Contact us | Join Our Mailing List | En Français

Biography | Conference | Political Trial |  For Justice & Truth | Remembers |Pictures | Speeches | Home

 

Samir Geagea Remembers

سمير جعجع يتذكر

Part 1 Part 2 Part 3 Part 4 Part 5 Part 6 Part 7 Part 8 Part 9

                                            In PDF

انتفاضة 12 آذار صادر أمين الْجميّل القرار، فاستَرجعناه
تيّاران في حزب الكتائب، وأمين أوّل مَن خرج على القوانين
انتفاضة 12 آذار

   لم يكن 12 مارس (آذار) 1985 حدثًا بسيطًا أو عابرًا. إنّه حدث مُركّب بِخلفيّات مُركّبة. لكي يقع حدث بِهذا الْحجم لا بدّ وأن تسبقه تراكمات تدفع باتّجاهه. الْخلفيّات وحدها لا تكفي، ولا بدّ من سبب مباشر ليُترجم الْحدث على أرض الواقع. فلنبدأ من البداية. اعتبارًا من العام 1970 طُرحت في حزب الكتائب مسألة السّلطة والتّمثيل، وعلى نَحو صريح. واتّخذت منحى أكثر حدّة عندما ظهر أمين وبشير، نَجلا مؤسّس الْحزب الشيخ بيار الْجميّل، على ساحة العمل السياسي في الْحزب. بدأت ملامح اتّجاهين في حزب الكتائب، ومناخين. مناخ أو جوّ كنّا نُسمّيه جوّ أعمدة الْهيكل، أي جوّ الذين يُسلّمون بقيادة الشيخ بيار في صورة مُطلقة، ودون أي بَحث أو مناقشة، ودون أي دخول في التّفاصيل. يمكن أن نُدرج مثلاً في هذا التيّار الأُستاذ جوزف أبو خليل، والأُستاذ سليم رعيدي، والأُستاذ جوزف الْهاشم، وهلمّ جرّا. وهي مَجموعة تنتهج أورثوذكسيّة حادّة لِجهة الزعامة والسلطة السياسية في الْحزب. ومع هذه الْمجموعة في الْمرحلة الأُولى أمين وبشير. طبعًا في مرحلة لاحقة صار لـ"بشير" خياره، ولـ"أمين" خيار أيضًا. كانا يبتعدان في بعض الأحيان عن هذه القاعدة بقدر ما يَخدم ذلك خياراتِهما. لكن، وبالْمُجمل، إذا ظهر خارجهما أي تيّار حزبِي يقوم بنفس ما يقومان به، كانا يعودان إلى الالتفاف والتحوّل مُجدّدًا إلى جزء من الأورثوذكسيّة الْحزبيّة. بِمعنى أنّ أمين الْجميّل كان يسمح لنفسه أن يُخالف القوانين الْحزبيّة في إقليم الْمتن، والشيخ بشير كان يسمح لنفسه أن يُخالف القوانين الْحزبيّة بِمجلس الأمن الكتائبِي. لكن إذا حاول مثلاً غيث خوري، رحمه اللّه، أن يُخالف القوانين في إقليم جبيل، يُسارع أمين وبشير إلى الدّفاع عن القوانين الْحزبيّة. هذه قراء ة لأوضاع تيّار في الْحزب لا تَعني أبدًا التّشابه بين أمين وبشير. في نظرنا الآن، وفي كل وقت، نَحفظ لـ"بشير" مواقفه، والكثير الكثير، وتبقى ذكراه في قلوبنا. أمين شيء آخر تَمامًا، ورأيُنا فيه مَعروف.

التيّار الآخر

   في الْمقابل، كان هناك تيّار آخر بدأ بالتّحديد مع كريم بقرادونِي في مَصلحة الطلاّب، واستمرّ بشكل مَحدود مع خليل نادر، لأنّ خليل لم يكن ثابتًا ومُستقرًّا أصلاً. هذا التيّار كان يدعو إلى مزيد من الانفتاح على مُختلف الصُّعد، وخصوصًا على صعيد تَمثيل الشباب داخل الْحزب. وإذا شئتَ، فإنّ هذا التيّار كان يُمثّل نوعًا من "البيريسترويكا". وفي هذا التيّار كان هناك كريْم بقرادونِي، وإبراهيم نَجّار، وخليل نادر، وجورج كسّاب، وميشال سَماحة، ومَجموعة أُخرى من الشباب. هكذا بدأت قصّة التيّارين تَتبَلوَر، وكان التيّار الثّانِي يدعو إلى الانفتاح على الصعيد اللُّبنانِي العام. فقد أدّت سياسة الشيخ بيار إلى تَقوقع الْحزب في موقع سياسي واحد. وباستمرار تسأل عن موقف الْحزب، فيأتِي الْجواب أنّه مع الشرعيّة.

أوّل مَن خرج على القانون

   طيّب، إذا الشرعيّة أخطأت؟ مع الشرعيّة. إذا طُرح موضوع الْجنوب، يقولون ننتظر لِنرى موقف الشرعيّة، ونقف إلى جانبها. يا أخِي إذا أنْجبت بقرة لدى زعيم، فماذا نفعل؟ والْجواب إنّنا مع الشرعيّة. كانت لِهذا التيّار مَجموعة مآخذ على القيادة الْحزبيّة، ومن أهمّ هذه الْمآخذ الْموقع السياسي الْمُتحجّر للحزب في مواجهة كثير من الأزمات. الْحزب يستوحي مواقفه من مواقف الشرعيّة، كائنة من كانت هذه الشرعيّة، ثُمّ يأخذ موقفًا إمّا مائعًا، وإمّا يعوزه الوضوح. هذا التّباين كان ينطلق من تلك النّقاط، وصولاً إلى مسألة التّمثيل على مستوى الأجسام السياسيّة في الْحزب، أي على مستوى مواقع اتّخاذ القرار. نوّاب الْحزب كان بعضهم في الْموقع الآخر، أي الْموقع الأورثوذكسي. ولم يكن التّطابق كاملاً بين الْمُنتمين إلى هذا الْموقع، وكانت هناك درجات في الأورثوذكسيّة. طبعًا كان هناك من النّواب مَن يُسايرنا، أو يُحالفنا، لكن في ساعة التّصويت كانوا يعودون إلى الانسجام مع الْجوّ السّائد في الْمكتب السياسي، غير أنّ هذه الْمسألة لم تكن مُهمّة. مع بداية الْحرب، وتصاعد التّأزّم في الوضع العام في البلاد، راحت نقاط الْخلاف تَزداد، ومواضيع الْخلاف تَتعمّق بقدر ما كانت الأزمة تستشري في جسم الوطن. ثُمّ تسلّم أمين وبشير مسؤوليّات حزبيّة. وبإخلاص كامل للحقيقة يُمكننِي القول إنّ أوّل مَن تَجاوز القانون الْحزبِي في الكتائب، وكسره، كان أمين، ثُمّ بشير. أوّل مَن كسر القانون والنّظام، وتَخطّى الْمؤسّسة وقوانينها وأشخاصها، كان أمين الْجميّل.   

الانضباط الصّارم

   أذكر في أوّل حرب السّنتين، كان الْحزب اتّخذ جملة قرارات. والْحقيقة أنّ الرّوحيّة التي كانت سائدة في حزب الكتائب كانت نقيّة ومُمتازة، والانضباط الذي كان سائدًا كان مُمتازًا أيضًا. لن أغرق في التفاصيل لأرويَ أسْماء كل الذين ساهموا في خراب الْحزب، لكن أمين الْجميّل يأتِي بلا شك في طليعتهم. لقد أدّت مُمارساتُهم إلى ضرب الْجوّ الصّحّي والسليم، وإيْجاد جوّ من الفساد والتّخطّي والتّعدّي واللاانضباط. أذكر قبل حرب السّنتين إذا حدثت مُخالفة صغيرة من أحد الأعضاء أو أفراد القوى القتاليّة، كنت أرى أعضاء في الْمكتب السياسي من أصحاب القدر والقيمة، وإن كانوا أورثوذكسيين، من أمثال أبو خليل وجوزف سعادة، الأمين العام السابق، أو من غير الأورثوذكسيين، أمثال طانيوس سابا، في حالة من التّأثّر الشديد. بعضهم كان يصل إلى حدّ البكاء، ويقول: هيك بعد 50 سنة من النّضال الْحزبِي تأتِي عناصر وتُهين مَدنيًّا، أو تسرق، أو تَحصل تَجاوزات؟ من جملة القرارات التي اتّخذها الْحزب قرار بِمنع الْجبايات الْمحليّة، وأنّه إذا أرادت مؤسّسات التّبرّع للحزب، فلتَتبرّع للصندوق الْمركزي وهو يقوم بِتوزيع ذلك على الْمؤسّسات الْحزبيّة. لم يقبل الدكتور أمين الْجميّل بالصندوق الْمركزي، وكان يريد أن يُنظّم الْجبايات في الْمتن، والسّبب أنّه كان في تلك الْمنطقة عدد كبير من الْمؤسّسات الصناعيّة والْماليّة. رفض أن تصبّ التّبرّعات في الصندوق الْمركزي لِتُوزّع بالتّساوي على الْمناطق حسب احتياجاتِها، والْمقصود بالتّساوي حسب الاحتياجات، وليس الْمقصود أن نُعطي إقليم الْمتن مثلاً مبلغًا يُعادل ما نُعطيه لإقليم النّبطيّة.

انفجار الْجبايات

   لم يعجب القرار الشيخ أمين، وبدأ بأعمال الْجباية في الْمتن، وثَمّة حادث يُشير إلى ذهنيّة التّعامل مع الناس. صاحب أحد الْمعامل في الْمتن كان على علاقة مَحدودة بالأمور السياسية والْحزبيّة، لكنّه كان يعرف أنّ الْحزب اتّخذ قرارًا بِمنع الْجبايات الْمحليّة. ذات يوم، جاء إليه جماعة الشيخ أمين لِتحصيل الْجبايات منه، فقال لَهم: أنا أريد أن أتَبرّع للحزب الذي أصدر قرارًا بوقف الْجبايات الْمحليّة. ردّوا عليه: نَحن لا نفهم بالْحزب، يَجب أن تدفع لصندوق الْمتن. حصل يومها شجار، فاشتكى الرّجل للقيادة الْحزبيّة التي وجّهت للشيخ أمين سؤالاً عن الْحادث وجمع الْجبايات. فجر اليوم التالِي استيقظ الْحزبيون ليكتشفوا أنّ انفجارًا وقع في الليل في مصنع صاحب الشكوى، ودمّره. لقد كان أمين أوّل من خرق نفسيّة الْحزب وروحيّته، وأوّل من تَخطّى قوانينه، وكل الأعراف، وكل الْمسؤولين. تَخطّاها أمين، ثُمّ تبعه بسير، ثُمّ بدأت مَجموعة من الْمسؤولين في الْخروج على كل القواعد. هذا الكلام ليس من باب الاتّهامات، فكل الْحزبيين الذين عاشوا تلك الْمرحلة يعرفونَها وبالتّفصيل، وأستغرب أنّ أحدًا لم يَتحدّث عنها حتّى الان، ولم يكشف وقائعها.

   في ظلّ هذا الْجوّ كنّا نُحاول أن نَتحرّك من ضمن القواعد الْحزبيّة والنّظام الدّاخلي، مع الاعتراف بوجود خلافات في وجهات النّظر بيننا وبين القيادة الْحزبيّة حول عدد كبير من الأمور، لكنّنا لم نُحاول أبدًا تَخطّي القوانين الْحزبيّة. ومع بداية حرب السّنتين، رُحنا نُلاحظ الْخروج على القواعد الْحزبيّة. يُمكن القول إنّ الشرارة انطلقت من هنا. فتلك الْممارسات أدّت إلى انعدام الْمقاييس والقِيَم، وبدأت مشاعر الْخَيبة. أقلّ واحد منّا كان مضى على انتمائه إلى الْحزب عشر سنوات، والبعض أمضى فيه عقودًا من عمره. أدّى ذلك الواقع إلى انتقال أشخاص كثيرين من صفوف الأورثوذكسيّة الْحزبيّة إلى صفوفنا، ولكن في صورة غير مُعلنة، مثلاً طانيوس سابا والياس ربابِي والشيخ يوسف الضّاهر والدكتور نَجّار. أكثر وأكثر، سَمير اسحق ومَجموعة أخرى من الذين كانوا في صفوف الأورثوذكسيّة قبل الْحرب، ودفعهم تَخطّي الْمسؤولين الْمحليّين للقواعد الْحزبيّة في اتّجاه التيّار الآخر.

نَجلا الْمُؤسِّس

   استَمرّت حرب السّنتين، وشعر كثيرون في الْحزب وكأنّ أمين وبشير بدء ا في تقاسُمه، وأنّ على الباقين أن يُصفّقوا لِهذا أو لذلك. وبدأت التّساؤلات. هناك في الْحزب مَن هم أكثر من الاثنين قدْرًا وعمرًا، فهل يَجوز، ولِمُجرّد أنّهما ولدا الشيخ بيار مؤسِّس الْحزب، أن يَتقدّما على كل مَن يستحقّ ؟ هذا الْمنطق الذي دُفعت إليه الأمور يُشكّل تَنكُّرًا لأبسط القواعد الدّيْمقراطيّة، ويُشكّل خطرًا على الْحزب نفسه. لقد جاء ت الناس إلى الْحزب لأنّها وجدت فيه تعبيرًا عن تطلّعاتِها، ولم تأت لتُصفّق، ولكي يبقى القرار مَحصورًا في دائرة ضيّقة، ودون أي أساس مَقبول. وطرحوا الْموضوع وكأنّه قدر، ولم يكن باستطاعتنا فهمه أو تفهّمه.

لا بدّ من التّفريق

   في هذا الإطار، لا بدّ من التّفريق بين أمين وبشير. فالشيخ بشير استوعب أكثر بكثير من شقيقه، وذلك انطلاقًا من طروحاته وطبيعته وتصرّفاته ومُمارساته بشكل عام. وبصراحة كليّة أقول إنّه لولا الوراثة السياسيّة، لَما كان الشيخ أمين شيئًا. كان نكرة كما هو الآن. الشيخ بشير، لولا الوراثة السياسيّة، كان من الْممكن أن يستطيع أن يفعل شيئًا بقدراته الذّاتيّة. على الأقلّ، كان يُمكن أن يفعل شيئًا. أمّا بالنّسبة إلى أمين فماذا أقول ؟ أنا واثق أنّه بقدراته الذّاتيّة ما كان ليَتمكّن من أن يصل إلى عضو في الْمجلس الْمركزي. حتّى على الْمستوى الشّخصي ليس مَقبولاً. في بعض الأوقات يَحتلّ بعض الناس بعض الْمواقع السياسيّة، ولا يكون لديهم شيء سوى أنّهم ظرفاء. حتّى هذه الْمزيّة ليست مُتوافرة. وربّما لِهذا السبب يشعر أمين بالرّغبة في الانتقام من كل الْمخلوقات، ولو استطاع الانتقام من الأرض بأسرها لَما تأخّر لحظة واحدة. لو كان أمين غير ما أقول، لَما تَخلّى عنه الناس. حتّى ما انتقل إليه بالإرث خرّبه وخسره. ويَجب أن لا نغفل عامل الانتقام نفسه في موضوع اختياره للعماد ميشال عون كرئيس للحكومة الانتقاليّة. علينا أن نرجع إلى الْخلفيّات، وأن لا نَتوهّم أنّ الأحداث تَهبط فجأة، وتصنعها الظروف الآنيّة.

القتال والصُّور

   تقول إنّ أمين حارب هو الآخر، وتسألنِي إذا كنت قد قاتلت معه. لا. ففي معركة الكورة كان الشيخ أمين تَحت. كان على خطّ الساحل، أي على مِحور البترون-شكّا، وكنت أنا على الْمِحور الفوقانِي. أنا لم أعرف ماذا كان يفعل بالضبط. هو يقول إنّه كان يُقاتل. وفي النّهاية، القتال شيء، وارتداء البزّة العسكريّة والتقاط الصُّور مع الْمقاتلين، شيء آخر.

   أمّا قولك أنّ لديَّ حساسيّة مُفرطة على آل الْجميّل تَحكّمت بقراراتِي، فسأجيب عليه. دعنِي أعترف. جزئيًّا نعم. وسأقول السبب. لقد تَربّيت أصلاً في جوّ عائليّ عشائريّ. ولكن لو أعجبنِي الْجوّ، لكنت تابعت مع عشيرتِي في بشرّي، وهي أوّل جزء من العشيرة هناك، وثانِي جزء بِبشرّي ككل، وثالث جزء في تَجمّع بشرّي ودير الأحمر وكل القرى الْمحيطة، ورابع جزء في الشَّمال. هذا يعنِي أنّنِي ربّما كنت تصرّفت كسليمان فرنْجيّه. من البداية هربت من الواقع العشائري، وأدركت مَحدوديّته، وأنّنا كشباب لا يُمكن أن نساهم في أيّ تطوير أو تغيير من خلال هذا الإطار. هربنا من هذا الوضع إلى وضع اعتَبرناه أكثر تطوّرًا، هو الوضع الْحزبِي. في تلك الأيّام كنت أشعر فعلاً بالسعادة حين نَجلس في الْمؤتَمرات الْحزبيّة وألتقي بأناس من مُختلف الْمناطق والثّقافات، يتناقشون في موضوع وطنِيّ مُعيّن. هذه الصورة بِحدّ ذاتِها كانت تُشكّل بالنّسبة لِي دليل تقدّم وتطوّر. ماذا يَجمعني أنا بكريْم بقرادونِي، وخليل نادر، وجوزف رزق، ومحمّد ناصر الدّين، غير الاهتمام بتطوير الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والانتقال بلُبنان إلى وضع أفضل ؟ لقد هربنا من العشائريّة والعائليّة لأنّنا لك نَتوسّم فيها خيرًا، لا للمنطقة، ولا للوطن، وجئنا إلى الْحزب لأنّنا افترضنا أنّ نَهجه يقوم على الْمساواة، والعدل في التّعامل بين الأفراد، ولأنّه يتسلّح الوافدون إليه بِفخر سياسي لا مكان له في العشيرة. الفخر السياسي الوحيد في العشيرة يكون بالانتماء إليها، ووضع نفسك بتصرّف العائلة بشكل مستمرّ، ووضعها بتصرّفك، ووضع البلد في تصرّفها. جئنا إلى الْحزب من أجل بلد ديْمقراطي ومُتطوّر. وخلال ست أو سبع سنوات، وجدنا ما كنّا نَتمنّاه، وتَحقّق حُلم من أحلامنا. وفجأة، استيقظنا على رؤية الْحزب ينهار بفعل تصرّفات ومُمارسات كالتي وصفتها.

   من هنا بدأت انتفاضة 12 آذار 1985، وانطلاقًا من هذه الصورة. ويُخطئ مَن يعتقد أنّها حصلت بسبب قرار إزالة حاجز البَربارة. فمشكلة الْحاجز كانت الشرارة فقط. كنّا قد وصلنا إلى شعور بأنّنا جئنا إلى حزب، وبِتنا نعيش في آخر. لم يكن هذا هو الْحزب الذي نريده، أو الذي حَلمنا به. وراحت الأحداث تتوالى. وفي وقت من الأوقات طغت زعامة الشيخ بشير على كل شيء، ولم تعد موضع جدل أو أخذ وردّ. بِمعنى أنّه أمام زعامة بشير التي اتّخذت مدًى واسعًا، وأمام الأحداث التي أثّر فيها بشير، وأثّرت فيه، لم يعد الْموضوع الْحزبِي الدّاخلي مطروحًا. وبالفعل، لم يعد أحد يطرح مشكلة الزّعامة في الْحزب، أو مشكلة اتّخاذ القرار، فصمتنا فترة من الفترات، ورأينا أنّ التحرّك الذي يقوم به الشيخ بشير هو أفضل إطار.

 

سَمير جعجع وفادي أفرام: طالبان يلعبان التّنس بالقنابل

منذ لَحظة اغتيال بشير الْجميّل بدأت حرب الْخلافة

بعد غياب بشير

   مع غياب الشيخ بشير عدنا فجأة إلى الأجواء التي كانت قبله وعلى نَحو أسوأ. والسبب أنّ رئيس الْحزب الشيخ بيار صار مُتقدّمًا في السنّ، وبالكاد يُمارس دورًا رمزيًّا، وبِمعدّل ساعتين أو ثلاث ساعات في النّهار. كل ما كان يستطيع أن يفعله بعد عام 1982 هو الْجلوس، أي الدّوام. لم يعد قادرًا على اتّخاذ القرارات، وضبط الأمور، أو تغيير مسارها. وهكذا أصبحت السّلطة في الْحزب ضائعة بين أيدي كثيرين من الْمستشارين والْمسؤولين الثّانويين. جاء الشيخ أمين إلى رئاسة الْجمهوريّة واعتبر أنّه خليفة والده وشقيقه والعائلة وكل الْمواطنين وكل الْمسيحيين وكل اللُّبنانيين، وراح يستشرس أكثر فأكثر. فجأة وجدنا أنفسنا في وضع حسّاس جدًّا، وأكثر بكثير من الوضع السّابق، فاضطررنا آنذاك إلى التكتّل حول فادي أفرام الذي كان بشير، وقبل أيّام مَعدودة من غيابه ، عيّنه قائدًا لـ"القوّات".

طابات وقنابل

   فادي أفرام هو في النّهاية شخص من تيّارنا. وهو على الْمستوى الشّخصي جيّد جدًّا. إنسان راكز أخلاقيًّا ومُتعلّم. أذكر كنّا معًا في الْجامعة الأميركيّة في بيروت الغربيّة، وفي بداية الأحداث شعرنا بالْخوف، ولم نعد نستطيع الانتقال بين الْجامعة والْمنطقة الشرقيّة. وتَحسُّبًا لأيّة عمليّة اغتيال مُفاجئة، رُحنا ننقل أسلحة وذخائر. أقصد بالأسلحة مُسدّسين وبضع قنابل. فادي نقل أسلحة أكثر منّي. ورُحنا نفكّر أين سنخفيها. وفي النّهاية اهتدينا إلى الْحلّ. أحضرنا علبة طابات التّنس، فوجدنا أنّ القنبلة بِحجم الطّابة. في تلك الأيّام وصلت قنابل أميركيّة جديدة وملساء، وليست القنابل العتيقة. عادة تتّسع علبة التّنس لثلاث أو خمس طابات. أنا لا ألعب أصلاً كرة الْمضرب، أمّا فادي فكان يُجيدها. وهكذا نُحضر علبة الطّابات، ونضع قنبلتين تَحت، وطابتين فوقهما، بِحيث يَحصل التّمويه إذا تعرّضنا للتّفتيش، خصوصًا وأنّ الفلسطينيين كانوا موجودين بشكل كبير في الْجامعة. علبة تنس في كل غرفة، ومسدّس معي وآخر مع فادي. واتّفقنا على أسلوب الْمقاومة إذا حاولوا قتل واحد منّا. كان وجود علبة التّنس طبيعيًّا في غرفة فادي، على عكس ما هو الْحال بالنّسبة إليَّ، حيث لك تكن لديَّ راكيت. وافقنا على القول إنّني أرافق فادي لتعلّم كرة الْمضرب، وإنّني لا أزال في مرحلة الطّابات.

مشكلة أبو ناضر

   الْمهمّ، فادي جيّد جدًّا على الْمستوى الشّخصي. لكن عقله الأساسي غير سياسي، وليست لديه تَجربة. تكتّلنا حول فادي أفرام، وبدأنا نَبحث في ما يُمكننا القيام به. ووجّه أمين الْجميّل ضربتَه. بدأ يُغربل الْحزب، ويوزّع أنصاره، وحين حاول نقل اللّعبة إلى داخل القوّات، اصطدم بِحاجز كبير من قِبل فادي أفرام. هنا بدأت تُطرح مسألة الدكتور فؤاد أبو ناضر، ابن شقيقة أمين. فؤاد من الأورثوذكسيين في الْحزب، كلاسيكي، يعتبر الشيخ بيار زعيمًا تاريخيًّا، والقيادة الْحزبيّة مقامًا لا يَجوز أن يُمسّ، والأمر نفسه بالنّسبة للقوانين الْحزبيّة. لم يكن فؤاد يُدرك تَمامًا أنّ خروج أمين وبشير على القواعد الْحزبيّة هزّ صورة الْحزب، وكل أُسس الانضباط والتّعامل فيه. وظهر التّمييز واضحًا. القوانين تُطبّق على أفرام، وبعض الأفراد فوق القوانين. مشكلة فؤاد الرّئيسيّة لم تكن في اعتقادي علاقته مع أمين، بل كانت قبل ذلك ثقته العمياء بالشيخ بيار، وبكل ما يُسمّونه القانون والنّظام في الْحزب. موقف فؤاد أحدث ثغرة في فريقنا في "القوّات"، وإلى درجة أنّ الْحزب الذي أعاد أمين تركيبه، جاء وأصدر دون التّشاور مع فؤاد قرارًا بِحلّ "القوّات"، وكان فؤاد يعتبر أنّ الْمسألة تَنتهي حين يَتّخذ الْحزب قراره.

الإمساك بـ"القوّات"

   مع فادي أفرام كان الوضع مقبولاً، لكنّ أمين كان يعدّ العدّة للإمساك بكل شيء. مات بيار الْجميّل، وتولّى إيلي كرامة رئاسة الْحزب، فضرب أمين وجماعته ضربَتهم. عملوا انقلابًا أبيض داخل "القوّات"، وجاءوا بفؤاد أبو ناضر مكان فادي أفرام. أذكر يومها استدعى "كرامة" أعضاء مجلس قيادة "القوّات"، كان بينهم أبو أرز الذي حاول لاحقًا أن يعرض عضلاته وبطولاته. كنّا نُحضّر لِترشيح واحد من اثنين لقيادة "القوّات": أنا أو إيلي حبيقة. وكان الأخير يذهب أبعد منّا بِمئة كيلومتر، ولكن حين جاء ت الانتخابات، استدعانِي الدكتور كرامة وقال لِي أنّه يَجب أن أنتخب أبو ناضر، وربّما أثاروا لِي الْمشاكل. وهكذا، من أبو أرز إلى شارل غسطين وكل الشباب. وحده جورج عدوان رفض السّير في موضوع أبو ناضر، فأُطلقت النّار على سيّارته على كورنيش النّهر، وظلّ على موقفه. هذا كان في خريف 1984. واعتبرنا أنّ الْهجوم بدأ ضدّنا. فبدل أن نشنّ نَحن هجومًا على القيادة الْحزبيّة الكلاسيكيّة، بادرونا بالْهجوم. ومع وصول أبو ناضر إلى القيادة، كان لا بدّ من حسابات أخرى.

حرب الْخلافة

   مع بشير الْجميّل، تَحوّلت "القوّات" إلى الْمؤسّسة الأُولى في لبنان، وأخذت الكثير من الوهج الذي حصلت عليه. ومع غياب بشير، وعملاً بسُنّة الْحياة والسياسة، بدأت حرب الْخلافة. قبل غيابه عيَّنَ فادي أفرام، ولِهذا السبب قبِل كثيرون به، ولم تكن هناك مشاكل مع شخصه. وبِحسب معلوماتِي فإنّ أقطاب "القوّات" قبلوا بفادي لأنّ بشير عيّنه، أكثر مِمّا اعتقدوا أنّ فادي هو الذي سيقود الْمؤسّسة لفترة طويلة. وبِهذا الْمعنى بدأت حرب الْخلافة منذ اللّحظة التي اغتيل فيها الشيخ بشير.

   حرب الْخلافة كانت تدور على الشكل الآتِي: إيلي حبيقة- فؤاد أبو ناضر، وإيلي حبيقة-سَمير جعجع.

تسألنِي إذا كنت منذ تلك الأيّام أُخطّط لانقلاب. لا، أبدًا. كان هناك ثلاثة أشخاص كما قلتُ، وكان فادي يَتحرّك أحيانًا لإبقاء الوضع على ما هو عليه. وبِحسب ميزان القوى كان واضحًا أنّ اتّفاق اثنين من الثّلاثة يَحسم الوضع ضدّ الثّالث. خلال وجوده في القيادة، اتّبع فادي أفرام سياسة هي أقرب إلى الْجمود الذي يُعرقل كل تغيير. كانت شبيهة بالسياسة التي انتهجها في إحدى الفترات الْمرحوم الرئيس رشيد كرامِي. لا تغيير في القوانين داخل "القوّات"، ولا في تركيبتها، ولا عمليّة تطوير.

   عندما تدخّل أمين الْجميّل، ومعه القيادة الْحزبيّة لإيصال فؤاد أبو ناضر إلى قيادة "القوّات"، صار الطّرفان الآخران، أي إيلي حبيقة وسَمير جعجع، في موقع واحد حتمًا. أقول في موقع واحد برغم وعي إيلي ووَعي أنا لكثير من الفوارق الْموجودة بيننا، ابتداء من الْممارسة اليوميّة التّفصيليّة، وانتهاء بالفكر السياسي الذي لم يكن موجودًا في الواقع لدى حبيقة، وبأي شكل من الأشكال. هذا إلى جانب آخر من الْمشكلة. ففي موازاة ما كان يَحدث في الْحزب، كانت هناك مسألة خلافة بشير. وتقاطع العاملان في الظروف التي أدّت إلى انتفاضة 12 آذار.

   الْجانب الثّالث هو أنّ "حرب الْجبل" هزّت "القوّات" كلّها، وكان لا بدّ من تغيير ما بعد تلك الْحرب. "حرب الْجبل" أدّت إلى هزّة كبيرة جدًّا، وكادت "القوّات" أن تفرط فعلاً. فتلك الْحرب كانت أوّل مواجهة فعليّة تَخوضها "القوّات" ولا توصل إلى النّتائج الْمطلوبة، لا بل إنّها أوصلت إلى هزيْمة كبيرة. الْمواجهات التي حصلت قبل "حرب الْجبل" كانت إمّا محدودة جدًّا، وإمّا فولكلوريّة. الْمواجهة في زحلة في 1981 كانت محدودة مثلاً. وأوّل مواجهة واسعة على الصعيد السياسي والعسكري كانت في الْحرب. صحيح أنّ "القوّات" لم تكن وحدها، لكنّها الطّرف الأساسي، وانتهت بفشل ذريع. الْحدث طرح، وبشكل مُلحّ، موضوع التّغيير. وكانت القاعدة تعيش هذه الأزمة، ولولا ذلك لَما كانت انتفاضة 12 آذار 1985 قد حصلت، ولم يكن بِويع فريق من داخل "القوّات" أن يُعلن تسلّمه القيادة مكان فؤاد أبو ناضر.

يَقضي ويَمضي

   أمّا الْجانب الرّابع، فهو الْمتعلّق بالشيخ أمين. والشيخ أمين جانب لوحده، وقصّة بِحدّ ذاته. ولا أتناول هنا دور أمين في اللّعبة الْحزبيّة، وله دور فيها، وفي خلافة بشير، بل في الإطار العام ومُمارساته كرئيس للجمهوريّة. لقد توهّم أمين أنّ في استطاعته أن يكون الوحيد الأوحد، فجرّب أن يَختصر بِشخصه الْحزب و"القوّات" وكل الْمسيحيين وكل اللُّبنانيين. يَحكي عن الكل. يَمضي ويَقضي. مُحاولته هذه تركت علامة استفهام كبيرة، وساهمت بتحضير الأجواء لِتحرّك ما ضدّ كل شيء اسْمه أمين الْجميّل داخل الْحزب، أو داخل "القوّات". في وقت من الأوقات وخصوصًا بعد حرب الْجبل، تصاعدت في أوساط الْمجتع عمومًا، و"القوّات" خصوصًا، موجة عارمة ضدّ أمين الْجميّل، وكل ما يُمثّله، ردًّا على ما كان يفعله، ليس فقط داخل الْحزب و"القوّات"، بل أيضًا على الْمستوى العام. لا يُمكن قراء ة ما حلّ بالْحزب وبـ"القوّات" في تلك الفترة، وبالبلاد آنذاك ولاحقًا، دون التّوقّف عند دور أمين، وما تسبّب به.

   أمام هذه الصورة بِجوانبها الْمتعدّدة، كنت أُرافق تفاعل هذه العناصر. وعندما وصل أبو ناضر إلى قيادة "القوّات"، أيقنت أنّ أمين الْجميّل مُصمّم على الاستيلاء على كل شيء في البلاد. تسلُّم الدّولة، وتسلُّم الْحزب، وتسلُّم "القوّات" عبر أبو ناضر.

   في الشهور الثّلاثة الأُولى التي أعقبت وصول أبو ناضر، بدأ موقع "القوّات" يتراجع. قرارات كثيرة كانت تُتّخذ داخل هيئاتِها، انتقلت وصارت تُتّخذ على صعيد الْحزب. والصندوق الْمالِي انتقل من "القوّات" إلى الْحزب. واستوقفتنا الْمسألة.

   لقد خاض بشير ألفي معركة لكي يتمكّن من إنشاء صندوق مالِي لـ"القوّات" مستقلّ عن الْحزب. كان الغرض بالتّأكيد السّيطرة على الصندوق للتّحكّم بلقمة الْمقاتلين. وهذا يعني كارثة، ويعني إلغاء "القوّات". قبل ذلك، انتقل إلى الْحزب القرار السياسي العائد لـ"القوّات". وحتّى القرار الإداري لـ"القوّات" كاد ينتقل إلى الْحزب. هكذا، عادت "القوّات" إلى ما يُشبه القوى النّظاميّة التّابعة لِحزب الكتائب، وفي ظلّ سياسة أمين. وبدل أن نُحقّق خطوة إلى الأمام، عُدنا عشر خطوات أو خمسين خطوة إلى الوراء.

   تشكّلت لدينا قناعة راسِخة أنّ سياسة أمين ستدفع إلى كارثة في البلد. وأعترف هنا وبصراحة كاملة أنّه لو كانت سياسة أمين سليمة لَما كنّا استطعنا أن نفعل شيئًا، حتّى ولو كانت لدينا نوايا ضدّه أو اعتراضات على شخصه. لو كانت سياسته سليمة لقبلنا واختَرنا الاستمرار. والدّليل أنّه مع الشيخ بشير توقّفنا عن طرح أيّ شيء، لأنّ سياسته تسير في اتّجاه إيْجابِيّ. سياسة بشير جعلتنا نصرف النّظر عن طرح أسئلة من نوع: لِماذا تُخالف أنت القوانين الْحزبيّة، ويُحظّر على غيرك أن يُخالفها، وعن الوراثة السياسيّة، أو الأشياء الأُخرى. مع بشير، اخترنا السّير معه حتّى النّهاية، وعلى أمل إيْصال البلاد إلى الشّاطئ الأمين، على أن نَترك الْمسائل الأُخرى للمُستقبل. كلّنا شباب، ولدينا الوقت الكافِي لنُناقش الْمسائل الْحزبيّة، والنّهج الدّيْمقراطي، وعمليّة التّحديث.

أَليْست انقِلابًا ؟

   وأجزم أنّنا كنّا سنتّحذ الْموقف نفسه لو ظهرت ملامح إيْجابيّات في سياسة أمين. لو كانت سياسته سليمة، لَما حصلت انتفاضة 12 مارس (آذار). كانت كلّ العوامل تتفاعل، وجاء ت سياسته الكارثيّة الْمدمّرة. رأينا البلد يسقط أمامنا بسبب سياسته، وبسبب سيطرته على كلّ مواقع القرار. وفي الوقت نفسه، كانت مشاكلنا التّاريْخيّة تتفاقم وتتفاعل. كلّ هذه العوامل تَجمّعت، وكانت الشّرارة موضوع إزالة حاجز البربارة ( التّابع لـ"القوّات" على حدود جبيل مع شمال لبنان).

   وصف عمليّة 12 مارس (آذار) بأنّها عمليّة انقلاب ليس صحيحًا. لا أتّفق معك على هذه التّسمية. ليست انقلابًا ولا ثورة، إنّها انتفاضة. وأكبر دليل التّجاوب الكبير معها. لم يسقط إلاّ قتيل واحد اسْمه الياس عقيقي،

وبالْخطأ، على حاجز من الْحواجز. وباستثناء ذلك، لا قتيل ولا جريْح. والسّبب أنّ الأرضيّة كانت مُهيّأة.

التّحضير لانتفاضة 12 مارس (آذار) 1985 بدأ قبل نَحو خمسة أشهر، وبشكل أساسي من قِبل كريْم بقرادونِي وإيلي حبيقة وأنا. في البداية لم ندخل كثيرًا في التّفاصيل.

ضرورات الْمرحلة

   وأنا تعاونت مع حبيقة لضرورات الْمرحلة، ولم يكن هناك خيار آخر. كانت "القوّات" في حالة تدهور تُجب علينا أن نتحرّك بسرعة لوقفه عند حدّ مُعيّن. لم أُخطئ في تقويْم حبيقة، ولم تكن لديَّ أوهام حول فكره. وقلت نقوم بالانتفاضة نَحن وإيلي، وبعدها سنتمكّن من ضبطه، بِمعنى أن يَحترم حدودًا مُعيّنة ونتعاون في هذا الإطار. ورأيتُ أنّه حتّى ولو حاول أن يُخرّب، فلن يستطيع أن يصل إلى مستوى ما يُخرّبه أمين الْجميّل من موقعه الشّرعي. وحدثت الانتفاضة، وإذا أردت وبشكل ضمني، ودون أن نتحدّث في ذلك، كنت أنا الواجهة السياسيّة للانتفاضة.

   الْحقيقة أنّ ما حدث في 12 مارس (آذار) كان يُمكن أن يَحدث في 10 أو 13 أو 11 أو 15 من الشّهر نفسه، إذ لم يكن هناك موعد مُتّفق عليه مُسبقًا. ما حدث أنّ القاعدة القوّاتيّة تَحرّكت قبل نَحو 15 يومًا من 12 مارس. حدثت اهتزازات، وراحت القاعدة تَرتَجّ. بعد أن نَزلنا إلى اجتماعات القيادة، حصلت بضعة تَحرّكات عسكريّة بِحجّة حاجز البَربارة. إيلي حبيقة قام ببعض التّحرّكات، نقل مراكز ووضع حواجز دون أوامر حزبيّة. وكان اتّضح قبل ذلك أنّه لم تعد لقيادة "القوّات" آنذاك قدرة فعليّة على ضبط القاعدة، بسبب التّباعد القائم. قبل نَحو شهرين، نقلت أنا نقرّ قيادتِي إلى برج الفيدار، على طريق جبيل، في إطار خطوات مدروسة. أي أنّنِي نقلت القوى العسكريّة من الْمناطق الْجرديّة إلى السّاحل.

البَربارة والإقالة

   عندما صدر قرار إلغاء حاجز البَربارة، جرت مناقشة في الْحزب. أوعز أمين الْجميّل إلى جماعته بتأييد القرار، وهذا ما حصل. عندها أصدرتُ بيانًا باسْمي أُهاجم فيه قرار الْمكتب السياسي، وبدأت الأرض تَغلي. ردّوا عليَّ، وعدت بِدوري لأردّ. في هذا الوقت، طُرح موضوع إقالتِي من الْحزب، فصارت الأزمة تستعر أكثر فأكثر. وفي الاثنين 11 مارس (آذار)، اجتمع الْمجلس الْمركزي، واتّخذ رئيس الْحزب آنذاك الدكتور كرامة قرارًا بإقالتِي من الْحزب. والقرار يَعني أنّ الفريق الآخر اختار الْمواجهة، وأنّ أمين اختار وضع يده بالكامل، والتّخلّص مِمّن يعتبرهم عقبات. هكذا بدأت الشّرارة. نَزلت القوى العسكريّة من الْجِرد إلى السّاحل، واستنفر إيلي حبيقة مجموعات الأمن التّابعة له، واتّخذنا موقع الْمراقب. لم يكن هناك قرار بأن يكون اليوم التّالِي هو يوم الانتفاضة. بدأنا التّحرّك بشكل بسيط. شيء آخر حدث في 11 مارس. نشر حبيقة حواجزه في بيروت. واحد من جماعة حبيقة جاء من بيروت إلى كسروان، وأبلغ مُؤيّدي حبيقة هناك أنّ جماعة إيلي أخذوا كلّ بيروت (الشرقيّة). وعند حبيقة لا انضباط، ولا تَخطيط. رواية هذا الشّخص دفعت جماعة حبيقة في كسروان إلى التّنادي، ولَملمة صفوفهم، والنُّزول بدورهم إلى الطّرقات. كنت في برج الفيدار حين جاء شبّان من قرية بلّونة (في كسروان) ليَسألونِي عن سبب انتشار الْحواجز. أجريت اتّصالات، فعرفت أنّ الْحواجز انتشرت بكثافة في بيروت، وبدأت الْحواجز في الظّهور في كسروان.

بدأت الانتفاضة

   وكان عليَّ أن أحتاط لأيّ مفاجأة. فوضْع بيروت دقيق. لذلك أعطيت الأوامر بِتحضير القوّة العسكريّة. جرت بعض الاتّصالات بَينِي وبين حبيقة. سألنِي ماذا يَجري عندك، فرددت بسؤاله عمّا يَحصل في بيروت، فقال: أنزَلنا بضعة حواجز من ضمن التّرتيبات. فأبلغته أنّ كلّ جماعته في كسروان نَزلوا إلى الطّرقات، فتسائل عن السّبب. في النّهاية، اتّفقنا أنّه ما دام الشّباب قد نَزلوا، ولم تَظهر أي ردود فعل، فلنكمل ما بدأناه، وهذا ما حصل.

   قرابة منتصف اللّيل، تَجمّعت القوّة العسكريّة. والْمقصود بالقوّة تلك التي كانت معي، إذ ما كان تَحت أوامر إيلي هو عبارة عن مجموعات عسكريّة صغيرة، أو شراذم. في الْحادية عشرة، رتّبت القوى العسكريّة في موكب كبير، أمامه مجموعة استطلاع في سيّارات جيب مكشوفة. هنا كانت بدأت ردود فعل القيادة الْحزبيّة التي أنزلت حواجز في مناطق نَهر ابراهيم والعقيبة وساحل الْمتن الشّمالِي. وامتلأت الطريق بكوكتيل من الْحواجز. القوّة العسكريّة التي أتولّى قيادتَها في منطقة جبيل، وحاجز لِجماعة أبو ناضر والقيادة الْحزبيّة في نَهر ابراهيم، وبعدها حاجز لِحبيقة، ثُمّ حاجز لِجماعة أبو ناضر، ثُمّ آخر لِحبيقة، وحاجز لأبو ناضر، ونَزلت "قوّة 75" التّابعة لأمن رئيس الْجمهوريّة إلى السّاحة، وأقامت حواجز قرب البريزيدانس.

   عندما قرّرنا السّير، أُبلغنا بوجود حاجز على نَهر ابراهيم بقيادة مُفوّض القوى النّظاميّة في الْحزب في كسروان، جوزف الزّايك. كان على الْحاجز الْمذكور 70 أو 80 عنصرًا. وكان هَمّي الأوّل أن لا يَحدث اشتباك، تفاديُا لإراقة الدّم. لِهذا، طلبت من الشّباب أن يقتَربوا من الْحاجز في ثلاث سيّارات جيب تقلّ خمسة عشر مُسلّحًا، وكنت أنا على رأس القوّة التي بقيت وراء نَهر ابراهيم، كي لا يشعر عناصر الْحاجز بشيء. أعطينا تعليمات لِمقاتلي الفريق الذي سيقترب من الْحاجز الذي كان يوقف النّاس، ويُدقّق في الْهويّات، بأن يستَمرّوا في الاقتراب بصورة طبيعيّة حتّى الْحاجز. وأكثر من ذلك، بأن يُلقوا التّحيّة، ثُمّ يقفز كل واحد منهم على واحد من عناصر الْحاجز، ويَمنعه من الْحركة، على أن نكون وصلنا نَحن في هذا الوقت. وكانت التّعليمات بأن يَختلطوا تَمامًا بعناصر الْحاجز، لِمنع مجموعة الْحماية له من إطلاق النّار. كان الْمقصود أن نشلّ عناصر الْحاجز بانتظار وصول القوّة التي كنت أقودها، وعدد أفرادها نَحو ألف رجل.

خدعة الْمهاجِمين

   غرض هذا التّكتيك تفادي إراقة الدّماء. فلو اقتَربنا كقوّة، واتّخذنا مواقعنا حول الْحاجز، ربّما استنفروا

وأطلقوا النّار. ونَجحت الْخطّة. اقتَرب شبابُنا: مرحبا شباب، فردّوا التحيّة. وقفز كلّ عنصر من الْجيبات الثلاثة ليُمسك بعنصر من جماعة الْحاجز. حصل تشابك وشدّ، ولكنّ التّعليمات كانت صارمة بعدم تركهم يفلتون لتفادي تبادل إطلاق النّار، خصوصًا من مجموعة الْحماية. بدأ الصّراخ من الْجانبين: ارموا سلاحكم. وصراخ. سارعنا إلى الْحاجز خلال لَحظات، وبدل العنصر الذي كان يُمسك بعنصر من الْحاجز، أمسك الشباب بالْجميع. شاهدنا جوزف الزّايك الْمسؤول. سلّمنا عليه، وقلنا له: يا أبو الزّوز شو بدّك بِهالشّغلة. ورُحنا نُنادي أعضاء مجموعة الْحماية بأسْمائهم، وجمعناهم في قسم كتائب العقيبة، وقلنا لَهم: "يا شباب تضبضبوا"، في قصّة كبيرة عم بتصير". فردّوا: نِحنا ما إلنا علاقة. جوزف الزّايك أخذناه إلى الفيدار. وهكذا، أُزيل الْحاجز الأوّل دون نقطة دمّ، وببعض حسن التّصرّف. وشعرت بالارتياح، إذ لا يَجوز أن نتعرّض لشبّان يُنفّذون أوامر قيادتِهم، ولن يَقفوا بالتّأكيد ضدّنا لو تَيَسّر لنا أن نشرح لَهم أهداف تَحرّكنا.

   بعد الْحاجز، أعدت تنظيم القوّة، فاستغرق الأمر نَحو نصف ساعة، أجرينا خلالَها اتّصالات بإيلي حبيقة وبالقيادة لنعرف الْمستجدّات، فكان الوضع على حاله. قرّرنا متابعة السّير. قبل وصول القوّة إلى كازينو لبنان، توقّفت. الأسلوب الذي استُخدم مع الْحاجز الأوّل لا يُمكن تكراره، فقد تكون الْخطّة كُشفت عبر أجهزة اللاسلكي، ثُمّ إنّ العناصر التي ترابط على الْحاجز عناصر شرسة يُمكن أن تُقاتل، وشعرت أنّه لا بدّ هذه الْمرّة من عمليّة عسكريّة، ومصلحتنا تقضي بأن تكون خاطفة تَمامًا، وإذا حصل إطلاق رصاص، يَجب أن يكون في حدّه الأدنَى، وإذا سقط ضحايا، يَجب أن يكون بأقلّ قدر ممكن.

   والواقع أنّه كان علينا أن نُنهي مسألة هذا الْحاجز قبل الفجر. استدعيت قادة الْمجموعات، واستفهمت عن الْحاجز ووضعه، وفي ضوء ذلك وضعنا خطّة مناسبة. أوكلنا إلى قوّات خاصّة مهمّة مُهاجمته من أقرب مكان ممكن. في الوقت نفسه، أرسلنا مجموعة استطلاع لرصد عناصر الْحاجز وإبلاغنا. أنجزنا الْخطّة، وتوجّه آمر كلّ مجموعة لتَحضير مجموعته، بانتظار إعطاء إشارة الْهجوم. وفجأة رأيت آمر مجموعة الاستطلاع يركض في اتّجاهي ويقول إنّ كلّ الذين كانوا على الْحاجز غادروا فعلاً. وسألته إذا كان متأكّدًا. ففي ظروف من هذا النّوع لا بدّ من أكبر قدر من الْحذر. فكرّر أنّه شاهدهم يُغادرون. استدعيت ثلاثة من الْمسؤولين، وكانت الْمسافة من الْحاجز تستلزم السّير نَحو ربع ساعة. طلبت منهم التقدّم بِحذر، وأن يقتربوا للتأكّد تَمامًا من خُلوّ الْحاجز، وفي حال التأكّد، أن يقتربوا أكثر. ذهبوا، ثُمّ تَحدّثوا إليَّ عبر الْجهاز وقالوا: صرنا عند النّفق. سألناهم إذا كان باستطاعتنا التقدّم، فردّوا بالإيْجاب. وسارعنا إلى الْمكان، وأقمنا حاجزًا مكان الْحاجز الذي كان جماعة أبو ناضر قد أقاموه قبل أن يُغادروا.

سقوط الْمواقع

   لم تكن تلك الْحواجز قادرة على مقاومة القوّة التي أقودها. لكنّ الأهمّ كان التقدّم دون إراقة دماء. وصلت الأخبار إلى بيروت أنّ جوزف الزّايك اعتقل، وأنّ حواجز تتساقط، وأنّ قوّة كبيرة تتقدّم. تابعنا طريقنا دون قتال. مجموعة في ذوق مصبح قالت: نَحن نؤيّدكم، ولا نريد أن نقاتل. وصلنا إلى بيت الكتائب في صربا، وكنّا نُعدّ لِمهاجمة جماعة الـ"75"، ونَحن هناك، جاء الْمسؤولون عن هذه الْجماعة وقالوا: لا نريد كلّ هذه القصّة. نَزلنا إلى الشّارع بأوامر حزبيّة. وهكذا، سقطت كلّ الْمواقع الْمؤيّدة لأبو ناضر في جبيل وكسروان. ومن جديد تابعنا طريقنا على الأوتوستراد، وكانت الساعة حوالى السادسة إلاّ ربعًا. في هذا الوقت، وصلت الأخبار تَمامًا إلى بيروت وسقط كلّ شيء.

بقي أبو ناضر في "الْمجلس الْحربِي"، لكن حواجز حبيقة انتشرت في كلّ مكان. عندها فتحنا خطّ البحر مع الكرنتينا. كم مرّة فتحنا هذا الْخطّ. أرسلتُ قوّة لدعم مواقع حبيقة خوفًا من أن نتعرّض لِهجوم. بالأسلوب نفسه، تابعنا التّحرّك. في كلّ مكان توجد فيه عناصر لأبو ناضر، تَحدّثنا إليهم وقلنا لَهم: خلص يا شباب. وهكذا تَمّت عمليّة 12 مارس (آذار).

   لم تستلزم 12 مارس معارك عسكريّة، إذ من اللّحظات الأُولى بدا أنّ هذه الْمعركة تَمتلك زخمًا كبيرًا حسم الوضع لِمصلحتها. وهي لم تكن تستهدف إغراق الْمنطقة في الْمواجهة، بل كانت ترمي قبل كلّ شيء إلى وقف التّدهور، ومنع تفكيك "القوّات" ومصادرة قرارها.

كان من الْخطر

   كان من الْخطر بِمكان ترك أمين الْجميّل يُمسك بكلّ شيء، ويدفع كلّ شيء إلى الْمجهول. وبالفعل، أوقفت تلك الانتفاضة مشاعر الإحباط واليأس في "القوّات"، وأعادت إلى النّاس والْمجتمع مناخًا من الثّقة. ما حدث كان طبيعيًّا تَمامًا. فما حصل في الْحزب، وما حصل في "القوّات"، وما حصل في الْجبل، وسياسة أمين الْجميّل، كلّها عوامل لم يكن ممكنًا أن تَمرّ دون أثر. وبدل الاستسلام لِحالة التفكّك، قرّرنا قلب اتّجاه الأحداث. وأوّل درس من تلك الأيّام هو الدّرس الدّائم. أي أنّ قوّة أي حركة تنبع فعلاً من تقبّل النّاس لَها، وتعاطفهم معها، ومن حسن التّوقيت. وبِهذا الْمعنى لك تكن انقلابًا أبدًا، بل كانت ردًّا على نَهج انقلابِي.

   بعد 48 ساعة أعلنت الوحدات الْمركزيّة في "القوّات" تأييدها لِتحرّكنا، وانضمامها إلى الانتفاضة. بقي أبو ناضر ومرافقوه في الْمجلس الْحربِي. أعطينا أربعة أو خمسة أيّام. أُزيلت الْحواجز، وتوافدت شخصيّات سياسيّة وحزبيّة للتّهنئة. وطبعًا كان بينهم السيّد أتيان صقر (أبو أرز) رئيس حزب حرّاس الأرز. أوّل مَن يُهنّئ وأوّل مَن يُعزّي. يدخل مع أمّ العروس، ومع أمّ العريس. وفي الْمرحلة اللاّحقة سيظهر كثيرون على حقيقتهم، خصوصًا حين يُقدّمون حساباتِهم الضيّقة على كلّ الْحسابات.

 

Next

   

© 1996-2003 LEBANESE FORCES, ALL RIGHTS RESERVED