Contact us | Join Our Mailing List | En Français

Biography | Conference | Political Trial |  For Justice & Truth | Remembers |Pictures | Speeches | Home

 

Samir Geagea Remembers


جعجع: أحداث إهدن ما كانت لتقع لو قبل فرنْجيِّه بالآخرين

   رُبَّما وكون الوقت قد حان فعلاً للكلام على هذه الأحداث التي قيل فيها الكثير، ونُسجت حولَها الرِّوايات، وإلى حدّ تشويه الْحقائق وتزوير الوقائع. لقد قيل الكثير الكثير، ولكن دائمًا انطلاقًا من موقف مُسبق وحسابات مُغرضة. الرُّجوع إلى أحداث كُنَّا فيها يَجب ألاَّ يستهدف لا فتح الْجُروح ولا التَّبرير. واجبنا تُجاه أنفسنا وتُجاه الْمُهتمِّين بِمعرفة هذه الأحداث أن نَتحدَّث عنها بصراحة، فرُبَّما كان هناك ما يَجب تعلُّمه أو استنتاجه. الْمشكلة هي قبل كلّ شيء في اختلاف النَّظرة إلى الْمفاهيم والتَّسميات. يُسمُّونها مثلاً معركة إهدن أو عمليَّة إهدن، وهذا يُعطي لِما حدث طابع الشُّموليَّة. وللوهلة الأُولى، يتبيَّن وكأنَّ الْمقصود كان خَوض معركة ضدّ بلدة بكلّ سُكَّانِها، وهذا غير صحيح. ثُمَّ هناك مُشكلة أُخرى، وهي النَّظر إلى ما حدث فِي إهدن وكأنَّه وقع فَجأة ودون مُقدَّمات. فِي مسائل من هذا النَّوع لا يَجوز التَّغافُل عن الْحدث دون الالتفات إلى ما سبقه.

جزء من السِّلسلة

   أحداث إهدن مرتبطة فعلاً بسلسلة سبقتها، ولا يُمكن الفصل بينهما تَمامًا، كما لا يُمكن فصل أحداث إهدن عن الذُّيول التي تبعتها. وأقولُ بصراحة أنَّ ما أوردُه لا يَعنِي أنَّنِي أسعى إلى تَبرير أنَّ هذه الأحداث كان يَجب أن تَحصل. لكنِّي أقولُ ذلك لأَضع الْمشكلة فِي إطارها. معركة إهدن كانت حلقة من سلسلة بدأت قبل سنتَيْن، وكانت حلقة في السِّلسلة التي استمَّرت سنتَيْن أو ثلاث من بعدها. وهنا، مرَّة جديدة، أختلفُ معك يا أستاذ غسَّان بالنِّسبة للتَّسمية، ومن خلالك أختلف مع كلّ الذين يَعتمدون هذه التسمية، وأختلفُ معك أيضًا حَول ما تعتبره حجم تأثيرها على الْمسار الوطني العام.

   أُريد أن أوضِّح قبل كلّ شيء أنَّ الْمواجهة التي حصلت لَم تكن مواجهة بين حزب الكتائب وإهدن، بل كانت مواجهة مَحدودة بين حزب الكتائب وجماعة سليمان فرنْجيّه. ولا أقولُ كلّ آل فرنْجيّه. هذا صحيح، ومَن يعرف عاداتنا وتقاليدنا وتُراثنا لا يستغرب هذا الأمر. في القُرى أو البلدات هناك حدّ أدنَى من التضامن في السلوك، سواء توافرت القناعة أم لَم تتوافر. ونعرف أنَّه على رغم كلّ ما يُمكن أن يكون مَوجودًا بين الفئات والعائلات، فإنَّ كلّ الْمُختلفين يَمشون في جنازة الفقيد إلى أي جهة انتمَوا. في مسألة الْموت يَمشي الأصدقاء والأعداء معًا. إذا كان هذا ما يَحدث عادة، فكم بالْحَري حين جرَّب سليمان فرنْجيّه وجماعته الضرب على الوتر الإقليمي والعشائري الْحسَّاس، أي وتر إهدن وكرامتها. ونَحن نقول لَم تكن البلدة مُستهدفة، وقد تبيَّن لاحقًا كم نَحن ضَنينون بكرامة إهدن، وكم تَمنيّنا، وكم فعلنا ما لا يُفعل من أجلِها، وأكثر من سليمان فرنْجيّه وجماعته.

 

تقاليد التضامن

   أمام الْموت تَنحني الناس وتَمشي. وهذا ما حصل بعد موت طونِي فرنْجيّه. كان من البديهي أن تظهر عائلات البلدة والقوى السياسيّة فيها. ولدينا مثال غير بعيد. العماد ميشال عون كان يَخوض حرب داحس والغبراء ضدّ الرئيس رينيه معوض. عندما مات معوض سَمَّاه عون ومعه وسائل إعلامه "الرئيس". لا بل إنَّهم قالوا لو أنَّ معوض بقي حيًّا لَخلَّص البلاد. بعدما مات صار مُنقذًا بالنسبة إليهم. لا بُدّ من أن نلتفت إلى تقاليد القُرى، وكيف تطغى الشكليَّات والتقاليد على الْجَوهر والْمضمون. لقد تضامنت عائلات زغرتا مع سليمان فرنْجيّه، وبغضّ النظر عن رأي الْمَرحومَيْن "سمعان الدويهي" و"رينيه معوض" ورأي "سليم كرم" وزعماء العائلات الآخرين بِـ"سليمان فرنْجيّه"، و"طونِي فرنْجيّه"، وبصراحة فإنَّ بلدات كُبرى كـ"بشرّي" و"إهدن"

و"العاقورة" وغيرها هي في النّاحية قُرى صغيرة من حيث النفسيّة والتقليد. هكذا يَجب وضع الرّد على الأحداث في هذا الإطار العائلي والعشائري.

لَيْست عمليّة إهدن

   من هنا، لا يصحّ تسمية العمليّة "عمليّة إهدن" إلاّ نسبة للمَوقع الذي حدثت فيه. والْحقيقة إنَّ العمليّة هي حلقة من سلسلة الْمواجهات بين الكتائب وآل فرنْجيّة، والأصحّ إنَّها مع بيت سليمان فرنْجيّة بالذات، لأنَّنا نعرف أنَّ بيوتًا أُخرى في عائلة فرنْجيّه تتَّفق تَمامًا في الرّأي مع باقِي الزُّعماء الْمُعارضين لِنهج سليمان فرنْجيّه. ولا أجد حاجة هنا لِسرد الْمواجهات الدَّامية والعنيفة التي جرت بين مَجموعة الرئيس سليمان فرنْجيّه وأُناس من آل فرنْجيّه، وتلك التي جرت بين مَجموعة الرئيس فرنْجيّه ومَجموعات من باقِي العائلات التقليديّة أو السياسيّة في قلب زغرتا. عمليّة إهدن تُقال استنادًا إلى الْموقع الْجغرافِي، أمَّا في الْجانب السياسي، فهي عمليّة فريق الرئيس فرنْجيّه.

الاِنعكاسات والْمُبالغات

   الْمُبالغة في تقدير انعكاسات ما حصل في إهدن على الوضع العام كانت مَقصودة في كثير من الأحيان. ولِماذا لا تعود إلى التواريخ. فللَّذين يقولون إنَّ العمليّة كانت سبب انتشار الْجيش السوريّ في شَمال لُبنان، نُذكِّرُهم أنَّ عمليّة إهدن حصلت في 13 يونيو (حزيران)، في حين أنَّ الرئيس الرّاحل "الياس سركيس" كان قد اتّفق في شهر مايو (أيّار) على خطّة أمنيّة مع السوريّين، يُكلَّف الْجيش اللُّبنانِي بِموجبها بِمهام الأمن في جبيل وكسروان وجزء من بيروت وبعبدا والْمتن، في حين يُكلَّف الْجيش السوري بِحفظ الأمن في الشَّمال  والبقاع وبقيّة الْمناطق اللُّبنانيّة. وجود الْجيش السوري في الشَّمال كان مُقرَّرًا من قبل، في إطار خطّة أمنيّة بين الرئيس سركيس والْمسؤولين السوريّين. وسليمان فرنْجيّه نفسه ضغط على سركيس لِوضع الشَّمال تَحت الْمضلّة الأمنيّة السوريّة. يَومها حاوَل الرئيس سركيس توسيع رقعة انتشار الْجيش اللُّبنانِي في اتِّجاه الشَّمال، لكنَّ فرنْجيّه أصرَّ على موقفه، وبالطّبع لَم يُمانع الْجانب السوري.

على الْمُستوى الْمحلّيّ

   لا شكّ أنَّه كان لِعمليّة إهدن تأثير على الْمُستوى الْمحلّي، لكنَّ تأثيرها على الصعيد الوطنِي العام كان مَحدودًا جدًّا جدًّا، وأقلّ من تأثير أيّ حدث آخر. على سبيل الْمثال، هل أثَّرت على الغَزو الإسرائيلي للُبنان، أو على انتخاب بشير الْجميّل رئيسًا للجُمهوريّة؟ وهل أثَّرت على انتخاب أمين الْجميّل؟ وفي هذه النقطة بالذات، ليتها أثَّرت. فلو فعلت لكانت خلَّصتنا من وَيلات ووَيلات. على الصعيد الْمحلّي أثَّرت بالطَّبع في العلاقات بين البلدات والقُرى. جَماعة سليمان فرنْجيّه، وبِتشجيع ودعم من الْجهات الْحليفة لَهم، شنُّوا حملة تَصفيات ضدّ الكتائبيّين وأنصار الكتائب في البلدات والقُرى القريبة. العمليّة مَحدودة جغرافيَّا وسياسيًّا. فالرئيس فرنْجيّه وجَماعته لَيسوا في النِّهاية حزب التَّجمُّع من أجل الْجمهوريّة، ولا الْحزب الدِّيْمقراطي الْهائل، صاحب الامتدادات في كلّ الْمناطق. إنَّهم مسألة مَحدودة جدًّا داخل بيت فرنْجيّه، وليس في كلّ زغرتا وإهدن.

وجود الآخرين

   الآن وقد صارت تلك الأحداث بعيدة، يُمكننِي القَول، وبكلّ هدوء، إنَّ كلّ الذي حدث ما كان لِيحدث لو أنَّ الرئيس فرنْجيّه قَبِلَ بِوجود الآخرين، أو بِحقِّهم في التَّعبير عن رأيِهم. لَم يكُن أحد يَنوي شطب زعامة سليمان فرنْجيّه، وكان يُمكن أن تبقى الْمسألة مسألة أجيال، أي بين زعامة عشائريّة عائليّة، وشُبّان رأَوا في العمل الْحزبِي فرصة في الْمشاركة في العمل الوطنِي، بعدما أدركوا مَحدوديّة الإطار العشائري وتناقضه مع تطلُّعهم إلى بناء وطن ودولة. وكان يُمكن أن يبقى الْخِلاف مُجرّد صراع فكريّ وسياسيّ، لو لَم يَحتكم الطّرف الآخر إلى السّلاح. صحيح أنَّ أبناء الشَّمال قبضايات وقُساة في الشّدائد، ولكنَّ الصّحيح أيضًا أنَّ أحدًا لا يَقبل الإلغاء. والزّعامة التّقليديّة لا تُجيز قتل النّاس لِمُجرّد اعتناقهم هذه الفكرة أو تلك.

الكتائب والشَّمال

قبل حرب السّنتَيْن (1975-1976) كان الوجود الكتائبِي في الشّمال عاديًّا بسبب وجود العائلات الكبيرة هناك. وعندما اندلعت الْحرب، ظهرت مَوجة شعبيّة مؤيّدة لِحزب الْكتائب، لأنّه كان أكثر الأحزاب استعدادًا وحضورًا في الأحداث التي فرضتها الْحرب. أذكر أنّه قبل الْحرب كان لِحزب الكتائب وجود في بعض القُرى. وجود مَقبول في بعضها، ووجود رمزي في البعض الآخر. لَم يكُن حزب الكتائب قوّة سياسيّة ضاغطة. خلال حرب السّنتَيْن الْتحق عدد كبير من الشُّبان بِحزب الكتائب بعدما لَمسوا مَحدوديّة السّياسات الاقطاعيّة والعشائريّة وضرورة تَخطّي هذه الاعتبارات الْمحليّة. تَزايد حجم حزب الكتائب، وارتفع تقريبًا إلى عشرة أضعاف ما كان عليه قبل اندلاع الْحرب. في السّابق، وفي الكورة مثلاً، كان الوجود الكتائبِي مُقتصرًا على بعض القُرى الْمارونيّة، وضعيفًا جدًّا في البلدات الأُرثوذكسيّة. بعد حرب السّنتَيْن تبدّلت الصُّورة.

 

التَّمدُّد الْحِزبِيّ

   أعرف ذلك بالأرقام، لأنِّي كنتُ مسؤولاً عن القِوى النِّظاميّة هناك. صار هناك نَحو 30 أو 40 شابًّا في كلّ قرية. في "أميون" صار للكتائب وجود عبر مَجموعة كبيرة، وكذلك في "دده" و"رأس مسقا" وغيرها. في منطقة "بشرّي" حدث ما يُشبه الفَوران في الانتماء للكتائب. بعد حرب السّنتَيْن جرى حفل كبير لِتأدية اليمين في الْحزب، في بلدة "قنات". وتكرّر الأمر نفسه في "البترون". تَمدُّد حزب الكتائب وأقسامه لاقى قبولاً طبيعيًّا من زعماء العائلات، من جبرا طوق وقبلان عيسى الْخوري وجورج ضو وسايد عقل وسِمعان الدّويهي ورينيه معوّض. تعاملوا مع الْمسألة وكأنّها أمر طبيعي نظرًا للمسؤوليّات التي تَحمَّلها حزب الكتائب في تلك الْمرحلة. ولِهذا السّبب تَعاطَوا مع الواقع، وتفاعلوا معه، وكانت علاقاتنا معهم مُنسجمة، على رغم انتمائنا إلى حزب قائم على مبادئ مُغايرة للمبادئ والْمفاهيم العشائريّة.

 

بدأت الْمأساة بِقتل الكتائبيِّين، وحادثت "البايع" فرضت القرار

سليمان فرنْجيّه: لا مكان لَهم

   وتعثّرت الْمفاوضات السّياسيّة. أبلغ سليمان فرنْجيّة إلى الوسطاء ردًّا قاطعًا، وهو أن لا وجود للكتائب في الشَّمال، ولن يسمح لَهم بأي وجود هناك. ولَم يكُن يشعر بالْحرج مِمَّا يَجري. أذكر في شهر مايو (أيّار) صعدت إلى بلدتِي "بشرّي"، فوجدتُ ما لا يقلّ عن 200 كتائبِي فرّوا إليها من قُرى الشَّمال، هربًا من حملة التّنكيل.

   لَجأوا إلى "بشرّي" لأنَّ جماعة فرنْجيّه لا يَجرأون على مطاردتِهم إلى داخل البلدة. يومها دبّرنا لَهم مساكن في الشّاليهات. وفي إطار جهود الْحلّ عُقد اجتماع في "بكركي" مقرّ البطريركيّة الْمارونيّة بين النّائب طونِي سليمان فرنْجيّه وبشير الْجميّل.

الطّالب الْمُنضبط

   لا أعرف تفاصيل ما دار فيه. في تلك الأيّام كنتُ مُنهمكًا بالدّراسة، وتركتُ كلّ عمل سياسي، والْتحقتُ بالْجامعة اليَسوعيّة لأكمل دراسة الطِّب، بعدما جعلت الْحرب من الْمُتعذّر عليَّ أن أُتابعها في الْجامعة الأميركيّة في غرب بيروت، حيثُ بدأتُ. كانت الدّراسة تَستحوذ على كلّ اهتمامي، فقد صرتُ في الْمرحلة التي يُسمح فيها لطُلاّب الطِّب بأن يُعاينوا الْمرضى، وبالدّخول إلى غُرف العمليّات. وكنتُ أُحبّ العمل في قسم الطّوارئ، وبسبب غياب الأطبّاء، كان على الواحد منّا أن يتحمّل قدرًا أكبر من العمل والْمسؤوليّة، وكنتُ أتطوّع أحيانًا لأعمل مكان رفاقي. لَم أكُن على علاقة يوميّة بأوضاع الشَّمال، لكنَّنِي كنتُ أطّلع على التّطوّرات من خلال بعض الشّباب والْمسؤولين أثناء زياراتِهم لِي.

جود البايع

   عمليّات الإرهاب انقلبت إلى حرب شاملة. وخُيّل لِجماعة فرنْجيّه أنَّ دم أي كتائبِي مُحلّل للسّفك. فكلّما التقَوا بِواحد من هؤلاء، نكّلوا به. وجاء مقتل جود البايع، مسؤول الكتائب في منطقة زغرتا الزّاوية، لِيُؤجّج النّار. اغتيل جود البايع في مركز عمله، ودون أن يكون ضالعًا في شيء، وهو شخص مُحبّ للحِوار وحلّ الْمشاكل بالْحسنى. ووجد الْحزب نفسه أمام موقف صعب: إمَّا اتّخاذ قرار بإلغاء وجوده في الشَّمال، مع ما يُمكن أن يعنيه ذلك، وإمَّا الدّخول في مواجهة لِوقف مسلسل القتل والتّشريد، ووقف مَن أطلقوه.

أرجأنا عمليّة إهدن لِضمان غياب طونِي فرنْجيّه عن القصر

لم يكن مُستهدفًا، ولم نعرف بِوجوده، لكنّها الأقدار تتدخّل

بشير استدعانِي من أوتيل ديو، والغرض كان اعتقال القتلة

لَم يكُن الْحزب راغبًا

   وللتّاريخ وللإنصاف، لَم يكن حزب الكتائب راغبًا في مواجهة مع سليمان فرنْجيّه وجماعته، على رغم كونه قادرًا على إنْهائهم، وبِنهار واحد. فميزان القِوى معروف، والأحداث أكّدت ذلك. كان الْحزب ميّالاً تَمامًا إلى

التّسوية السّياسيّة. بيار الْجميّل سعى لدى رئيس الْجمهوريّة الياس سركيس، والبطريرك، ولَم تَترك القيادة الْحزبيّة شخصًا إلاّ واتّصلت به. والوصول إلى صيغة لَم يكن مُستحيلاً، لولا أنَّ سليمان فرنْجيّه تَمسّك بِشرط قال أن لا عودة عنه، وهو إلغاء الكتائب في الشَّمال. تَعدّدت الوساطات والْجهات الْمهتمّة. لكن لَم تكن ثَمّة أرضيّة مشتركة للبَدء بِمُباحثات، ذلك أنَّ الرئيس فرنْجيّه لَم يكن يُريد حلاًّ، بل كان يُريد تسليم الآخرين بِقراره، أي إلغاء الكتائب في الشَّمال.

الْحادثة الصَّاعقة

   سادت في الْحزب حالة من الْحَيرة والارتباك. الأحداث تتوالى، وموقف فرنْجيّه يُحبط كلّ الوساطات. وهنا جاء مقتل جود البايع شبيهًا بالصّاعقة في كلّ أوساط الْحزب الشّماليّة والبَيروتيّة. زاد من وقع الْحادث أنَّ جود البايع الذي قُتل بِوحشيّة على درج مكتبه، كان شخصيّة مُسالِمة وهادئة الطِّباع إلى درجة أنّه شارك لِفترة في الوساطة بين سليمان فرنْجيّه، وكانت بَينهما صداقة، وبيار الْجميّل. أطلق الْحادث موجة غضب شعبيّة داخل الْحزب. تولّد مناخ عام تَخطّى القيادة والقرار ومراكز القرار والطّرق التي تُصنع فيها القرارات على كلّ الْمستويات، من رئيس الْحزب وحتّى آخر عضو. الْحادث كهرب الْحزب، فشعر كلّ فرد أنّه مَعنِيّ ومُهدّد. في هذه الأجواء اتُّخذ قرار، أو فلنقُل أنَّ هذا الْجَوّ فرض على كلّ الْمستويات بالْحزب قرارًا بالْمواجهة.

   تَخطّت الْمشاعر حدود التّضامن الْحزبِيّ. كثيرون في الْحزب رأَوا أنَّ الْمسألة لَم تعُد مسألة حزب وسياسة، بل مسألة كرامة. قالوا لا يَجوز أن يُقتل النّاس في القرن العشرين بِهذه الطّريقة. ولا يَجوز الاستسلام للتّسلُّط. في جوّ من الغضب الكاسح، وفي اللّيلة التي أعقبت اغتيال جود البايع، اتُّخذ قرار الْمواجهة. قرار على كلّ الْمستويات الْحزبيّة، وبالإجماع، بالدّخول في مواجهة مع سليمان فرنْجيّه وجماعته، لإرغامِهم على وقف التّصفيات. وبعد هذا القرار بدأ دَوري في هذه الْمسألة.

اتِّصال وتَكليف

   كنتُ في غرفة العمليّات في مستشفى أوتيل ديو، وما إن خرجتُ حتّى قالت لِي الْممرّضة: طلبوك بإلحاح من الْمجلس الْحربِي. تركتُ الشّغل ونَزلت. التَقيت هناك بِبُطرس خَوند، فقال: الشّيخ بشير ناطرك. أطلعنِي بشير على الوضع في الشَّمال، وقال إنَّ الْحزب اتَّخذ قرارًا بالْمواجهة، وعلينا الآن أن نَجد الطّريقة. أضاف، إنَّ الْمواجهة ستكون شاملة على مستوى الشّمال كلّه، وأنَّ عوامل أُخرى قد تَخل فيها، لذلك لا نُريد ترك الْمسألة بين أيدي الْمسؤولين العسكريّين الْحاليّين. وقال: "بدّك تروح عالشّمال وتستلم قيادة الْمنطقة حتّى نعمل هالْمواجهة، ولَمَّا بتخلص، بترجع تروح على شغلك". وأجبته بأنِّي صرتُ في آخر السّنة السّادسة من دراستِي، وقدّمتُ قسمًا من الامتحانات، ولا يزال لديّ نصف الْمواد، وهو النّصف السّهل. أصرّ بشير، وكان عمري يومها 26 عامًا، وصرتُ في آخر سنة، وليس لديّ إلاّ شهر واحد فرصة بين السّنتَيْن السّادسة والسّابعة، وحتّى أقلّ

من شهر. رفض بشير، وقال: "ما حدا غيرك قادر يتحمّل هالْمسؤوليّة على مستوى الْمنطقة ككلّ. إنت عايشت كلّ الْمجموعات العسكريّة خلال حرب السّنتَيْن، ولَهم ثقة بك. ما لازم نبعث مسؤول غريب كرمال معنويّات أولاد الشّمال". وافقتُ، وتَحدّثنا في بعض التّفاصيل. يومها، صدرت عن بشير، بوصفه رئيسًا لِمجلس الأمن، مذكّرة أُبلغت إلى كلّ الْمراكز الْمعنيّة: نظرًا للأوضاع الْحاليّة السّائدة في منطقة الشّمال، يُعيَّن، وبشكل مؤقّت، سَمير جعجع مسؤولاً عن كلّ القِوى العسكريّة، والنّشاطات والتّحرُّكات العسكريّة التي تشهدها منطقة الشّمال في الوقت الْحاضر، وذلك حتّى نِهاية الوضع القائم.

لِماذا إهدن؟

   وقلنا نُرسل لِهذا الغرض مَجموعات تعتقل هؤلاء الأشخاص، وتحتفظ بِهم. هذه هي الْخطّة الأوّليّة التي أُعدّت بصورة سريعة. طبعًا كان الأمر يَتضمّن احتمال حصول مُقاومة، ومقتل مَن يُقاوم. وكان الْهدف اعتقال هذه الْمجموعة التي تُعتبر بِمثابة الذّراع العسكريّة لِفرنْجيّه. وتساءَ لنا عمَّا يُمكن أن نفعله إذا تدخّل الْجيش السّوري. ووجدنا أنَّه من الأفضل أن نتحصّن في إهدن. فلو كان الأمر في بلدة أُخرى، فإنَّ فرنْجيّه لن يَتردّد في تشجيع القوّات السّوريّة على ضربِها، حتّى ولو أدّى الأمر إلى تدمير البلدة. لكنَّ الْحسابات قد تَختلف حين تَتعلّق ببلدته إهدن، ورُبَّما فكّر مليًّا قبل أن يطلب من القّوات السّوريّة التّدخّل ضدّنا. لَم تكُن هناك مشكلة عسكريّة بالنّسبة لأنصار فرنْجيّه، فقدرتُهم على الْمقاومة لن تتعدّى الـ24 ساعة في أفضل الْحالات. ولَم يكُن الغرض التّعرُّض لأبناء البلدة، بل على العكس كان الْمطلوب إلقاء القبض على الْمجموعة التي تفتعل الأحداث، لِدفع الرئيس فرنْجيّه إلى اتِّخاذ قرار بِوقف مسلسل التّصفيات. أفراد هذه الْمجموعة كانوا يَتحرّكون بين زغرتا وإهدن، لكنَّ كثيرين منهم كانوا يُقيمون في إهدن، لأنَّهم يشعرون هناك بأنَّهم في أمان.

طونِي لَم يكُن الْهدف

   في الاجتماع الأخير للقيادة العسكريّة مع الشّيخ بشير، كانت هناك اقتراحات عدّة. أنا فكّرتُ في أن تكون العمليّة ليل السّبت-الأحد، وكان هاجسي في الواقع العَودة إلى الْجامعة في مطلع الأسبوع. لكنَّ الْمُجتمعين عارضوا الفكرة،