أصرَّ
حبيقة على
توَلّي
الرّئاسة،
وذهب
بعيدًا
بعد
الإمساك
بالصُّندوق
الوَطنِي
والبَدء
باجتذاب
العسكر،
وصلنا إلى
الْخطّ
الأحمر
في حياتنا
السياسيّة
مأساة
انتقلت من
جيل إلى جيل.
حسابات
الفرد
تتقدّم في
غالب
الأحيان
على حسابات
الْجماعة.
وهاجس
الْموقع
يطغى في
كثير من
الْحالات
على هاجس
تَحقيق
الْهدف
الكبير، أو
الشّعار
الذي خيضت
الْمعركة
على أساسه.
مفهوم
الشّطارة
أو
التّشاطر
خطير في
العمل
الوطني. لا
أقصد أنّ
الطّموح هو
الْمشكلة.
والطّموح
مشروع
لِمَن يعمل
ويستحقّ.
الْمشكلة
هي حين لا
يشعر الفرد
أنّ حسن
آرائه في
موقعه
الْحالِي
هو الذي
يُجيز له
الانتقال
إلى موقع
أكبر، أو
تَحمّل
مسؤوليّات
أكبر. وفي
أحيان
كثيرة،
يُفضّل
كثيرون
الْجلوس في
الواجهة
على
الفاعليّة،
ويُفضّلون
التّسميات
على العمل
الدّؤوب
الذي وحده
يضمن
البناء على
أسس ثابتة.
نَجحت
انتفاضة 12
مارس (آذار) 1985.
وحظيت في
الواقع
بتعاطف
واسع في
صفوف "القوّات"
حسم
الْمعركة
لِصالِحها.
ولقيت
تَجاوبًا
في صفوف
الْحزبيين
والنّاس
العاديين
في
الْمنطقة.
والأكيد هو
أنّها لك
تكن
مغامرة،
لأنّنا
كنّا نعرف
ماذا نريد.
وما كان
لَها أن
تَنجح لو
كانت وليدة
حسابات
فرديّة، أو
شهوة
للسّلطة.
وكان هناك
شعور عام
بضرورة وقف
التّدهور
العام،
والتّآكل
الذي راح
يضرب كلّ
شيء.
بدأنا
الاجتماعات،
وسرعان ما
ظهر حديث
الأدوار.
كان لدى
إيلي حبيقة
شعور بأنّه
عمل بقدر ما
عملت أنا.
وساد مناخ
من السّؤال
عن الْحصص.
قلت لإيلي
فلنتعاون،
وليلعب كلّ
واحد
الدّور
الذي
يستطيع أن
يلعبه،
وكما حصل.
فردّ
بالإيْجاب،
مُضيفًا:
لكنّي أنا
عملت جوّ
الأحداث.
وتفاديًا
لإثارة
حساسيّات،
وبهدف
الانصراف
إلى العمل
الْجادّ
والشّاق
الذي كان
يتعيّن
علينا
القيام به
لنُثبت
أهليّتنا
لِمعالَجة
الْمشاكل
الْمطروحة،
اتّفقنا
على أن لا
أُعيّن أنا
قائدًا لـ"القوّات
اللُّبنانيّة".وقضى
الاتّفاق
بأن تكون
هناك قيادة
جماعيّة،
بِحيث
يَتمّ
توزيع
الْمسؤوليّات،
ويؤدّي كلّ
واحد دوره
بعيدًا عن
التّجاذبات
السياسيّة.
وبدأنا في
إعادة
تركيب "القوّات"،
إذ كانت
تَحتاج
فعلاً إلى
إعادة
بناء، بعد
ما عاشته
وتعرّضت له.
سُمّيت
القيادة "الْهيئة
التّنفيذيّة"،
وعُيّنتُ
أنا رئيسًا
للأركان،
وإيلي
حبيقة
رئيسًا
لِجهاز
الأمن. وإذا
شئت، تَمّ
تكريس كلّ
واحد في
الْموقع
الطّبيعي
الذي كان
موجودًا
فيه،
وبدأنا
بالتّعيينات
الْخارجيّة.
ظلّت
القيادة
بلا رأس.
فضّلنا
عبور
الْمرحلة
بقيادة
جماعيّة.
وفي
الْحقيقة،
لا شيء في
التّاريْخ
يُشير إلى
نَجاح هذا
النّوع من
الصّيَغ. في
النّهاية،
لا بدّ
للقيادة من
شخص مسؤول،
وبغضّ
النّظر عن
طريقة
اتّخاذ
القرار. لا
بدّ من شخص
يَتحمّل
الْمسؤوليّة
ليُمكن
انتقاده أو
مُحاسبته.
هذا الكلام
لا يَعني
أبدًا
الرّغبة في
التفرّد
التي
تَحدّثت
عنها. وهل
ممارسة شخص
موجود في
موقع
القرار
لِمسؤوليّاته
تُعدّ
تفرُّدًا ؟
وهل يُمكن
مثلاً
تَمضية
الأيّام في
الْجدل
والأخذ
والردّ على
كلّ شاردة
وواردة؟
كنت أعي
ذلك،
لكنّنِي
قلت نُحاول
تفادي
الْحساسيّات،
ومَشينا في
القيادة
الْجماعيّة.
انصرفت
إلى عملي
كرئيس
للأركان.
أوضاع "القوّات"
كانت
تَحتاج إلى
جهد وصبر.
وكان العمل
يستغرق
اللّيل
والنّهار.
فأمور
هؤلاء
الشبّان
الذين لا
يَبخلون
بأرواحهم
في ساعات
الشدّة
تستحقّ
الْموقع
الأوّل في
اهتمامات
القيادة.
إحدى
مشاكلي في
العمل مع
الآخرين هو
أنّنِي
أعتبر
الإنسان
الآخر
جيّدًا
حتّى إثبات
العكس.
الانتفاضة
أحدثت هزّة
في البلد،
وبات على
كلّ واحد أن
ينصرف إلى
شغله.
واكتشفت
أنّ أحدًا
لم ينصرف
إلى عمله
باستثنائي
أنا. وسرعان
ما بدا أنّ
إيلي
حبيقة،
وطونِي
بريدي،
وأبو أرز،
وأعضاء
آخرين من
الْهيئة
التّنفيذيّة
انصرفوا
إلى عمل
وحيد، وهو
الْبحث في
أسلوب
إيقاعي في
حفرة ما.
غريب هذا
البلد.
ربّما لم
يكن الْهدف
تَمامًا
إيقاعي في
حفرة،
لكنّهم على
الأقلّ
اعتَبروا
أنّهم هم
الذين
صنعوا
الانتفاضة،
فماذا،
إذًا، جاء
بِي من هناك
إلى هنا؟
وكأنّ كلّ
ما فعلته هو
أنّنِي
تَمشّيت من
القطّارة (في
جرود جبيل)
إلى بيروت،
وهل يستحقّ
هذا
الْمشوار
أن أكون في
واجهة
الانتفاضة؟
واستنتجوا
بالتّالي
أن لا بدّ من
واجهة أخرى
في القيادة
الْجديدة.
في هذه
الأثناء
كنت أمضي
وقتي في
إقليم
الْخرّوب
وشرق صيدا،
لنَتفادى
أحداثًا
هناك. وفي
الْمجلس
الْحربِي،
كان هؤلاء
الأشخاص
يَبحثون عن
طريقة
لتَسلّم
قيادة "القوّات"،
إلى أن
اتّفقوا
على إيْصال
إيلي حبيقة.
كنت
منهمكًا
بِمعالَجة
وضع شرق
صيدا،
وكانوا
منهمكين
بِحساب
للواقع.
وحصلت
عمليّة شرق
صيدا، وبدل
أن يَضمّوا
أيديهم معي
لنَرى ما
نستطيع أن
نفعله،
بدأوا حملة
تسويق
تَهدف إلى
إظهاري
وكأنّنِي
الْمسؤول
عن شرق صيدا.
كانت قد مضت
خمسة أيّام
فقط على
تسلّمي
رئاسة
الأركان،
وكانت قد
مضت عشر
سنوات على
تولّي إيلي
حبيقة
مسؤوليّة
جهاز الأمن.
جماعته هم
الذين
اشتغلوا
بشكل أساسي
في شرق
صيدا،
وحبيقة كان
من أكثر
الْمتحمّسين
لبقاء "القوّات"
في الإقليم
وشرق صيدا.
أنا كنت
مُعارضًا
لِهذه
الْخطّة من
الأوّل.
وحين
تولّيت
رئاسة
الأركان،
بدأت
الأحداث في
شرق صيدا،
فذهبت إلى
هناك
لأعالِج
الأحداث،
وجلس حبيقة
يُتابع
التّخطيط
لعمليّة
الإمساك
بالقيادة.
أثر
أحداث
الإقليم،
بدأ حبيقة
حملة
تَهشيم
ضدّي داخل "القوّات"،
وشعرت في
الوقت نفسه
أنّ
أطرافًا
كثيرة،
وبعد الذي
حصل في
الشّرقيّة،
ستسعى إلى
استعمال
الرّئيس
أمين
الْجميّل،
واستخدام
أحقاده
لأغراض
بعيدة عن
السّاحة
الوطنيّة
العليا.وهنا
لا بدّ من
ملاحظة:
نَحن لم
نَتحرّك
ضدّ أمين
لاعتبارات
شخصيّة، بل
لوقف
الْمخاطر
التي كان
يمكن أن
تترتّب على
نَجاح
محاولاته
للإمساك
بالقرار. لك
يكن غرضنا
أبدًا
إضعاف موقع
رئاسة
الْجمهوريّة،
أو الْحدّ
من قدرته
على
التصرّف
كرئيس، بل
على العكس،
فإنّ
محاولته
الإمساك
بالقرار في
الكتائب و"القوّات"
هي التي
أدخلته
طرفًا في
صراعات لم
يكن موقعه
الرّئاسي
يُلزمه
بالدّخول
فيها.
كريْم
وأمين
وقلت
في نفسي ما
دُمنا قد
نَجحنا في
تَحقيق
الانتفاضة،
ورسَمنا
حدًّا
للتّدهور،
مقدّمة
لِمعالَجته،
فلِماذا لا
نُعيد
العلاقات
مع أمين،
خصوصًا
وأنّه قد
تَحجّم،
ولم يعد
قادرًا على
إلحاق
الأذى الذي
كان يُمكن
أن يُلحقه
من قبل.
نَجحنا
بضربة
واحدة في
استعادة
قرار
القوّات،
وكنت
واثقًا
أنّنا
سنستطيع
الوصول إلى
القرار في
حزب
الكتائب في
الانتخابات
الْمقتربة.
وبالتّالي،
سنكون
قادرين على
وضع نوع من
الضّوابط
السياسيّة
لأمين
الْجميّل
يصعب عليه
تَخطّيها.
وقلت
لِماذا لا
يُمكننا
التوصّل
إلى نوع من
التّفاهم
مع أمين،
بدل تركه
فريسة
للرّاغبين
في
الاصطياد
بالْماء
العكر. بدأت
الاتّصالات
من خلال
كريْم
بقرادونِي،
وتبيّن أنّ
ثَمّة
مجالاً
للعمل. كان
حبيقة في
هذا الْجوّ
طول
العمليّة،
وفي كثير من
الأوقات
شارك في
اجتماعات
في هذا
الاتّجاه.
كان من
الْمهمّ أن
لا نترك
أمين
يتحوّل إلى
ثغرة،
خصوصًا
وأنّه رئيس
للجمهوريّة.
وقلنا
لعلّنا
نستطيع أن
ندفعه
ليَشترك
معنا في
إنقاذ
إقليم
الْخرّوب
وشرق صيدا،
ومن موقعه
الرّئاسي.
وتبيّن
لاحقًا أنّ
السّوريين
كانوا قد
أعطَوا
للشيخ أمين
ضمانة بشأن
الإقليم
وشرق صيدا،
وحين بعثنا
له بِخبر،
فوجئنا
بردّه: أنا
بعتبر
حالِي
بِحلّ من
الإقليم
وشرق صيدا.
جواب
عون
وفي هذا
الإطار لعب
العماد
ميشال عون
دورًا
سيّئًا.
حاولت
كثيرًا أن
أطلب منه،
لا بل
إنّنِي
رجوته أن
يَنشروا
الْجيش
هناك،
فنتفادى
القتال
وذيوله.
وجوابه
الدّائم
كان: أنا ما
بروح، أنا
ما بنتشر
طالَما
أنتم هناك.
وفي
النّهاية
اتّفقنا
على أن
ننسحب
وحدنا،
وانتشرت
الكتيبة 98
من الْجيش
اللّبنانِي.
وحين كنت
أقول له إنّ
عناصر هذه
الكتيبة
يشنّون
هجمات، كان
يردّ: حين
تنسحبون
يتوقّفون
عن الْهجوم.
على هذا
الأساس
اتّفقنا أن
ننفّذ
انسحابًا
من جانب
واحد، كي
يتسلّم عون
الوضع
الأمني،
وهي
الطّريقة
الوحيدة
لتثبيت
الوضع. في
هذه
الأثناء،
كان الشيخ
أمين قد
أبلغ دمشق
أنّه لم يعد
مهتمًّا
بتلك
الْمنطقة،
وكأنّه ترك
للآخرين
حريّة
التصرّف
وفق
إرادتِهم.
ولم ينفّذ
عون خطّة
أمنيّة،
لأنّ وليد
جنبلاط
نصحه بعدم
السّير
فيها، إذ
كان وليد
يريد توسيع
نفوذه في
الْمنطقة.
لقد
علّمتني
هذه
الأحداث
خطورة
الرّجال
ذوي
الْحسابات
الضيّقة
حين تكون
لَهم
الْمواقع.
ففي بعض
الأوقات
تتسبّب هذه
العقليّة،
لا في ضياع
منطقة، بل
في ضياع وطن.
لن أسرف في
الْحديث عن
الْمآسي
والْمسؤوليّات.
وأعتقد أنّ
كلّ
الْحملات
وعمليّات
التّسويق
والرّوايات
الْمطبوخة
لن تَنجح في
قلب
الأدوار،
أو تلميع
صورة مَن
ارتكبوا ما
ارتكبوه.
مَن عاشوا
هذه
الأحداث لا
يزالون
أحياء،
وبالتّالي
فأنّ كتابة
هذه
الْمرحلة
مُتيسّرة،
وأي بَحث
موضوعي
فيها سيكشف
حقيقة ما
جرى،
ومواقف كلّ
طرف،
ومسؤوليّة
كلّ شخص. لا
نقول ذلك
لرغبة في
الثّأر، أو
تصفية
للحسابات،
بل لأنّه لا
يُمكن
الاستمرار
في
التّستّر
والتّشويه.
من حقّ
النّاس
علينا أن
تعرف ماذا
حصل، وماذا
فعلنا. وكم
أتَمنّى أن
تُكتب هذه
الْمحطّات
بلغة العلم
واحترام
الْحقيقة
والأمانة.
حبيقة
وأمين
كان حبيقة
يعرف أنّ
التّقارب
مع
الْجميّل
يَهدف إلى
سدّ ثغرة
يُمكن أن
ينفذ منها
مَن يريد
التّحرّك
ضدّنا. وكان
موقع رئاسة
الْجمهوريّة
مهمًّا في
أي خطّة
جديّة
للمعالَجة.
وعلاقة
الشيخ أمين
بالرّئاسة
وصلاحيّاتِها
طويلة. فهو
كان يتصرّف
كرئيس
للجمهوريّة
حين يريد،
ولم يكن
رئيسًا
للجمهوريّة
حين يريد.
إذا كانت
الْمسألة
لا تعجبه،
أو لا
تَهمّه،
يعتبر نفسه
رئيسًا،
ويترك
الأمور
تَمرّ. أمّا
إذا كانت
تعجبه،
وتعني
مصالِحه
وحساباته،
فيعتبر
نفسه أهمّ
رئيس
للجمهوريّة.
هنا تَحرّك
حبيقة
لاستعمال
ورقتَي شرق
صيدا
والتّقارب
مع أمين
الْجميّل
ليَضرب
ضربته داخل
"القوّات".
بدأ حبيقة
يَتحدّث عن
فشل
القيادة
الْجماعيّة.
وبالْمناسبة،
فقد حاذر
دائمًا أن
يتهجّم
عليَّ أو
يتَحدّانِي،
حتّى
كلاميًّا.
وربّما
لأنّه كان
يُدرك
أنّنِي لست
من قماشة
مَن يُمكن
التّعامل
معهم على
هذا
النّحو، أو
مَن يُمكن
إخضاعهم
بالتّهويل،
أو
التّرهيب.
صحيح
أنّنِي
منفتح
دائمًا على
الْحوار،
وفي كلّ
الْمواضيع،
لكن أساليب
التّخويف
ليست أفضل
الأساليب
للتّعامل
معي. قال إنّ
القيادة
الْجماعيّة
لم تُحقّق
نتائج،
والدّليل
أنّ أمور
كثيرة
تَحدث على
غير ما
يُفترض أن
تكون. وخلُص
إلى
استنتاج
مفاده أنّه
لا بدّ من
وجود شخص
مسؤول.
ليس
صحيحًا ما
تقوله عن
أنّنا
بعثنا
برسالة إلى
أمين
الْجميّل
دون علم
حبيقة،
وأنّنا
كنّا نُجري
اتّصالات
تتضمّن
نوعًا من
التفرّد.
لقد كان
حبيقة على
علم، وتَمّ
طبع
الرّسالة
على الآلة
الكاتبة في
مكتبه،
وعلى يد أحد
العاملين
فيه. لقد
تعمّد
حبيقة
إظهار نفسه
في صورة مَن
لم يكن على
علم بِها.
مرّ كريْم
بقرادونِي
على
مَنْزله
مرّات
عدّة،
فَحاول
التهرّب
أكثر من
مرّة. وفي
النّهاية
وجده
وأبلغه أنّ
الْمفاوضات
تتقدّم مع
أمين،
وأنّها
أدّت إلى
هذه
النّتائج،
وأطلعه على
الورقة،
فأبدى
ارتياحه
إليها. لكنّ
السؤال هو:
لِماذا لم
يعقدوا
اجتماعات
رسْميّة
حين شعروا
أنّها
ستقّدم
نتيجة؟
والْجواب
هو أنّهم
أرادوا
استخدامها
كورقة ضغط.
حضّر
حبيقة
الأجواء،
وراح يطرح
هذا
الْموضوع.
لم تكن هناك
أي
انتقادات
ضدّي،
لكنّه
تَهجّم على
كريْم
بقرادونِي.
قال إنّ
بقرادونِي
يُحاول
التقرّب من
أمين ووضع
رصيد "القوّات"
في الْحضيض.
ونَحن قمنا
بانتفاضة
لاستبعاد
أمين، وها
هو كريْم
يسعى
لتَقريبنا
منه. طبعًا،
مثل هذا
الكلام
يُمكن أن
يَجد قدرًا
من الصّدى
لدى عناصر
في "القوّات"
كانت
مشاعرها
تُجاه
سياسة أمين
الْجميّل
معروفة.
نَحن لم نكن
مُعجبين
أبدًا
بأمين، أو
بسياسته،
لكنّ
السياسة
ليست مسألة
غراميّات.
كان الرّجل
في موقع،
وكان علينا
أن نَحول
دون أن
يُجيّر هذا
الْموقع
ضدّنا.
أسلوب
حبيقة
معروف،
ويقوم على
طرح تفاصيل
ومعادلات
تبسيطيّة
وبسيطة،
وليس على
طرح
معادلات
سياسيّة
معقّدة.
وهكذا،
وفي اجتماع
للهيئة
التّنفيذيّة
لـ"القوّات"
طرح حبيقة
بإلحاح
فكرة
تَعيينه
قائدًا أو
رئيسًا
للهيئة
التّنفيذيّة،
ومن دون أن
يتعرّض لِي
بشيء. وكنت
أنا أمام
خيارين:
إمّا
القبول به
وإمّا
الرّفض
الذي يَحمل
في
طيّاته
قيام مشكلة
عسكريّة
داخل "القوّات".
فكرة
التّصادم
داخل "القوّات"
كانت
كريْهة
جدًّا
بالنّسبة
لِي، لا بل
إنّنِي لم
أكن قادرًا
على
تصوّرها.
منذ بداية
الْحرب
وأنا أعيش
مع
العسكريين،
نتقاسَم
مرارات
الأيّام
واللّحظات
الصعبة في
الثُّكن
وعلى
الْجبهات.
الانتماء
إلى قضيّة
واحدة
يَخلق
روابط
ومشاعر
تفوق روابط
الدّم. ولم
يكن
الاحتكام
إلى
السّلاح
داخل
الصّفوف
مقبولاً في
خياري، لا
بسبب موقع
ولا بسبب
تباين في
الرّأي.
وإذا كنّا
نعتبر أنّ
السّلاح لا
يَحلّ
الْمشكلة
على الصعيد
الوطني
العام،
وأنّ
الْحوار هو
الطريق،
فهل نقبل
بِمنطق
السّلاح
داخل
الْمؤسّسة
التي
أعطيناها
أعمارنا،
وراهنّا
على دورها
في إعادة
السّلام
والسّيادة
إلى لبنان؟
العسكريّون
الذين
عاشوا معًا
ساعات
الشدّة
والْخطر
يُدركون
تَمامًا
خطورة
خلخلة
الصّفوف،
وخطورة
الانقسام.
وبرغم كلّ
شيء، هناك
خطّ أحمر
وثوابت
وطنيّة،
والتنكّر
لدماء مَن
سقطوا غير
مقبول. وبعد
الْمحاولات
السّلميّة
والتفاوضيّة،
تأتِي ساعة
القرار.
أصرّ
حبيقة على
تولّي
قيادة "القوّات"،
وقلت في
نفسي
فلنُجنّب
الْمؤسّسة
هزّة
جديدة،
ثُمّ
فليَتولَّ
هذا
الْمنصب
ليَكتشف
أنّه ليس
بالوجبة
الطيّبة أو
السّهلة.
وكنت أشعر
أنّنِي
أحتاج إلى
سنتين أو
ثلاث في
رئاسة
الأركان
لأُعيد
تنظيم
العسكر،
وتأهيله،
ولنتخلّص
من مسألة
الْمجموعات،
ونُوفّر
القدر
الضّروري
من
الانضباط
في علاقات
أفراد
الْمؤسّسة
بِمجتمعهم.
مسألة
البناء هذه
ليست سهلة،
بل هي
شاقّة،
خصوصًا بعد
كلّ الذي
حصل. وقرّرت
أن أترك
حبيقة
يتولّى
رئاسة
الْهيئة
التّنفيذيّة،
واعتبرت
أنّ الْخطّ
العام
الْمعروف
يُوفّر من
الضّوابط
ما يَحول
دون حصول أي
جُنوح.
في
التّاسع من
مايو (أيّار)،
وخلال
اجتماع
للهيئة
التّنفيذيّة،
قال حبيقة
انتخبونِي،
ولديَّ
برنامج
سياسي. وقف
وأخرج من
جيبه
مجموعة من
الأوراق.
برنامج
سياسي
وأوراق
جاهزة. بدأت
قصّة
الأوراق
بعدما كانت
قد بدأت
قصّة
الاتّصالات
الْمعروفة.
عندها
تركتهم
يُتابعون
النّقاش،
وذهبت إلى
مكتبِي.
وأذكر أنّ
الصّحافيين
جاء وا
يومها
وسألوا
عمّا حدث في
الْجلسة
غير
العاديّة
التي
انتُخب
فيها حبيقة
رئيسًا
للهيئة
التّنفيذيّة.
وتلك
القصّة
زادتنِي
إصرارًا
على ضرورة
إعادة بناء
"القوّات"،
وتَحمّل
الْمسؤوليّات.
غريب أمر
مُجتمعنا.
لا أحد
يُحبّ
التّخطيط،
وهذا العمل
الذي
يستدعي
التّأنِّي
والْمتابعة
والصّبر.
نريد
الطّريق
الأسهل
والأقرب،
والأشياء
الْجاهزة،
وكأنّما
الْمجتمعات
تُبنى دون
جهد وعناء.
اعتبر
حبيقة
انتخابه
تفويض على
بياض، وبدأ
تَحرّكًا
سريعًا
لِحصر كلّ
شيء فيه،
والإمساك
بالقرار
بِمفرده،
بِحيث لا
تكون ثَمّة
حاجة لِبحث
أو تشاور.
وكانت
خطّته تقضي
بإمساك كلّ
الأوراق
لكي لا يبقى
للآخرين
غير خيار
الْموافقة
على ما
يستعدّ
للسّير فيه.
وأفضل مثل
على ذلك
كانت قصّة
الصّندوق
الوطني
الذي
يُفترض أن
يكون قراره
بيد
الْهيئة
التّنفيذيّة.
كنّا وضعنا
شخصين
للإشراف
على
الصّندوق: "بول
عريس" من
عند حبيقة،
و"جورج
أنطون" من
عندنا.
واعتبرنا
أنّ وجود
الشّخصين
يضمن
التّوازن.
فجأة، قال
حبيقة أنّ "بول
عريس" وحده
يَجب أن
يكون
مسؤولاً عن
الصّندوق،ولا
لزوم لـ"جورج
أنطون".
وبدأت
ترجمة هذه
الرغبة
عمليًّا
بوضع كلّ
الْمداخيل
الْجديدة
باسْم بول
عريس وحده.
كان ذلك
البداية
لأسلوب غير
مقبول. ورحت
أسأله: يا
إيلي، شو
عمبيصير؟
فيَردّ
مُمازحًا.
وأكرّر
السؤال: يا
إيلي، ما
بيجوز هيك.
فيَردّ:
اللي بدّك
ياه بيصير.
وما كان
يَحدث في
الواقع هو
العكس
تَمامًا.
بدا
واضحًا أنّ
لدى إيلي
خطّة
تَحرّك راح
يُنفّذ
محطّاتِها
بِخُطى
سريعة
وثابتة. من
جهة
الإمساك
بِتمويل
العسكر
للإمساك
بالقرار.
ومن ناحية
أخرى بدأ
التّحرّك
لتَوقيع
الاتّفاق
الثُّلاثي.
ورحت أسأله:
ما هو
الاتّفاق؟
ومع مَن؟
فيُجيب:
بُكرا
بُكرا،
هيدا فظيع،
لا تَهتمّ
ولا تقلق.
وتبلورت
خطّة حبيقة:
السّير
سريعًا في
الاتّفاق
الثُّلاثي،
بِحيث
يستطيع
الاعتماد
على "حركة
أمل" و"الْحزب
التقدّمي
الاشتراكي"
في مواجهته
داخل
الشرقيّة.
ومن جهة
ثانية،
إكمال وضع
يده على كلّ
شيء في "القوّات
اللبنانيّة".
أُجبرتُ
على
الْمواجهة
عاد الوضع
إلى
التّدهور.
وافقنا على
أن يتولّى
حبيقة
رئاسة
الْهيئة
التنفيذيّة،
لكن
فلنحافظ
على الأقلّ
على العسكر.
وبصفتي
رئيسًا
للأركان،
كان العسكر
من
مسؤوليّتي.
واعتبرت
أنّ الأهمّ
هو أن نُبقي
العسكريّ
بعيدًا عن
أي تَجاذب.
لكن إيلي لم
يتوقّف عند
حدود. أمسك
بالصندوق
ليُمسك
بالعسكر،
وبدأ
باجتذاب
مجموعات
عسكريّة.
آمر مجموعة
معيّنة
يستدعيه
ويُعطيه
ضعف
الرّاتب له
ولِمجموعته.
وبدأت
ترتسم
ملامح
الأزمة. كنت
أشعر
بالْحاجة
إلى سنتين
من البناء
لنُعيد
التقاط
أنفاسنا.
لعبة تفتيت
العسكر
واجتذاب
الْمجموعات
بالإغراء
الْمالي
أقلقتني.
وشعرت
بالْحَيرة
وشعرت
بالألم.
فعلنا كلّ
ما فعلناه
لنُعيد
للمؤسّسة
دورها، وها
هو هذا
الدّور
يتعرّض
مجدّدًا
للتّهديد.
وبصراحة
كاملة أقول
إنّني لك
أكن أريد
الْمواجهة
أو أبْحث
عنها. لقد
دفعني
حبيقة
إليها
وفرضها
عليَّ. لقد
انتزعني من
فراشي
وأجبرنِي
على الدخول
في مواجهة
معه.
صعّد
حبيقة
هجومه داخل
"القوّات"
وداخل
الْمجتمع،
وعلى
الصعيد
العام. ورحت
أقول في
نفسي: إذا
كانت خلوات
بكفيّا
الْحكوميّة
واحدة من
الأسباب
التي
دفعتنا إلى
القيام
بانتفاضة 12
مارس (آذار)،
فهل يعقل أن
نوافق على
الاتّفاق
الثُّلاثي؟
وبدا الأمر
لِي وكأنّه
كارثة، لا
بل وشعرت
وكأنّنِي
ساهمت بشكل
غير مباشر
بِمساهمتي
في دفع
الوضع في
هذا
الاتّجاه.
في تلك
الْمرحلة
بدأ
التّحضير
الإعلامي
لعمليّة
عودة
السّلام.
وبصراحة
كاملة أقول:
ليس هناك
مَن يتحرّق
لرؤية
السّلام
أكثر من
الْمحاربين.
الذين لا
يدفعون
ثَمن
الْحرب
يستطيعون
الانتظار
طويلاً،
لكنّ الذين
يدفعون من
لَحمهم
ودمهم هم
الذين
يشعرون
بإلحاح
السّلام.
لكنّ
السّلام لا
يُمكن أن
يَنْزل
بالْمظلّة.
هناك حقائق
يَجب أن
ينطلق منها
أي مشروع
سلام.
تركيبة
داخليّة،
ومَخاوف
تاريْخيّة،
ومشاكل
معقّدة لا
يُمكن
حلّها عن
طريق
الادّعاء
أنّها غير
موجودة. في
الْحلّ
الْحقيقي
ثوابت يَجب
أن تكون
حاضرة،
والسّلام
يَجب أن لا
يكون
مقدّمة
لِحرب
جديدة، ولا
فرصة لقيام
سُلطة
تفتقر إلى
القدرة على
القرار.
حرام أن
نُحاول
إنْهاء حرب
بِصيَغ
هشّة لا
يُمكن إلاّ
وأن تُنجب
الْمزيد من
الْحروب.
وتزايدت
قناعتِي
بضرورة وضع
حدّ لِهذا
الاتّجاه
الذي يُنذر
بكارثة.
وقلنا
نُحاول وضع
حدّ لقصّة
حبيقة،
ولِهذا
النّهج
الْخطير،
عن طريق
إقناعه.
وعقدنا
سلسلة
اجتماعات:
كريْم
بقرادونِي
وإيلي
حبيقة وأنا.
وكان ينضمّ
إليها في
أوقات
كثيرة نادر
سكّر وجورج
كسّاب. كان
غرض
الاجتماعات
تفادي
الْمُنْزلقات،
والعودة
إلى تصوّر
موحّد،
وتفادي
انتقال أي
خلاف في
القيادة
إلى داخل
القواعد.
ولم يُوفّر
حبيقة أي
فرصة
للتّفاهم،
ولم يكن
يريد
التّفاهم.
وكان ذلك
بداية
الْمرحلة
الصّعبة.
لقد قمنا
بالانتفاضة
معًا، وعلى
أساس أن
نُشارك
جميعًا في
القرار،
وفي كلّ شيء.
ولكنّ
حبيقة وضع
يده على
الصندوق
الوطني،
ثُمّ بدأ في
أخذ العسكر.
ولكن أن
ينفرد
بتوقيع
اتّفاق
يُلزم
الْمجتمع،
فهذا غير
مقبول. لم
يُواجهنِي
إيلي بشكل
مباشر،
لكّنه لم
يوافق على
الدخول في
حوار فعليّ.
أجوبة
غامضة
ومتناقضة
تُبطّن
رغبة في
تفادي أي
جواب. وفي
مرحلة
لاحقة
تذكّرت
القصّة يوم
رُحنا
نُعانِي من
الْجنرال
ميشال عون.
حبيقة
براغماتيكي
أكثر ولكن
بدون هذا
القدر من
الْجنون
والقدرة
الشعريّة.
عرضنا لـ"إيلي"
كلّ الآراء
والْحجج،
ولم يستمع
إليها. لا بل
إنّنا
فنّدنا كلّ
نقطة،
ولكنّه بدا
في صورة مَن
عجز عن
التّأثير
في صياغة
الاتّفاق،
وراح يريد
أن يُعوّض
عن ذلك
بامتلاك
القدرة على
إسكات كلّ
نقد، أو
معارضة،
وبانتزاع
تفويض
للتّوقيع
في عمليّة
غامضة،
ولعبة
تصويت
مُرفقة
بِممارسات
غير
ديْمقراطيّة.
ونصحته
مرّات
ومرّات أن
لا يذهب
بعيدًا في
تسرّعه،
وعرضت عليه
أن يأخذ كلّ
شيء في
مقابل أن
يتمهّل.
وبدا كأنّه
تَحوّل
أسيرًا
للمنطق
الذي وقع
فيه. فذهب
إلى دمشق في
28 ديسمبر (كانون
الأوّل)
ووقّع على
الاتّفاق
الثُّلاثي،
ودون أن
يقبل بِحقّ
الآخرين في
معارضة
ديْمقراطيّة.
واختار
حبيقة طريق
القوّة
لفرض
الاتّفاق،
وخير دليل
سلسلة
الْحوادث
التي وقعت،
والْهجوم
الذي شنّه
على الْمتن
خلال ذهاب
أمين إلى
دمشق في 12
يناير (كانون
الثّانِي) 1986.
لقد اختار
حبيقة
أسلوب
الْمواجهة،
ولن تتأخّر.
أسلوب
التّرغيب
والتّرهيب
الذي
اعتمده
حبيقة كان
بالغ
الْخطورة.
فليس بِهذا
الأسلوب
يُمكن رسم
ملامح
الْمستقبل،
وإلزام
الْمجتمع
بنصوص لم
تُشرح له
ولم يُوافق
عليها. وهذه
الْمسائل
هي
بالتّأكيد
أكثر
تعقيدًا من
اجتذاب شخص
بعد إقناعه
بِمنصب
وزاري أو
نيابِي، أو
اجتذاب
مجموعة من
الباحثين
عن أدوار.
أمام جملة
حوادث
تضمّنت
تعرّضًا
للحريّات،
ومحاولات
لكبت
الأصوات
الْمعارضة،
وتعطيل
صحيفة "العمل"
النّاطقة
باسْم حزب
الكتائب،
وحملة
شائعات،
واختراع
مراكز
أمنيّة
مفاجئة،
ومحاولات
إرغام
الْجبهة
اللبنانيّة
وحزبَي
الكتائب
والأحرار
على السّير
دون حقّ
الاعتراض،
اختلط
الْحابل
بالنّابل،
وفُتح
الباب
لِتدهور
واسع. ورحت
أفكّر في ما
يَجب عمله.
جلسات
الْحوار لم
تنفع،
ومحاولات
الإقناع
فشلت. ومن
جديد ظهرت
حاجة
فعليّة إلى
انتفاضة
داخل "القوّات"
لوقف
الْمسار
الْخطر، أي
إخراج
القرار من
يد حبيقة،
ومنعه
بالتّالِي
من
التّفاوض
باسْم
منطقة
ومجتمع.
وإذا شئتَ،
اتّخذ
الإعداد
هذه
الْمرّة
طابع
الانقلاب.
وضعت خطّة
أوّليّة،
ووزّعت
الأدوار
على عدد
قليل من
الْمسؤولين،
وتركت
مسألة
التّوقيت
لِي، كي
يَتمّ
تَحديد
الْموعد في
ضوء
التطوّرات،
وحين هاجم
حبيقة
الْمتن،
ارتكب
الغلطة.
سيناريو
العمليّة
العسكريّة
التي أسقطت
الاتّفاق
الثُّلاثي
عون
وجّه إليَّ
إنذارًا
مُبطّنًا،
ولوّح
بالتّدخّل
العسكري
العلاقة
مع أمين
الْجميّل
لم تكن
سرًّا،
وكنّا نريد
إغلاق
ثَغرة
كان
يُمكن أن
يُوقّع
في هذه
الفترة
التقت
مواقف أمين
الْجميّل
تكتيكيُّا
مع مواقفنا.
وفي
اعتقادي
أنّ غضب
أمين من
الاتّفاق
ينبع
بالدّرجة
الأولى من
كونه ليس
الطّرف
الذي شارك.
ورأيي أنّ
أمين كان
يُمكن أن
يَمشي في
الاتّفاق
لو أُشرك
فيه، وعلى
أساس أن
يكون هو
بطله. كان
ممكن أن
يَمشي فيه
لو شعر أنّ
الاتّفاق
يضمن له
مثلاً دوره
لعد
الرّئاسة.
لم تكن
الْمشكلة
مشكلة
مضمون
الاتّفاق
بالنّسبة
لأمين، بل
كانت
بالدّرجة
الأولى
أنّه أُقصي
عن اللّعبة.
فحتّى ولو
وافق على
الاتّفاق،
فإنّ دوره
سيكون
ثانويًّا
بالتّأكيد،
لأنّ
الاتّفاق
قام على
ثلاثة
أشخاص هم:
إيلي
حبيقة،
ووليد
جنبلاط،
ونبيه برّي.
كان أمين
الْجميّل
رئيسًا
للجمهوريّة،
لكنّه كان
يُفكّر
بالتّأكيد
بِما بعد
الرّئاسة.
ولم يكن
أمين من
الذين
يقبلون بأن
يكون لَهم
دور إلى
جانب
الآخرين،
بل كان يريد
الدّور
الأول حتّى
بعد
الرّئاسة.
واعتقد أن
إقصاء ه عن
لعبة
الاتّفاق،
وشعوره أنّ
الاتّفاق
صُنع
لِغيره،
لعبا دورًا
حسّاسًا في
رفضه له،
فاتقى
موقفه
تكتيكيًّا
مع موقفنا.
هذا
اللّقاء
فتح الباب
لعمليّة
تنسيق مع
أمين قام
بِها عدد من
الأشخاص في
الواقع،
وليس كما
يعتقد
النّاس أنّ
الأستاذ
كريْم
بقرادونِي
وحده هو
الذي فعل
ذلك. في ذلك
الوقت لم
تكن هناك
اتّصالات
علنيّة مع
الشيخ أمين.
كانت
الْمرحلة
دقيقة
وتفرض
نوعًا من
التنسيق
السرّي عبر
حلقات
مضمونة.
وهذا ما حصل
عبر
اجتماعات
في منازل
لأشخاص من
الْجانبين
ودون ضجيج،
إذ كان من
الضروري
تَمامًا أن
لا تنكشف
الْخطّة.
كان إيلي
مستعجلا
جدّا. يريد
إنهاء كل
الْمسألة
وفي أسرع
وقت وبأي
طريقة. كان
يُحاول وضع
الْجميع
أمام أمر
واقع لا
قدرة لَهم
على رفضه.
وحين غادر
أمين إلى
دمشق في 13
يناير (كانون
الثانِي)
شنّت
مجموعات
تابعة
لِحبيقة
هجوما على
الْمتن. كان
غرض
الْهجوم
إفهام
الشيخ أمين
أنّه أمام
خيار وحيد
وهو
الْموافقة،
وإلاّ فإنّ
الْخيار
الآخر مكلف.
وهكذا
يُمكن
القول إنّ
حبيقة هو
الذي بدأ
العمل
العسكري.
واعتبرت
أنا أنّ
حبيقة أخطأ
تَماما،
وأنّه فتح
الْمعركة
التي سيكون
من الصعب
عليه
احتمال
فصولِها
الْمقبلة.
وكان
الْهجوم
على الْمتن
يُشكّل في
جزء منه
اختبارا
لِما يُمكن
أن يكون
عليه
موقفنا. ولم
يعد
الْخلاف
سرّا،
وأجواء
الْمجلس
الْحربي
نفسه، حيث
نقيم أنا
وإيلي،
كانت
مَحمومة.
وربّما
اعتقد
حبيقة أنّه
إذا لم
نتحرّك لدى
مَهاجمته
الْمتن،
فهذا يعني
أن لا نيّة
لدينا في
التّحرّك.
وهو احتاط
لكل
الاحتمالات،
وترك قسما
من قوّاته
كاحتياطي
ليَستخدمه
ضدّنا في
حال قرّرنا
الدخول في
مواجهة معه.
وفي اليوم
التالِي لم
يُحقّق
هجوم
الْمتن
غرضه،
وعادت
التابعة
لإيلي
مُستنْزفة،
فحان الوقت
لاتّخاذ
القرار
الصعب.
أقول
القرار
الصعب،
وأعني ما
أقول. أنا
لست من هواة
الاحتكام
إلى السلاح.
وأعتبر أنّ
الْمستقبل
يُصنع
بالعمل
السياسي
وبالبرنامج
وبتعاطف
الناس.
السلاح ليس
الْحلّ
بنظري. لكن
ماذا تفعل؟
هناك مَن لا
يقبل، لا
بالعمل
الْحزبي
ولا
بالصراع
السياسي.
وحين يُشهر
السلاح في
وجهك يُصبح
عليك أن
تَختار بين
أن تستسلم
أو تواجه
السلاح
بالسلاح.
وهذا ما حصل
في
السبعينات،
فرض سليمان
فرنْجيّه
أسلوب
الْمعركة.
وفي
الثّمانينات
فرضه إيلي
حبيقة. وفي
بداية
التسعينات
فرضه ميشال
عون. وحين
يُقرّر
الطرف
الآخر قهرك
أو مَحوك،
يفرض عليك
مواجهته.
وفي تلك
الأيام رحت
أفكّر. لقد
قمنا
بالانتفاضة
لوقف
التدهور
وإعادة
الأمل إلى
الناس، وها
نَحن بعد
شهور على
أبواب
تَجربة
مؤلِمة.
حقّقنا
الانتفاضة
بلا قتال أو
دم، وها نحن
نواجه
تجربة
عنيفة،
وهذه
الْمرّة
داخل "القوّات".
أعددنا
خطّة
عسكرية
بسيطة،
وتقوم على
التالِي:
مشاغلة
مجموعات
حبيقة
بِمجموعات
من عندنا،
بِحيث
تتسمّر في
مكانِها،
ثُمّ تقوم
قوّة كبيرة
تابعة لنا
بالْحسم
ضدّ
الْمواقع
التي تصرّ
على
الاستمرار
في إطلاق
النار. ومن
الطبيعي
أنّنا رصدن
قبل ذلك
انتشار
الْمجموعات
الْموالية
لِحبيقة،
ومدى
قدرتِها
على
التّحرّك.
وفي ضوء ذلك
قرّرنا أن
تقوم
مجموعات
تابعة لنا
بالاشتباك
معها لَحظة
الْهجوم
بغرض
استنْزافها
وشلّها،
ثُمّ تأتِي
القوّة
الكبيرة
مرتاحة
وتَحسم
مسألة
الْمواقع
تباعا. وهذا
ما حصل فجر 15
يناير (كانون
الثانِي) 1986،
وحُسمت
الْمعركة
في غضون ست
ساعات.
ليلة 14-15 كنت
في الْمجلس
الْحربِي
في
الكرنتينا.
الْهجوم
الذي شنّه
إيلي على
الْمتن
صعّد القلق
في
الْمنطقة
الشرقيّة،
ولم يُحقّق
أهدافه
واصطدم
بِمقاومة.
واتّضح
تَماما أنّ
حبيقة عازم
على فرض
موقفه
بقوّة
السلاح،
وأنّ
الْمنطقة
مُهدّدة
بالغرق في
مواجهات لا
تنتهي، ما
لم يَحدث
عمل حاسِم
يَحول دون
نَزيف يومي.
في تلك
اللّيلة
غادرت
الْمجلس
الْحربِي
سرّا لأرجع
مع الصباح
على رأس
القوّة
العسكريّة
الأساسيّة.
الرّجوع
من الشّمال
كانت
قوّاتنا
موزّعة إلى
أجزاء،
وبين
الرابعة
فجرا
والسادسة
صباحا،
تَجمّعت
كلّها في
منطقة برج
الفيدار،
وكان عامل
السرعة
مُهمّا.
تولّيت
قيادة
القوّة
التي راحت
تتقدّم على
الطريق
الساحلي.
عندما
وصلنا إلى
أوّل مركز
لِحبيقة
عند نَهر
ابراهيم،
اكتشفنا
أنّ
الْمجموعة
التابعة
لنا،
والْمكلّفة
بِمشاغلته،
نَجحت في
إسقاطه،
فتابعنا
الطريق،
ووصلنا إلى
مركز طبرجا.
كان قد مضى
على إحدى
مجموعاتنا
ثلاث ساعات
وهي تتبادل
إطلاق
النار مع
هذا
الْمركز.
وحين
وصلنا،
أوقفنا
إطلاق
النار،
وتقدّمنا
بقوّة في
اتّجاهه،
وبغرض
دفعهم إلى
الاستسلام
وتفادي
سقوط قتلى،
فاستسلموا
بدقيقتين.
وعند مفرق
حريصا
وجّهنا
إنذارا إلى
الْمركز،
فاستسلم.
وهكذا
تَمكّنا من
التقدّم
دون أن
نَخوض
معركة
رئيسيّة،
وسقطت
الْمواقع
عمليّا على
يد القوى
التابعة
لنا. لم
يَحصل
إطلاق نار
في "ضبيّه"،
ولكن حين
وصلنا إلى
أدونيس
كانت
مجموعاتنا
تُطوّق
مجموعات في
الثّكنة
هناك،
وتتبادل
معها إطلاق
النار. هنا
كان
الاشتباك
جديّا. حين
وصلنا،
أدرك جماعة
الثّكنة أن
لا أمل لَهم
بالْمقاومة.
أذكر
كلّمنِي
قائد
الثّكنة
على
الْجهاز
وقال لِي: يا
حكيم،
الثّكنة لك
وتعود لك،
هذه
الأحداث لا
نريدها.
وهكذا
استسلم هذا
الْموقع،
وانفتحت
طريق
بيروت،
خصوصا
وأنّنا
كنّا قد
نسّقنا مع
القوى
الْموجودة
في الْمتن.
تَحذير
من عون
في بيروت
حاول حبيقة
الضغط
لاحتلال
الْمجلس
الْحربِي،
لم يستطع. لا
بل إنّ
شبابنا
الْمولَجين
بالْحراسة
نَجحوا في
إحكام
الطّوق على
مقرّه. ومن
تلك
الساعات
سيدخل
ميشال عون
على الْخطّ.
لدى وصولِي
إلى نَهر
الكلب على
رأس القوّة
التي
انطلقت من
برج
الفيدار،
أبلغنِي
ضابط من
الْجيش
يدعى بول
مطر أنّ
الْجنرال
عون يريد أن
تتّصل به
والأمر
ضروري.
أجبته أن لا
هاتف في
سيّارة
الْجيب،
فقال: يريد
أن يَحكيك
بسرعة. وراح
الضابط
يَلحّ
عليَّ. طلب
الْجنرال،
فقال لِي: يا
حكيم
انتبه،
الوضع
عمبيصير
صعب. أنا ما
بقدر مكتوف
الأيدي.
فسألته عن
السبب،
فقال: وجّه
السوريّون
إنذارا،
وإذا لم
أوقف
العمليّة
الآن وفورا
فسيُهاجمون.
واعتقادي
أنّ ذلك لم
يكن صحيحا.
قلت أنت
تعرف
الوضع،
وتعرف
الأسباب.
فأجاب:
واللّه هذا
هو الوضع. ما
لازم نرتكب
مبالغة. لكن
أنا صرت
محشورا
وبدّي
إتْحرّك.
انتهينا
من
الْجنرال
عون، وطلبت
الْمدبّر
الرّسولِي
ابراهيم
الْحلو،
فسارع إلى
القول: يا
ابني شو
عمبيصير؟
خربتو
البلد، شو
عمتعملوا؟
ورحت أحاول
تَهدئته.
ماذا يَحدث؟
ألا يدري هو
ما حدث
سابقا
وحتّم حصول
ما يَحدث
الآن.
وأنْهى
كلامه
بالقول:
اتّصل فينا
إيلي حبيقة
وبدّو
يستسلم.
جاء دور
الأباتِي
بولس
نَعمان.
طالع خلقو
تَماما. شو
عمتعملوا؟
ما بيجوز.
كسّرتوا
الْمنطقة.
خربتوا
البلد. شو
هالقصّة؟
مش معقول. يا
أباتِي،
أنت بتعرف
الْموضوع.
مش نِحنا
بلّشنا
باستخدام
القوّة.
اضطرّيت
إرفع
لَهجتِي
شْوَي حتّى
يوقف. قال
لِي: خلص،
على كل حال
إيلي حبيقة
اتّصل،
وبدّو
يستسلم. شو
عاد بدّك
فيه؟ ما حدا
منّا
بيقبل، ما
حدا منّا
بيقبل ولا
لَحظة. ما
بِكفّي؟
هلّق مطرح
ما انت وقاف.
في هذه
الأثناء،
اتّصل بِي
كريّم
بقرادونِي
وقال لِي:
اتّصل بِي
الوزير
جوزف
الْهاشم من
قِبل
الرئيس
الْجميّل،
وقال إنّو
إيلي حبيقة
بدّو
يستسلم.
ثُمّ اتّصل
بِي كريّم
ثانية،
وقال: اتّصل
بِي ميشال
الْمرّ (الوزير
السابق)،
وقال أنّه
يريد
التّحدّث
إليك
وبأسرع وقت.
وتابع
كريْم: يا
سَمير عنّا
مشكلة.
الياس ابن
ميشال
الْمرّ
موجود مع
إيلي حبيقة
في مقرّ
جِهاز
الأمن. طلبت
وزارة
الدّفاع،
وتَحدّثت
إلى ميشال
الْمرّ،
قال لِي: يا
حكيم، أنا
ميشال
الْمرّ
عمبحكيك.
ابنِي أنا
وحيد، وما
عندي غيره.
كان عائدا
من مقرّ
جريدة "الْجمهوريّة"،
ومرّ فوجد
إيلي حبيقة
مُستيقظا.
طلبوا
مناقيش
ولَحم
بعجين
لتناول
التّرويقة
معا، وصارت
القصّة. يا
حكيم بتعرف
مشاعر الأب.
أثّر كلام
ميشال
الْمرّ في
نفسي. طلبت
تقريرا
عاجلاً من
الْمجلس
الْحربِي
وإقليم
الْمتن
الشّمالي،
فتبيّن أنّ
هناك
محاولات
هجوم على
منطقة
الدوّار في
الْمتن،
وهجوما على
قرية صفار
في
البترون،
وقد دخل
الْمهاجمون
هذه القرية.
دخلوا إلى
الدوّار
وإلى صفار،
وهناك
تَحرّكات
عسكريّة
غير مريْحة.
والْحقيقة
إنّ موضوع
الياس
الْمرّ لعب
دوره
آنذاك، إذ
لا ذنب له،
ومتابعة
الْهجوم
على مقرّ
جهاز الأمن
حيث كان
حبيقة
مُحاصرا
يُمكن أن
تؤدّي إلى
أشياء
مؤلِمة. لم
أستطع أن
أتصوّر أن
يُقتل
الياس
الْمرّ
بسبب أخطاء
ارتكبها
غيره، وكان
عليَّ أن
أتَحرّك
بسرعة
للحيلولة
دون حصول أي
اختراق
أساسي على
الْجبهات.
وكان من
الصعب على
حبيقة أن
يستسلم لنا
بعد كل الذي
فعله، وإذا
اختار
الْمحاصَرون
الاستمرار
في إطلاق
النّار،
فربّما
تؤدّي
الْمعركة
إلى مقتل أو
جرح كل
الْموجودين
داخل مقرّ
جهاز الأمن.
طبعا،
أخذت في
الاعتبار
احتمال أن
يكون حبيقة
يسعى إلى
الإفادة من
الوقت
بانتظار
تدخّل ما،
لكن لم يكن
في استطاعة
أي تدخّل أن
يُغيّر
الوضع في
الْمكان
الذي كان
مُحاصرا
فيه. مجموعة
أصوات
سياسيّة
ودينيّة
تُطالب
بوقف
الْمعركة،
وموضوع
الياس
الْمرّ،
وميشال عون
وجّه لِي
تَهديدا
ولو بصورة
لائقة. أنا
في مثل هذه
الظّروف
أُصبح شديد
الْحذر. وفي
النّهاية
تَمّ
التوصّل
إلى اتّفاق
بواسطة
ميشال
الْمرّ:
يَخرج
حبيقة
وجماعته من
جهاز
الأمن، دون
أي
مُستندات،
ويَتوجّه
مع جماعته
إلى وزارة
الدّفاع،
ومنها فورا
إلى خارج
البلاد.
وعند
الْمساء،
توجّهت
قوّة من
الْجيش
اللبنانِي
إلى مقرّ
جهاز
الأمن،
وأخرجت
حبيقة إلى
وزارة
الدّفاع،
ومنها إلى
خارج
البلاد. وهو
سيُحاول في
مرحلة
لاحقة
اقتحام
الأشرفيّة،
لكنّنا
سرعان ما
أغلقنا
الثّغرة.
وأحبطنا
الْهجوم.
عندما
توجّه
حبيقة إلى
مقرّ وزارة
الدّفاع،
أمرت
الوحدات
العسكريّة
بالتّوجّه
إلى
الْجبهات.
نظّمنا
هجوما
مضادّا،
واسترجعنا
صفار التي
كان قد سقط
فيها خمسة
قتلى أثناء
دخولِهم
إليها.
دعمنا جبهة
الدوّار في
الْمتن
الشّمالِي،
وكل
الْجبهات
الأخرى.
ربّما لا
تعكس رواية
الأحداث
الآن حراجة
تلك
الساعات.
ليس سهلا أن
يكون عليك
اتّخاذ
قرارات في
وضع
مُتحرّك،
وفي ظلّ خطر
تدخّل
خارجي كان
الأهمّ
بالنّسبة
إلينا في
تلك
الساعات،
وقد لاحت
بوادره
فعلا. وشعرت
بضرورة
إنْهاء
الْجانب
الدّاخلي
من
الْموضوع،
ليَتفرّغ
العسكر
تَماما
للدّفاع عن
الْجبهات.
إزاحة
الآخرين
يا أستاذ
غسّان ليس
صحيحا أنّه
منذ
تولّيَّ
قيادة "القوّات"
في ذلك
اليوم،
بدأت
أُخطّط
لإزاحة
أمين
الْجميّل
وميشال
عون، ولست
أنا
الْمسؤول
عمّا
تُسمّيه
أنت
العلاقات
الصعبة في
الْمثلّث
الصعب. ولم
أكن أبدا في
وادي
التفرّد
بالقرار.
أنا رجل
حذر، وأقرأ
الأشياء
على مَهل.
أقصى
تَمنّياتِي
كانت أن
أستطيع
مُمارسة
مسؤوليّاتِي
كقائد لـ"القوّات"،
وأقول لك
بصدق، كان
ذلك أقصى
تَمنّياتِي.
كنت أشعر
أنّنا
نتحدّث عن
ترتيب
أوضاع
البلاد،
وأنّ هذه
الْمسألة
تبدأ بأن
يُرتّب كل
واحد أوّلا
الْمؤسّسة
التي
يتولّى
قيادتَها.
ولأنّي
أعرف وضع "القوّات"،
كنت أشعر
ببساطة
أنّنِي
أطلب
السّترة ،
أي أن
يتركونِي
لأمارس
مسؤوليّاتِي
في موقعي.
كانت "القوّات"
بِحاجة
لإعادة
بناء،
وإعادة
النظر
بِهيكليّتها
وأنظمتها
وقوانينها.
دون
مؤسّسات
فعليّة لا
خلاص
للمُجتمع.
وإعادة
التنظيم لا
تعني
الاستعداد
للمزيد من
الْحروب،
وربّما كان
العكس.
فالْمجموعة
الْمنسجمة
التي
تَمتلك
برنامجا
واضحا هي
الأقدر على
الْمشاركة
في السلام.
ولم أكن
أطلب من
الآخرين
غير ذلك. هذا
كان شعوري،
وهو شعور
مَن يُعطي
نفسه
لِمؤسّسة،
ثُمّ
يتولّى
قيادتَها
ويشعر أنّ
هذا
الْموقع
ربّما
مكّنه من
تَحقيق
أحلام
هؤلاء
الشّبّان.
هذا كان
مطلبِي
أمام
الْمطلب
الآخر، فهو
أن لا
يُحضّروا
للبلد هزّة
جديدة أو
يُلزموا
النّاس
بِمشروع
جديد.
في فترات
الْهدوء
يتسابق
كثيرون على
انتقاد
الْميليشيات،
ويَتحدّثون
أحيانا
وكأنّ
أفراد هذه
الْميليشيات
جاؤوا من
البعيد، من
بلاد أخرى
أو من كوكب
آخر. لا شكّ
أنّ عناصر
من
الْميليشيات
ترتكب
تَجاوزات،
خصوصا حين
يغيب
التّنظيم
الْجدّي
وتغيب
القيادة
الْحازمة.
ما ينساه
كثيرون هو
أنّ هؤلاء
الْمقاتلين
ولدوا من
الْمأساة
التي
ارتكبها
غيرهم.
إنّني أسأل:
هل كان
يُمكن أن
تقوم
ميليشيات
لو كانت
الدّولة
دولة
بالفعل؟
لقد وُلدت
الْميليشيات
من انْهيار
الدّولة
وتفكّك
مؤسّساتِها
وتآكل
هيبتها،
وحين بطلت
الدّولة أن
تكون ضمانة
للمواطن. كم
كنّا
نتمنّى لو
أنّ
الدّولة
واجهت هذه
الْحرب منذ
البداية،
ووفّرت
للمواطن
أمنه
وسلامته،
وحافظت على
سيادة
البلاد. لقد
ترك هؤلاء
الشبّان
مقاعد
الدراسة،
وغرقوا في
الْحرب،
وقُتل
كثيرون
منهم على
الْجبهات
والْمتاريس.
كثيرون
قُتلوا
وكثيرون
جُرحوا
وكثيرون
أُصيبوا
بِعاهات
دائمة.
وماذا يريد
هؤلاء؟ لا
أعتقد
أنّهم
يريدون
أكثر من وطن
حرّ ودولة
تستحقّ
التسمية.
أما كان
أفضل
لِهؤلاء أن
يُتابعوا
دراستهم،
أو ينصرفوا
إلى
أعمالِهم،
بدل العيش
في الْخطر؟
ليسوا هواة
حرب، ووحده
مَن لا يعرف
الْحرب
يُمكن أن
يسوق مثل
هذه
الاتّهامات.
إنّ
التنكّر
لِدم مَن
سقطوا
جريْمة ،
لأنّ هذه
التنكّر
يُنجب
الْمزيد من
الْحروب.
الْميليشيات
والدّولة
وُلدت
الْميليشيات
حين سقطت
الدّولة.
وحين تقوم
الدّولة
الْحقيقيّة،
لن تكون
الْميليشيات
مشكلة، ولا
يُمكن أن
تكون.
والدّولة
الفعليّة
التي
تُعبّر عن
آمال
اللّبنانيين
ستستطيع
بالتّأكيد
إيْجاد حلّ
للميليشيات.
لا أحد
يستطيع رفض
سلام قائم
على
الْمستلزمات
الْحقيقيّة
للسلام.
وكون
الْميليشيات
قويّة لا
يعني أنّ
السلام
مستحيل، بل
ربّما يسهل
السلام.
فالسلام
يُصنع بين
الْمتحاربين،
وبِحيث
يوفّر
الْحل
السياسي
للطمأنينة
التي
افتقدها
الناس،
وحملوا
السلاح
بسبب
غيابِها.
يا ريت
بقيت
اللّعبة في
إطارها
السياسي.
نحن أساسا
جئنا إلى
الأحزاب
لكي نعمل من
خلالِها،
لا لِنقاتل.
وفي
النّهاية،
لا حل إلاّ
بالعودة
إلى الصراع
الفكري
والسياسي.
فلتكن هناك
معارك
سياسيّة
وأحزاب
وبرامج.
أكثريّة
تَحكم
بالدّيْمقراطيّة،
وأقليّة
تُعارض
بالدّيْمقراطيّة.
لا قوّة ولا
طغيان.
برلَمان
وأحزاب
وصحافة
وانتخابات،
وترك
النّاس
تَختار مَن
يُمثّلها.
ننسى
أحيانا ما
حصل في 1975 . منذ
تلك
اللّحظة
تعطّلت
اللّعبة
السياسيّة.
صار عليك
إمّا أن
تنكفئ إلى
كتبك أو
عملك، أو
إلى مؤسّسة
خيريّة،
وتترك
الأقوياء
يصنعون
البلد على
هواهم،
وإمّا أن
تشترك في
صناعة
الْمستقبل،
وكل مشاركة
متعذّرة
دون قوّة.
بلا
أوهام
قصّة
السلاح
معروفة.
مُكره أخاك
لا بطل. لا
يُصنع
مستقبل
الأوطان
بالسلاح.
لكنّ
الرضوخ
للسلاح
مرفوض هو
الآخر. لا
يُصنع
الوطن
بالشطب أو
بالقهر،
وحين تغيب
الدّولة
والْمؤسّسات،
لا بدّ لك
وبالرّغم
عنك من أن
تدافع عن
حقوقك. كم
أتَمنّى لو
كانت هناك
حلول
مثاليّة،
لكن دعنا
نقرأ
الواقع
ونتعلّم.
منذ
الرصاصة
الأولى في
الْحرب،
سقطت
اللّعبة
السياسيّة.
وللتّذكير،
يومذاك لم
تكن "القوّات"
موجودة.
وأعود إلى
مسألة
إزاحة
الآخرين.
لست من
جماعة
الأوهام،
ونحن نرسم
تَحرّكنا
بأسلوب
علمي
وواقعي. حين
تولّيت
قيادة "القوّات"،
لم يرد في
ذهني أبدا
أن أُزيْح
رئيس
الْجمهوريّة،
أو أن
أُخطّط
لإزاحته. لم
أرد ذلك،
وما كنت
قادرا على
تَحقيقه لو
أردت. لا
يَجوز
التّعاطي
بِخفّة مع
هذه
الْمواضيع.
لم يكن
غرضنا أبدا
شلّ رئاسة
الْجمهوريّة،
بل على
العكس،
فهذا
الْموقع
يُمكن أن
يُساهم
بفاعليّة
في الْحلّ
حين يُحسن
من يتولّى
إدارته. وهو
موقع
دستوري، لم
يكن من
الوارد أن
نفكّر في
الاستيلاء
عليه. الأمر
نفسه
بالنّسبة
إلى العماد
عون. لِماذا
أُزيْحه؟
ألم يكن أحد
اعتراضاتنا
على
الدّولة
التي تركت
الْحال
تتدهور
أنّها
استسلمت
لرغبة
وإرادة
الذين
خطّطوا
لِتمزيق
الْمؤسّسات
وشلّها؟
ما عملت من
أجله كان
عكس ذلك
تَماما. في
عهد حبيقة
حدثت
عمليّة كبت
للحريّات
السياسيّة،
ومحاولات
لشرزمة
الأحزاب.
أمّا نحن،
فاعتبرنا
أنّ عودة
الْحركة
السياسيّة
والْحزبيّة
والدّيْمقراطيّة
تُقوّي
الْمجتمع
ولا تُضعفه.
كثيرون من
الذين
كانوا قد
تركوا
الْمنطقة
الشرقيّة،
أو هُجّروا
منها،
عادوا
إليها. لم
تكن
التعدّديّة
السياسيّة
مسألة
فولكلوريّة،
بل كانت
خيارا. طبعا
لم تكن
التعدّديّة
العسكريّة
مسموحة، أي
لم يكن
مُمكنا
القبول
بشرازم
عسكريّة،
لأنّ هذه
الشرازم
تُغرق
الْمجتمع
في مواجهات
وممارسات
تستنْزفه.
أُحبّ أن
أُذكّرك في
هذا
الْمجال
بأنّ عناصر
من أحزاب
وميليشيا
كانت على
الْجهة
الأخرى من
خطوط
التّماس،
دخلت
الْمنطقة
الشرقيّة
ولم يتعرّض
لَها أحد،
ولم يكن
هناك أي قيد
عليها،
طبعا
باستثناء
العمل
العسكري.
ليس صحيحا
أنّ لديَّ
مشكلة في
القدرة على
التّعايش
مع الآخرين.
لقد تعايشت
مع أمين
الْجميّل،
ومع
الْجنرال
عون، لكن
ماذا تفعل
حين اختار
أمين، وفي
آخر لَحظة
من عهده، أن
يزرع عون في
الْحكومة
العسكريّة،
ليَنفجر
هذا اللّغم
لاحقا بـ"القوّات"
وبالبلاد
معا. وفي هذا
السّياق،
يُمكن فهم
دخول "القوّات"
إلى الْمتن
بعد خروج
أمين من
الرّئاسة.
|