ، الرتبة الأعلى الممكنة لعسكريّ الصف،
لسنوات خلت. الأولاد تربّوا تربية مسيحيّة بديهيّة، ودُفعوا إلى
العلم بهاجس الترقّي الذي يعرفه جيّداً أبناء الجبل والسهل: سهراً
وكدّاً متواصلين، حتى بلوغ الجامعة، على رغم الصعوبات الماليّة،
وربّما بسببها. والبيت المتواضع غدا فسيحاً ومقبولاً قبيل سنّ
المراهقة. والمدرسة غدت رسميّة سريعاً، إلى انتهاء المرحلة
الثانويّة. والمنحة أمّنت دخول الجامعة. وصار للعائلة بيت خاص بها في
"بشرّي"، بنته بقرش التوفير الذي يعرفه جيّداً كذلك، أبناء الجبل
والسهل. كلّ ذلك في إطار من حزم الأبوّة وحنان الأمومة وتفهّمها،
وتوازن إيمانيّ سَمِح بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد، وبين
هؤلاء.
إلى هنا، نكون قد دخلنا دوائر توسيع الكتابة الروائية بتناول عناصر
أساسية فيها، تفتح الباب أمام تحديد الأشخاص والمضيّ في تفاصيل
الثابت والمتحرّك لدى هؤلاء الأشخاص وما يحيط بهم، وتفاعلاتهم
الداخليّة والخارجيّة.
ونأخذ مثالاً الابن الأوسط سمير.
غالباً ما تقوّي الأوضاع الماديّة الصعبة وعنفوان الطموح ملكات
الأحاسيس لدى العصاميّين، قوة الملاحظة، والرغبة في المعرفة، وحدَّة
الذاكرة، وجموح الخيال، إلى عاطفة فيها الكثير من خفر التعبير، وقيَم
الإيمان، ولا سيّما المسيحيّ.
سمير جعجع يملك أشياء كثيرة من هذه الصفات، تشكّل محاور منفتحة على
بعضها بعضاً في شخصيّته، منذ الصغر.
وهو يروي أنّه، عندما كان يعتقد بأنّ هناك لصّاً ما داخل البيت،
ويتقدّم نحو مصدر الصوت، "كنت أفكّر كم عليه أن يشعر بالخجل من هذا
الموقف، وأخجل منه قبل الوصول إليه". ("الديار"
- "الشرق الأوسط" - 3/12/1990).
وفي ذروة معارك الشوف وعاليه، "ذهبت إلى "رشميّا"، و"اتصلت بأمّي من
هناك، فقالت لي: إنتبه على حالك وعلى المدنيّين وعالعسـكر اللي معك."
(المصدر
نفسه - 10/12/1990).
وفي هاتين المحطّتين، دليل رهافة وإفراديّة يسمح لنا بولوج عالم سمير
جعجع، كصاحب فكر شموليّ، قد تكون مقاربته من خلال مواضيعه إحدى
الوسائل الفضلى لفهمه.
القائـد والقيـادة
أوّل
ما يلفت في هذا الفصل، هو عِبَر الطفولة: "طفولتي الصعبة علّمتني
دروساً كثيرة في حياتي، معاناتي الماديّة والمعنويّة خلقتا في نفسي
روح التمرّد والثورة على هذا الواقع . كلّ لحظة من حياتي كانت مليئة
بالعبر والدروس التي استفدت منها كثيراً، وكانت منطلقاً للمسيرة التي
بدأتها وأوصلتني إلى موقع القرار. أنا أعرف طعمها. لذلك، كلّ طلب
مساعدة أحاول ألا أردّ صاحبه خائباً. أنا أعرف ما معنى أن يكون ربّ
عائلة محتاجاً إلى مساعدة مالية، أو مَرَضية، أو غذائية (…).
لم تبق معاناتي مجرّد ذكريات بالبال، لا بل من خلالها أمارس
مسؤوليّاتي وأجسّدها أفعال خير في المجتمع". (المصدر
نفسه).
ثمّ إنّ معاناة من هذا النوع، ينبغي أن تكون مدعاة فخر لصاحبها، لأنّ
"الإنسان الذي يجهل ماضيه، أو يتناساه، أو يخجل منه، إنسان فاشل
حتماً (…).
والذي يعتبر أنّه بالمال والمناصب والشعارات الفارغة يصبح بطلاً،
مخطئ جدّاً". (المصدر
نفسه).
وهي ينبغي أن تكون كذلك، حافزاً للآخرين:"أنا لا أسمح لأحد بالاطلاع
على البريد الذي يصلني، أو أن يبتّ به، لا لشيء بل لأنّني حريص على
مشاعرهم، وعلى مشاكلهم (أي القواتيّين)". (المصدر
نفسه).
هكذا يصبح "أجمل ما يميّز البشر عن بعضهم، الرحمة الموجودة في قلوب
بعضهم"، "وأجمل عمل في حياتي هو عمل الخير". (المصدر
نفسه).
ويغدو التقشّف، في المقابل، نور الهداية:"أنا لا أحبّ أن يستعمل
الإنسان من هذه الناحية (المادية) إلا الأشياء اللازمة لمتابعة حياته
في شكل مقبول". (المصدر
نفسه).
هاجس الحرص على الحقّ والعدل ونزاهة الأحكام، أفضى بسمير جعجع إلى
عالم العقل ضماناً للحقيقة:"منذ صغري، وحتّى اليوم، تعلّمت أن أعيد
النظر في تصرّفاتي،
وأحاسب نفسي، وكأنّ شخصاً آخر يحاسبني، على كلّ خطأ وقعت فيه،
لأتجنّب الوقوع فيه مجدّداً، كما أنّني أعيد النظر في المسار الذي
أنتهجه ككلّ، لأرى ما إذا كنت سائراً على الطريق الصحيح، وماذا عليّ
أن أفعل لأحقّق جميع أهدافي التي أحلم بها منذ صغري". (المصدر
نفسه).
وإلى ضمان الحقيقة، العقل أساس في النجاح ورادع لعرقلة التأثيرات
الفرديّة على دروب التقدّم:"عمليّة الاحتكام إلى العقل عمليّة
أساسيّة في حياة الأشخاص، خصوصاً الذين يريدون أن يكونوا ناجحين في
حياتهم. مفروض على الإنسان عدم تسليم نفسه للتأثيرات التي تمرّ في
حياته، وإلاّ قضى نصف حياته في البكاء". (المصدر
نفسه).
وعلى العقل أن يحيا الواقع ويتفاعل مع التجربة، ليأتي نتاجه فعّالاً،
فـ "مهمّ جدّاً أن يتثقف الإنسان، لكنّ الأهمّ أن يكون عملياً، ولا
يبقى خارج إطار الواقع. كلّ علوم الدنيا لا تساوي ساعة ممارسة على
الأرض". (المصدر
نفسه - 15/11/1990).
أمّا قرار العقل، فيتطلّب مجهوداً هائلاً، وهدوءاً يأتي بصفاء الذهن
المتأمّل، نظراً إلى ما يستتبعه من مسؤوليات ونتائج على مستوى
القيادة والقاعدة: "التركيز عملية مهمّة جدّاً لاستجماع القوى، وعند
القرارات الكبرى أختلي بنفسي متأمّلاً بعيداً عن الضوضاء". ("النهار"
-15/2/1992).
ولأنّه ينبغي أن يكون متجرّداً، يحسّ القائد دائماً بوجود "صراع (في
داخله) بين العاطفة والتاريخ". ("النهار"-
14/02/1990).
لكنّ تعزيته تبقى في "أنّ قراراتي لا تتبع إلا قناعاتي". ("وكالة
الأنباء الصحافية"
-9/3/1985).
وهي تغدو بذلك محصورة فيه: "عدت إلى غرفتي في مقرّ القيادة (لاتخاذ
قرار الانسحاب من بحمدون) واختليت بنفسي نحو ربع ساعة". ("الديار"
-"الشرق
الأوسط" -10/12/1990).
ومفهوم سمير جعجع للصراحة مفهوم كلّي:"أنا هيك، إمّا أن أقول الحقيقة
كاملة، وعليّ وعلى أعدائي يا رب، وإمّا لا أتكلّم". ("العمل"
- 1/1/1984).
والقيادة يعتبرها جزءاً لا يتجزّأ من كيانه: "إنّ شيئاً ما يشدّني
دائماً إلى دور مهمّ، والأشياء الصعبة تجذبني". ("الديار"
- "الشرق الأوسط" - 3/12/1990).
وهو يحدّد هذه الأمنية بالقول في تفسيره للوعد: "أن يقطع الإنسان
وعداً على نفسه ويظلّ مثابراً حتّى يحقّقه: وعدي لنفسي، أوّلاً، أن
أحاول تسريع المسيرة البشريّة أكبر قدر ممكن، وثانياً، أن أتمكّن قدر
المستطاع والممكن من بلوغ الكمال. ووعدي للمقاتلين معي إنهاء المحنة
التاريخيّة التي يمرّ بها الإنسان اللبنانيّ المسيحيّ. أمّا وعدي
للبنانيّين ولبنان، فهو تغيير التركيبة اللبنانيّة البالية وإقامة
تركيبة مكانها، يحقّق فيها كلّ إنسان ذاته، ليعيش حرّاً، كريما،ً
وسيّداً إلى أبد الآبدين". (المصدر
نفسه).
وعلى القيادة، وطموحها بهذا الحجم، أن تكون على مستواه تصميماً
ومثابرة في النضال: "أستسلم؟ لا أحبّ هذه الكلمة، في أيّ إطار جاءت،
ومهما كانت الظروف". ("الوطن
العربي" 17/1/1992).
والنضال ملك الناس قبل أيّ شيء آخر: "في اللحظة الصعبة، لا تستطيع
الاستقالة من مصير الناس، وأن تبتعد وكأنّ الأمر لا يعنيك". ("الديار"
- "الشرق الأوسط" - 9/12/1990).
لكنّه نضال يستدعي صلابة في الرجال: "هذه المنعطفات (مرحلة تشكُّل
الحكومة الانتقالية العسكرية) في حياة دولة أو شعب (…)
تحتاج قبل كلّ شيء، إلى رجال بحجم المسؤوليّة أو المشكلة". (المصدر
نفسه - 16/12/1990).
كما يستدعي (الأمر) صراحتهم ووضوحهم:
"يستحيل أن يحترمك الذين يعملون معك إذا لم يكن خيط الصراحة والوضوح
هو ما يربطك بهم. وحتّى خصومك، لا يمكن أن يحترموك إلا إذا كان لديك
سلم قيّم". (المصدر
نفسه - 3/12/1990).
لذلـــك، "لست من قماشة الذين يفكّرون بالنجاة بأنفسهم أو بتحسين
صورتهم على حساب كلّ شيء آخر. أصحاب هذا الأسلوب لا يستحقّون
المشاركة في صنع القرارات أو المصائر". (المصدر
نفسه - 2/12/1990).
كما "لست من هواة اصطياد السلبيّات وتظهيرها ونقلها إلى الآخرين،
ولست من مدرسة الشائعات ومطابخ الحملات والتذاكي والتشويه". (المصدر
نفسه
- 3/12/1990).
و"التعايش معي لا يناسبهم، لأنّني أؤمن بالبناء الهادئ، وبفريق العمل
والجهد اليومي". (المصدر
نفسه).
و"ما يهمّني، هو حكم الله والتاريخ". (المصدر
نفسه).
إنّما على الإنسان العودة دوماً إلى واقعه: "حيال العالم والكون
والأحداث، وأمام قامة التاريخ، يصعب على الإنسان الذي يبدو في صورة
قزم أن يعتبر نفسه منقذاً". (المصدر
نفسه).
وفي القيادة، ينبغي أن يكون مكان الإنسان كبيراً: "تمرّ في حياة
المسؤول لحظات تدمي قلبه. وفي بعض الحروب، يأكلك الألم، حتّى لو ربحت
معركة وجودك. لا بل أنّ هذا الربح يبقى مجلّلاً بالحزن على من ماتوا
في حرب لا مبرّر لها، في حين كان يمكن أن يموتوا في حرب السلام أو أن
يعيشوا لمعركة السلام". (المصدر
نفسه).
وسط سيل المدّ والجزر، من هو سمير جعجع؟
"لست داعية حرب ولا داعية سلام، أنا رجل لبنانيّ يهتمّ بالشأن العام.
أكيد مؤمن بالله وبتعاليمه وبتعاليم الكنيسة والدينونة، أعيش وفق هذه
التعاليم والقوانين وبتقوى الله". (“الوطن العربي " - 3/1/1992).
مسيحيّ مؤمن وممارس، ممّا يوجب الحقيقة من دون مواربة، إنّما "إذا
أعطيت رأيي … كارثة"…
("العمل" - 1/1/1984).
لكنّه أعطاه، هذا الرأي، أو هو في مسيرة عطائه، عملاً بالتزامات
الإنسان والقائد فيه، والتي رأينا بعض وجوهها حتّى الآن، وسوف نرى
مزيدا ً منها تباعاً.
حزب الكتائب اللبنانيّة
اختار سمير جعجع تعاطي الشأن العام من خلال حزب الكتائب اللبنانيّة،
إبّان سنوات المراهقة، على رغم وجود ميل في البيت إلى سياسة الرئيس
كميل شمعون.
وكانت نهايات الستّينات وبدايات السبعينات فترة دقيقة من تاريخ تمظهر
العمل السياسي صراعاً متصاعد الحدّة بين يمين ويسار، مع تنامي قوّة
الفلسطينيّين العسكريّة، وتدخّلهم المتزايد في شؤون لبنان الداخليّة،
إلى جانب المسلمين واليساريّين.
أحسّ سمير جعجع بسرور بالغ أمام واقع الانتماء إلى حزب مسيحيّ قوي،
وأمام الإفادة السياسيّة والعسكريّة التي جناها من ذلك، فضلاً عن
تحمّل المسؤوليّات.
وقد يكون أحد كبار المضحّين من جيله في سبيل الحزب، بعد شهدائه
ومصابيه. فقد ارتضى التخلّي عن دراسة الطبّ في أشهرها الأخيرة،
لتسلّم مسؤوليّات القيادة في عمليّة إهدن. ثم غدا هذا التخلّي
نهائيّاً، على أثر تفاعلات العمليّة، ليصبح سمير جعجع مسؤولاً عن
قيادة قطاع الشمال، ويرابط في أعاليه حتى بداية مرحلة التحوّلات في
القوّات اللبنانيّة.
وفي بيان إعلان ترشّحه لرئاسة الكتائب، يعطي سمير جعجع صورة للحزب
الذي التزم بمبادئه: "تعلّمنا أن نكون أوّل من يُقدِم. وتعلّمنا أن
نشدّ الأنظار إلى العُلى والواجب، وأن نكفّ الأيدي عن المناصب
والمراتب. وهكذا سنبقى: لا نساوم على المبادئ، ولا ندور في أسواق
السياسات الضيّقة والمصالح الصغيرة (…) والخنوع والمداهنة والركوع
ليس من شيمنا". (30/6/1992).
ثم يؤكّد على حركية الحزب، في وجه التكلّس الذي أصابه: "ليست الكتائب
(…) فكراً مُعلّباً، بل مَلعباً للفكر الحرّ"، أي العودة إلى
الأصالة.
وهو يحدّد المطلوب بما يلي:
·
·
"إعادة جمع شمل الحزب".
·
·
"تطوير هيكليّة الحزب وتوسيع بناه الشعبيّة".
·
·
"اعتماد الأنظمة والقوانين التي تضمن أوسع مشاركة ممكنة للقاعدة في
تحرّك
القيادة الحزبيّة".
وكلّ ذلك عبر الانعتاق من المفهوم الفرديّ في القيادة، إذ "لا بدّ
للمنهج الكتائبيّ المؤسّساتيّ من أن يشقّ طريقه إلى التطبيق (…)
فعبثاً ننادي بالديمقراطيّة، إن لم نطبّقها على أنفسنا أوّلاً".
"لقد تربّيت أصلاً في جوّ عائليّ وعشائريّ. ولكن، لو أعجبني الجوّ،
لكنت تابعت مع عشيرتي (…) من البداية، هربت من الواقع العشائري
وأدركت محدوديّته، وأنّنا كشباب، لا يمكن أن نساهم في أيّ تطوير أو
تغيير من خلال هذا الإطار (…) من هنا بدأت انتفاضة 12 آذار 1985" (المصدر
نفسه)،
والتي تُشكّل رفض وضع يد القيادة التقليديّة على قرارهم والمصير.
التقليد المسيحيّ واللبنانيّ:
يعتبر سمير جعجع أنّ لدى المسيحيّين في لبنان "أزمة قرار ورؤية"،
و"أزمة وجود ومصير". ويضيف:
"نبدّل الحلفاء كما نبدّل ثيابنا. نتلاعب بمصيرنا بخفّة مطلقة". ("وكالة
الأنباء الصحافية"
- 9/3/1985).
وال"نحن" هنا تعود إلى القيادات المسيحيّة التقليديّة.
ومنذ البدء، فهو يحدّد الموقف من هذه القيادة:"بعض الذين يطرحون
ويتباكون على وحدة المسيحيّين في هذه الأيّام، لا يطمحون ضمناً إلى
وحدة المسيحيّين، بل إلى وحدة الإقطاع المسيحيّ، وهذا ما لا نريده،
لا بل نريد مواجهته" . ("النهار
العربي والدولي "- 25/6/1984).
من هنا أنّ "هذا النوع من الزعامات لا ينجب إلاّ الكوارث". (المصدر
نفسه).
هي زعامات تتملّكها شهوة السلطة...
على أنّ التقليد المسيحيّ أو اللبنانيّ متكاتف، متضامن، متصاهر،
و"متمصلح"، بحيث يشكّل مؤسّسة على جانب خطير من التجذّر والقوّة،
تجمع "الذين استقالوا من مصير الوطن ومصير الناس"، أولئك الذين
يمكنهم وحدهم "القول إنّهم يعيشون خارج هذه الدورة العنيفة".
("الديار"
– "الشرق الأوسط" - 2/12/19990).
ويبلغ الخطاب السياسي مداه الأعنف عند سمير جعجع في وصف التقليد
والتقليديّين المعتمدين ل"مفهوم الشطارة والتشاطر" (الخطير) في العمل
الوطنيّ، (المصدر
نفسه
-14/12/1990)،
والقادرين بغرابة "على الاختباء في ثيابهم". (المصدر
نفسه -16/12/1990).
وهو يقول: "هناك تراث من الممارسة السياسيّة الساقطة. عقليّة دكاكين
وسماسرة تنجب هؤلاء المتسلّقين الذين لا يتردّدون في الإقدام على أيّ
شيء وفي استخدام أيّة وسيلة لتحقيق مآرب صغيرة مخجلة". (المصدر
نفسه - 3/12/1990).
وهذه العقليّة يريد أصحابها "إقطاعيّات جامدة ونهائيّة، وهذا يتعارض
مع منطق الحياة وسنّة التطوّر"، (المصدر
نفسه)،
وهم يفضّلون "في أحيان كثيرة (…) الجلوس في الواجهة على الفاعليّة،
ويفضّلون التسميات على العمل الدؤوب الذي وحده يضمن البناء على أسس
ثابتة". (المصدر
نفسه -14/12/1990.)
ويمكننا اعتبار خطابه في "يوم الشهيد" ("النهار"
- 16/9/1991)،
ذروة الإدانة للطبقة التقليديّة، المطلوب إزالتها وفتح الباب واسعاً
أمام تفاعل الحياة السليمة الخيِّرة في شكل طبيعيّ وفعَّال.
نقرأ في هذا الخطاب:
"لا تطلبوا العرفان بالجميل ممّن يقايضون الوطن بالمناصب، والمصير
بالمصالح، والشرف بالترف، ودموع الثكالى بالسمسرة، وقلق اليتامى
بالصفقات … فهؤلاء حثالة مطلية بالخداع والغش والرياء والكذب. هؤلاء
طفيليون لا ينبتون إلاَّ على الحفافي والهوامش، ولا يعيشون إلاَّ من
تعب الأصيلين وعرقهم".
"أهل الحكم والسياسة (…) يتهافتون ويتسابقون زحفاً إلى كلّ بابٍ
عالٍ".
البعض منهم "جلس في صفوف المتفرّجين على أعراس الدم". وهو "مسؤول
أمام الله والشعب والتاريخ عن كلّ الدم والدمار وصفحات السواد
والعار، إمّا بالتآمر، أو التنصّل أو السكوت، وإمّا بالسياحة بين
جولة وجولة، أو التنقّل بالشعارات بحسب اتجاه الريح ورجحان كفَّة
الميزان".
"التاريخ لا ينسى أولئك … المفاخرين الفارغين، الذين يتشدّقون اليوم
بشعارات وتلفيقات، محاولين التملّص من حكم التاريخ والشعب،
مُتقَنّعين بأثواب الزهد والنسك والغفران، معتزّين بأنّهم يحترفون
ألاعيب السياسة ويجهلون فنون القتال، وبأنّ الحرب لم تلطّخ لهم سجلاً
بنقطة دم أو عرق".
"إنّ هؤلاء المرتزقة إيّاهم، هم هم في الحرب والسلم، وَجهان لعملة
واحدة. وهم هم مَن تركوا أهلهم يواجهون أخطار الموت والإبادة
والتشريد ومحاولات الترهيب والتركيع والإخضاع في كل يوم. وهم هم من
يزوِّرون الحقائق، ويقتلون الشهداء مرّتين، عندما يحاولون الإيحاء
بأنّ الحرب كانت غاية وهواية، في سنواتها العصيبة (…) وهم هم من
يعرفون وينكرون الحقيقة المرّة."
"أشباه الرجال أولئك … ليسوا لهذه الأرض".
"أمّا تبعات الحرب، ففي عنق تجّار السياسة، وطلاب النفوذ على حساب
الوطن".
"من سخريات القدر أن يصبح المجرم بطلاً يتباهى بتحميل الضحيّة
مسؤوليّة الاعتداء عليه".
"وكأنّما المطلوب أن تغيب الدولة (…) لكي تنتصر نظريّة أولئك
المتشدّقين اليوم ببطولاتهم السياسية الفارغة من أيّ مضمون، والقائمة
على التنكّر للشهداء".
"وهم ينصِّبون أنفسهم قضاة تاريخيّين لمحاكمة الأبرياء وتبرئة
الأعداء".
"موزّعين روائحهم النتنة ونقيقهم الفارغ على كلّ المسامع."
"بئس الرجعيّين والمرتجعين من نواويس التحنيط والماضي البغيض".
"لقد انقضّ الكتبة والفريسيّون، الجهلة، وورثة السلطنة العثمانيّة،
رجال المنافع الشخصيّة، أكلة الجبنة وأيّ شيء آخر يُقدَّم لهم (…)
على فرصة الوفاق والسلام، وهم يتناتشونها على موائد مصالحهم الذاتيّة
ويتشاتمون من أجل تقاسمها".
"حكومة تذكّرنا (…) بأنّنا شعب حكم عليه طويلاً بالتزوير العلنيّ،
والسطحيّة المتسلّطة، والمراهنة المكشوفة، والرياء المتبادل،
والوقائع المحوَّرة، والحقائق المتقلّبة".
"فأيّ سلام، لأيّ لبنان؟ وأيّ رجال، لأيّ دولة؟ وأيّ دولة، لأيّ
رجال؟ صفة تمثيليّة معدومة، مصداقيّة مفقودة، خلافات على مدار
الساعة، عقم مستفيض، إدارات مشلولة، مراكز شاغرة، فساد مستشر، تقليد
قاتل، تخلّف مستفحل، جهل مطبق، لا التزام، لا تضحية، لا تدبير، لا
وفاء، أضف إلى ذلك كلّه لا أخلاقيّة تظلّل كلّ شيء".
مشروع الوفاق يضيع "في متاهات التخلّف والرجعيّة والعقم والتقليد
والمصالح الشخصيّة".
وبعد، "أيّ وفاق يرجى، وأيّ لبنان، أسير طبقة سياسيّة تقليديّة،
وجملة منتفعين يريدون بناء الوطن على رمال المساواة والمصالح،
ويقرأون في قاموس من المصطلحات الكاذبة. فالانتفاع في نظرهم أن نخون
ثقة الشعب وأن نلحق بركب المنتفعين، والاعتدال في قاموسهم أن تُسقط
اقتناعك وتتبنّى اقتناعات غيرك، والاتزان عندهم أن تفهم الآخرين لا
أن تتفاهم مع الآخرين، والرشد في مفهومهم أن تصاب بعقدة النقص وعقدة
الخوف وعقدة اليأس. وفي كلّ ذلك، يريدون لبنان إمَّا سجناً وإمَّا
مصحاً وإمَّا منفى. ولكن ليس ببعيد ستنتصر الحقيقة لنفسها ولكلّ
شهداء لبنان، في أيّ موقع سقطوا، وستوزّع أسياد هذا المنطق على
المنافي والسجون والمصحّات". (في
تخريج الدفعة الثالثة من مركز الإنماء السياسي
– "النهـار"
–
"العمـل" - 26/6/1992).
ولهذا كلّه، "أخجل من أن أكون في الوسط السياسيّ اللبنانيّ". ("العمل"
- 1/1/1984).
الحوار إذاً ساقط مع التقليد السياسيّ، وبالتالي التفاهم، والمعركة
شرسة... لا بدّ من بديل.
بين التقليد والتغيير:
هذا البديل يتمثل في إرادة التغيير لدى الأجيال الجديدة، المؤكّدة
لشخصيتها الحرّة والمستقلّة، والرافضة لعقليّة التقليد وتَرْكته في
كلّ وجوهها: "فإلى اللامبالين نقول: لبنان ليس فندقاً أو منتجعاً
سياحياً. وإلى المتردّدين نقول: سقطت كلّ الخيارات، فإمّا المقاومة
وإما الاحتلال. وإلى المشكّكين نقول: إنّنا لا نحتاج إلى شهادة سلوك
من أحد (…) نحن أبناء المقاومة، نرفض أن نكون ورثة صيغة 1943، ونرفض
الذهنيّة السياسيّة التي أوصلت لبنان إلى 13 نيسان 1975. فهؤلاء
الآتون من كهوف الماضي، لا مكان لهم في لبنان ما بعد 13 نيسان 1988".
(في
حفل تخريج الضباط – "الديار" - 14/3/1988).
والأجيال الجديدة غير مستعدّة لترك يد الخونة حرّة:"لن نغفر مهما طال
الزمن لجميع المستفيدين، والمسايرين، والمناورين، والمتملقّين،
والمشككّين، والمتمرّدين، والانتهازيّين، وجميع الذين باعوا الوطن
وأنكروه قبل صياح الديك". (المصدر نفسه).
والتمييز واضح وحاد بينها وبين التقليديّين الذين حوّلوا لبنان من
وطن إلى مزرعـة، (المصدر
نفسه)،
وهم يتحمّلون بالتالي مسؤوليّة ما ارتكبوه من أذيّة في حقّه وحقّ
أبنائـــه:
"لسنا هواة ميليشيات، بل دعاة دولة حديثة، تأخّرت بسببهم خمسين سنة،
لأنّ تجّار 1943 كانوا متلهّين بممالكهم الصغيرة.
"لأنّهم حولّوا لبنان مناطق إقطاعيّة، أصبحنا أمراء حرب".
"لأنّهم حولّوا لبنان فندقاً فيه نزلاء من كلّ الجنسيّات، أصبحنا
مقاتلين في الشوارع".
"هم الذين هدموا الدولة ويريدون أن تبقى أطلالاً"، "نحن نريد دولة
الأمن، دولة العدل".
(المصدر
نفسه).
أمّا الأجيال الجديدة المقاومة، فلها القدرة على بناء الفكر الجديد
للدولة الجديــدة:
"بنادقنا ستحطّم دولة الأصنام، ومعاناتنا ستكتب فكراً سياسيّاً
جديداً، إنّ حساب هذا الطقم السياسيّ مع التاريخ صفر مكعّب. فلأنّهم
أرادوا دولة 1943 ضعيفة على صورتهم ومثالهم، يخافون اليوم قوّة
المقاومة. ولأنّهم هربوا من ضريبة الدم، في زمن الحرب، كما تهربّوا
من دفع الضرائب في زمن السلم، يريدون اليوم تحميلنا أخطـاء ارتكبوها
قبـل أن نولد". (المصدر
نفسه).
وفي صراع على الانتخابات، يبرز التمايز على أشدّه: "يريدون
الانتخابات مبايعة للتقليديّين وللأسماء والوجوه القديمة، ونريد
الانتخابات أداة تغيير وتجديد وتمثيل. يريدونها سدوداً أمام
التيّارات الشعبيّة وجواز مرور للإقطاع والمنتفعين، ونريدها خياراً
حرّاً يقدم عليه الشعب بكلّ طيبة خاطر وروح مسؤوليّة". (في
تخريج الدفعة الثالثة من مركز الإنماء السياسي – "النهار" -
26/6/1992).
التغييـــر:
بداية التغيير نهاية نقيضه: "إنّ عهد التكاذب قد ولّى. وولّى معه
لبنان الفساد والرياء. إنّ كلّ هذا قد مات أو هو يموت. لن تكون بعد
له قيامة، طالما بيننا رضيع وأمّهات بطلات وطفل يقاوم". (خطاب
"يوم المقاومة" - 26/11/1989).
وفي رأس هذا ال"لبنان" الميت، الصيغة:"أمّا وقد بلغكم من زمن أنّ
الصيغة قد ماتت ودفنت، فلا ردهّا الله". (المصدر
نفسه).
والسبب أنّها مناقضة لسنّة الحياة والتطوّر: "رفضنا وسنرفض دائماً أن
نكون أسرى صيغ سياسية جامدة، بل (نحن) روّاد تغيير وتطوير يلبّي
طموحات اللبنانيّين". (بيان
الترشيح لرئاسة الكتائب - 3/6/1992).
وكلّ دولة مسخ مرفوضة: "نحن نرفض أن نشارك في تحويل الجمهوريّة
اللبنانيّة إحدى جمهوريّات الموز في العالم الثالث". (في
تخريج الدفعة الثالثة من مركز الإنماء السياسي – "النهار " -
26/6/1992).
والقوّات اللبنانيّة في رأس الرافضين: "وهل يعقل أن تُسأل القوّات
اللبنانيّة عن موقفها من التركيبة اللبنانيّة البالية، وهي كانت أوّل
المنادين بنسفها من أساسها واستبدالها بنظام لا مركزيّ جديد"؟ (خطاب
"يوم المقاومة" - 26/11/1989).
وتتمثّل أداة التغيير في "القوى السياسيّة الفاعلة والمتحرّكة"، ("العمل"
- 28/1/1988)، والمزوّدة
بالفكر الحرّ: "لا تكونوا فكراً معلّباً أو جامداً ومتحفّظاً، ولا
تحوّلوه قيداً، بل انطلقوا به جناحاً نحو الحرّية"
(في
تخريج الدفعة الثالثة من مركز الإنماء السياسي – "النهار" -
26/6/1992).
و(هي هذه القوى) المعتمدة أسلوباً علميّاً وواقعيّاً: "نحن نرسم
تحرّكنا بأسلوب علميّ وواقعيّ". ("الديار"
– "الشرق الأوسط" - 12/12/1990).
وتتلاقى هذه القوى على قواسم مشتركة، على رغم اختلافات وتباينات
عدّة. كما تحدّد هذه القواسم المشتركة شخصيّتها، أي شخصيّة قوى
التغيير اللبنانيّة. "كقوّات لبنانيّة وكتائب، إنّ ما يجمعنا مع حركة
أمل والحزب التقدّميّ الاشتراكيّ هو التالي: هذه الأحزاب (والقوى)،
وبخلاف المجموعات التقليديّة أو السياسيّين التقليديّين، تحاول أن
تكون عميقة، وتحاول أن تعبّر عن وجدان أكثريّة الناس في المجتمع،
وبالتالي فهي لا تحبّ أن تمارس السياسة بسطحيّة وبـ "فوفشة"، أي بشكل
تبقى فيه الأزمة، ولكن تُغَطّى بقشرة دهان، بينما الغطاء الجميل يخفي
وراءه ما يخفي من قبائح الأزمة". ("الوطن
العربي" - 17/1/1992).
وإطار عمل قوى التغيير ليس عنيفاً بالضرورة:
"نحن لم نسلك طريق الانقلابات، لكنّ الواقع الاجتماعيّ/السياسيّ فرض
علينا بعض الأحيان أن نواجهه بنفس الوسائل". ("الديار"
– "الشرق الأوسط" - 3/12/1990).
وهو إطار مبنيّ على أنّ هذا الزمن هو "زمن المؤسّسات والبناء
والتخطيط". ("الديار"
- "الشرق الأوسط").
أمّا عماده، فهو "الحرّية والحوار والديمقراطيّة"، التي "هي مرتكزات
العالم الجديد الذي نطمح إلى أن نكون جزءاً منه". (المصدر نفسه -
19/12/1990).
وفي ضوء ذلك، يبدو هدف قوى التغيير عندنا "لبنان جديداً، على أبواب
حقبة دوليّة جديدة، عناوينها الأساسية السلام، الحرّية،
الديمقراطيّة، تحرّر الشعوب والمجتمعات، وحقّها في تقرير المصير"،
وعمليّاً ترجمة مسيرة الوفاق "لبنان جديداً، بانسجام تام مع رياح
التحرّر الدوليّ". (خطاب
"يوم الشهيد" – "النهار" - 16/9/1991).
على أنّ التغيير الحقّ لا يمكن أن يولد إلاّ من المقاومة الحقّ،
ليمتلك مناعة الحياة والنضال من أجل تطوّرها.
المقاومـــة
والمقاومة ابنة مأساة وحاجة حيويّة مصيريّة: "ما ينساه كثيرون، هو
أنّ هؤلاء المقاتلين ولدوا من المأساة التي ارتكبها غيرهم (…) لقد
وُلدت المليشيات من انهيار الدولة وتفكّك مؤسّساتها وتآكل هيبتها،
وحين بطلت الدولة أن تكون ضمانة للمواطن". ("الديار"
– "الشرق الأوسط" - 15/12/1990).
وكأنّ لبنان ال1975 قد شهد عام الخيار الوطنيّ الحاسم: "منذ تلك
اللحظة، تعطّلت اللعبة السياسيّة. صار عليك إمّا أن تنكفئ إلى كتبك
أو عملك أو إلى مؤسّسة خيريّة، وتترك الأقوياء يصنعون البلد على
هواهم، وإمّا أن تشترك في صناعة المستقبل، وكلّ مشاركة متعذّرة دون
قوّة". (المصدر
نفسه).
وإذا جاء الخيار بالمقاومة، كان على صاحب الخيار أن يعي حجم
مسؤوليّته، لأنّ "في هذا الوطن، كلّ شبر مكلف، ولكلّ قطرة حرّية
ثمن". (المصدر
نفسه - 10/12/1990).
وكان عليه أيضاً أن يدرك الهدف الكبير الذي من أجله سوف يقاتل:
"قدرنا أن نكون: مشروع وطن، مشروع إنسان، مشروع مستقبل (…) وطناً لا
تقوى عليه قوى الشرّ، وشهوات الفاتحين، وشهيّة الطارئين. ونظاماً لا
تهزّه العواصف، ولا يُخرق بانقسام العواطف، ولا يُحكم بالقهر
والتناتش والعقل البليد (…) فنحن مقاومة شاملة وجامعة، تتخطّى الحدود
والحزبيّات، والمناطق والأفراد والجماعات". (خطاب
"يوم المقاومة" -26/12/1989).
وهذا الهدف الكبير يقضي بالالتزام بالاستمراريّة النضاليّة: "الفرق
الهائل في القوّات اللبنانيّة بين المراحل الأولى والمراحل الأخيرة
هو فرق تنظيميّ، في حين أنّ الروحيّة كروحيّة، والتطلّع كتطلّع،
والهدف كهدف، ما زالت هي هي". ("الوطن
العربي").
ويقضي أيضاً بالدفاع عن الذاتيّة: "نحن قوم لا يُقتل لهم الشهيد
مرّتين: مرّة بالحرب، ومرّة بالنكران". (المصدر نفسه - 15/12/1990).
كما يقضي بالوفاء: "أفضل ألف مرّة أن يطاولك التجنّي بسبب وفائك
لدماء رفاقك، من أن تحصل على شهادة حسن سلوك لأنّك تبرّأت من دمهم".
("الديار"-
"الشرق
الأوسط" - 2/12/1990(
"إنّ التنكّر لدم من سقطوا جريمة، لأنّ هذا التنكّر ينجب المزيد من
الحروب". (المصدر
نفسه - 15/12/1990).
"وللمقاومة واجب الاحترام للآخر، حتّى في الخصام، لئلا تشوّه جوهرها.
ففي حرب الجبل، وصلت الحماقات إلى حدّ التعرّض لمشايخ أفاضل والتعامل
معهم بشكل غير لائق، لا نقبله نحن ولا نقرّه، لا كأشخاص ولا
كمؤسّسة". (المصدر
نفسه).
وانطلاقاً من حركيّتها المنفتحة وشموليّتها، كان لا بدّ للقوّات
اللبنانيّة، أداة المقاومة الرئيسية، من أن تتحوّل "حركة سياسيّة"،
بمعنى أخذ الدور الأساسيّ الذي لعبته الكتائب اللبنانيّة، من دون
انفصال عنها: "الكتائب والقوّات وجهان لعملة واحدة ". المواقف الأقرب
إلى التعقّل في التعاطي مع الأمور كان يأخذها الحزب، والمواقف الأقرب
إلى الجيل الجديد والشباب كانت تأخذها القوّات". ("اللواء"
- 9/7/1992).
الثــورة:
يعتبر سمير جعجع أنّ المسار الطبيعيّ لإرادة التغيير وللمقاومة من
أجل التغيير، يفضي إلى الثورة. لا بل "أنّ الثورة تولد من رحم
المقاومة". (خطاب
"يوم الشهيد" - 26/11/1998).
أمّا أرضيّة هذه الثورة فمتوافرة، إذاً "لدينا أكثر من سبب للثورة".
("العمل " -28/1/1988). وعلى رأس الأسباب، التصدّي للماضي:
"لا يجرؤ على صناعة المستقبل، مَن لا يملك جرأة التصدّي للماضي".
("الديار" – "الشرق الأوسط" - 7/12/1990)
وكذلك معالجة جذور الأزمة: "كلّ تجديد يتطلّب معالجة الجذور، لا
المصالحة مع ظواهر الأزمة". ("النهار"
- 15/2/1992).
ويلحّ سمير جعجع على حتميّة الثورة لصناعة المستقبل: "لا مستقبل من
دون ثورة. إنّ الثورة هي أمانة، وهي رسالة، في عنق كلّ فرد منّا.
إنّها ثقافة، ومعرفة، وعلم، إنّها تخطٍّ مستمرٍّ لواقع مستمرّ.
والثورة التزام، التزام بالضعفاء والفقراء والمعوزين والمعاقين
والمعذّبين. إنّها التزام بلا حدود، وحركة لا متناهية. إنّها التزام
بالمسيح. إنّها التزام بالتاريخ". (خطاب
"يوم المقاومة" - 16/11/1989).
"ليس عندي شكّ في أنّ لبنان، ومهما كان نظامه، ومهما كانت حالة
حدوده، لا يستطيع أن يستمرّ دون ثورة، علماً أنّ الوقت الحاليّ لا
يسمح لك بطرح موضوع الثورة". ("النهار" - 15/2/1992).
وهو يعطي تحديداً أكثر عمقاً للثورة، في كلّ موضع آخر: "هي تسريع
التطوّر الطبيعي في كافة المجالات والميادين، أمّا في المجال
الفلسفيّ-السياسيّ، فهي تسريع المسيرة الكونية. والثورة لا تنتهي عند
حدّ معيّن، بل هي حلقات متلاصقة، لا متناهية، على طريقة التفجير
الذرّي … نعم، أنا ثائر في المجالات كلّها، فأنا متطلّب تجاه نفسي
وتجاه الآخرين". ("العمل"
- 1/1/1984).
لكنّ سمير جعجع يعترف بأنّ هناك معوقات أمام الثورة الآن، أبرزها
اثنتان:
- الأولى، وقوع الوطن تحت الاحتلال، بحيث "أنّ أوان نضج ذلك (الثورة)
لن يكون قبل عملية تحرير الوطن". ("النهار"
- 15/2/1992).
- الثانية، والأهمّ، أنّ "في لبنان، لم تختمر قوّة التغيير كافة
للقيام بالثورة. ولهذا السبب لم تقم الثورة". (المصدر
نفسه)...
حتّى أنّ "المقاومة اللبنانيّة تحتضن في صفوفها أفراداً غير ثوريّين،
وأشخاصاً تقليديّين، وأناساً ذوي نزعة ثوريّة. لكنّ هؤلاء يتمتّعون
بوطنيّة جيّدة، ويتسلّحون بالأهداف الوطنيّة ذاتها. الوقت لا يسمح
بالشرذمة، ولهذا نغضّ الطرف عن عثمانيّة الدولة إلى حين استعادة
الوطن، والتي تسمح بإطلاق الثورة".
(المصدر
نفسه).
وانطلاقاً من هذه الواقعيّة، فهو يقترح الإعداد للثورة بهدوء وشمول
ومنهج علميّ: "مَن يبني كالنملة، قشّة فوق قشّة، وحجراً فوق حجر،
يستطيع التقدّم. مَن يراهن على العمل الاجتماعيّ مع العمل السياسيّ،
ومَن يعتقد بضرورة المؤسّسات، تكن له الغلبة في النهاية". ("الديار"-
"الشرق الأوسط" - 3/12/1990).
وهو يؤكّد تفاؤله بالنتيجة، فـ "إذا سرنا على هذه الطريق، فسنتوصّل
إلى إضافة ثورة جديدة على لائحة الثورات العالميّة هي الثورة
اللبنانيّة".
("العمل" - 28/1/1988).
هنا يبدأ، في الواقع، الخطاب السياسيّ عند سمير جعجع... من حقيقة
وعيه لخلاص البشريّة والكون بالثورة المسيحيّة. وسوف نحاول قراءة هذا
الخطاب تبعاً لمنهجيّة نراها واضحة وموضّحة، من ضمن السياق العام.
الذاكرة المسيحيّة اللبنانيّة:
محرّك الهاجس المسيحيّ هو الذاكرة المسيحيّة اللبنانيّة. وفي تاريخ
مسيحيّي لبنان ثوابت، ينبغي التوقّف عندها وأخذ العبر منها، في الفكر
والنضال المستقبليّين.
إحدى هذه الثوابت هي أنّ مسيحييّ لبنان "جديرون بالحياة والاستمرار،
فهم أظهروا أنّهم شعب صلب، لا يؤكل بسهولة، ولن يؤكل بسهولة. وهم
أظهروا أنّهم شعب مناضل، لا يمكن إسقاطه من الحسابات والمعادلات، ليس
في لبنان فحسب بل في الشرق الأوسط ككلّ".
("الوطن
العربي " -24/1/1992).
والثابتة الثانية التي تكّون الطرف المقابل من معادلة الوجود المسيحي
في لبنان، هي معاناته التاريخيّة في وجه كلّ أصناف الاضطهاد، ودفاعاً
عن شخصيّته، وصوناً لمقوّماتها الدينيّة والإنسانيّة.
وهي معاناة، نلاحظ حرص سمير جعجع على حفرها في ذاكرته، مع أمنية أن
لا ينسى حقائقها المسيحيّون اللبنانيّون، لتكون حافزاً أساسيّاً لعمل
دؤوب من أجل وضع حدّ لها.
ويبدو ذلك في وصفه الدراميّ والدقيق لمأساة الجبل، إذ يقول عند
احتدام المعارك على محور صوفر - بحمدون: "تلك الساعات الصعبة، ذكّرت
بكلّ صعوبات التاريخ، وكم عاند الأجداد، وكم طحنوا صخور الجبل، وكم
طحنتهم. وفي مثل هذه الساعات، يتذكّر اللبنانيّ سوء الحظّ الذي يطارد
وطنه وشعبه، وهذا القدر الذي يرخي بثقله على جيل يسقط هنا وهناك، بدل
أن يعيش هنا وهناك". وفي النصّ، تعميم لهذه المأساة، يشمل كلّ
أطرافها اللبنانيّين، من واقع وجوب أن ينحوا منحى السلم في إنقاذ
الوجود وضمان المستقبل. ويتابع: "في تلك الساعات، مرّت في بالي
تواريخ الجبل وأحداث 1860 كشريط تلفزيونيّ سريع (…) تلك المشاهد لا
تغيب عن القلب ولا الذاكرة. رؤية الناس وهم يُقتَلعون من قراهم
ويتركون جنى العمر والأرض التي أحبّوا. تلك المشاهد كانت تحمل كلّ
تاريخ لبنان، وكلّ ما في ذلك التاريخ. نساء وعجزة وأطفال يُهجّرون من
الأماكن التي عاشوا فيها واختلطت أيّامهم بترابها. ذاكرة التاريخ لا
تُنسى، وحكمه سيكون مبرما"ً. ("الديار
" – "الشرق الوسط " - 10/12/1990).
ومن ثمّ هذه اللوحة الأكثر تعبيراً:
"للحقيقة، تأثّرت جدّاً، عندما رأيت الشيوخ والنساء والأطفال وهم
يغادرون منازلهم ويتوجّهون إلى دير القمر. في تلك اللحظات، مرّ في
ذهني كلّ تاريخ المسيحيّين في هذا البلد، من 1975 إلى 1958 إلى 1943
إلى 1926 إلى 1840 و1305. لن يغيب عن بالي، طالما حييت، منظر مسيحيّي
الجبل وهم يتركون قراهم وبيوتهم متوجّهين نحو دير القمر زرافات
زرافات، على الطرق، تحت القصف، سيراً على الأقدام، كلّ رجل ومعه
زوجته وأولاده، والعُجّز، وبحالة يرثى لها، وهو يحمل ولداً على كتفه
وآخر على ظهره".
"بعد هذا أدركت أكثر عمق مأساة المسيحيّين في الشرق، وأصبحت أكثر
تصميماً على الالتزام بوقف هذه المأساة، مهما كلّف الأمر". ("النهار
العربي والدولي" - 25/6، 1/7/1984).
المسيحيّة
ما هي المسيحيّة عند سمير جعجع؟
إنّها من حيث المبدأ غالبة في خطابه السياسيّ. فهو يعود إليها
دائماً. يستشهد بها. يدعو إلى العمل بموجب تعاليمها. يؤمن بأنّها
المنارة الهادية. لكنّه، في كلّ ذلك، يملك نظرة متحرّكة لها، تدخل في
إطار نظرته الفكريّة العامّة.
فلدى سؤاله عن تطلّعات له، يساريّة، تقدّميّة، اشتراكيّة مسيحيّة،
أجاب: "سمّها ما تريد، لأنّ في نهاية المطاف، النفحة الثوريّة
المسيحيّة هي النفحة الثوريّة الأمّ، والتي منها جاءت كلّ النفحات
الأخرى (…) لا يمكنك أن تكون مسيحيّاً حقيقيّاً، إذا بقي هناك إنسان
واحد في نيوزيلندا لا يملك مسكناً. هذه هي المسيحيّة الحقيقيّة".
"هل تعرف أنّ المسيحيّة الحقّ هي التزام جدّي، واع، وكلّي بالإنسان
والمجتمع، بالكون والتاريخ"؟
"أين نحن من هذه المسيحيّة الحقّ؟ وبماذا نحن في هذا المجتمع
ملتزمون"؟
"بالجهل. بالعقم. بالفساد. باللاأخلاق. بالسطحيّة. بالأنانيّة.
بالقبليّة. بالمادة. بالعدم".
"سألتني من قليل عن التغيّرات المطلوبة. هذا هو المطلوب فعلاً. ومن
له أذنان فليسمع".
أمّا شعاره في هذا النضال، فهو: "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على
الأرض". ("النهار
العربي والدولي " - 25/6 و 1/7/1984).
والمسيحيّة، بما هي التزام تامّ وشموليّ، تقود صاحبها بداهة إلى
التصوّف، إنما تصوّف الحال الروحية اليقظة، والساعية، والمترقّية:
"التصوّف بالجوهر هو الأهمّ، هذا أكيد، التصوّف بالجوهر يُقصَد به
الإنسان الذي يتمتّع بمجموعة قيم ومبادئ، ولا يدع نفسه تحيد، في أيّ
وقت من الأوقات، ولو شعرة عن مجموعة هذه القيم والمبادئ، ويُجيِّر
كلّ أعماله وخطواته في حياته اليوميّة وفي حياته الشخصيّة وباستمرار،
باتجاه المبادئ العامّة. أي أنّه يتحتّم على الشخص أن يكون منسجماً
مع نفسه، ومع خلفيّاته، ومع فلسفته، ومع فكره الدينيّ، ومع تاريخه
ومستقبله. ليس هو شخصاً يكون في الصباح شيئاً، وعند الظهر شيئاً، وفي
المساء شيئاً آخر". ("الوطن
العربي " - 3/1/1992).
ويتطلّب ذلك وعياً إنسانياً مستمرّاً داخل المجتمع: "في إطار الحياة
العامّة، التنسّك والتصوّف يُفترَض أن يكونا بالنسبة إلى الإنسان
عمليّة وعي مستمرّ لكلّ القيم العليا، وعليه تطبيقها في كلّ لحظة من
حياته".
(المصدر نفسه).
وتصبح الصومعة حقيقة قائمة في الوجدان، في القلب، في العقل، ومترجمة
في ما ينتج الثلاثة من أعمال تتبَّدى خلاصة موزّعة بين مسائل الشأن
العام والحال الإيمانيّـــة:
"من المؤكّد أنّ بإمكان الفرد أن يكون مسيحيّاً ملتزماً حتّى
النهاية، وفي الوقت ذاته يخوض غمار الشأن العام، ويعرف أين يميّز بين
قوانين وشروط لعبة الشأن العام (…) وبين حدود ومعايير الوصايا
السماويّة وأطر تطبيقها وتنفيذها، وعليه أن يظلّ واعياً للحالتين".
(المصدر
نفسه).
ومن تلك المعادلة، حقّك بالدفاع عن نفسك: "من الأكيد أنّه يحقّ لك
وأنت تدافع عن نفسك، للأسف، أن تقتل مائة قتيل. بينما لا يحقّ لك،
لغاية تتعلّق بك شخصيّاً، أن تدوس على نملة. إذاً، الأمر مرتبط
بالغاية والمرامي والأبعاد". ("المصدر
نفسه").
وهو حقّ لا يكرّس القتل مبدأ طبيعيّاً عامّاً، لكنّه يسمو بموضوع
الالتزام المسيحيّ المجتمعيّ. "قصّة "لا تقتل" في الإطار المطروحة
فيه، شيء، وموضوع الالتزام بمجتمعك وحمل السلاح دفاعاً عنه، شيء آخر.
أنا أعتبر ذلك أسمى درجات الالتزام المسيحيّ". (المصدر
نفسه).
بهذا المفهوم:
"المسيحيّة، يا صديقي، مشروع قيد التنفيذ (…) المسيحيّة مشروع حلّ
(…) المسيحيّة هي مشروع حلّ على مستوى الكون كلّه، وعلى مستوى
البشريّة (…) المسيحيّة مشروع للحلّ، الشغل فيـه مستمرّ، ويلزمـه
آلاف السنيـن".("النهار
" - 14/2/1992).
ويعترف سمير جعجع هنا بأنّ ألفي سنة من التاريخ المسيحيّ، لم تسفر عن
وضع المسيحيّة على سكّة الترجمة المطلوبة: "نحن نستعير اسم المسيح
على شكل يافطة (…) إنّ العالم يضمّ أشخاصاً مسيحيّين، ولا يضمّ
مجتمعاً مسيحيّاً بالمعنى الإيمانيّ-اللاهوتيّ، لا بالمعنى
السوسيولوجيّ". (المصدر
نفسه).
أي أنّه ليس مجتمعاً ملتزماً بفروض المسيحيّة الإيمانيّة في النصّ
والممارسة.
أمّا السبب الأساسيّ لتأخير نموّ الحال المسيحيّة كما يجب، فهو
الإغراق في شؤون المادة الموغلة في الشرّ لدى البشر:
"أكبر كارثة تصيب البشريّة، هي لحظة يبدأ الإنسان يراقب إنساناً آخر
(…) الطبيعة البشريّة كلّها شرّ، وعلى قدر نضوج عقل الإنسان، واستواء
إيمانه، يستطيع الإنسان أن يسيطر على الطبيعة البشريّة (…) ليس
المقصود أن لا يكون معك عشرة ليرات، المقصود أن لا تنغمس في لعبة
المادة". (المصدر
نفسه).
وأمّا قاعدة التحرّر من "لعبة المادة"، فهي الالتزام الإنسانيّ
بالآخر: "إنّ العنوان الرئيسيّ للمسيحيّ هو الالتزام الكامل بكلّ
شيء. المسيحيّ هو الذي يُفكّر في مشاغل وانهماكات لمجتمعه ووطنه،
وحتّى للعالم ككلّ، وصولاً حتّى إلى مشكلته الإنسانيـّـة الخاصّة (…)
المسيحيّ الحقيقيّ هو الملتزم بالإنسان على جميع مستوياته (…) إنّ
الإنسان الملتزم بالإنسان، بأخيه الإنسان غير المسيحيّ، والذي يتصرّف
في شكل غير مسيحيّ، أفضل من الإنسان المتمسّك بأهداب الدين، والذي
يمضي أوقاته في الكنيسة، ولا يعمل شيئاً للبشريّة (…) الإنسان الصالح
هو الذي يرى الفقير فيساعده، ويقدّم الدعم لكلّ المشاريع والأعمال
الإنسانيّة". (المصدر
نفسه).
ويعتبر هذا الالتزام مدخلاً إلى عالم المسيح الكونيّ: "كمسيحيّين،
دورنا ومشروعنا أن نستأصل حالة الغابة، أن نرتفع بالمستوى الحاليّ
إلى الأصل التكوينيّ، إلى الرسالة الأساسيّة المنوجدة في "الأبانا"
(…) يجب أن نحّول الأرض إلى سماء".
(المصدر
نفسه).
ومن أجل الوصول إلى هذا العالم، ثمّة ركيزتان:
-
-
المسيحيّة
-
-
المعرفة العلميّة
إنّ البشريّة تعاني مشاكل ومصائب كبيرة، والحلّ المناسب يتشكّل من
جزأين:
"الجزء الأوّل يتكّون من الروح الإطلاقيّة المسيحيّة، بدونها يصعب
إيجاد أيّ حلّ على الأرض".
"الجزء الثاني يوازي الأوّل أهمّيـة، ويتكـّون من العلم والمعرفة". (المصدر
نفسه).
ففي هذا المنظور، "لا تضارب بين الإيمان والعلم. ليس عندنا سلاح
راهناً إلاّ سلاح الإيمان"، و"في استطاعة العلم حلّ كلّ المشاكل
المنوجدة عند البشريّة، مع اقتران ذلك بالأخلاقيّة المسيحيّة. بدون
ذلك، نصبح بلا هدف، ويتكاثر الخطر علينا". (المصدر
نفسه).
ويشير سمير جعجع إلى وجود إثباتات على قوله، حيث هناك مسيحيّة، ولا
سيّما في الغرب، من دون أن يعني ذلك أنّ هذه الإثباتات مثال كامل
للمواصفات المسيحيّة: "حيث انوجدت المسيحيّة، بدأت العلاقات بين
البشر تتلطّف (…) إنّ أفضل ترجمة للفكر المسيحيّ، هي التجربة
الغربيّة، باستثناء بعض جوانبها اللاإيمانيّة، اللاإلتزاميّة،
واللاإنسانيّة". (المصدر
نفسه).
وهو يُرجِع سبب تبلبل المشروع المسيحيّ إلى خلوّه من الفكر السياسيّ
والاجتماعــيّ: "الثغرة الرئيسيّة في المسيحيّة هي أنّ الفكر
المسيحيّ لم يترجم بعد إلى فكر سياسيّ واجتماعيّ واضح المعاني"، فيما
المطلوب من المسيحيّة "أن توجّه التاريخ، وأن تعطي التاريخ معناه
ومضمونه الإنسانيّين المسيحيّين". (المصدر
نفسه).
ويُشرح ذلك بالمقارنة بالفكر الإسلامي: "إذا كانت المشكلة مع الفكر
المسيحيّ تكمن في عدم تحديده لعلاقته بالتاريخ، فإنّ المشكلة مع
الفكر الإسلاميّ معكوسة، إذ حدّد هذا الفكر علاقته بالتاريخ في شكل
جامد، وصلب، وغير متحرّك، على خلاف طبيعة التاريخ". (المصدر
نفسه).
في هذا الإطار الهائل المسؤوليّة وغير المتناهي الحجم، يقع الالتزام
المسيحيّ اللبنانيّ، وبه يكون خلاص المسيحيّين اللبنانيّين:
"الالتزام بإنسان هذا المجتمع (…) إذا قمنا بذلك، يكون مسيحيّو لبنان
قد بدأوا الخطوة الأولى على طريق الألف مليار ميل، في اتجاه المسيرة
الكونيّة المسيحيّة التي نؤمن بها. هذا ما أعتبره مشروعي في شكل
عامّ". (المصدر
نفسه).
ولبكركي دور محورّي في ذلك: "بكركي هي رمز الكنيسة اللبنانيّة. ومن
هذا المنطلق، لها دور كبير على المستوى الوطنيّ العامّ، وأهمّ من
هذا، على المستوى الدينيّ والفكريّ والثقافيّ والأخلاقيّ
والإجتماعيّ". ("الوطن
العربي
").
هذا، على أن تكون الكنيسة اللبنانيّة كنيسة ميدانيّة في خدمة المشروع
المسيحيّ في لبنان، كما على الأصعدة الأكثر شمولاً: "أنا لست ضدّ
مبدأ أراض للكنيسة، لكنّني ضدّ عدم استخدام هذه الأراضي بغية
استثمارها". ("النهار
" - 14/2/1992).
المستقبل المسيحيّ اللبنانيّ:
"قضيّتنا هي الأهمّ، ولها الأولويّة".("النهار
العربي والدولي" - 25/6/، 1/7/1984).
على المسيحيّين الاختيار بين الهامشيّة والريادة: "لم يبق أمام
المسيحيّين في لبنان إلاّ واحد من أمرين: أن يعيشوا ككائنات
بيولوجيّة، من دون أيّ أبعاد تاريخيّة، دينيّة، فلسفيّة، وسياسيّة …
أو أن يعيشوا كأشخاص في مجتمع عادل، يحمل في طيّاته كلّ القيم
المسيحيّة والإنسانيّة، كلّ خصوصيّاتنا الحضاريّة والتاريخيّة، وكلّ
ما يلزم من الجغرافيا".("العمل
" -/1/1984).
والحاجة إلى التشكّل المسيحيّ الحضاريّ والجغرافيّ المتميّز، نابعة
من أنّ "مشكلة المسيحيّين هي مشكلة المسيحيّين، إن في بشرّي، أو في
دير الأحمر، أو في بحمدون، أو في دير القمر". ("النهار
العربي والدولي" - 25/6/،1/7/1984).
لذلك، "فإنّ حدود المجتمع المسيحيّ هي حدود مناطق وجود المسيحيّين،
أينما كان لبنان". ("الوطن
العربي" - 1/1/1992).
أمّا مبرّر هذه الحاجة، فهي أمنيّة قبل كلّ شيء:
"أزمتنا التاريخيّة أنّ أمننا كان مهدّداً على مرّ العصور، وحرّياتنا
منتقصة. ولم يكن في إمكاننا أن نحقّق ذاتنا بالشكل الذي نتمنّى (…)
لم يعد من المفروض أن يبقى المسيحيّون "كرماً على درب"، مهما كان
الثمن. فحيناً المماليك، وحيناً آخر العثمانيّون، وإذا مات عبد
الناصر تحترق شوارع بيروت، وإذا خسِرت الثورة الفلسطينيّة "شهيداً "
تقوم القيامة".
"من هنا، يجب أن يكون أمننا في لبنان بشكل ثابت ونهائي. هذا هو الهدف
الاستراتيجيّ الذي علينا أن نعمل له".
("لنهار
العربي والدولي" - 25/6، 1/7/1984).
والأمن "أتصورّه من خلال أمور كثيرة، تبدأ بلا-مركزيّة أمنيّة مرتكزة
على قوّة مسيحيّة ذاتيّة". (المصدر
نفسه).
والمسألة هنا تعادل الوجود: "إيّاكم أن تفكّروا أنّنا نستطيع أن نصل
في وقت من الأوقات إلى تامين وجودنا في الشرق بتفاهم سياسيّ فقط، هذا
ليس ممكناً، ما لم تدعمه قوّة ذاتيّة".
(المصدر نفسه).
فـ "وحده المسيحيّ القويّ قادر على الحرب، إذا اقتضى الأمر، وقادر
على السلام، إذا توافرت شروطه". ("وكالة
الأنباء الصحافية" - 9/3/1985).
ولأنّ "أمن المجتمع المسيحيّ فوق أيّ اعتبار"، وجب صبّ جهد عقليّ
كبير لتأمين ديمومته: "وحده المشروع السياسيّ الواضح والصريح يجعلنا
نسير على هدى، ونرسم في ضوئه إستراتيجيّة سياسيّة عسكريّة واضحة،
ونُحدّد الحلفاء والأعداء، ونبني المواقف وخطط العمل (…) وحدة
المسيحيّين تشترط وجود رؤية وإستراتيجيّة وخطّة عمل واحدة يعمل في
إطارها الجميع". ("وكالة
الأنباء الصحافية " -9/3/1985).
وسوى ذلك يعني التفكّك: "إنّ عدم وضوح الرؤية، والبلبلة المعنويّة
والأخلاقيّة، يفكّكان مجتمعنا".
(المصدر
نفسه).
لقد بات على المسيحيّين اللبنانيّين خصوصاً، الخروج من الشرنقة
الضيّقة للمفاهيم الدينيّة المسيحيّة: "لم يعد باستطاعتهم أن يكونوا
مسيحيّين، انطلاقاً من سرّ العماد أو الطقوس الدينيّة المتعلّقة
بالزواج. صاروا بحاجة إلى معنى فكريّ واضح لحياتهم المسيحيّة، وصاروا
بحاجة إلى ربط دقيق وواضح وعمليّ ومتطوّر لفكرهم اليوميّ والاجتماعيّ
والسياسيّ بفكرهم الدينيّ. وهذا ما تمكّن تيار دو شاردان، من بين
القلائل من المفكّرين المسيحيّين من تحقيقه".
("الوطن العربي" - 3/1/1992).
وينبغي رفض السلام اللبنانيّ، إذا لم يؤمّن تحقيق هذا المسار: "لن
تنتهي هذه الحرب، ونحن، كمسحيّين ومن منظار مسيحيّ، علينا أن لا نقبل
أن تنتهي، قبل تحقيق كامل العدالة والمساواة لكلّ أفراد مجتمعنا:
المدرسة ليست منحة أو منّة، بل واجب. والمستشفى ليس من الكماليّات،
بل من الضروريّات لكلّ فرد. والسكن لا يجوز أن يبقى سلعة استهلاكيّة…
والعمل يجب أن يؤمّن لكلّ من يريد أن يعمل… وإلاّ انهار مجتمعنا من
الداخل".
("النهار العربي والدولي" - 26/6، 1/7/1984).
وهذا السلام لا يتحقّق في أيّ حال، والمسيحيّون اللبنانيّون
مفكَّكون:
"إنّ الاتفاق المسيحيّ هو السبيل الوحيد إلى الوفاق اللبنانيّ".
(خطاب "يوم المقاومة" - 26/11/1989).
ويقودنا هذا الطرح إلى محاولة التعرّف إلى الفكر السياسيّ في الخطاب
السياسيّ لدى سمير جعجع.
الفكر السياسيّ:
الفكر السياسيّ هو "بحث في حقيقة المجتمع، وفي الأبعاد المحيطة به،
على كلّ المستويات وفي كلّ المجالات، وفي المخاطر المحدقة بالمجتمع
والقضيّة".
(في
الدورة الثالثة من مركز الإنماء السياسي - "النهار" - 26/5/1992).
والحركة السياسيّة لا تقوم إلاّ بالفكر: "لكي تنشئ حركة سياسيّة،
عليك أن تقبض على الفكر".
("النهار" - 14/2/1992).
والقضيّة السياسيّة المسيحيّة تبقى في الأساس نُشداناً للمعرفة
بحقائق المجتمع السياسيّ: "فكر القضيّة يبدأ بشكل عامّ في فهم
الإسلام، وفهم مجتمعنا، والتعمّق في تاريخ لبنان، والغوص في أسباب
الأحداث المعاصرة، وتلك التي نعيشها منذ الخمسينات".
(في
الدورة الثالثة من مركز الإنماء السياسي - 26/ 5/ 1992).
وقد ظهر تميزّه في طريقة الإقبال على المعرفة:
"من أولى مراحل عمري، حتّى سنوات الجامعة، كانت قراءاتي موزّعة 20 في
المائة للبرنامج المدرسيّ، و 80 في المائة مطالعات لا علاقة لها بذلك
البرنامج".
(المصدر نفسه).
وباكراً أيضاً، ظهر اهتمامه بالشأن العام: "اهتماماتي بالشأن العام
أو بالعمل السياسيّ بدأت باكراً".
(المصدر
نفسه).
وفي ذكرياته احتكاك بكبار من رجال الفكر المسيحيّ:
"أكثر ما يحضرني الآن هو حبّي للتردّد إلى مجالس شارل مالك ، والأب
ميشال حايك".
(المصدر
نفسه).
وفي نهج كهذا تعزيز لترصُّن العقل، وتجوهره بقيم المسيحيّة،
على حساب الفولكلوريّة الغالبة:
"الأرزة... السنديانة لا تعني لي شيئاًَ، بينما لبنان الإنسان، لبنان
القيم، يعني لي الكثير". (المصدر
نفسه)...
أي تعزيز للصدق الكامل مع الـذات، في الفكـر والعمل: "إنّ أيّ عمل
أرغب في القيام به، عليه أن يكون منسجماً مع كلّ الخلفيّة الفكريّة
التي أؤمن بها". (المصدر
نفسه).
ومخالفة القواعد الآنفة تُعتبر تهديداً لها في واقعنا، سواء على صعيد
المسؤولين السياسيّين أو الشعب:
"إنّ أيّ مسؤول سياسيّ، على مستوى معيّن، لا يملك الحدّ الأدنى من
الوعي والإيمان الفكريّ، يشكّل كارثة (…) إنّ الشعب اللبنانيّ يعاني
حالة إحباط من عجز الكلّ عن تحقيق ذواتهم، حتّى على مستوى الفرد
الواحد… لا المسيحي بقادر على تحقيق ذاته، ولا المسلم في إمكانه
إنجاز هذا التحقيق (…) على أنّ الشخص العاجز عن تحقيق أيّ من ذواته،
هو شخص غير جدّي". (المصدر نفسه). "أنت منشطر بين ما تتعلّمه في
المدرسة، وبين ما تكتسبه في البيت، لهذا يتحوّل إنساننا إلى خارج
التاريخ". (المصدر
نفسه).
ولا يتوقّف سمير جعجع، ردّاً على هذا الواقع، عن الترداد أنّ
"الإنسان هو في النهاية كلّ القضيّة وأساسها"، وأنّ "الهدف الأساسيّ
هو الالتزام بالإنسان"، و"وجود الإنسان على الأرض مشروط بالتزامه
بأخيه الإنسان".
(المصدر
نفسه).
وفي أكثر من مبرّر لصيانة الإنسان عندنا، "لم يعد مسموحاً أن يُضحّي
فرد في مجتمعنا بحياته من أجل قضيّة لا يدركها من كلّ جوانبها وفي
كلّ أبعادها"،
("الديار " -
"الشرق الأوسط " - 19/12/1990)،
خصوصاً وأنّ أحد احتمالات الحياة لديه، يبقى التضحية بهذه الحياة،
حفاظاً على قيمتها بالذات: "لا يعقل أن يكون هناك أشخاص مستعدّين
للموت في سبيل لا شيء".
(في
الدورة الثالثة من مركز الإنماء السياسي - 26/5/1992).
ما هي إذاً المناخات والركائز والأدوات التي يتحرّك الفكر، عموماً،
في ظلّها وعليها وبها؟
الحرّية، في البدء:
"هدفنا إعطاء الحرّية لكلّ البشر، وأن نطلق كلّ الحرّيات لكلّ
الطاقات البشريّة، انسجاماً مع الواقع الطبيعيّ والبشريّ".
("النهار " - 14/2/1991).
يليها الحوار:
"الحوار عمليّة لا تنقطع، ويجب أن لا تنقطع في أيّ لحظة".
(المصدر
نفسه).
وركيزة الحوار الجدليّة: "الجدليّة أهمّ ظاهرة خلال مسار التاريخ
والحياة، والذي يجهل الجدليّة، لا يفهم الكثير من حقائق الوجود".
(المصدر نفسه).
والجدليّة العلميّـة: "بالعلم نحصّل الفكر".
(في الدورة الثالثة من مركز الإنماء السياسي -
c"
-
26/5/1992).
وهي جدليّة إختباريّة أساساً: "إنّ كلّ شيء طرحه الإنسان على الأرض،
يتضمّن في طيّاته جزءاً من الحقيقة، أي ليس بإمكانك تصّور شيء غير
موجود". ("النهار"
- 14/2/1991).
"الفكر ينمو ويتجوهر بالممارسة، في الغرف منه. وعلينا تشجيع أولادنا
على تحصيله، حتّى يصبح هذا الهمّ جزءاً من تراثنا الاجتماعيّ
والتاريخيّ".
(في الدورة الثالثة من مركز الإنماء السياسي - "النهار" -
26/5/1992).
انطلاقاً من الحرّية والحوار والجدلّية، احترام فكر الآخر واجب، حتّى
ولو كان عنصراً في القوّات اللبنانيّة، شرط إيمانه بقواعدها
الرئيسيّة: "العنصر الذي يرغب في الانتساب إلى القوّات اللبنانيّة،
يملك حرّية الإيمان أو عدم الإيمان بهذا الفكر. ليس لنا عليه شيء.
والأساس أو المهمّ أن يؤمن بالمقاومة، وبلبنان سيّد ومستقلّ، وبنظام
جديد متحضّـر".
("النهار " - 14/2/1991).
على أنّ الإنسان ملزم أخلاقيّاً حيال نفسه أوّلاً، وفي محيطه ثانياً،
بالمحافظة على حركيّة الفكر لديه، بواسطة تحكمّه بوعيه:
"من الضروري أن تستمرّ قابضاً على وعيك لكي تبقى العمليّة الجدليّة
قائمة، دون أن تطغى الظروف العمليّة واليوميّة على فكرك الأساسيّ،
ودون أن يؤدّي فكرك الأساسيّ إلى شلّ حركتك في شكل نهائيّ".
(المصدر
نفسه).
ويعطي سمير جعجع مثالاً على ذلك، موضوع القتـل في الحرب:
"واحدة من النقاط التي ملكت على تفكيري، وأخذت الكثير من وقتي مع
بداية هذه الحرب، هي التالية: هل يحقّ للإنسان أن يقتل إنساناً في
حقل المعركة"؟.
(المصدر نفسه).
وهو يرى، استناداً إلى المقوّمات الفكريّة التي بيّنا، أنّ "الإنسان
ماكينة بيولوجيّة (…) وإلى هـذا التاريـخ، فإنّ سيطـرة العقـل نسبيّة
جدّاً، وضعيفة جدّاً، على هذا الآلة".
(المصدر
نفسه).
والمطلوب "إقامة نـوع من التوازن بين العقـل والآلـة البيولوجيّة"،
و"دورنا (كفلاسفة أو مفكّرين) دوزنة عمل هذه الماكينة البيولوجيّة،
لكي تسير وفق ترتيب معيّن، وفي الاتجاه الذي نريد".
(المصدر
نفسه).
ولأنّ هناك "أجيالاً لا تستخدم طاقاتها كما يجـب"، ويعتبـر ذلك
"كارثـة بشـريّة"،
("النهار"- 14/2/1991)،
ولأنّ "الترجمة الأرضيّة لفلسفة (معيّنة)، أو للفلسفات، ما زالت في
بداياتها"،
("النهار" - 14/2/1991)،
"على البشر تسريع العمليّة" (الترجمة)، خصوصاً أنّ "الإنسان يطمح إلى
نوعيّات جديدة".
(المصدر
نفسه).
ويؤكّد سمير جعجع هنا أنّ "على الإنسان المواءمة بين معرفته للأرض
وللقرية، وبين معطيات العلم (…) لازم أن نعطي العلم كلّ مداه. والذي
يجب أن تخاف منه هو البطء في وتيرة وعينا".
(المصدر نفسه).
وهو يقترح تسريع عمليّة الوعي "بربط الفكر الاجتماعيّ-السياسيّ،
بمعناه الأوسع والأكثر شمولاً بالفكر الدينيّ".
(المصدر
نفسه).
ويتحقّق ذلك بثورة العلم وفق الرسالة المسيحيّة:
"يجب حلّ مشكلة الكيانات على الأرض، عبر ثورة العلم لا الفتح. إنّ
ثورة العلم والمعرفة الحقيقيّة هي التي تحقّق مجتمع المساواة
الفعليّ، مجتمع التقدّم، مجتمع التطوّر، مجتمع تؤمّن فيه الخدمات
الإنسانيّة الممزوجة بالأخلاقيّة المسيحيّة".
("النهار" - 14/2/1990).
وفي هذا السياق، "هناك بوادر مشجّعة آتية من الغرب"، ذلك أنّ "النظام
الغربيّ أخذ بالطبيعة البشريّة التي جرى الكلام حولها، وترك حرّية
المبادرة دون قيــود"، فيما "النظام الماركسيّ لم يأخذ بهذه الطبيعة
البشريّة". أمّا الشرق الأوسط، فهو "يعادي التاريخ، وهذا تعبير عن
مأزق في مسار التاريخ...". لذا، "رأيي هو إعطاء حرّية المبادرة
للجميع، لكي نكون عادلين حقيقيّين. منح الحرّية والمبادرة للجميع،
حتّى تسيطر العدالة، وتكون سلطتها فوق كلّ المجتمع".
(المصدر
نفسه).
وفي الانتقال إلى التطبيق ، نقرأ عند سمير جعجع مفهومه للسياسة.
السياســـة
السياسة واجبة الوجود بالحرّية، لاستمرار الحياة وترقّيها:
"إذا لم تعد المعارضة السياسيّة مفيدة، فلا أحد يعرف متى تبدأ
المعارضة غير السياسيّة".
("اللواء " - 9/7/1992).
وتخضع السياسة لمبدأ الثابت والمتحوّل، ولها حركيّة التأثّر
والتأثير: "عدا الثوابت والمبادئ، في السياسة لا شيء جامداً وثابتاً،
إنّما كلّ شيء قابـــل للحركة".
("العمل"
- 1/9/1988).
"في السياسة، لا يوجد شيء محجَّر ومجمَّد".
("اللواء" -
9/7/1992)،
"إنّ السياسة حركة ومراحل".
(بيان
الترشيح لرئاسة الكتائب - 3/6/1992).
وللسياسة قوانينها: "إذا كنت تتعاطى الشأن العام وتتعاطى السياسة،
فعليك أن تتعاطى السياسة وفق قوانين السياسة".
("الوطن
العربي" - 3/1/1991).
وينبغي معرفة سبل الوصول إلى تحقيق الغايات منها: "لا يكفي أن تتعرّف
إلى قضيّتك فقط، إنّما يجب أن تعرف أيضاً كيف تصل إلى تحقيق أهداف
هذه القضيّة". (في
الدورة الثالثة من مركز الإنماء السياسي - 26/5/1992).
"مع الفكر ومع معرفة المشكلة (…) علينا أن نعرف طريقة حلّها".
(المصدر
نفسه).
"علينا أن نعرف كيف نصنع الاستراتيجيّات، و(كيفيّة) اتباع التكتيكات
العائدة إلى كلّ مرحلة من المراحل، لكي ينجح مشروعنـا".
(المصدر
نفسه).
ويقتضي ذلك اعتماد الجدّية: "يجب أن نبدأ بأن نكون جدّيين، فالتاريخ
لا يرحـم". ("العمل"
- 28/1/1988).
و"اللبنانيّون إتكاليّون كثيراً. نريد أن يقوم غيرنا عنّا بالعمل".
("الديار" - 1/10/1988.
كما يقتضي ذلك الاهتداء بالمبادئ العليا وبالعدل: "نحن في السياسة،
علينا أن ننطلق من مبادئ عُليا. وكما نحن نطالب بحقوقنا وحرّيتنا،
فمن المنطلق نفسه، المجموعات الأخرى يجب أن نعترف لها بحقوقها
وبحرّياتها". ("النهار
العربي والدولي - 25/6، 1/7/1984).
وتبرز هنا مرتبة السياسة الكبرى في أيّ مجتمع، خلافاً لمجتمعنا:
"السياسة أوّلاً. السياسة التي تكون في ممارسة الشأن العام أوّلاً،
ومن ثمّ الثقافة والاقتصاد والاجتماع.. الخ. وليس كما يمارسها
السياسيّون عندنا".
("العمل" - 24/3/1988).
فنحن "تعوّدنا على خطاب سياسيّ معيّن، نطرح فيه الأشياء أكبر بكثير
ممّا هي عليه. وفي كثير من الأوقات، نغلط ونكذِّب النتائج ونقفز فوق
الواقع، ممّا يؤدّي بنا إلى استنتاجات خاطئة. اخترعنا الأبجديّة،
وصدرّنا الثقافة والحضارة إلى العالم، حتّى وصل العالم إلى القمر،
وما زلنا لا نعرف أن نرتّب أبسط أمورنا".
("العمل
" - 28/1/1988).
لذا، "جزء كبير من الأزمة اللبنانيّة، وجزء كبير من الدمار والخراب
الذي لحق بمجتمعنا ووطننا، مسؤول عنهما غياب الفكر السياسيّ عند
أكثريّة المتعاطين بالشأن العام، باستثناء بعض العقائديّين".
(في
الدورة الثالثة من مركز الإنماء السياسي - 26/5/1992).
"مشكلتنا سياسيّة، وناجمة عن (…) الطريقة التي اتبعناها في فبركة
دولتنا وصيغتنا السياسيّة، منذ 1943، ممّا أدّى إلى غياب الدولة".
("العمل" - 24/3/1988).
"أعزو التردّي الحاصل والأزمات المتكرّرة إلى بناء الدولة على صيغة
غير علميّة".
(المصدر نفسه).
"علينا التفكير بصيغة سياسيّة، تبنى على أساسها دولـة تصمد في وجـه
أيّ أزمة تواجهها".
(المصدر
نفسه).
وقد قدّمت التجربة الخاصة مزيداً من البراهين على التخلّف السياسيّ
اللبنانيّ: "ما أعطتني إيّاه تجربة دير القمر، أنّنا لم نزل على
تخلّف كبير على صعيد الممارسة السياسيّة، وخصوصاً على المستوى
الاستراتيجيّ (…) هناك فقط تكتيك، وفي أكثر الأحيان، مبتذل وخاطئ.
وهذا ما أدّى إلى استمرار أزمة المسيحيّين التاريخيّة حتّى اليوم.
بات لزاماً علينا أن نجد حلاّ تاريخيّاً لهذه الأزمة التاريخيّة".
("النهار العربي والدولي" - 25/6، 1/7/1984).
ففي العمل السياسيّ على المستوى الاستراتيجيّ، "لماذا كلّ الدول
تتمكّن من إقامـة تحالفـات مع بعضها البعض، وليس هنـاك سوانـا مَن لا
يستطيع التحالف مع أحد"؟
(المصدر
نفسه).
وبناءً على ذلك، "من غير المقبول والمعقول أن تستمرّ الممارسة
السياسيّة الحاليّة التي تفتقد إلى الحدّ الأدنى من المصداقيّة
والجدّية… ومن المؤسف أنّ الأكثريّة الساحقة من السياسيّين الذين
يوزّعون التصريحات ويتعاطون الأزمة ويفاوضون ويقررّون ويخططّون،
الأكثريّة الساحقة لا تعرف ما الذي يحصل".
(المصدر نفسه).
زد أنّ على صعيد ممارستنا السياسيّة / الاجتماعيّة، "التخلّف يصل إلى
حدّه الأقصى. التخطيط معدوم. والرؤية معدومة. والتنظيم مفقود.
والمسؤوليّة ضائعة. والإدارة سائبة. والمراقبة غائبة … فلا أحد يخاف
أحداً، وكلّهم يخيفون المواطن المسكين… الخطيئة الرئيسيّة أنّ مفهوم
الخدمات الاجتماعيّة أو العدل الاجتماعيّ لا مكان له عندنا".
(المصدر
نفسه).
إنّما ما العمل، و"هناك بعض الناس الذين لا يحبّون الحسابات ولا
يحبّون الدقّة. يحبّون "التهوشل"، يحبّون التزمير. من هذا المنطلق،
هناك أناس معنا وهناك أناس ضدّنا".
("الوطن
العربي" - 17/1/1992).
العمل هو رفض هذه "المدرسة"، والتوجّه إلى التغيير وفق القناعات
والإمكانات والظروف: "إنّ شيوع الاستهتار، وفصل العمل السياسيّ عن
الأخلاق، لا يعنيان أنّ علينا أن نندفع للانخراط في هذه المدرسة. (…)
سياسة الدكاكين مأساة. السياسة بمعنى البناء والتغيير شيء آخر
تماماً".
("الديار" - "الشرق الأوسط" - 3/12/1990).
السياسة بمعنى العلم قبل القول بالبناء والتغيير: "وأنا أسأل: لماذا
إذا أراد أحدنا أن يصبح مهندساً، يدرس أربع أو خمس سنوات، وبعدها
يمارس (المهنة) سنتين أو ثلاثاً، لكي يحقّ له عندئذ أن يدير ورشة
صغيرة، بينما مَن يدير مصير البلاد والعباد، لا علاقة له بالبلاد ولا
بالعباد. فهو رجل مشلول، وغير ملتزم، وغير فاعل، وغير منتج. السياسة
هي علم قائم في ذاته، ولا يجوز التعاطي بالسياسة بهذه الخفّة
والسطحيّة والجهل، بل بأسلوب راق، وعلى يد رجال راقين. السياسيّ يجب
أن يكون ملمّاً بالفلسفة والدين والتاريخ والجغرافية والاستراتيجيا
والعسكر والاقتصاد والمجتمع. فالحقل السياسيّ ليس حقل عمل لمن لا عمل
لهم (..) أتطلّـع إلى إنسان واع، مثقف، وملتزم إلى أبعــد حدّ
بالإنسانيّة وبالمجتمع".
("النهار العربي والدولي" - 25/6، 1/7/1984).
وتبدو المشكلة شائكة أكثر، عندما نلاحظ أنّ حلّها ينبغي أن يبدأ من
خلال العائلة والكنيسة، نظراً إلى عمقها وشمولها الأجيال الناشئة:
"على مستوى المجتمع ككلّ، الجيل الحاليّ ليس على المستوى الأخلاقيّ
المطلوب، أو الوعي السياسيّ، أو الالتزام، أو الممارسة. من هنا يبدأ
الدور المهمّ للعائلة والكنيسة. هذا مجال لا أحد يستطيع التعاطي فيه،
إلاّ العائلة والكنيسة". ("بشاريا
" - 31/3/1991).
في أيّ حال، نجد عند سمير جعجع تبنّياً للمفهوم البراغماتي في
التعاطي السياسيّ، انطلاقاً من "أنّ علينا أن نكون مع لبنان أوّلاً،
وثانياً مع لبنان".
("
الوطن العربي ").
وبناءً عليه، "عندما تُقدّم أميركا للبنان أكثر نكون مع أميركا،
وعندما تُقدّم فرنسا أكثر نكون مع فرنسا". (المصدر
نفسه).
ولنقترب أكثر من هذا المفهوم، نأخذ مثلي سوريا وإسرائيل، فالدولتان
"كلتاهما أجنبيّتان، ويجب أن نُحدّد علاقتنا معهما، ليس انطلاقاً من
مبدأ عقائديّ أو فلسفيّ، بل حسب مقتضيات اللعبة السياسيّة
الإقليميّة. موقفنا منهما موقف سياسيّ متغيّر ومتحرّك، حسبما تقتضيه
المصالح العليا لشعبنا".
("النهار العربي والدولي" - 25/6، 1/7/1984).
إنّ "ما تريده سوريا هو أن يكون لبنان جرماً يدور في فلكها، وبالأخصّ
في ما يختصّ بالسياسة الخارجيّة. وهناك البعض في سوريا يطمح إلى اكثر
من ذلك، فهو يطمح إلى أن يُصبح لبنان جزءاً لا يتجزّأ منها، سياسيّاً
وعسكريّاً وتربويّاً واجتماعيّاً".(المصدر
نفسه)
وإذا كانت هذه هي نظرة دمشق القويّة والطامعة إلينا، "فهل يمكن خوض
حرب ضدّ سوريا، دون الالتفات إلى الوضع الداخليّ والتوازنات
العربيّـة وحسابات القوى الدوليّة الفاعلة"؟
("الديار" - "الشرق الأوسط" - 19/12/1990).
لذلك على اللبنانيّين أن يقفوا على أرض الواقع، ويقرأوا السياسة،
ويتصرّفوا بأعصاب باردة وعقل علميّ مسؤول: "لا بدّ للبنانيّين من أن
يدركوا أنّ مصالح الدول تكون في بعض الأحيان أكثر تعقيداً ممّا
يعتقدون، وحان للبنانيّين أن يدركوا أنّ تمنيّاتهم لا تغيّر سياسات
الدول، وهي سياسات ترسم على أساس المصالح. ويخيّل للبنانيّين أحياناً
أنّ أحداث بلادهم تقلق العالم وتقضّ مضاجع الدول. والواقع هو أنّ
الدول لا تقرأ الأمور من هذه الزاوية، وقد لا تبذل أدنى جهد لمنـع
العنف والاقتتال، إذا رأت أنّ ما يجري لا يهدّد مصالحها وحساباتها".
(المصدر نفسه - 9/12/1990).
والآن، ماذا عن الحلّ اللبنانيّ عند سمير جعجع؟
الحــلّ اللبنانـيّ
ينطلق هذا الحلّ من المعادلة التالية: "الحرّية مرادفة للإنسان،
وحرّية لبنان ليست شعارات، وإنّما هي خبزه اليوميّ وملحه وخمره". (بيان
الترشيح لرئاسة الكتائب - 3/6/1992).
وإذا تعمّقنا أكثر: "في غياب الحرّية السياسيّة، تبقى أيّ سلطة
مهدّدة بالانفراط، عاجلاً أم آجلاً. على العكس، نريد لمجتمعنا أن
يعود إلى تقاليده الديموقراطيّة وأن يعمّقها. نريد العودة إلى الصراع
الفكريّ، في الشرقيّة وفي كلّ لبنان. الصراع الفكريّ هو طريق التغيير
والإبداع، وبدونه تسقط المجتمعات وتموت. نحن لا نخشى الحرّيـة، بل
إنّنا نراهن عليها".
("الديار" - "الشرق الأوسط" - 19/12/1990).
ولا يكون الصراع الفكريّ قطعاً لإلغاء الآخر: "لا أريد أن أعمل غيري
مسيحيّاً، ولكن على الآخر ألا يعملني عربيّاً أو إسلاميّاً بالإكراه.
(…) حلّ القضيّة المسيحيّة في لبنان لا يكون على حساب المسلم
اللبنانيّ". ("النهار"
- 14/12/1990).
وينسحب على ذلك أنّ الوطن لا يصنع "بالشطب والقهر"، و"لا أحد يستطيع
رفض سلام قائم على المستلزمات الحقيقيّة للسلام" الذي "يصنع بين
المتحاربيــن".
("الديار" - "الشرق الأوسط" - 15/12/1990).
وهذا السلام لا يستطيع التهرّب من الواقع التعايشيّ: "أثبتت الأحداث
أيضاً أنّ هذا المسيحيّ ليس له إلاّ المسلم الذي يجلس إلى جانبه،
والباقي دون فائــدة"، والعكس صحيح.
("اللواء" - 9/7/1992).
ولا يعني ذلك القفز إلى ما وراء الواقع التعايشيّ، نظراً إلى
المعوقات الكبرى التي تعترض الحوار المسيحيّ-الإسلاميّ، والتي تتطلّب
الكثير من الوقت لإزالتها: "(في) مسألة الحوار المسيحيّ-الإسلاميّ،
هناك مفاهيم مسيحيّة-إسلاميّة متباعدة جدّاً. والقضيّة الكبيرة
محتاجة إلى أجيال تتعاقب، ورغم القواسم المشتركة بين الديانتين،
فالحلّ لن يأتي على أيّامنا".
("النهار" - 14/2/1992).
كما يعني ذلك التأكيد على الحلّ السياسيّ الذي "هو المفتاح لكلّ
شيء"، وبه يكون السلام الذي "يبطل الحاجة إلى السلاح".
("الديار" - "الشرق الأوسط" - 19/12/1990).
"أنا لست من هواة الاحتكام إلى السلاح. وأعتبر أنّ المستقبل يصنع
بالعمل السياسيّ وبالبرنامج وبتعاطف الناس. السلاح ليس الحلّ، بنظري.
لكن ماذا تفعل؟ هناك مَن لا يقبل لا بالعمل الحزبيّ، ولا بالصراع
السياسيّ. وحين يُشهر السلاح في وجهك، يصبح عليك أن تختار بين أن
تستسلم، أو تواجه السلاح بالسلاح".
(المصدر نفسه - 15/12/1990).
المطلوب إذاً، أوّلاً، استعادة الوطن: "قبل الزبالة على الطرقات،
هناك وطن ضائع، وعلينا إعادته، وتركيزه ككيان معترف به، وككيان حرّ،
ومستقلّ، وسيّد في شكل ناجز. بعد كلّ هذا، يأتي وقت صياغة برامج
الحكم". ("النهار"
- 14/2/1992).
"لبنان الدولة الحرّة، السيّدة، المستقلّة، والكريمة، ولبنان
الحرّية، ولبنان الإنسان".
("الوطن
العربي" - 17/1/1992).
وباستعادة الوطن، تُستعاد حرّية الموقف والقرار: "لا سلطة على
الأراضي اللبنانيّة، وضمن الحدود اللبنانيّة، إلا للدولة اللبنانيّة.
لا وجود مسلّحاً، إلا بالدولة اللبنانيّة، لا باسم القضيّة ولا باسم
غير القضيّة. لا توطين للفلسطينيّين في لبنان على الإطلاق. وبالكاد
لبنان قادر أن يكفي شعبه. هذه مسلّمات".
("الوطن
العربي" - 17/1/1992).
وفي طليعة "المبادئ- الثوابت: لا للمفاوضات على الوطن. (…) لا
لمشاركة أيّ غريب لنا في هذا الوطن".
("خطاب
يوم المقاومة" - 26/11/1989).
وللبنان منزلة خاصة عند سمير جعجع، فهو "الحلقة الأقرب إليّ في سلسلة
المسيرة الكونيّة ومسرح نشاطي السياسيّ". لبنان بأرضه كاملة: "الـ
10452 كلم2
ستبقى للبنانيّين".
("العمل" - 3/6/1984).
ولبنان "هو وطن نهائيّ لأبنائه. وإنّ هويّته تاريخيّة".
("بيان
الترشيح لرئاسة الكتائب" – 3/6/1992).
ولكنّ تركيبة لبنان الحياتيّة تحتاج إلى تغيير. "إذا كنّا نتحدّث عن
الـ 10452 كلم2
من منطلق الصيغة والميثاق، فأقول نعم، سقط حلم الـ 10452 كلم2".
("العمل" - 1/1/1984).
وهذا السقوط هو لمصلحة التعايش الحرّ، والمتوازن، والمنفتح،: "كنت
مؤمناً أنّ التعايش الدرزيّ-المسيحيّ ممكن، في حال توازن للقوى بين
الطائفتين".
("النهار العربي والدولي" - 25/6، 1/7/1984).
"لا تعايش حيث لا توازن، ولا توازن مع القهر والاضطهاد".
(المصدر
نفسه).
"التعايش هو قدر اللبنانيّين، لأنّ بقاء لبنان مرهون ببقائه. (…)
ربّما ظلّت هناك بقعة من الجغرافية، لكنّها لم تشبه بالتأكيد فكرة
لبنان التي كانت علّة قيامه".
("الديار" -"الشرق الأوسط" - 7/12/1990).
إنّ التعايش يبدأ باعتراف متبادل بحقّ الوجود، والحقّ في الحرّية في
بلد متعدّد، بحقّ الاختلاف في الانتماء الطائفيّ أو المذهبيّ أو
العقائديّ".
(المصدر
نفسه).
"مبدأ الصوت الواحد مناقض للتعايش، بمقدار ما هو مناقض للديموقراطيّة
نفسها".
(المصدر
نفسه).
"تسألني إذا كان، بعد الذي حصل، يمكن أن نجلس مع وليد جنبلاط حول
طاولة مجلس الوزراء، وأجيبك بنعم. هناك الكثير من المشاكل، ونحن لا
نعتقد أنّ الحلّ هو الحروب المتواصلة، بل الحوار".
(المصدر
نفسه - 10/12/1990).
في هذا الإطار، لا يمكن تصوّر وثيقة الوفاق الوطنيّ سوى قاعدة للحلّ،
تبقى مرحليّة، حتّى الاتفاق على مضمون خطوطها العريضة، بعيداً عن أيّ
ضغوط على حرّية الموقف والقرار، أي حرّية الإرادة اللبنانيّة. فهذه
الوثيقة "تشكّل قاعدة صالحة لاستعادة سيادة لبنان واستقلاله،
وللانطلاق نحو نظام داخليّ أكثر تطوّراً وعصرنة، فيه من المركزيّة ما
يحفظ وحدة لبنان وحدوده الدوليّة، وفيه من اللامركزيّة ما يحافظ على
حقوق وطموح المجموعات السياسيّة التي يتكوّن منها الوطن".
(بيان
الترشيح لرئاسة الكتائب -
3/6/1992).
واتفاق الطائف "هو اتفاق على وقف الحرب التي كانت دائرة، بشكل
أساسيّ، ودفع اللبنانيّين حول طاولة الحوار، وإقامة مؤسّسات الدولة
لرعاية شؤون المواطنين في المرحلة الانتقاليّة، ريثما يتمكّن
اللبنانيّون، وهم حول طاولة الحوار التي كان يفترض أن تكون مجلس
الوزراء، من الوصول إلى صيغة نهائيّة للبنان". ("الوطن العربي" -
17/1/1992).
"لكنّ الاختلال بموازين القوى، بدفع خارجيّ مكشوف، ساهم إلى حدّ بعيد
في تشويه تمثيل القواعد الشعبيّة وإساءة ترجمة المضمون، ممّا أدّى
باتفاق الطائف إلى أن يزيد من خوف الخائفين، دون أن يرفع كثيراً شعور
الغبن عند الآخرين".
(المصدر
نفسه).
ولا بدّ من تصحيح الوضعيّة ككلّ، نحو الأخذ بالخيار التعايشيّ
الواقعيّ والعلميّ والعمليّ.
وسمير جعجع يؤيّد "مبدأ ترك الحرّية لكلّ مجموعة من المجموعات
اللبنانيّة، لتحقيق ذاتها بالشكل الذي تراه هي مناسباً".
("العمل" - 1/1/1984).
والمقاومة اللبنانيّة "تريد صيغة جديدة، تقوم على الاعتراف
(المتبادل) بين المجموعات اللبنانيّة، وعلى احترام خصوصيّة كلّ منها،
بحيث لا يكون هناك لا هيمنة ولا قهر ولا طغيان، بل حوار وتفاهم
وتشاور (…) وصيغة موزونة و متوازنة، عمادها اللامركزيّة، وتفاصيلها
للبحث بين اللبنانيّين (…) فلا تقسيم، ولا تقاسم، ولا توطين، بل وحدة
في إطار
التنوّع والتعدديّة. (…) وحدة، سيادة، حرّية، وسلام كامل وعادل
للجميع".
(خطاب
"يوم المقاومة " - 26/11/1989).
ويَشرح سمير جعجع مفهومه للامركزيّة بالقول: "أنا ارتاح (…) إلى
الصيغة الكبرى التي تسمّى اللامركزيّة. باللامركزيّة، نستطيع
الاحتفاظ بلبنان كوطن موحّد على الأرض اللبنانيّة، كدولة واحدة، وفي
الوقت ذاته، نعطي ما يكفي من الصلاحيّات للمجموعات اللبنانيّة، لكي
تستطيع الاهتمام بشؤونها الخاصّة وتنمية ذواتها الفكريّة أو الدينيّة
أو الثقافيّة".
("الوطن
العربي" - 17/1/1991).
ويعني ذلك فيدراليّة تعايشيّة: "إنّ أفضل صيغة للتعايش هي أن تترك
كلّ مجموعة من هذه المجموعات تحقّق عمقها وأبعادها الإيديولوجيّة
والتاريخيّة، بالشكل الذي تراه هي مناسباً، دون أن يتعارض ذلك مع
حقوق المجموعات الأخرى. (…) فالأمن هو الأمن للجميع، والمدخل إليه هو
الاعتراف بالآخر. هذا يعني حقّ كلّ مجموعة في أن تكون مختلفة، وأن
تنمّي خصوصيّاتها، (...) أن تقوم كلّ مجموعة بإدارة شؤونها الخاصّة
بنفسها، ضمن لا مركزيّة سياسيّة، في إطار حياد دوليّ لبنانيّ".
("النهار العربي
والدولي" - 25/6، 1/7/1984).
ولا ينفر سمير جعجع من فكرة الفرز الطائفيّ تحقيقاً لهذه
الفيدراليّة: "أنا مع فكرة الفرز الطائفيّ الطوعيّ وليس الدمويّ"،
ولا سيّما "أنّ شدّة الاختلاط الاجتماعيّ والسكنيّ بين الطوائف، مع
عدم وجود حدّ أدنى من الاندماج الفكريّ والحياتيّ والسياسيّ، تجعل
إمكان الانفجار أسرع وأكثر مأساويّة".
(المصدر نفسه).
وهو يرفض فكرة لبنان المسيحيّ، "لأنّنا لسنا وحدنا كمسيحيّين في
لبنان، ففي لبنان مسيحيّون ومسلمون".
(المصدر
نفسه).
وهو يعتبر القول بأمّة لبنان مسألة مرتبطة بالمدى الزمنيّ، فـ "إذا
كان لمائة سنة، فسيظلّ هناك بقعة من الأرض تتعايش عليها "أمم"عدّة .
وإذا كان لألف سنة، فلا نستطيع تقدير ما سيحمله لنا التطوّر
التاريخيّ آنذاك".
(المصدر
نفسه).
ويعتقد سمير جعجع أخيراً بأنّ ضمانة الفيدراليّة التعايشيّة نابعـة
من المتعاقدين عليها: "أتصوّر (أنّه بالنسبة) للارتباط بجهّات
أجنبيّة، فإنّ تركيبة الدولة الجديدة التي نفكّر فيها، يجب أن يكون
فيها من القوانين ما يكفي لكي تمنع أيّ مجموعة من المجموعات من أن
ترتبط بجهّات أجنبيّة".
(المصدر
نفسه).
التاريــــخ:
هائلة المكانة التي يحتلّها التاريخ في الخطاب السياسيّ عند سمير
جعجع، ففي كلّ منعطف، صغير أو كبير، يعود إليه.
وللتاريخ صفات وأدوار، انطلاقاً من تحديد واضح له، فهو "تحقيق
المسيرة الإنسانيّة الكونيّة. هو الخطوات المتتالية التي تقوم بها
البشريّة على طريق الوصول إلى الغاية النهائيّة من وجود الإنسان على
الأرض".
("العمل" - 1/1/1984).
وهو سجلّ إنسانيّ: "إنّ كلامنا (…) للتاريخ".
(خطاب
"يوم المقاومة" - 26/11/1989).
"أقول هذا للتاريخ". (دور الإسرائيليّين في الجبــل)
-
("الديار" - "الشرق الأوسط" - 10/12/1990).
والتاريخ كيان متحرّك: "لا أحد يقبل بالجمود بينما التاريخ يسير".
("النهار" - 14/2/1992).
وهو حاضن للتطوّر الإنسانيّ: "إذا الشخص رفض السير مع التاريخ،
والتطوّر مع التاريخ، فسَيَمعسهُ التاريخ ماشياً".
("النهار" - 15/2/1992).
"ومَن يوقف حركة التاريخ، يسقطه الواقع، ومن يحرق المراحل، يسقطه
التاريخ".
(بيان الترشيح لرئاسة الكتائب- 3/6/1992). إنّ
لبنان لا يستطيع أن يكون عكس التاريـــخ".
(خطاب
"يوم الشهيد" - "النهار" - 16/9/1991).
ويملك التاريـخ قـدرة على الرقابـة: "للتاريخ تاريخ مشهود، هو يُمهل
ولا يُهمل". (المصدر
نفسه).
وهو لا ينسى: ولئن نسي بعض التقليد أو تناسى، "فالله لا ينسى، والشعب
لا ينسى، والتاريخ لا ينسى".
(المصدر
نفسه).
ويستحيل تزويره: "ولا يحاولنّ أحد تزوير التاريخ".
(المصدر
نفسه).
ولا ردّ لأحكامه: "سيحاكمنا التاريخ جميعاً". (إبّان تركيب الحكومة
العسكريّة)
("الديار" - "الشرق الأوسط" - 17/12/1990).
وأحكامـه عادلة وقاسية على السيّئين.
"يجب أن يكون حكم التاريخ قاسياً على السيّئين".
(المصدر
نفسه).
والسيّئون هم أعداء الخير والتاريخ: "وهكذا أصبحت النخوة (…) محطّ
انتقاد وتجريح ممّن لفظهم التاريخ".
(خطاب
"يوم الشهيد" - "النهار" - 16/9/1991).
أمّا الأخيار، فلهم الإنصاف منه: "وحسبهم أنّه ينصفهم التاريخ والناس
الطيّبون". (المصدر
نفسه).
قلنا في بداية العرض إنّ ظاهرة العائلات المسيحيّة النازلة من الجبل
والسهل إلى المدينة، والمدينة هنا تعني بيروت بامتياز، في الخمسينات،
تصلح موضوع كتابة روائيّة وإخراج للشاشة الصغيرة أو الكبيرة. وعائلة
فريد جعجع من بين هذه العائلات.
لكنّنا، وقد بلغنا نهاية العرض، نُلاحظ أنّ الكتابة والإخراج بلغا
آفاقاً غير اعتياديّة في التصوّر، قبل التنفيذ، لدى هذه العائلات،
وابنها الأوسط تحديداً.
إنّنا في الواقع أمام بدايات سيمفونيّة كونيّة عظمى، البشريّة بأسرها
مدعوّة إلى المشاركة فيها.
فهناك مسيرة هائلة الأحجام والتبعات، وتتطلّب من الإنسان جهوداً
خارقة للانتماء الحقّ إليها والمشاركة في مسؤوليّاتها.
أساس هذه المسيرة معادلة اتزان وتوازن بين المسيحيّة والعلم ، بين
الإيمان والعقل، والهدف الأوّل منها إيقاظ الوعي الخلاّق لدى
الإنسان، على حساب الطبيعة البشريّة الضعيفة، وممارسة فعل الحياة
والتطوّر والترقّي، بالاختبار العقليّ-العلميّ التثويريّ، في هدى
مبادئ قيميّة ثابتة، هي التي تقوم عليها المسيحيّة في أبعاد الروح
وإبداع النصّ.
والهدف الثاني ضغط الوقت أو تسريعه، خدمة لأغراض تلك المسيرة، بتحرير
الإنسان من أسر ضيق حركيّة الوعي عنده.
والهدف الثالث تحويل الأرض سماء، والكون سماء، أي تحقيق مآل الخلق في
حضن الآب.
ويلعب التاريخ في المسيرة الكونيّة دور كيان حيّ. ويتضح للمتأمّل
المتعمّق في معناه الجوهريّ، أنّ العناية الإلهيّة هي التي تقود خطى
المسيحيّة، بإرا
|