Contact us | Join Our Mailing List | En Français

Biography | Conference | Political Trial |  For Justice & Truth | Remembers |Pictures | Speeches | Home

 

Samir Geagea Remembers

سمير جعجع يتذكر

Part 1 Part 2 Part 3 Part 4 Part 5 Part 6 Part 7 Part 8 Part 9  

                                            In PDF


بنَى عون مشروعه على العداء لـ"القوّات"، واستقطب كلّ خصومها
كِدتُ أٌقتل خلال مُحاولتِي وقف صدام 14 شباط
أضاع الْجنرال فُرصًا عدّة، أبرزها انتخاب معوّض رئيسًا للجمهوريّة

قيل الكثير في حرب الشرقيّة، ومعظم الكلام دار على ما هو مباشر، وعلى الْحدث اليومي بالذّات. بعض ما قيل، أو كثير منه، كان مُغرضا أو سطحيّا. وبعض الناس حاول الذّهاب إلى ما هو أبعد من التّفاصيل اليوميّة، وإلى ما وراء الْحدث. لا شكّ أنّ حرب الشرقيّة محطّة مهمّة ومؤلِمة في الوقت نفسه. فآثار ما جرى تتعدّى حدود الْمنطقة التي دارت فيها الأحداث. اليوم، وللمرّة الأولى سأحاول طرح مسألة حرب الشرقيّة في أبعادها الْحقيقيّة.

   لا يُمكن عزل الْحرب في الشرقيّة عمّا سبقها، سواء لِجهة شغور مركز رئاسة الْجمهوريّة وتشكيل حكومة عسكريين برئاسة العماد ميشال عون، أو لِجهة الأحداث العسكريّة والسياسيّة التي حصلت بين نِهاية عهد أمين الْجميّل واندلاع الْحرب داخل الشرقيّة.

   القائلون بأنّ حرب الشرقيّة كانت نتيجة تباين في الطّرح السياسي يَجهلون التاريخ والواقع والْحقيقة. يستطيع الْمرء تضخيم الْمسائل إلى أقصى حدّ، كما يستطيع تصغيرها إلى أدنَى حدّ. العقل البشري قادر على هذه اللّعبة. لكنّ القراء ة الْهادئة تفترض التوقّف عند العناصر الْحقيقيّة للصّورة. حاولنا الكثير لِمنع وقوع الْحرب، لكنّها وقعت. ولأنّها حصلت لا بدّ من قراء تِها، ولا بدّ أيضا من تبيان الْمسؤوليّات. فما حدث لم يكن وليد تَحرّشات أدّت إلى مواجهة، ولم يكن عملا من فعل الصّدفة. كان هناك قرار بالْحرب اتّخذه طرف، وقرار بالدّفاع عن النّفس اتّخذه طرف آخر. أنا لا أُقلّل من خطورة ما حصل، ولا أُطلق الأحكام من باب الرّغبة في التجنّي. لكن من حقّ النّاس أن تعرف لِماذا استيقظَت ذات يوم، ورأت القتال يندلع هنا وهناك، ومع القتال الضّحايا والْخراب.

التّفسير الْخاطئ

   من الْخطأ القول إنّ التّباين في الطرح السياسي هو الذي قاد إلى الْمواجهة. ثُمّ هل إنّ التّباين داخل مجتمع واحد، وبين مَن يُفترض أنّهم يَحملون قضيّة واحدة، يَجب أن يؤدّي إلى حرب عسكريّة؟ هذا لا يعني أبدا أنّ آراء نا السياسيّة كانت متطابقة مع آراء الْجنرال عون. شعارات كثيرة رفعها الْعماد عون، وبغضّ النّظر عن مدى جدّيّته في السّير فيها، كنّا نُؤيّدها. لكن لم يكن هناك تطابق لِجهة التّعاطي السياسي مع الأزمة وطريقة العمل وأسلوب مواجهة الْمشكلات. نعم، في هذا الْجانب كنّا نَختلف مع الْعماد عون. لقد رفع العماد عون شعار تَحرير لبنان من الْجيوش الغريبة على أرضه. فهل يُمكن أن يكون بيننا خلاف على هذه النّقطة؟ أَوَلم نكن نحن مَن طرح هذا الشّعار قبل مجيء عون؟ طرحناه وما زلنا. فالسيادة لا يُمكن أن تكون كاملة إلاّ في ظلّ الْمؤسّسات اللّبنانيّة. لم يكن الْخلاف على شعار إذن، لكن تَحقيق شعار بِهذا الْحجم لا يَتمّ بالطريقة التي اعتُمدت. فقبل الْحرب هناك الْخيار السياسي. الْمدفع لا يُمكن أن يَنجح دون رؤية ودون قراء ة دقيقة لِموازين القوى العسكريّة والسياسيّة. والعناد لا يُمكن أن ينوب عن التّخطيط، ودفع مجتمع إلى الْحرب يَجب أن يسبقه إعداد هذا الْمجتمع، وإشراكه، وتَحصينه. والأحداث تشهد. أَوَلم تكن الْحرب التي أعلنها العماد عون تُطيح بِما تبقّى من لبنان، وتُهدّد بإسقاطه بكامله وفي أيدي مَن رفع عون شعار إخراجهم؟

   لم يكن ثَمّة خلاف على الْمبادئ أو على نواح إيْديولوجيّة وعقائديّة، هذا إذا كانت لدى الْجنرال جوانب عقائديّة. كان الْخلاف على النّهج السياسي العام، وعلى استراتيجيّته السياسية وعلى ممارسته السياسية. أعتقد أنّ الْخلاف الذي كان بيننا وبين أمين الْجميّل أكبر بدرجات من الْخلاف الذي كان قائما بيننا وبين عون. مع الشيخ أمين كان الْخرف على الطرح السياسي والْممارسة السياسية، وبالرّغم من ذلك فإنّه لم يتسبّب في مواجهة عسكريّة.

ترجمة الطّموحات

   كل طامح إلى دور سياسي عليه أن يَبني قوّة سياسيّة، سواء كانت حزبا أو تَجمّعا أم مجموعة. طموح الْجنرال قديْم، ويبدو أنّه ذهب بعيدا في الطموح. وحين اختير لرئاسة الْحكومة، اعتبر أنّ اللّحظة جاء ت لترجمة الطموحات، لا بل إنّه اعتبر أنّ ما حصل يُعطيه تفويضا كاملا ونِهائيّا لترجمة ما سعى إليه سرّا من قبل. هكذا بدأ عون تشكيل قوّة عسكريّة-سياسيّة ليَضمن لنفسه دورا. وهو يسعى بالطّبع إلى الدّور الأوّل وبلا شريك. لم يكن باستطاعته تَجميع النّاس على أساس انتقاد تقصير الشرعيّة. فهذا الْهامش ضيّق، خصوصا وأنّه، ومنذ سنوات، شريك في هذه الشرعيّة، وبالتّالي فهو أحد الذين ساهموا مباشرة، أو غير مباشرة، في ميوعة الشرعيّة التي ساهمت في كثير من الْمناسبات في خراب البلد. ولم يكن باستطاعته تَجميع النّاس حول الشّعارات التي تطرحها "القوّات". ففي مثل هذه الْحال  ستفضّل النّاس "القوّات" الْموجودة من قبل، والتي باتت صاحبة جذور في مجتمعها، وتَحوّلت إلى مؤسّسة متماسكة. وبعد مرحلة من الْبحث، اختار عون السّير في خطّة تَجميع الْمُعادين لـ"القوّات".

   لا أحد يَجهل تركيبة الْمجتمع اللّبنانِي، والدّور الذي تلعبه الْحسابات الْمحليّة الضيّقة في تَحديد الولاء ات السياسيّة. فعلى سبيل الْمثال، وحين انقسمت الشرقيّة بين الكتائب والأحرار، كانت عائلة ما في قرية تَختار الكتائب، فتُسارع الأخرى إلى الانتماء إلى حزب الأحرار، ودون الالتفات إلى برنامج هذا الْحزب أو ذاك، أو ممارسته السياسيّة. ولأنّ "القوّات" موجودة في غالبيّة مُدن الشرقيّة وقُراها، وفي مناطق أخرى، كان من الطّبيعي أن يَفرز هذا الوجود عداوات محليّة. وأكثر من ذلك، فإنّنِي أقول وبصراحة إنّه خلال هذه الْحرب الطويلة انضمّ شبّان إلى "القوّات"، وبسبب فقدان الانضباط والْحزم في بعض الْمراحل، أدّت تصرّفات هؤلاء إلى حساسيّات وصلت إلى حدّ العداء للمؤسّسات، بسبب سلوك أفراد. يُضاف إلى ذلك، أنّ النّاس كانت تَخلط بين "القوّات" وحزب الكتائب وآل الْجميّل، وإلى درجة أنّنا، وعلى رغم مواجهتنا مع أمين الْجميّل، فإنّ بعض النّاس تُحمّلنا مسؤوليّة أخطائه، وكأنّنا مسؤولون عنه، في حين أنّ "القوّات" بِتركيبتها الْحاليّة كانت من أشرس الْمعارضين لِنهجه.

هكذا تَجمّعت قوّة العماد عون من أعداء آل الْجميّل وأعداء الكتائب، مؤسّسة وأفراد، وأعداء "القوّات" مؤسّسة وأفراد. راح عون يُبلور تَكتّلا من هذا الْخليط ليَجعله مُرتكز وصوله إلى الْحُكم. والتّتمّة كانت حملة تشهير أطلقها ضدّ "القوّات". فبناء العصبيّة يَحتاج إلى خصم تَبني ضدّه. لقد قضى عون فترة وجوده في قيادة الْجيش مسكونا بِهاجس بناء قوّة شخصيّة له، بدل الاهتمام بالْجيش الذي تعب عليه سلفه العماد ابراهيم طنّوس، وأمين الْجميّل، وربّما الأخير عن غير قصد.

براعة الْجنرال

   ولا مجال لإنكار براعة العماد عون في هذا الْمجال. فهو لم يتورّع عن نبش كل الْحساسيّات والأحقاد لِهندسة تَحالف من الْمتضرّرين والْحاقدين. وعلى سبيل الْمثال لا الْحصر السيّد أبو أرز (زعيم حزب حرّاس الأرز) كان يعتقد أنّ بشير الْجميّل أكل حقوقه وعانَى من العقدة نفسها مع فادي أفرام وفؤاد أبو ناضر. وحين وصلنا نحن إلى القيادة، كان الْجنرال قد استكمل إعداد أبو أرز وترتيبه. يُمكن قول الشيء نفسه عن دانِي شَمعون (رئيس حزب الوطنيين الأحرار). فتح مع دانِي الدّفاتر العتيقة، وتَحديدا قصّة 7 يوليو (تَموز) 1980، حين قام بشير الْجميّل بتصفية ميليشيا حزب الأحرار، وفرض توحيد البندقيّة. لا يتورّع العماد عون عن شيء لِتحقيق غرضه. راح يستدعي كل مَن له مشكلة مع الكتائب، فيُذكّره بِها، ويعده ويَدعوه إلى الانضمام إليه، وعلى أساس أن لا نتيجة من التّعاون مع "القوّات" أو التّعامل معها.

انقلاب في الْجيش

   في موازاة هذا التحرّك، كان عون يقود انقلابا داخل الْمؤسّسة العسكريّة نفسها، مُحاولا تَحويلها إلى جيش عون. وبناء على معيار العداء لـ"القوّات" راح يٌقرّب بعض الضبّاط، ويُسلّمهم الْمواقع.

   كان عون يقوم بِترتيب الْجيش على قاعدة العداء لـ"القوّات". فعلى سبيل الْمثال، تولّى بول فارس قيادة اللّواء الْخامس بعد مقتل العقيد خليل كنعان. بعد خمسة أشهر فقط، أبعد عون فارس من منصبه، لا لشيء إلاّ لأنّه كان يُعارض إقحام الْجيش في معركة داخليّة، علما أنّ بول فارس من بين أفضل أربعة أو خمسة ضبّاط في الْجيش اللّبنانِي. للأسف ضرب العماد عون الْجيش، وللأسف أيضا وجد ضبّاطا من الْمتعطّشين إلى الْمراكز والْمستعدّين لارتكاب أي شيء، وعلى أمل أن يكونوا شركاء للجنرال لاحقا. وهكذا هيّأ الْمناخ للصّدام مع "القوّات".

   مشروع العماد عون قديْم. ومَن يرجع إلى مجلّة الْجيش من 4 سنوات، ويقرأ أمر اليوم، والْمقال الافتتاحي الذي كان عون يُدبّجه في كل عدد، يُدرك أنّ سيناريو ما حدث في الشرقيّة أُعدّ قبل أعوام. لم يَتحدّث مرّة واحدة عن الْجيوش غير اللّبنانيّة، ولم يُشر إلى أحد بالاسْم. كان يقول إنّ الْحرب هي حرب الْميليشيات، ولا يذكر إلاّ "القوّات"، ويكتفي من الْجانب الآخر باسْم "حزب اللّه". هو أوّل مَن روّج لِمعادلة "القوّات" من جانب، و"حزب اللّه" من جانب آخر. يا لطيف الأيّام. مسكين الْجنرال. قتلته أوهامه. حفر حفرة لأخيه ووقع فيها. وكثيرا ما تصدق الأمثال.

بارود وألغام

   انطلاق الْجنرال من عدائه لـ"القوّات" مكّنه من تأليب مجموعة أطراف: جماعة ريْمون إدّه الْحاقد، مرورا بِقسم من الأحرار، وانتهاء بِجماعة إيلي حبيقة، ثُمّ أبو أرز وروجيه عزّام وغيرهم. لم يكن ثَمّة مشكلة لو أنّ هؤلاء التقَوا على برنامج سياسي معارض لبرنامج "القوّات"، لكن أن يكون سبب وجودهم عداء هم الكامل لوجود "القوّات" نفسه، فهذا يعني الإعداد للتّفجير. والدّليل على ما أقول موجود. لقد تراجع عون عن كل شيء إلاّ عن عدائه لـ"القوّات". فبين ليلة وضحاها تراجع عن عدائه لسوريا، بعدما هدّدها بالويل والثّبور وعظائم الأمور.

   لقد أعدّ عون للتّفجير كل ما يلزمه من البنْزين والألغام والبارود، ولولا ذلك لَما اندلعت الْمواجهة. ولولا الأرضيّة التي حضّرها مشروعه، لَما كانت الْحرب وقعت، حتّى ولو حصل أكثر من           وأكثر من شرارة. لا أقصد من هذا الكلام أنّ كل الذين تظاهروا أمام قصر بعبدا ذهبوا إلى قاعدة العداء لـ"القوّات". فهناك مَن ذهب لأنّ الشعارات التي رفعها الْجنرال هي شعارات تَجد صداها في مجتمعنا، ولأنّ هناك مَن توهّم بعد اليأس الذي سبّبته سياسات أمين الْجميّل أنّ الْجوّ اختلف، وأنّ الشخص مُختلف، وكانت خيبة الناس كبيرة، وكانت النّتائج كارثيّة.

   ثُمّ تبدأ مرحلة ثانية. يَخرج أمين الْجميّل من القصر ويتركه للجنرال. وميشال عون ليس من قماشة الذين يقبلون أو يقنعون. استعذب الإقامة هناك، وعبارة حكومة انتقاليّة لا يستسيغها. إنّه الْجنرال والرئيس والْمنقذ. ودائما هناك مَن يأتِي إلى الْمسؤول ليُشجّعه. ودائما يَجيء حملة الْمباخر والباحثون عن أدوار. ودائما هناك مَن يَحكي لنفسه، ثُمّ يُصدّق ما رواه لَها، فيعتبر نفسه السّيف والدّرع وصمّام الأمان والْمنقذ، وأنّه فوق النّصوص وفوق الْحدود، وأنّه يصنع التاريخ. إنّها مأساة. مأساة جمهوريّة أوصلوها إلى الْهاوية ودفعوها. ومأساة قصر في آخر الْمُتناوبين عليه، الْمنتخب والْمكلّف. ومأساة أناس كانوا ينتظرون من القصر أن يُنقذ الْجمهوريّة بدل أن يُبدّد ساكن القصر حجارة القصر والْجمهوريّة معا.

 

   تسلّم الْجنرال رئاسة الْحكومة، وكان منحاه العملي والعملانِي ديكتاتوريّا خالصا. ومنذ اللّحظة الأولى بدا مُصمّما على إلغاء الْجميع. ضاق صدر الْجنرال بالْجميع. البطريرك نصرالله صفير، وهو رجل متعقّل، لم يدخل الْمعترك السياسي، لم يُطقه الْجنرال فهجره. النّواب، وبرغم كل أخطائهم، لم يُشكّلوا يوما قوّة شرسة أو مستشرسة، سواء للضّرب بسيف الْحقّ أو الباطل. لم يَحتملهم الْجنرال. لم يستطع احتمال كلمة في صحيفة وكلمة في إذاعة. وكان الْمطلوب هو التّصفيق والرّضوخ ولا شيء غيرهما. لو اصطدم عون بـ"القوّات" وحدها، لأمكن القول إنّ الْحقّ على "القوّات" أو بعض الْحقّ عليها. لكنّ عون اصطدم بالْجميع قبل أن يصطدم بِها، مع الفارق أنّ "القوّات" تَملك آلة عسكريّة، ولا تستطيع القبول بشطبها من الْمعادلة من أجل وضع الأرض والناس في قبضة الْجنرال وفي قبضة الْمجهول.

صدام 14 شباط

   في الشهور الأربعة الأولى كنّا نلتقي باستمرار. كنت أشعر بِخطورة النّهج الذي يتبعه الْجنرال، لكنّنِي كنت أحاول وأحاول أن أمنع أي احتكاك، لا بل إنّنِي اتّخذت قرار بِتقديْم أي تنازلات لا بدّ منها لِمنع قيام مناخ مواجهة. وبدت محاولاتِي وكأنّها قابلة للنّجاح. في فترة من الفترات ذهبت للرّاحة خارج لبنان، وكان الوضع طبيعيّا تَمام، ولم يكن هناك من عذر للتّفجير أو سبب. ولو كنت أشعر بأدنَى احتمال لوقوع أحداث لَما غادرت لبنان. فجأة، أُبلغت بِمجموعة حوادث. وكان رأي الْمسؤولين في "القوّات" أنّها مُفتعلة ومُدبّرة، وجاء ت في سياق خطّة. سارعت في العودة، وما إن وصلت حتّى انفجرت في 14 فبراير (شباط) 1989. مَن يُصدّق أنّ أحداثا صغيرة يُمكن أن تُشعل حربا إذا لم يكن هناك قرار بالْحرب؟ اندلعت النّار وظهرت ملامح مواجهة في مختلف أنْحاء الشرقيّة.

كِدتُ أُقتل

   لم نفعل كل ما فعلناه لنقتتل في شوارع الشرقيّة. كان همّنا إنقاذ الْجمهوريّة بكاملها، وأن يكون وضع الشرقيّة عاملا رئيسيّا في إنقاذ البلاد بأسرها. ولقطع الطريق على الفتنة، رميت نفسي في وسط النّار. وللمرّة الأولى أقول إنّنِي كدت في ذلك اليوم أدفع حياتِي ثَمنا. ولم أتردّد. فعلى الْمسؤول أن يُعرّض نفسه للخطر لردّ الْخطر الكبير عن النّاس. وهكذا قرّرت التوجّه إلى قصر بعبدا على رغم التّدهور الأمني. أجريت الاتّصالات اللاّزمة وتَحرّكت. فجأة، ولدى وصولنا إلى جسر الباشا، انهمر الرّصاص على سيّارتِي وسيّارات الْمواكبة. قُتل آمر مجموعة الْحماية، وأُصيب مرافق بِقربِي. ولك أن تُقدّر مثل هذا الوضع قرب قتيل ورجل يَنْزف. كان عليَّ أن أحتفظ بِهدوء كامل، فأصدرت الأوامر للمرافقين بِعدم إطلاق أي رصاصة. بعدها هدأ الرّصاص وقال مسؤولو الْجيش أنّ الأمر مجرّد خطأ. في مثل هذه الأوضاع يَجب أن لا يُسمح للانفعال بالسّيطرة على القرار. وربّما كان يكفي أن أرجع من حيث أتيت لتلتهب الْمعارك أكثر. لِهذا صمّمت على متابعة طريقي إلى قصر بعبدا كي لا أترك للجنرال فرصة لتوسيع الْمعارك. وبالفعل أوقفت الاشتباكات بعد 12 ساعة من اندلاعها.

كان الْحادث مؤلِما بالفعل، وحتّى الساعة لا أزال أفضّل اعتباره مجرّد حادث. لقد لامسنا الْخطر مرّات ومرّات، واقترب الرّصاص منّا كثيرا، لكن بعض الْحروب تكون أكثر إيْلاما، لأنّك لا تريدها ولا تسعى إليها.

   توقّفت الاشتباكات، وقلنا نغتنم الفرصة لِطي الصفحة، وقرّرنا التّعامل معها كانتكاسة. لقد أخذنا دائما على الدّولة أنّها أضعفت الْجيش، ولا يقل أن نُشارك نحن في إضعافه، أو النّيل منه. لكنّ الْجنرال أوقف الْمعركة العسكريّة ليَشنّ حربا إعلاميّة جارحة، قال فيها خلالَها ما لم يَقله مالك في الْخمرة. فتح الْجنرال حنفيّة الاتّهامات على مصراعيها، واخترنا عدم الردّ. لا بل اخترنا الصّمت مع الاستعداد للتّنازل عن بعض حقوقنا. وطبعا طرحت الأحداث أسئلة عن حسابات العماد عون، وعن الرّسالة التي أراد تَحريرها عبر افتعال الْمعركة مع "القوّات"، وعمّا إذا كان يريد أن يقول للمؤثّرين في القرار إنّه "الرئيس" القادر على ضرب "القوّات" وحل هذه العقدة.

 

حاولنا الكثير لِمنع اندلاع حرب الشرقيّة، لكنّها وقعت

التّعامل مع الْجنرال يُشبه الْجلوس على برميل البارود

الْحرب كانت باهظة ومُؤلِمة، والقليعات كانت الأخطر

فجأة "حرب التّحرير"

   بعد شهر واحد وفجأة دوّت الْمدافع. شو القصّة؟ بدأت "حرب التّحرير". وللتاريخ نقول: لم نكن على علم، ولم نُستشر، ولم تكن لنا أي كلمة بالقرار. لا بل إنّ التحرّكات العسكريّة التي جرت ليلة "حرب التّحرير" دفعت البعض إلى الاعتقاد أنّ عون قرّر مهاجمة مقرّ قيادة "القوّات" في الكرنتينا. أخذ الْجنرال الشرقيّة إلى حرب لم يستعدّ لَها، ولم يَجر لَها أي حسابات.

   هل يكفي إطلاق الْمدافع لِتبدأ حرب؟ وهل يُمكن خوض حرب ضدّ سوريا دون الالتفات إلى الوضع الدّاخلي والتّوازنات العربيّة وحسابات القوى الدّوليّة الفاعلة؟ ولأنّ الْجنرال لم يطرح كل هذه الأسئلة، انتهت الْحرب إلى ما انتهت إليه. ومرّة جديدة كان علينا تَحمّل العبء والتّضحيات. وهنا أريد تذكير عون، وكل أصحاب الذّاكرة التي تَمتهن النّسيان بِحجم الأسلحة والذّخائر التي قدّمناها له، وكم فعلنا آنذاك. أريد الإشارة إلى تسعة مدافع من عيار 130 ملليمترا. كان هناك ضابط في "القوّات" أعطيناه الأوامر لِتمرير هذه الْمدافع لِعون بِمعدّل ثلاثة مدافع كل مرّة. ذات يوم خاطبَني هذا الضّابط قائلا: يا حكيم، أنا سأنفّذ الأوامر، ولكن هذه الْمدافع التي تُعطيها لِعون سيُديرها لاحقا في اتّجاهنا وسيشوينا بِنارها، نحن والْمجتمع. لا أنسى كلام ذلك الضّابط، لقد كان حدسه أقوى من كل الْجهود التي بذلتها لِمنع الْمواجهة في الشرقيّة.

يُراكم الأخطاء ويرفض النّتائج

   راح الْجنرال إلى الْحرب. وراح يُراكم الأخطاء. أغلاط في الْحسابات، وأغلاط في مخاطبة العالَم، ورهانات على قلب الطّاولة ومواقف الدّول. وكأنّنا يَجوز الدّخول في مثل هذه الرّهانات دون الالتفات إلى موازين القوى، ومواقع الآخرين في اللّعبة الإقليميّة والدّوليّة. ما انتهت إليه "حرب التّحرير" انعكس بوضوح في ما تلاها. لكنّ العماد عون راح يرفض، وكأنّه ربح الْحرب، متجاهلا الإرادتين العربيّة والدّوليّة. وإذا كان للجنرال من مآخذ على ما أعقب الْحرب، فإنّه ببساطة يتحمّل الْمسؤوليّة. فكل اتّفاق هو ثَمرة ميزان قوى، وعليه أن يُراجع حساباته بَحثا عن الطّرف الذي جعل التّوازن يَختلّ.

فرصة معوّض

   عندما ذهب النّواب إلى الطّائف، جُنّ جنون العماد عون. فإمّا يصنع هو الوفاق، أو لا وفاق. إمّا يكون

رئيسا للجمهوريّة، أو لا رئاسة على الإطلاق. إمّا تكون الْجمهوريّة جمهوريّته، أو لا مبرّر لوجودها. وإضافة إلى أنّ هذا الْمنطق مرفوض، فإنّه منطق يستحيل أن يربح، خصوصا حين ثبت لاحقا أنّه ليس منطق التشدّد، إذ بِسحر ساحر تتغيّر التّسميات والتّحالفات، وتنقلب الْمواقف، ولا يبقى في ذاكرة النّاس غير لوعة خسائرهم. لقد أضاع الْجنرال أي فرصة لِمراجعة الْحسابات، وبينها تلك التي أعقبت انتخاب الرئيس الرّاحل رينيه معوّض.

   رجع الْجنرال خاسرا من "حرب التّحرير" ومِمّا أعقبها. انتهى من الْحرب مع سوريا، واستأنف التّخطيط للحرب ضدّ "القوّات".

خسر في الْجمهوريّة، فراح يُعدّ العدّة للاستيلاء على كل الشرقيّة، ليلعب ورقتها ضدّ خصومه، أو يُفاوض على أساسها. والواقع أنّه وجد نفسه في مأزق، فإمّا أن يعود إلى الْحرب مع سوريا، وإمّا أن يعود إلى الْمواجهة مع "القوّات"، واختار الثّانية.

الأصعب في حياتِي

   لا أبالغ إن قلت إنّها الْمرحلة الأصعب في حياتِي. كان عليَّ أن أسعى إلى التّعايش بين "القوّات" والْجيش، وهو مُمكن تَماما، لكنّ عون كان اتّخذ قراره بإلغاء "القوّات". قال إنّه يريد القرار وأخذ القرار. لم نُطالبه بأي مشاركة أو شراكة. كان يريد أن يكون الصّوت الوحيد الأقوى، فلم نُمانع أو نعترض. لم أترك شيئا إلاّ وفعلته. لم أُضع فرصة إلاّ وحاولت. يستحيل أن تُرتّب صيغة تعايش مع رجل اتّخذ القرار بإلغائك. وللأمانة أقول: لم تُراودنِي في أي لَحظة شكوك في قدرة "القوّات" على الدّفاع عن وجودها، والْمهرجانات حول العماد لم تُثر خشيتِي. كنت أعرف حساسيّة النّاس واستعدادها للتّجاوب مع بعض الشّعارات. لم تُراودنِي شكوك في قدرة "القوّات"، لكنّنِي لم أرد الْمواجهة أبدا. جيلنا يعرف ماذا تعني الْحرب. فمنذ مطلع شبابنا ونحن في قلب النّار، وأنا لم أعتقد يوما بأنّ الْمدفع يَحلّ مشكلة الْمجتمع اللّبنانِي، وأنّ تدمير الْمنازل وقتل الشّباب يُعزّزان فرص التّعايش واللُّحمة. لقد اعتقدت دائما أنّ أكثر الْمشاكل تعقيدا يُمكن أن تُحلّ على طاولة الْحوار بين مُتحاورين يَملكون الإرادة والْحريّة والواقعيّة. وإذا كنت أرفض حروب خطوط التّماس القديْمة، فكيف أُؤيّدها داخل الشرقيّة.

   تَمرّ في حياة الْمسؤول لَحظات تُدمي قلبه. وفي بعض الْحروب يأكلك الألَم حتّى ولو ربِحت معركة وجودك. لا بل إنّ هذا الرّبح يبقى مُجلّلا بالْحزن على مَن ماتوا في حرب لا مُبرّر لَها، في حين كان يُمكن أن يَموتوا في حرب السّلام، أو أن يعيشوا لِمعركة السّلام. وأقسى ما في الْحروب هو أن تَخوضها ضدّ مَن لم تُصنّفهم أصلا في عداد الْخصوم الْمُحتملين، وأوجع ما في بعض الْحروب هو أن تَخوضها في بيتك، فتدور كلّها في لَحمك ودمك. وفي هذه الْحرب تشعر كأنّك تُقتل مع كلّ مَن يُقتل، وتسقط مع كلّ ما يسقط.

   لكن ماذا تفعل بالْجنرال الباحث عن حرب؟ بدأ التّحضير إعلاميّا، ورفع شعار توحيد البندقيّة، وكان الْمقصود إلغاء "القوّات". وبدأ عمليّة قضم من مدرسة "قمر" في فرن الشبّاك، إلى بيت الْمستقبل في ضبيّه، وفي ساحة العبد في محاولة لِتمهيد الطريق إلى الْمجلس الْحربِي. وضع السكّين على عنقنا، ولم يبق لنا غير خيار الدّفاع والردّ.هكذا اندلعت حرب الشرقيّة في 31 يناير (كانون الثّانِي) 1990، وهي أوّلا وأخيرا حرب إلغاء "القوّات".

الْجلوس على برميل البارود

   يا أستاذ غسّان لست مُتّفقا معك في الأسئلة التي جاء ت في صورة تفسيرات، هي أشبه ما يكون بالاتّهامات. حرب الشرقيّة لم تندلع أبدا بسبب انتماء جعجع وعون إلى قماشة الْمُتشدّدين الذين يُفضّلون الْحرب على التّراجع. لم تندلع أبدا بسبب تَحوّل العماد عون إلى حالة شعبيّة في الشرقيّة. وكون الْحرب أظهرت أنّنا استعددنا لَها، لا يعني أبدا أنّنا فجّرناها، أو ساهمنا في التّفجير. الاستعدادات صحيحة. وكان من الغباء أن لا نستعدّ. فالتّعامل مع الْجنرال يُشبه الْجلوس على برميل بارود لا تعرف متى سينفجر بك. وأحداث 14 فبراير (شباط) كشفت النّوايا. ولا أُذيع سرّا أنّ استعداداتنا قديْمة قدم حلمه بإلغاء "القوّات"، وتَحديدا مذكان قائدا للجيش. كانت هناك استعدادات وخطط جاهزة للردّ على هذا الاحتمال أو ذاك. ومأساة الْجنرال أنّه لم يُخطئ في السياسة فقط، بل أخطأ في الْحسابات العسكريّة أيضا.

   والقول بأنّ الْحرب اندلعت لأنّ عون تَحوّل إلى حالة شعبيّة استثنائيّة غير صحيح على الإطلاق. بعد تشكيل الْحكومة العسكريّة بِشهرين فقط، تَحوّل عون جثّة سياسيّة. لم أشعر يوما أنّه رجل سياسي مهمّ. ولو كان رجلا سياسيّا، لاستطعنا أخذه بالوسائل السياسيّة وبكل بساطة. كنت متأكدّا أنّ ظاهرة شعبيّة عون تشبه رغوة البيرة. لم تكن النّاس مع عون، كانت مع شعارات طرحها، وفي ظرف ما، وربّما ساهمت أخطاء غيره في تَجميع النّاس، وهم تَجمّعوا أصلا حول الشّعارات التي كانوا وسيبقون معها. ولو كان ظاهرة شعبيّة راسِخة، لِماذا يفشل أنصاره في محاولتهم الْمتكرّرة لإعادة مناخ الْمهرجانات السّابق، ولِماذا يفشلون في تنظيم مظاهرة واحدة؟ سقطت الأقنعة. سرقة الشّعارات، وتَقمّص الأدوار، ربّما صنعا تَمثيليّة كبيرة، لكنّها لا تصنع قيادة راسِخة. حين وجّه إنذار بِدخول الشرقيّة بالوسائل العسكريّة، صعد النّاس إلى القصر لا ليُعلنوا تأييدهم للجنرال، بل ليُعربوا عن معارضتهم لأي اقتحام للشرقيّة.

   وأقول أكثر، لو كان النّاس مع عون، لِما استطعنا وقف هجومه ضدّنا. فهل نستطيع قتل كلّ النّاس؟ لا يَجوز غشّ النّاس. هذا الْحكي غير معقول.

   والْحديث عن قماشة الْمُتشدّدين مردود أيضا. خذ ما حدث في 14 فبراير (شباط) 1989. تراجعت أنا وبصورة علنيّة، وأمام كلّ النّاس. إلا تذكر؟ قلت له تِكرم وبِتمون. سلّمته الْمرافئ والْمعابر والدّوائر العقاريّة وكلّ ما طلبه. أكثر من هيك، لقد أعطيته أحيانا من مُمتلكات "القوّات" الْخاصّة. لقد تراجعت في شباط تفاديا للْمواجهة. لم أعد أتكلّم بالسياسة لِتفادي الْمشكل، وأنا شغلتِي سياسة. هذا القول غير صحيح إطلاقا. الصّحيح هو أنّه بنَى كلّ مشروعه على العداء لـ"القوّات"، وقاده الْمشروع إلى ما قاده إليه. لقد مهّد الأرض وقدّم الشّرارة واتّخذ القرار.

   وبِصراحة كاملة أقول لك: لم نكن نريد مواجهة عون، ولم تكن لنا مصلحة في تدمير الْمجتمع ومؤسّساته. حين أعلن عون الْحرب علينا، كان قد تَحوّل فعلا إلى جثة سياسيّة. كان بدأ رحلة السّقوط، وباتت الْمسألة مسألة أشهر. لم نكن راغبين في دفعه إلى السّقوط، ولا بِتقاضي ثَمن إزاحته، ونحن لا نتطوّع لأدوار من هذا النّوع. كان الْجنرال يغرق، وكان في عزلة سياسيّة واقتصاديّة وماليّة، وفي وضع عسكري مُغلق. توهّم أنّ الْحرب على "القوّات" هي الْمخرج، وربّما أراد إغراق الْجميع انتقاما لانْهيار أحلامه.

باهظة ومُؤلِمة

   لقد كانت حرب الشرقيّة باهظة ومؤلِمة. والْمفروض أن يُحاكم مَن تسبّب بِها. كانت مُكلفة جدّا من النّاحية البشريّة، أكثر من ألف قتيل بين الْجيش و"القوّات" والْمدنيين. الْخسائر الْمباشرة أكثر من مليار دولار.

   خسائر "القوّات" البشريّة بِحدود الـ200 قتيل، الأرقام الدّقيقة ليست بين يديَّ الآن. لكنّ الأكيد أنّ "القوّات" خسرت في هذه الْمعارك أكثر من مجموع ما خسرته في الْمعارك منذ قيامها. وإضافة إلى ذلك، ضربت حرب الشرقيّة لبنان على الْمستوى الْمعنوي، وكذلك نظريّة إعادة تَحريره، وبناء لبنان الْمستقلّ، وهي حسابات انطلقت أصلا من النّواة التي كانت موجودة في الشرقيّة، والاستقرار الذي كان قائما، والوضع الاقتصادي أيضا.

   ومع الْخسائر التي أشرت إليها، هذا الْجرح الذي خلّفته الْمعارك في قلب كلّ مواطن. والإنسان هو في النّهاية كلّ القضيّة وأساسها. وبرغم الآلام نقول إنّ الضّربة التي لا تقتل تُعلّم وتُقوّي. لا بدّ من ورشة لإعادة البناء. لكنّ القول إنّ الشرقيّة قد قُتلت في حرب الشرقيّة ليس دقيقا. نحن على أبواب بداية جديدة بِشكل من الأشكال. هناك قوى ستضمحلّ لأنّ الأحداث كشفت عُقم طروحاتِها. وربّما تبدأ مسيرة جديدة لاسترجاع السّلام والاستقرار، في ظلّ العدالة والْمساواة والازدهار لكلّ اللّبنانيين.

   لم تُفرز حرب الشرقيّة الْمناطق. وما هو قائم حاليّا عابر بالتّأكيد. كلّ الْمناطق قريبة إلى قلبنا، وسكّانُها سبق وحدّدوا مواقفهم منّا، وتَجاوبوا مع طروحاتنا. ما تفرضه الْحرب أكثر من مؤلِم. كان علينا أن نُدافع عن أنفسنا في وجه آلة عسكريّة. كان قرار الردّ موجعا، إذ كان علينا تفادي الْمناطق السكنيّة، خصوصا وأنّ أبناء ها يُقاتلون في صفوفنا. لِهذا كنّا نقصف الأهداف العسكريّة البعيدة عن الأحياء بِمدافع الْميدان، في حين كنّا نقصف الأهداف العسكريّة القريبة من الْمناطق السكنيّة بِمدفعيّة الْهاون التي تُخطئ بعض أمتار فقط عن الْهدف الْمحدّد لَها. للأسف لا يُمكن مواجهة قرار الْحرب إلاّ بالوسائل العسكريّة. وأحيانا تُرغمك الظّروف على قرارات تَكرهها، وتَتمنّى لو استطعت تفاديها.

   تلك الصّفحة الْمؤلِمة يَجب أن تُطوى. لسنا في وارد تَصفية الْحسابات. لا شكّ أنّ العماد عون يَتحمّل مسؤوليّة مباشرة، مسؤوليّة سياسيّة. ولا شكّ أنّ هناك مَن كان في موقع الْمسؤوليّة وأساء التصرّف، وهؤلاء

نَترك أمرهم لقيادة الْجيش الْجديدة. يَجب أن يعود الْجيش إلى دوره ومرتكزاته وثوابته. تَحويله إلى مجموعة في خدمة رجل كلّفه غاليا، وكلّف البلاد غاليا. لا ذيول ولا تَصفيات. الْمسألة أكبر من ذلك، وهذا الأسلوب يُعمّق الْجرح. نريد عودة الْمنطقة إلى دورة حياتِها الطّبيعيّة.

القليعات كانت الأخطر

   أسترجع الآن تلك الْمرحلة الصّعبة. منذ اللّحظة الأولى كان مصير "القوّات" مطروحا. مرّت لَحظات وكانت أخطر من الأخرى. معارك ضبيّه لم تكن خطيرة. معارك القليعات كانت خطرة بالفعل. على مدى يومين، زجّ عون تقريبا كلّ الْجيش الذي كان بإمرته. كانت طاحنة. هاجم الْجيش بطريقة "موجة" وراء "موجة". بالأسلوب الإيْرانِي، ولو في صورة مُصغّرة. أخطر موجة كانت الأولى، ومن كثرة الْموجات، شعرنا بالْخطر. نَجاحنا في احتواء الْهجوم الأوّل سهّل لنا الإمساك بِزمام الأمور. معركة القليعات كانت قاسية وشرسة، وكما قلت إنّها معارك لم نكن نريدها. كنّا نشعر أنّ كل قتيل يسقط هو خسارة لنا، ومهما كان موقعه. وكل مدنِي يُصاب هو خسارة لنا. والأمر نفسه بالنّسبة لكلّ بيت ولكلّ شجرة. لقد أوصل العماد عون الْحرب إلى حيث لم تصل منذ خمسة عشر عاما. لم نكن نعتقد أنّ ساعة تأتِي نواجه فيها دبّابات الْجيش في القليعات. ماذا يقول الْمسؤول إذا وقف أمام محكمة ضميره؟ ماذا يقول لنفسه، وماذا يقول للنّاس؟ من "القوّات"، قاد هذه الْمعركة ضابط بِرتبة رائد اسْمه حنّا عتيق. طبعا كان إلى جانبه عدد كبير من الضّباط، لكنّه كان الْمسؤول بشكل أساسي. لقد كانت القليعات اختبارا لأشياء كثيرة. فإضافة إلى القدرة العسكريّة والتّماسك، كانت اختبارا للقدرة على احتمال الظّروف البالغة الصّعوبة في حرب لك يكن الْخصم فيها مُصنّفا في خانة الغرباء والأعداء.

   القول بأنّ تَحويل "القوّات" إلى مؤسّسة نظاميّة هو الذي خلق التّناقض مع الْجيش ليس صحيحا. هل كان من الأفضل إبقاء "القوّات" شرازم ومجموعات، أم الأفضل ترسيخ روح الْمسؤوليّة والانضباط؟ ثُمّ إذا لم تُحلّ الْميليشيات، لن يكون ثُمّة فارق بين أن نُسمّي هذا العنصر رائدا أو ملازما أو رفيقا. أمّا موضوع مستقبل الْميليشيات، فمرهون بِزخم الشرعيّة الْجديدة، ومدى وعيها للمشكلة النّاشئة. الْحلّ السياسي هو الْمفتاح لكلّ شيء. السّلام يُبطل الْحاجة إلى السّلاح. علينا أن لا نُخطئ مجدّدا فنقول إنّ مشكلة لبنان هي مشكلة ميليشيات. عودة إلى الوراء تُظهر أنّ الْميليشيات هي إفراز لِمشكلة لبنان. قبل 1975 لم تكن هناك ميليشيات، ووقعت الْحرب.

   تقول إنّك لا تستطيع تصوّر قادة الْميليشيات وزراء عاديين، وشركاء في الْحكم، بلا جيوش ولا دبّابات. وأنا أقول لك، إذا كانوا في الْحلّ السياسي، تُصبح قدرتُهم العسكريّة في الْجيش اللّبنانِي. ثُمّ هل ترى أنّ إعطاء الأوامر العسكريّة يُشكّل هدفا في حدّ ذاته؟

   تسألنِي إذا ما كنت بعد رحيل العماد عون سأكرّر ما اعتبره أخطاء ه، خصوصا لِجهة مصادرة القرار، وعدم القبول بأي معارضة، والاعتقاد بأنّنِي أملك تفويضا للاستئثار بِمصير الشرقيّة وقرارها؟ وببساطة أُجيب: لم نفعل ذلك ولن نفعل. لا يستطيع البقاء مَن يَخاف الْحريّة. في الأعوام الْماضية أعدنا مَن كانوا مطرودين من الشرقيّة، كالأستاذ هنري صفير.

   سبق للبطريركيّة الْمارونيّة أن أصدرت أكثر من بيان وهاجمتنا فيه. ماذا فعلنا؟ دافعنا عن نفسنا بِبيان. تَجربتنا مع العماد عون زادتنا قناعة بأنّه في غياب الْحريّة السياسيّة تبقى أي سلطة مهدّدة بالانفراط عاجلا أم آجلا. على العكس، نريد لِمجتمعنا أن يعود إلى تقاليده الدّيْمقراطيّة وأن يُعمّقها. نريد العودة إلى الصّراع الفكري في الشرقيّة وفي كل لبنان. الصّراع الفكري هو طريق التّغيير والإبداع، وبدونه تسقط الْمجتمعات وتتحجّر وتَموت. نحن لا نَخشى الْحريّة، بل إنّنا نراهن عليها. تطلّع إلى العالَم، الإمبراطوريّات التي بُنيت على القمع تنهار وتتفكّك. الْحريّة والْحوار والديْمقراطيّة هي مرتكزات العالَم الْجديد الذي نطمح إلى أن نكون جزء ا منه.

                                                                                        انتهى

 

 

   

© 1996-2003 LEBANESE FORCES, ALL RIGHTS RESERVED