Contact us | Join Our Mailing List | En Français

Biography | Conference | Political Trial |  For Justice & Truth | Remembers |Pictures | Speeches | Home

 

Samir Geagea Remembers

سمير جعجع يتذكر

Part 1 Part 2 Part 3 Part 4 Part 5 Part 6 Part 7 Part 8 Part 9  

                                            In PDF


حاوَل أمين الْجميِّل التَّخلُّص مِنِّي وزرعَ اللُّغم الكبير
قال لِي والِدي: ماذا تُريدُ.. فغَدًا تَموت في الْحرب
لَم يَقبَل الْجِنرال بِنا جُثَّة، وقَصَّتُنا معَه مُحزنة ومُؤلِمة

   اتُّخذ القرار، ثُمَّ اندلعت الأَحداث، وكنتُ لَم أتسلَّ بعدُ الْمنصب الَّذي أُسند إلَيَّ، وهو قائد الوَحدات الْمركزيَّة. وسألتُ نَفسي يَومها ماذا علَيَّ أن أفعل؟ كنتُ مُعارضًا لِقرار البقاء، لكنَّه اتُّخذ، والاشتباكات بدأت. هل أكتَفي بإعلان مُعارضتِي وأتَهرَّب من القِيام بأيِّ دَوْر قد أَلعبُه في تَخفيف الْخسائر؟ لِلأسف، جاء لاحقًا مَن يُحمِّلُنِي مَسؤوليَّة سُقوط تلك الْمنطقة. بعض النَّاس لا يَستطيعون الْخُروج من دائرة الْحسابات الصَّغيرة، حتَّى ولو كانت العاصفة تُهدِّد باقتلاع كُلِّ شيء.

   ولأنَّ وقت كشف الْحقائق قد حان، أُذكِّر هؤلاء بأنَّه خلال هُجوم عنيف تَمكَّن الْمُقاتِلون الفلسطينيُّون

من السَّيطرة على رأس قرية "درب السِّيم"، ولَم يكُن أمامِي غير أن أَقود بِنفسي الْهُجوم الْمُضاد الَّذي نَجحنا إثره في استرجاع مواقعنا، وإبعادهم عن البلدة. الصُّور موجودة، وبعض مَن شاركوا في الْهُجوم موجودون أيضًا. في هذه الأَثناء، كانوا يُسوِّقون في الشَّرقيَّة جُملة تَضليلات، شارك فيها خُصوصًا "إيلي حبيقة"، وتَحت شِعار "هذا ما أَوْصلتنا إليه سياسة سَمير جعجع".ولَم يكُن الوقت وقت كلام، وتَصفية حسابات، وفتح جُروح، ففضَّلتُ السُّكوت. ولأنَّ النَّاس لا تلمُّ أحيانًا بكُلِّ التَّفاصيل، كان هناك مَن صدَّق. طبعًا، باستثناء أهالِي الْجَنوب، وتَحديدًا أَهالِي الْمنطقة الْمعنيَّة، لأنَّهم عايَشوا الوقائع، وكُنَّا على اتِّصال دائم.

   أنا سيِّئ الْحظّ؟ أبدًا، أبدًا، أبدًا. أنا، وعلى العكس، أعتبر نَفسي من أَصحاب الْحظّ الْجَيِّد. لكنَّ الْمرء لا يَستطيع أن يَختار كُلَّ شيء. فنَحن جيل جاءَ ته الْحرب في أوَّل شبابه. لقد لفَّت الأَحداث العسكريَّة والعنيفة لبنان من أَقصاه إلى أَقصاه، وتَركت بصماتِها على الْمُؤسَّسات وتَفكير النَّاس. كثيرون كان همُّهم الكبير إنقاذ صورتِهم، مُتناسين الدَّم والتُّراب وما دفعه النَّاس. حتَّى الَّذين كانت سياساتُهم من أَسباب انفجار الْحرب يُحاوِلون التَّهرُّب من مَسؤوليَّاتِهم، والْحديث عن بقائهم خارج لُعبة الْحرب. لقد هالَنِي فِعلاً حجم الْمسافة بين الواقع وبين الفِكرة الَّتي تَتشكَّل في أَذهان النَّاس عنه. بين الْحدث وصورتِه في ذهن الكثيرين. هذا الأَمر جعلَنِي أَخاف من أيِّ شيء أَقرأه في كُتب التَّاريْخ؛ لا بَل إنَّه يَدفعُنِي إلى وَضع علامة استفهام على ما نقرأه. فمَن يَدري؟ رُبَّما كان كُلُّ ذلك لا يُعبِّر تَمامًا عمَّا جرى. فالْخطأ وارد، وكذلك التَّزوير.

   سيِّئ الْحظّ؟ لا. لكنَّ الإنسان يَقع أَحيانًا ضحِيَّة مَجموعة مبادِئ، أو قِيَم يُؤمن بِها. مُنذُ البِداية لَم أَكُن

 من أَنصار الْحَكي، واعتَبرتُ دائمًا أنَّ الكلام على ما أَعرفُه أَمر سيِّئ. لَستُ من هُواة اصطياد السَّلبيَّات، وتَظهيرها، ونَقلها إلى الآخرين. ولستُ من مدرسة الشَّائعات، ومطابِخ الْحملات، والتَّذاكِي والتَّشويه. رُبَّما لا أَتَحدَّث عن وُجوه إيْجابيَّة في شخص ما، ورُبَّما تَحدَّثتُ، لكنَّنِي لا أَتَحدَّثُ مُطلقًا عن الْجانب السَّلبِيّ. نَظرتُ دائمًا إلى هذه الْمسألة على أنَّها بضاعة الضُّعفاء، يُروِّجون لَها في إطار النَّميمة والْحسد. واعتَبرتُ دائمًا أنَّه إذا قُيِّضَ لِهذا الأُسلوب أن يُحقِّق نَجاحات أو مكاسب، فإنَّها ستَكون عابرة بالتَّأكيد. التَّزوير لا يَشطب الْحقائق، وإن حجبَها لِبعض الوقت. والدَّجل لا يُمكن البناء عليه. يَستحيل أن يَحترمَك الَّذين يَعملون معك إذا لَم يكُن خَيْط الصَّراحة والوُضوح هو ما يَربطك بِهم. وحتَّى خُصومك لا يُمكن أن يَحترموك إلاَّ إذا كان لدَيْك سُلَّم قِيَم.

   مُنذُ بَدء تَسلُّمي لِمسؤوليَّات سياسيَّة، قبل خمس سنوات أو ستِّ سنوات، اعتَبرتُ أنَّ عليَّ كمسؤول أن لا أَنساق إلى الأَمراض الَّتي نَخرت مُجتمعنا وحياتنا السِّياسيَّة. لا يُمكن بناء مُجتمع بِعقليَّة النَّميمة والنَّفعيَّة والغَدر. لَم أَلجأ إلى التَّشهير، ولا إلى كشف ما أَعرفُه. لَم أَشُنَّ حملات، ولَم أُخطِّط لِتَشويه صورة الآخرين. ولا أُبالغ إن قُلتُ لك إنَّنِي أَعرف الكثير الكثير عن الْمواضيع الَّتي تَطرحُها. أَعرفُ تَحديدًا مَن أَطلق كُلَّ رصاصة، ومَن قتل فُلانًا، ومَن كان يَلجأ إلى إشعال الأَحداث كُلَّما هدأت. أَعرفُ كُلَّ ذلك، وكنتُ أَعتبر أنَّ على الْمَسؤول أن يَعيَ ما تَعنيه كلمة مَسؤوليَّة، وأن لا يَستَنْزف جهده ووقته في الْحُروب الشَّخصيَّة والْمُهاتَرات، وأن لا يكون إظهار الْجانب السيِّئ في الآخرين هاجِسًا لدَيْه. أَعرف أنَّك ستَتَّهمُنِي بِالْمِثاليَّة، غير أنِّي اعتَقدتُ أنَّ شُيوع الاِستهتار، وفصل العمل السِّياسِيّ عن الأَخلاق لا يَعنِيان أنَّ علينا أن نَندفع لِلانْخِراط في هذه الْمدرسة.

   هذه الْحُروب الصَّغيرة على الْمواقع والأَضواء رُبَّما تَصلح للأيَّام العاديَّة، رُغم اقتناعِي أنَّ معركة البناء في زمن السِّلم تَفترض تَمامًا ما تَستلزمه معركة الدِّفاع في زمن الْحرب. وللأسف، هناك تُراث من الْمُمارسة السِّياسيَّة السَّاقطة. عقليَّة دكاكين وسَماسرة تُنجِب هؤلاء الْمُتسلِّقين الَّذين لا يَتردَّدون في الإقدام على أَيِّ شيء، وفي استخدام أَيِّ وسيلة لِتَحقيق مآرب صغيرة ومُخجلة. عدم انتمائي إلى هذا التيَّار الواسع جعلَنِي في مَوقع الاتِّهام الْمُستَمرّ. حملات من كُلِّ اتِّجاه، لا تَهدأ إلاَّ لِتَتجدَّد. من أَقرب الأَصدقاء، إلى أَبعد الأَعداء. اتِّهامات، اتِّهامات، اتِّهامات. وفي مُواجهة ذلك، كنتُ أُراهن على الرَّأي العام، لِشُعوري أنَّه كان مُرتاحًا لِما أَقوم به. وبكُلِّ أَلَم أَكتشفُ أنَّ الْحِسَّ العام يَحتاج إلى مُساعدة، وأنَّه ليس قادرًا على الدَّوام على التَّمييز نَظرًا لِحَجم التَّشويه الْمقصود. وهكذا، بدأتُ بِتَغيير عاداتِي الْجيِّدة-السيِّئة. بدأتُ أُصوِّبُ الوقائع، لا خِدمة لِشخصي، وأنا ضميري مُرتاح جدًّا، وما يَهمُّنِي هو حُكم اللَّه والتَّاريْخ، وليس حُكم بعض السِّياسيِّين، والأَفراد السَّطحيِّين. لِهذا قرَّرتُ أن أَتكلَّم، حتَّى ولو حمل الكلام بعض السَّلبيَّات لبعض الْمسؤولين والأَشخاص الآخرين. لِهذا، سنَحكي بِلا تَردُّد ولا تَحفُّظ. من حقّ النَّاس أن تَعرف ماذا جرى في تلك

الْمحطَّات الَّتي تسأل عنها. لا يَجوز أن يَبقى النَّاس أَسرى روايات تَفتقر إلى الأَمانة أو الدِّقَّة. وللمرَّة الأُولى أَقول لك سنَحكي كُلَّ شيء، وبالوقائع والأَسْماء.

   أكيد أنَّ لديَّ هاجس التاريْخ، ورُبَّما أكثر مِمَّا تعتقد، وأكثر مِمَّا يَتصوَّر أصحاب الاتِّهام. أنا أعتبر أنَّ ما أقوم به إنَّما ينطلق من مسؤوليَّة مُعيَّنة. وهذه الْمسؤوليَّة لا بُدَّ وأن تُترجم في الْجغرافيا والتاريْخ. لِهذا السَّبب يَهمُّنِي التاريْخ. "شو بدُّو يهمّنِي غير التاريْخ؟" الْمنافع الْماديَّة والْمناصب والْمراكز؟ أكيد التاريْخ يَهمُّنِي. كون التاريْخ يَهمُّنِي لا يَعني أنَّني أعتبر نفسي مُنقذًا. أنا أعتبر الإنسان صغيرًا جدًّا، أي أنَّه أصغر من أن يَنتَزع لنفسه مثل هذه التَّسميات. الإنسان مُهمّ، لكنِّي نِسبيّ جدًّا. وحِيال العالَم والكَون والأَحداث، وأمام قامة التاريْخ، يَصعب على الإنسان الَّذي يبدو في صورة قزم أن يعتبر نفسه مُنقذًا. هذا لا يَعنِي التَّشكيك بقيمة الإنسان والفرد. لا يُراودنِي أيّ شكّ في مسؤوليَّة الإنسان، ولا في قوَّته وإمكانيَّاته. لكن كُلُّ ذلك يَجب أن لا يُغرقنا في الأَوهام. لا حاجة لِسَوق الأدلَّة على نسبيَّة الإنسان. حبَّة رمل في عينيه تعميه. وميكروب صغير يَشلحه في الفِراش لِمدَّة شهر. خلل صغير في الْخلايا، وهي تَتكاثر وتَتوالد، يكفي لقتل الإنسان. إذا كان هناك مَن يُدرك مَحدوديَّته، فأنا أعرف مَحدوديَّتي. ولِهذا لا يُمكن أن أُفكِّر بِنفسي كمُنقذ. ومعَ ذلك، أقول هذه الواقعيَّة لا تَنال من دَوْر الإنسان، ولا من قيمته وقُدرته على الفعل في الأحداث.

   أمَّا الانطلاق من ذلك للقَول بأنَّنِي لِهذا السَّبب لَم أستِطع التَّفاهم مع النُّجوم الَّذين كانوا مَوجودين على السَّاحة السِّياسيَّة، وأنَّنِي لا أُطيق الْمُشاركة في القرار، فهو مفهوم من الْمفاهيم الْمقلوبة رأسًا على عقب، وصورة روَّجها السِّياسيُّون الَّذين تعاطَيْتُ معهُم. ما حصل هو العكس. مُنذُ بَدء اضطلاعي بِمسؤوليَّات سياسيَّة حتَّى الآن، كنتُ قادرًا على الانسجام أو العمل مع الآخرين، لكنَّ الآخرين لَم يكونوا قادرين على الانسجام، لا معي ولا مع غيري. والسَّبب بسيط، لقد كان لدى الكثيرين شُعور بأنَّنِي أقدر منهُم، وأكثر ارتباطًا بالنَّاس، ولِهذا السَّبب كانوا يَخافون منِّي، ويَشعرون بالعجز عن الانسجام معي. ولِهذا فتَّشوا دائمًا عن تَحالفات أُخرى كانت مُوجَّهة ضدِّي، ومَبنيَّة على هذه الْحسابات. هناك أمثلة حسيَّة على كُلِّ ما قُلتُ. التَّعاون مع "إيلي حبيقة". مَن الَّذي حاوَل أن يُصادر القرار؟ أنا أم هو؟ قٌمنا معًا بالانتفاضة، واتَّفقنا على مبدإ القيادة الْجماعيَّة، وكُلُّ الَّذين كانوا معنا يَعرفون القصَّة، لكنَّ بعضُهم جبناء، يَرفضون حتَّى الآن كشف الْحقائق. اتَّفقنا على القيادة الْجماعيَّة، وفجأة، وفي إحدى الْجلسات، جاء حبيقة ليُطالب لنَفسه بِمنصب رئيس الْهيئة التَّنفيذيَّة، وإلاَّ لجأ إلى تَخريب كُلِّ شيء. وافقتُ لكي لا نفتح الباب لِمشاكل داخل "القوَّات". لَم يَكتفِ بذلك، أخذ الصُّندوق الوَطنِي بكامله، وراح يُحاوِل أخذ العسكر، عِلمًا أنِّي رئيس هيئة الأركان. لَم يُصادر قرار القوَّات، صادر قرار الْمنطقة والطَّائفة، وألزم الْجميع بالاتِّفاق الثُّلاثِي. وفي الوقت نفسه، راح يَقضي على أمين الْجميِّل والشَّرعيَّة، وما تَبقَّى من القوَّات اللُّبنانيَّة. لكن عندما تَجاوز الْخطَّ الأحمر، أي عندما بدأ يُهدِّد مصير الْمُجتمع، تَدخَّلتُ لإيقافه عند حدِّه.

 

   فكرة القيادة الْجماعيَّة كانت جديَّة. على الأقل من جانبنا، وهذا ما حصل في أوَّل مراحل انتفاضة 12 مارس (آذار). قبلنا بالقيادة الْجماعيَّة، عِلمًا أنَّ الْجهد الأساسيّ في نَجاح الانتفاضة، وعلى الصَّعيديْن السِّياسيِّ والعسكريِّ، بُذل من جانب الْمجموعة الَّتي كنتُ مسؤولاً عنها. لَم تكُن عندي مُشكلة في التَّعايُش مع حبيقة، وكنتُ أعرف أنَّه غير قادر على القِيام بشيء على الْمدى البعيد. بينما كان الفريق الَّذي نعمل فيه يَبني يَوميًّا، ويُظهر قُدرة على تَحقيق أهدافه، وبالوسائل السِّياسيَّة. لَم نَختَر الْمُواجهة العسكريَّة، خِلافًا لِما يعتقده الكثيرون. لَم نُبادر إلى شهر السِّلاح، بينما لجأ إليه كُلُّ الَّذين خافوا من نَهج جديد راح يُؤكِّد نفسه. وحين يَختار الآخرون اللُّجوء إلى السِّلاح، لا يَبقى لك غير خيار وحيد هو الْمُواجهة، وهذا ما حصل.

   القصَّة مع أمين الْجميِّل. هل هناك قصَّة تعايُش أفظع من هذه القصَّة؟ لقد تَحمَّلنا الكثير من تَشاطُره وألاعيبه. إنَّنِي أسألُ: هل هناك مَن هو أسوأ منه وأصعب؟ ومع ذلك، تعايَشنا ثلاث سنوات. لقد بُذِل جهدٌ أكثر من استثنائيّ لِتَرتيب تعايُش مع رجل يَصعُب التَّعايُش معه. خلال فترة التَّعايُش هذه، جرَّب مرَّات عدَّة أن يَتخلَّص منِّي. مرَّات ومرَّات طلب من العماد ميشال عون إنزال الْجيش للقضاء على القوَّات. "عون" كان يَروي أنَّ "أمين" طلب منه ذلك، وأنَّه رفض. طبعًا لَم يُقدم على الْخطوة، ليس لِعدم اقتناعه بِها، بَل لأنَّه لا يُريد أن يُنفِّذها لِحساب "أمين الْجميِّل". كان يُريد تأجيلها لِيُنفِّذها لاحقًا لِحسابه الشَّخصيّ. لقد حاوَل "أمين" أن يُلغيَنا سياسيًّا، "ويُمكن جرَّب يلغينا جسديًّا مرَّات". وحتَّى قبل أن يَترك قصر بعبدا، توَّج مآثره بِتَركيبة اعتقدَ أنَّها ستُلغينا عسكريًّا. 

   ميشال عون فعلتُ الْمُستحيل لأَتعايَش معه. لقد فعلتُ ما لا يُفعل كي لا يَحصل الاصطدام. أوَّل تَصريْح إيْجابِيّ لَحظة ولادة حُكومته صدر عنِّي بِرُغم مُعارضتِي لِهذه الْحُكومة. كنتُ أعرفُ أنَّ "أمين" زرع لُغمًا كبيرًا قبل ذهابه، وأنَّه يُراهن على انفجار هذا اللُّغم لإغراق الشَّرقيَّة في الدَّم. لَم أترك وسيلة. وقدَّمتُ أكثر من تَنازُل للتَّعايُش مع "ميشال عون". لكن ماذا تفعل بالْجنرال؟ ماذا تفعل بِهذا الْجنرال؟ لا يَقبل بأقل من القضاء عليك، وبالْحرب العسكريَّة. فهل تَربط محرمة بيضاء في عُنقك، وتَذهب إليه مُستسلمًا؟ هذا لَم يَحدث، هذا لن يَحدثَ أبدًا.

   لقد جرَّبتُ التَّعايُش مع كُلِّ القيادات اللُّبنانيَّة في الشَّرقيَّة وخارجها، لكنَّ التَّعايُش معي لا يُناسبهم، لأنِّي أؤمن بالبناء الْهادئ، وبفريق العمل، والْجهد اليَوميّ.مَن يَعرف ماذا يُريد، يَمتلك مفتاح النَّجاح. ومَن يَبْنِ كالنَّملة، قشَّة فوق قشَّة، وحجرًا فوق حجر، يَستَطِع التَّقدُّم. مَن يُراهن على العمل الاِجتماعيّ مع العمل السِّياسيّ، ومَن يَعتقد فعلِيًّا بضرورة الْمُؤسَّسات، تكُن له الغلبة في النِّهاية. يُريدون إقطاعات جامدة ونِهائيَّة، وهذا يَتعارض مع منطق الْحياة وسُنَّة التطوُّر. ولِهذا، كانوا يُسارعون إلى تَحويل الْخلاف السِّياسيّ إلى مُواجهة عسكريَّة، وهذا ما حصل من "سليمان فرنجيَّه" الَّذي أقلقه جهدُنا كشُبَّان حزبيِّين خلال حرب

السَّنتَيْن، فبادرنا بالرَّصاص، إلى "ميشال عون" الَّذي بادرنا بالْمدافع. قصَّتنا مع الْجنرال مُحزنة ومُؤلِمة.

انزعج من نشاطنا السِّياسيّ فأوقفناه. أصدر فرمان السَّيطرة على وساءل الإعلام، فاختار بعضها التَّمرُّد عليه. أَقفلتُ وسائل إعلامِنا كي أبتعدَ عن الْمُواجهة. لَم يَقبل بِنا حتَّى في صورة جُثَّة بِلا حِراك. ورُبَّما كان خوف كُلِّ هؤلاء في محلِّه. فالزَّمن لَم يعُد زمن زعامات عشائريَّة، وتَجمُّعات حول أشخاص. إنَّه زمن الْمؤسَّسات والبناء والتَّخطيط. نَحن لا نَخشى أيَّ مُواجهة سياسيَّة، واختلاف الرَّأي يَجب ألاَّ يُؤدِّي إلى الاِحتكام إلى السِّلاح. لكن عندما يُبادر هذا الطَّرف أو ذاك إلى إطلاق النَّار لإلغائك، لا يَبقى أمامك غير أن تَضعه عند حدِّه.

   اِتِّهامي بسُلوك نَهج انقِلابِيّ ليس صحيحًا. الْحقيقة كانت على العكس تَمامًا. الواقع الاِجتماعيّ-السِّياسيّ الذي كان قائمًا، ابتداءً من الشَّمال، وانتهاءً بآل الْجميِّل في حزب الكتائب والقوَّات، كان مفروضًا بالقُوَّة. حاوَلنا في الشَّمال مُمارسة عمل حِزبِيّ ديْمقراطِيّ، فسارعوا إلى استخدام القوَّة. نَحن لَم نسلك طريق الانقلابات، لكنَّ الواقع الاجتماعيّ-السِّياسيّ فرض علينا بعض الأحيان أن نُواجههم بنفس الوسائل. بِبساطة، مَمنوع عليك العمل السِّياسيّ والْحِزبِيّ، فإمَّا أن تَستسلم بالكامل وتَرضخ، وإمَّا أن تُمارس حقَّك فتُعرِّض نفسك لاحتمال قتلك على يد الْمُسيطرين هناك من جماعة "سليمان فرنْجيِّه". والْخيار الطَّبيعيّ هو أن تُمارس حقَّك، وأن تَستعدَّ للدِّفاع عن نفسك. وفي حزب الكتائب نفسه، وفي عهد الدكتور "إيلي كرامة" لَم يكُن لك حقّ في خَوض انتخابات الْمكتب السِّياسيّ. أتذكَّرُ الضجَّة الَّتي ظهرت يوم ترشَّحنا، خُصوصًا وإنَّها كانت الْمرَّة الأُولى الَّتي ترشَّح أحدٌ لعُضويَّة الْمكتب السِّياسيّ، من دون أن يكون على لائِحة السُّلطة في الْحزب. كُنَّا "ألفرد ماضي" و "كريْم بقرادونِي" وأنا. كُلُّ ماكينة الْحزب تَحرَّكت ضدَّنا، بِما في ذلك الشَّيخ أمين (رئيس الْجمهوريَّة) والشَّيخ بيار الْجميِّل (رئيس الْحزب). استَدعَوا كُلَّ النَّاخبين، ووزَّعوا التوجُّهات والتَّهديدات، ومع ذلك نَجح واحد من لائحتنا في ذلك الوقت. لَم أعتمد النَّهج الانقلابِيّ. الوضع القائم كان وضعًا انقلابيًّا ضدَّ كلِّ ما يُمكن تَسميتُه بِحُريَّات أو حُقوق أو مُساواة أو تَكافُؤ فُرص. ثقل هذا الضَّغط حتَّم علينا في بعض الأَحيان مُجابَهة هذا الواقع. حين يُصبح عليك أن تَختار بين إلغائك والدُّخول في مُواجهة للدِّفاع عن مبادئك، فإنَّك تَختار الثَّانية بالتَّأكيد. تسألُنِي عمَّا إذا كنتُ شعرتُ في صِغري وكطلع شبابِي بأنَّنِي قد ألعبُ دورًا في الشَّأن العام، وأُجيبُك بصراحة: نعم ،ومُذ كان عُمري عشرة أعوام. ورُبَّما كانت أقرب إلى الْمشاعر الَّتي تُراود كثيرين. لكن هذا الاتِّجاه ترسَّخ لاحقًا. كان عُمري نَحو اثنَيْن وعشرين عامًا، وفي عزِّ نشاطي الْحزبِيّ الذي لَم يكُن موضع ترحيب ومُوافقة فعليَّيْن من أهلي. ذات يوم، دخلتُ مع والدي في مُناقشة حادَّة. قال لِي: ماذا تُريد من الأَحزاب؟ وماذا سيحصل لك بِسببها؟ وقال: "بُكرا بِتموت بالْحرب، وبَدِّي إفهم شو بدَّك تعمل من ورا هالنَّشاط، ولوين بدَّك توصل". فأجبتُ: "بَدِّي أعمل رئيس جمهوريَّة". ولَم أقصد الْمنصب تَحديدًا، بقدر ما كنتُ أُريد تأكيد رغبَتِي في العمل في الشَّأن العام. وقبل اندلاع الْحرب، وكنتُ أُتابع دراسة الطِّبّ، كان هَمِّي الانتهاء

من الطِّبّ العام للتَّخصُّص لاحقًا في ميدان معالجة السَّرطان. وكنتُ أشعر أنَّنا لو تابعنا أبْحاثًا جديَّة، وعلى مدى سنين مُتواصلة، فإنَّنا سنصل إلى طريقة العلاج قبل أن يستشري السَّرطان في الْجسم، ورُبَّما إلى طُرق لشفاء الْمريض حتَّى بعد الانتشار. الواقع إنَّ شيئًا ما كان يشُدُّنِي دائمًا إلى دَوْر مُهمّ، والأشياء الصَّعبة تَجذُبنِي. 

   قبل اتِّخاذ القرار أشعرُ بالْخوف. لكن بعد اتِّخاذ القرار ليس للخَوف مكان. وحين يَتبيَّن من الدِّراسات والْمُناقشات أنَّ القرار يَجب أن يُتَّخذ، تَنتهي مرحلة الانتظار. وسعة يُتَّخذ القرار، يبدأ التَّنفيذ مهما كان الثُّمن. فبمقدار ما يكون التَّأنِّي ضروريًّا قبل اتِّضاح الطَّريق، يُصبح التَّردُّد ضارًّا بعد الاختيار. وأحيانًا لا بُدَّ من اتِّخاذ قرارات صعبة، وفي ظِلِّ موازين قِوىً ليست في مصلحتك. وهذا ما حصل في الْجبل، حيثُ لَم يكُن سرًّا أنَّ القِوى غير مُتكافئة، وكان القرار أن نُحاوِل الصُّمود. في مثل هذه الْحال لا تَستطيع التذرُّع بِميزان القِوى للاِبتعاد عن الْموضوع، والاستقالة من مصير النَّاس. إذا اتُّخِذ القرار، لا تَبقى ذرَّة خَوف.

   كأيِّ إنسان لديَّ نُقاط ضُعف. ورُبَّما تكون نقطة ضعفِي الأَساسيَّة رفضِي لأُسلوب توزيع الاِتِّهامات، وتَرويْج الأَخبار السيِّئة، ونقطة الضُّعف الثَّانية أنَّنِي لا أُحبُّ الكلام، وحتَّى عن العمل الذي نقوم به. الْحكي قصاص بالنِّسبة لِي. وتبيَّن أنَّ الْمسألة قصاص لأنَّ ثمَّة حدًّا أدنَى من الكلام لا بُدَّ منه ل