Contact us | Join Our Mailing List | En Français

Biography | Conference | Political Trial |  For Justice & Truth | Remembers |Pictures | Speeches | Home

 

Samir Geagea Remembers

سمير جعجع يتذكر

Part 1 Part 2 Part 3 Part 4 Part 5 Part 6 Part 7 Part 8 Part 9

                                            In PDF


حان وقت كشف الْحقائق
وأَعرف مَن أطلق كلَّ رصاصة

   لا يُراودنِي شعور بأنَّني رجل سيِّئ الْحظّ. على الْعكس تَمامًا. ربَّما كانت الْمرحلة هي مرحلة سوء الْحظّ العام. إنَّها أجواء عسكريَّة وعنيفة. أجواء تفتيت وتقاتُل. البلاد بأسرها غرقت في هذا الْمناخ الَّذي يفرض مُستلزمات مُعيَّنة على العاملين في الْحقل العام. كُلُّنا نعيش في هذا الإطار، وكأنَّ الْحرب لَم تقع، أو كأنَّها غير موجودة. وَحدهم الَّذين استقالوا من مصير الوطن ومصير النَّاس يُمكنهم القَول إنَّهم يعيشون خارج هذه الدَّورة العنيفة. لكن ماذا يفعل هؤلاء، وماذا باستطاعتهم أن يُقدِّموا؟ مُجرَّد استعراض بسيط للأسْماء الَّتي طُرحت على السَّاحة اللُّبنانيَّة على مدى خمسة عشر عامًا تُظهر تَمامًا أنَّ كُلَّ اسْم اقترن بِحدث عسكريّ أو بِعُنف مُعيَّن، أو بأحداث دوليَّة، باستثناء الَّذين لَم يفعلوا شيئًا. والأمثال كثيرة في هذا السِّياق. من كمال جنبلاط، إلى سليمان فرنجيَّة، ومن كميل شَمعون، إلى بيار الْجميِّل. صحيح أنَّني بَدوت كرجل عسكريّ، واقترن اسْمي بأحداث عسكريَّة، لكن كميل شَمعون كان رجلاً عسكريًّا، وبيار الْجميِّل أيضًا، وسليمان فرنْجيِّة. وأكثر من ذلك، ثمَّة مؤسَّسات دينيَّة ارتبط اسْمها خلال الأحداث بأعمال عسكريَّة وعنيفة، وحتَّى أسْماء شخصيَّات فِكريَّة وأدبيَّة ارتبطت بِمثل هذه الأحداث.

   في حرب كهذه الْحرب الطَّويلة تُحدِّد نتائجُها مصير دولة ومصير شعب، لا تستطيع الوقوف علىالشُّرفة والتَّحديق إلى بلادك وهي تَحترق. وليس من حقِّك بالتَّأكيد أن تُتابع من بعيد عبر الْمنظار. رُبَّما من السَّهل أن تَتغنَّى بِشعار أنَّك ضدّ الْحرب، لكن هل تَقبل أن يصنع الْمُحاربون لك وطنًا لا يُشبه الْمُواصفات الَّتي لا بُدَّ من تَوافرها في الوطن والدَّولة؟

   مُجرَّد وجودك على هذه الأرض يَجعلك جزءً ا من هذا الصِّراع. وهذا الإطار العُنفِيّ لا يَترك لك خَيارات كثيرة. ولكي تُنهي الْحرب يَجب أن تَكون قوِيًّا، ولكي لا يكون السَّلام ضدَّك يَجب أن تكون مُشاركًا في صُنعه.

   للأَسف، وفي كثير من الأَوقات، نَكتفي بالْحُكم على ظواهر الأُمور، ولا نُكلِّف أنفُسنا عناء الغَوص في أعماقها لاستشراف طبيعتها الْحقيقيَّة، ولِهذا نُخطِئ كثيرا. ولِلأَسف أيضًا،  وعلى رُغم مرارات الدُّروس الَّتي أكَّدتْها الْحرب، لَم نَستطِع، بعدُ، امتلاك هذه الرُّوح النَّقديَّة الَّتي تُساعدنا على تَخطِّي الشِّعارات

لِمُناقشة الْجَوْهر. على مدى خمسة عشر عامًا والإطار الْمُحيط بِالعمل السِّياسيّ إطار عسكريّ وعُنفِيّ، ولِهذا، فكُلُّ أسْماء الَّذين حاوَلوا إنقاذ الوَضع، أو دفعه إلى التَّدهور، اقترنت بِأعمال عسكريَّة، ولَو بِدرجات مُتفاوِتة. ولِهذه الْمسألة علاقة بِالإعلام، وبِرغبة الْمَعنيِّين في تَوظيف اللُّعبة الإعلاميَّة، وبِقُدرتِهم أحيانًا. ولُنأخُذ أحداث "إهدن" (1978)، والَّتي كان اسْمي أوَّل الأَسْماء الَّتي ظهرت بعدها. في هذه الأَحداث كان هناك عدد غير قليل من العسكريِّين والسِّياسيِّين الْمَعنيِّين بِها. بعضُهم أعلى منِّي رُتبة ومَوْقعًا، وآخرون مِثلي، وقسم أدنَى منِّي. لكن لِماذا لَم يَبقَ إلاَّ اسْمي من تلك الأَحداث؟ السَّبب بسيط جدًّا، فكُلُّ الْمَعنِيِّين بِالعمليَّة جرَّبوا بعدها، بِشكل أو بِآخر، أن يُبَرِّروا حالَهم، وأن يُظهِروا أنفُسهم في صورة الأَبرياء، وأن يَغسلوا أيْديَهم. في حين أنَّ كثيرين منهُم كانوا سبب القرار. في الْمُقابل، أنا لا أُسجِّل على نَفسي سُلوكًا من هذا النَّوع، ولا أَسْمح لِنَفسي بِمثل هذه الصَّغائر. أحداث كُنَّا فيها، وبِغضِّ النَّظر عن الصَّواب أو الْخطأ، وعن حُسن النِّيَّة أو سوء النِّيَّة، لقد كُنَّا هناك. لا يَجوز مثل هذا التَّهرُّب. على الأَقلّ، رحمة بِمَن قُتِلوا مَعنا، وتَعذَّبوا مَعنا. أُفضِّل ألف مرَّة أن يَطولَك التَّجنِّي بِسبب وفائك لِدماء رُفقائك، من أن تَحصل على شهادة حُسن سُلوك لأنَّك تَبرَّأت من دمهم. وأيَّة مِصداقيَّة تَبقى لِمَن يَنكُر قرارًا اتَّخذه ويَتخلَّى عن مُقاتل أَرسله؟ رُبَّما تَنجح هذه الألاعيب لِبعض الوَقت، لكنَّها لا تَنجح كُلَّ الوَقت. من الْمُعيب أن يَصل الْجُبن إلى هذا الْحَدّ، وأن يُجرِّب كُلُّ واحد أن يُدافع عن مصلحته أو صورته. في مِثل هذه الشَّدائد يُمتحن الرِّجال، وتُمتحن القِيَم الَّتي يَحملونَها، ومدى التِزامهُم بِهذهِ القِيَم. أذكرُ جيِّدًا كثيرين كانوا يُسَوِّقون عن أَنفُسهم صورة الْحمائِم، وكأنَّ لا علاقة لَهُم من قريب أو بعيد بِما جرى. بعضُهم حاوَل استِدرار عطف سليمان فرنْجيَّة، أو الآخرين ذوي العلاقة بِأحداث "إهدن". كثيرون غسلوا أيديَهُم مِثل يوضاس، وحاوَلوا تَبييض صفحتهم.

   بصراحة أنا لستُ من هذه الْمدرسة. لقد كنتُ هناك، وأعتبر أنَّه من الْجُبن ومن قِلَّة الإيْمان والالتِزام أن يَقوم الْمرء بِعمل ثُمَّ يُنكر ويُجرِّب أن يُغطِّيَ العمل الَّذي قام به. لَم أفعل هذا رُغم وُجود مَن هُم أعلى رُتبة مِنّي، وبِكثير. 

   مِثال آخر على ذلك. سَمير جعجع هو أقلّ شخص له علاقة بِـ"حرب الْجبل"، وأقول أقلّ شخص على أرض الْجُمهوريَّة. ماذا حصل؟ دارت الأَحداث ودارت، ثُمَّ بدا وكأنِّي أنا الْمَسؤول عمَّا حدث في الْجبل. ولأنَّ وَقت تَسمية الأَشياء بِأسْمائها قد حان، أقول: لقد كنتُ أوَّل مَن عارض صُعود "القُوَّات" والكتائب إلى الْجبل. أكبر الْمُعارضين كنتُ أنا. أمَّا لِماذا كنتُ أوَّل الْمُعارضين، ثُمَّ صعدتُ إلى الْجبلِ؟ فالْمسألة مُختلفة. عندما كان القرار سِياسيًّا، كان رأيي أن لا نَصعد إلى الْجبل. ولكن عندما صعدت القُوَّات والكتائب، وحدث ما حدث، كان لا بُدَّ من أن يكون لدى الْمرء الْحدّ الأَدنَى من الوَطنيَّة، والْحدّ الأَدنَى من الاِلتِزام بِرفاقه، وبالنَّاس، وبِالأَحداث. وسواء أكان القرار صحيحًا أم غير صحيح، فقد بدأت الأَحداث.

ومن هذا الْمُنطلَق سارعْنا لِنَرى كيف يُمكن استِدراكها، والْحدُّ من الْخسائر.

   لا أقولُ أنَّنِي كنتُ ضدَّ الصُّعود إلى الْجبل لأنَّ الوَقت مرَّ على تلك الأَحداث، بَل لإِظهار الْحقائق، ولأنَّ هذا الْمَوضوع أُثير مرَّات ومرَّات. عندما وقعت أحداث الْجبل، لَم أكُن سوى مَسؤول عسكريّ عن قِطاع الشَّمال في "القُوَّات". كان هناك رئيس لِلجُمهوريَّة (أمين الْجميِّل)، وقائد لِلجَيش من جهة، وقائد لِلقُوَّات، ومَجلس قيادة لَها، وجِهاز أمن واستِخبارات، وهيئة أركان من جهة أُخرى. كان بعد كُلِّ هؤلاء يأتِي مَوقعي في سُلَّم "القُوَّات"، وكمَسؤول عسكريّ فَرعِيّ في الشَّمال. ومرَّة جديدة لَم أُحاوِل أن أتنكَّر لِدماء مَن سقطوا. لَم أُحاوِل أن أُبرِّر ما فعلتُ، لأنِّي لا أعتقدُ أنَّنِي أضرمتُ الْحرب، أو ارتكبتُ خطأً، أو أنَّنِي أَشعرُ بِالْخجل مِمَّا فعلتُ. لستُ من قماشة الَّذين يُفكِّرون بِالنَّجاة بِأنفُسِهم، أو بِتَحسين صورتِهم على حِساب كُلِّ شيءٍ آخر. أصحاب هذا الأُسلوب لا يَستحقُّون الْمُشاركة في صُنع القرارات أو الْمصائر. لقد فوجئتُ فعلاً، وعَبر هذه السِّلسلة الطَّويلة من الأَحداث، من "إهدن" إلى "الْجبل" إلى "شرق صيدا والإقليم" إلى "انتِفاضة 12 آذار" وإسقاط الاِتِّفاق الثُّلاثِيّ، و"حرب التَّحرير"، و"حرب إلغاء القُوَّات".

فوجئتُ بِأنَّ الْهمّ الرَّئيسيّ لِكبار الْمَسؤولين هو تَبرير أنفُسِهم، وإلقاء تَبعة الأَحداث على الآخرين.

   ماذا حصل بعد حرب الْجبل؟ لَم يُحاوِل الْمَسؤولون إنقاذ ما تبقَّى منه، أو إعادة الْمُهجَّرين إليه، وهما ما كُنَّا نُحاوِلُ القِيامَ بِهما. لقد أَمضَوا مُعظم الوَقت يُخطِّطون لِتَحميلنا مَسؤوليَّة تُهمة الْجبل، أو جريْمة الْجبل. فنَّانون في التَّهرُّب والتَّنصُّل. ورُبَّما كانت هذه مَوهبتهم الوَحيدة. لَم أَتحدَّث سابِقًا عن هذه الأَشياء، لكن هذه الْمرَّة سأَحكي. أَعتقدُ أنَّ الوَقت حان لِدَحض الأَكاذيب، وتَصحيح الرِّوايات. وما سأقوله ليس مُجرَّد رِواية، بَل هناك ما يُثبته، وفي الْمَجلس الْحربِيّ محاضِر تَشهد على ذلك.

   عندما طُرِح مَوضوع انسِحاب الإسرائليِّين من شرق صيدا والإقليم، عقدتُ عدَّة اجتِماعات، كان فؤاد أبو ناضر يَترأَّسُها في بعض الأَحيان، وفادي أفرام مرَّات أُخرى. كان فؤاد يَترأَّسُها بِوَصفه رئيسًا لِلأركان، ثُمَّ صار لاحِقًا قائدًا لِـ"القُوَّات". ويَومها طُرِح موضوع الإقليم بِشكل جِدِّيّ وقُوِيّ. وكان إيلي حبيقة (رئيس جِهاز الأَمن والاِستِخبارات) يُشاركُ أيضًا، وكان من أكثر الْمُتحمِّسين لِلبقاء في الإقليم، ولِلحرب. كما كان يُشاركُ الياس الزَّايك، ونازو نَجاريان، وأسعد سعيد، وسِجعان قزِّي، وكريْم بقرادونِي، على أيَّام فادي أفرام، وبوسي أشقر، وأنا، وعبَّاس. وأظهرت الاِجتماعات انقِسامًا: نازو، والياس الزَّايك، وحبيقة، وبوسي، كانوا مُتحمِّسين لِلبقاء؛ وأسعد سعيد وأنا من أكثر الْمُعارضين لِبقاء "القُوَّات" والكتائب هناك. فؤاد أبو ناضر كان مُتأرجحًا، ولا يَعرف ماذا سيفعل. ومن فرط الْمُناقشات الْحامية قرَّروا تَشكيل لَجنة من أسعد سعيد وأنا ونازو لِنَزور الْمنطقة، وندرس الوَضع على الأَرض. ذَهبْنا بَحرًا إلى الجِيِّه (مرفأ عند شَمال صيدا) وأمضَيْنا يَومَيْن، وعَقدْنا اجتِماعات مع عسكريِّين ومَدنِيِّين في مركز "القُوَّات" في قرية

استطْلعنا الوَضع مَيْدانيًّا، وعُدنا إلى بيروت، وقد تأكَّدت قناعاتُنا السَّابقة. وفي ضَوء ما شاهدتُه، تَوصَّلتُ

إلى استنتاج واضح مفادُه أنَّ علينا الاِنسحاب من هناك، وأن لا نَبقى دقيقة، ولا في صورة من الصُّوَر، وأن نُسلِّم مواقِعنا للجَيش اللُّبنانِيّ في إطار الْخِطَّة الأَمنيَّة الْمَطروحة لدى الاِنسحاب من منطقة نَهر الأُوَلي (حُدود مدينة صيدا شَمالاً). هذا ما كان يَحصل، وهكذا كان مَوقفي. وخِلافًا لِرأيي، قرَّرت الأَكثريَّة البقاء هناك، ثُمَّ جاء لاحقًا مَن يُحمِّلُني الْمَسؤوليَّة.

 

Next

   

© 1996-2003 LEBANESE FORCES, ALL RIGHTS RESERVED