أصرَّ
حبيقة على
توَلّي
الرّئاسة،
وذهب
بعيدًا
بعد
الإمساك
بالصُّندوق
الوَطنِي
والبَدء
باجتذاب
العسكر،
وصلنا إلى
الْخطّ
الأحمر
في حياتنا
السياسيّة
مأساة
انتقلت من
جيل إلى جيل.
حسابات
الفرد
تتقدّم في
غالب
الأحيان
على حسابات
الْجماعة.
وهاجس
الْموقع
يطغى في
كثير من
الْحالات
على هاجس
تَحقيق
الْهدف
الكبير، أو
الشّعار
الذي خيضت
الْمعركة
على أساسه.
مفهوم
الشّطارة
أو
التّشاطر
خطير في
العمل
الوطني. لا
أقصد أنّ
الطّموح هو
الْمشكلة.
والطّموح
مشروع
لِمَن يعمل
ويستحقّ.
الْمشكلة
هي حين لا
يشعر الفرد
أنّ حسن
آرائه في
موقعه
الْحالِي
هو الذي
يُجيز له
الانتقال
إلى موقع
أكبر، أو
تَحمّل
مسؤوليّات
أكبر. وفي
أحيان
كثيرة،
يُفضّل
كثيرون
الْجلوس في
الواجهة
على
الفاعليّة،
ويُفضّلون
التّسميات
على العمل
الدّؤوب
الذي وحده
يضمن
البناء على
أسس ثابتة.
نَجحت
انتفاضة 12
مارس (آذار) 1985.
وحظيت في
الواقع
بتعاطف
واسع في
صفوف "القوّات"
حسم
الْمعركة
لِصالِحها.
ولقيت
تَجاوبًا
في صفوف
الْحزبيين
والنّاس
العاديين
في
الْمنطقة.
والأكيد هو
أنّها لك
تكن
مغامرة،
لأنّنا
كنّا نعرف
ماذا نريد.
وما كان
لَها أن
تَنجح لو
كانت وليدة
حسابات
فرديّة، أو
شهوة
للسّلطة.
وكان هناك
شعور عام
بضرورة وقف
التّدهور
العام،
والتّآكل
الذي راح
يضرب كلّ
شيء.
بدأنا
الاجتماعات،
وسرعان ما
ظهر حديث
الأدوار.
كان لدى
إيلي حبيقة
شعور بأنّه
عمل بقدر ما
عملت أنا.
وساد مناخ
من السّؤال
عن الْحصص.
قلت لإيلي
فلنتعاون،
وليلعب كلّ
واحد
الدّور
الذي
يستطيع أن
يلعبه،
وكما حصل.
فردّ
بالإيْجاب،
مُضيفًا:
لكنّي أنا
عملت جوّ
الأحداث.
وتفاديًا
لإثارة
حساسيّات،
وبهدف
الانصراف
إلى العمل
الْجادّ
والشّاق
الذي كان
يتعيّن
علينا
القيام به
لنُثبت
أهليّتنا
لِمعالَجة
الْمشاكل
الْمطروحة،
اتّفقنا
على أن لا
أُعيّن أنا
قائدًا لـ"القوّات
اللُّبنانيّة".وقضى
الاتّفاق
بأن تكون
هناك قيادة
جماعيّة،
بِحيث
يَتمّ
توزيع
الْمسؤوليّات،
ويؤدّي كلّ
واحد دوره
بعيدًا عن
التّجاذبات
السياسيّة.
وبدأنا في
إعادة
تركيب "القوّات"،
إذ كانت
تَحتاج
فعلاً إلى
إعادة
بناء، بعد
ما عاشته
وتعرّضت له.
سُمّيت
القيادة "الْهيئة
التّنفيذيّة"،
وعُيّنتُ
أنا رئيسًا
للأركان،
وإيلي
حبيقة
رئيسًا
لِجهاز
الأمن. وإذا
شئت، تَمّ
تكريس كلّ
واحد في
الْموقع
الطّبيعي
الذي كان
موجودًا
فيه،
وبدأنا
بالتّعيينات
الْخارجيّة.
ظلّت
القيادة
بلا رأس.
فضّلنا
عبور
الْمرحلة
بقيادة
جماعيّة.
وفي
الْحقيقة،
لا شيء في
التّاريْخ
يُشير إلى
نَجاح هذا
النّوع من
الصّيَغ. في
النّهاية،
لا بدّ
للقيادة من
شخص مسؤول،
وبغضّ
النّظر عن
طريقة
اتّخاذ
القرار. لا
بدّ من شخص
يَتحمّل
الْمسؤوليّة
ليُمكن
انتقاده أو
مُحاسبته.
هذا الكلام
لا يَعني
أبدًا
الرّغبة في
التفرّد
التي
تَحدّثت
عنها. وهل
ممارسة شخص
موجود في
موقع
القرار
لِمسؤوليّاته
تُعدّ
تفرُّدًا ؟
وهل يُمكن
مثلاً
تَمضية
الأيّام في
الْجدل
والأخذ
والردّ على
كلّ شاردة
وواردة؟
كنت أعي
ذلك،
لكنّنِي
قلت نُحاول
تفادي
الْحساسيّات،
ومَشينا في
القيادة
الْجماعيّة.
انصرفت
إلى عملي
كرئيس
للأركان.
أوضاع "القوّات"
كانت
تَحتاج إلى
جهد وصبر.
وكان العمل
يستغرق
اللّيل
والنّهار.
فأمور
هؤلاء
الشبّان
الذين لا
يَبخلون
بأرواحهم
في ساعات
الشدّة
تستحقّ
الْموقع
الأوّل في
اهتمامات
القيادة.
إحدى
مشاكلي في
العمل مع
الآخرين هو
أنّنِي
أعتبر
الإنسان
الآخر
جيّدًا
حتّى إثبات
العكس.
الانتفاضة
أحدثت هزّة
في البلد،
وبات على
كلّ واحد أن
ينصرف إلى
شغله.
واكتشفت
أنّ أحدًا
لم ينصرف
إلى عمله
باستثنائي
أنا. وسرعان
ما بدا أنّ
إيلي
حبيقة،
وطونِي
بريدي،
وأبو أرز،
وأعضاء
آخرين من
الْهيئة
التّنفيذيّة
انصرفوا
إلى عمل
وحيد، وهو
الْبحث في
أسلوب
إيقاعي في
حفرة ما.
غريب هذا
البلد.
ربّما لم
يكن الْهدف
تَمامًا
إيقاعي في
حفرة،
لكنّهم على
الأقلّ
اعتَبروا
أنّهم هم
الذين
صنعوا
الانتفاضة،
فماذا،
إذًا، جاء
بِي من هناك
إلى هنا؟
وكأنّ كلّ
ما فعلته هو
أنّنِي
تَمشّيت من
القطّارة (في
جرود جبيل)
إلى بيروت،
وهل يستحقّ
هذا
الْمشوار
أن أكون في
واجهة
الانتفاضة؟
واستنتجوا
بالتّالي
أن لا بدّ من
واجهة أخرى
في القيادة
الْجديدة.
في هذه
الأثناء
كنت أمضي
وقتي في
إقليم
الْخرّوب
وشرق صيدا،
لنَتفادى
أحداثًا
هناك. وفي
الْمجلس
الْحربِي،
كان هؤلاء
الأشخاص
يَبحثون عن
طريقة
لتَسلّم
قيادة "القوّات"،
إلى أن
اتّفقوا
على إيْصال
إيلي حبيقة.
كنت
منهمكًا
بِمعالَجة
وضع شرق
صيدا،
وكانوا
منهمكين
بِحساب
للواقع.
وحصلت
عمليّة شرق
صيدا، وبدل
أن يَضمّوا
أيديهم معي
لنَرى ما
نستطيع أن
نفعله،
بدأوا حملة
تسويق
تَهدف إلى
إظهاري
وكأنّنِي
الْمسؤول
عن شرق صيدا.
كانت قد مضت
خمسة أيّام
فقط على
تسلّمي
رئاسة
الأركان،
وكانت قد
مضت عشر
سنوات على
تولّي إيلي
حبيقة
مسؤوليّة
جهاز الأمن.
جماعته هم
الذين
اشتغلوا
بشكل أساسي
في شرق
صيدا،
وحبيقة كان
من أكثر
الْمتحمّسين
لبقاء "القوّات"
في الإقليم
وشرق صيدا.
أنا كنت
مُعارضًا
لِهذه
الْخطّة من
الأوّل.
وحين
تولّيت
رئاسة
الأركان،
بدأت
الأحداث في
شرق صيدا،
فذهبت إلى
هناك
لأعالِج
الأحداث،
وجلس حبيقة
يُتابع
التّخطيط
لعمليّة
الإمساك
بالقيادة.
أثر
أحداث
الإقليم،
بدأ حبيقة
حملة
تَهشيم
ضدّي داخل "القوّات"،
وشعرت في
الوقت نفسه
أنّ
أطرافًا
كثيرة،
وبعد الذي
حصل في
الشّرقيّة،
ستسعى إلى
استعمال
الرّئيس
أمين
الْجميّل،
واستخدام
أحقاده
لأغراض
بعيدة عن
السّاحة
الوطنيّة
العليا.وهنا
لا بدّ من
ملاحظة:
نَحن لم
نَتحرّك
ضدّ أمين
لاعتبارات
شخصيّة، بل
لوقف
الْمخاطر
التي كان
يمكن أن
تترتّب على
نَجاح
محاولاته
للإمساك
بالقرار. لك
يكن غرضنا
أبدًا
إضعاف موقع
رئاسة
الْجمهوريّة،
أو الْحدّ
من قدرته
على
التصرّف
كرئيس، بل
على العكس،
فإنّ
محاولته
الإمساك
بالقرار في
الكتائب و"القوّات"
هي التي
أدخلته
طرفًا في
صراعات لم
يكن موقعه
الرّئاسي
يُلزمه
بالدّخول
فيها.
كريْم
وأمين
وقلت
في نفسي ما
دُمنا قد
نَجحنا في
تَحقيق
الانتفاضة،
ورسَمنا
حدًّا
للتّدهور،
مقدّمة
لِمعالَجته،
فلِماذا لا
نُعيد
العلاقات
مع أمين،
خصوصًا
وأنّه قد
تَحجّم،
ولم يعد
قادرًا على
إلحاق
الأذى الذي
كان يُمكن
أن يُلحقه
من قبل.
نَجحنا
بضربة
واحدة في
استعادة
قرار
القوّات،
وكنت
واثقًا
أنّنا
سنستطيع
الوصول إلى
القرار في
حزب
الكتائب في
الانتخابات
الْمقتربة.
وبالتّالي،
سنكون
قادرين على
وضع نوع من
الضّوابط
السياسيّة
لأمين
الْجميّل
يصعب عليه
تَخطّيها.
وقلت
لِماذا لا
يُمكننا
التوصّل
إلى نوع من
التّفاهم
مع أمين،
بدل تركه
فريسة
للرّاغبين
في
الاصطياد
بالْماء
العكر. بدأت
الاتّصالات
من خلال
كريْم
بقرادونِي،
وتبيّن أنّ
ثَمّة
مجالاً
للعمل. كان
حبيقة في
هذا الْجوّ
طول
العمليّة،
وفي كثير من
الأوقات
شارك في
اجتماعات
في هذا
الاتّجاه.
كان من
الْمهمّ أن
لا نترك
أمين
يتحوّل إلى
ثغرة،
خصوصًا
وأنّه رئيس
للجمهوريّة.
وقلنا
لعلّنا
نستطيع أن
ندفعه
ليَشترك
معنا في
إنقاذ
إقليم
الْخرّوب
وشرق صيدا،
ومن موقعه
الرّئاسي.
وتبيّن
لاحقًا أنّ
السّوريين
كانوا قد
أعطَوا
للشيخ أمين
ضمانة بشأن
الإقليم
وشرق صيدا،
وحين بعثنا
له بِخبر،
فوجئنا
بردّه: أنا
بعتبر
حالِي
بِحلّ من
الإقليم
وشرق صيدا.
جواب
عون
وفي هذا
الإطار لعب
العماد
ميشال عون
دورًا
سيّئًا.
حاولت
كثيرًا أن
أطلب منه،
لا بل
إنّنِي
رجوته أن
يَنشروا
الْجيش
هناك،
فنتفادى
القتال
وذيوله.
وجوابه
الدّائم
كان: أنا ما
بروح، أنا
ما بنتشر
طالَما
أنتم هناك.
وفي
النّهاية
اتّفقنا
على أن
ننسحب
وحدنا،
وانتشرت
الكتيبة 98
من الْجيش
اللّبنانِي.
وحين كنت
أقول له إنّ
عناصر هذه
الكتيبة
يشنّون
هجمات، كان
يردّ: حين
تنسحبون
يتوقّفون
عن الْهجوم.
على هذا
الأساس
اتّفقنا أن
ننفّذ
انسحابًا
من جانب
واحد، كي
يتسلّم عون
الوضع
الأمني،
وهي
الطّريقة
الوحيدة
لتثبيت
الوضع. في
هذه
الأثناء،
كان الشيخ
أمين قد
أبلغ دمشق
أنّه لم يعد
مهتمًّا
بتلك
الْمنطقة،
وكأنّه ترك
للآخرين
حريّة
التصرّف
وفق
إرادتِهم.
ولم ينفّذ
عون خطّة
أمنيّة،
لأنّ وليد
جنبلاط
نصحه بعدم
السّير
فيها، إذ
كان وليد
يريد توسيع
نفوذه في
الْمنطقة.
لقد
علّمتني
هذه
الأحداث
خطورة
الرّجال
ذوي
الْحسابات
الضيّقة
حين تكون
لَهم
الْمواقع.
ففي بعض
الأوقات
تتسبّب هذه
العقليّة،
لا في ضياع
منطقة، بل
في ضياع وطن.
لن أسرف في
الْحديث عن
الْمآسي
والْمسؤوليّات.
وأعتقد أنّ
كلّ
الْحملات
وعمليّات
التّسويق
والرّوايات
الْمطبوخة
لن تَنجح في
قلب
الأدوار،
أو تلميع
صورة مَن
ارتكبوا ما
ارتكبوه.
مَن عاشوا
هذه
الأحداث لا
يزالون
أحياء،
وبالتّالي
فأنّ كتابة
هذه
الْمرحلة
مُتيسّرة،
وأي بَحث
موضوعي
فيها سيكشف
حقيقة ما
جرى،
ومواقف كلّ
طرف،
ومسؤوليّة
كلّ شخص. لا
نقول ذلك
لرغبة في
الثّأر، أو
تصفية
للحسابات،
بل لأنّه لا
يُمكن
الاستمرار
في
التّستّر
والتّشويه.
من حقّ
النّاس
علينا أن
تعرف ماذا
حصل، وماذا
فعلنا. وكم
أتَمنّى أن
تُكتب هذه
الْمحطّات
بلغة العلم
واحترام
الْحقيقة
والأمانة.
حبيقة
وأمين
كان حبيقة
يعرف أنّ
التّقارب
مع
الْجميّل
يَهدف إلى
سدّ ثغرة
يُمكن أن
ينفذ منها
مَن يريد
التّحرّك
ضدّنا. وكان
موقع رئاسة
الْجمهوريّة
مهمًّا في
أي خطّة
جديّة
للمعالَجة.
وعلاقة
الشيخ أمين
بالرّئاسة
وصلاحيّاتِها
طويلة. فهو
كان يتصرّف
كرئيس
للجمهوريّة
حين يريد،
ولم يكن
رئيسًا
للجمهوريّة
حين يريد.
إذا كانت
الْمسألة
لا تعجبه،
أو لا
تَهمّه،
يعتبر نفسه
رئيسًا،
ويترك
الأمور
تَمرّ. أمّا
إذا كانت
تعجبه،
وتعني
مصالِحه
وحساباته،
فيعتبر
نفسه أهمّ
رئيس
للجمهوريّة.
هنا تَحرّك
حبيقة
لاستعمال
ورقتَي شرق
صيدا
والتّقارب
مع أمين
الْجميّل
ليَضرب
ضربته داخل
"القوّات".
بدأ حبيقة
يَتحدّث عن
فشل
القيادة
الْجماعيّة.
وبالْمناسبة،
فقد حاذر
دائمًا أن
يتهجّم
عليَّ أو
يتَحدّانِي،
حتّى
كلاميًّا.
وربّما
لأنّه كان
يُدرك
أنّنِي لست
من قماشة
مَن يُمكن
التّعامل
معهم على
هذا
النّحو، أو
مَن يُمكن
إخضاعهم
بالتّهويل،
أو
التّرهيب.
صحيح
أنّنِي
منفتح
دائمًا على
الْحوار،
وفي كلّ
الْمواضيع،
لكن أساليب
التّخويف
ليست أفضل
الأساليب
للتّعامل
معي. قال إنّ
القيادة
الْجماعيّة
لم تُحقّق
نتائج،
والدّليل
أنّ أمور
كثيرة
تَحدث على
غير ما
يُفترض أن
تكون. وخلُص
إلى
استنتاج
مفاده أنّه
لا بدّ من
وجود شخص
مسؤول.
ليس
صحيحًا ما
تقوله عن
أنّنا
بعثنا
برسالة إلى
أمين
الْجميّل
دون علم
حبيقة،
وأنّنا
كنّا نُجري
اتّصالات
تتضمّن
نوعًا من
التفرّد.
لقد كان
حبيقة على
علم، وتَمّ
طبع
الرّسالة
على الآلة
الكاتبة في
مكتبه،
وعلى يد أحد
العاملين
فيه. لقد
تعمّد
حبيقة
إظهار نفسه
في صورة مَن
لم يكن على
علم بِها.
مرّ كريْم
بقرادونِي
على
مَنْزله
مرّات
عدّة،
فَحاول
التهرّب
أكثر من
مرّة. وفي
النّهاية
وجده
وأبلغه أنّ
الْمفاوضات
تتقدّم مع
أمين،
وأنّها
أدّت إلى
هذه
النّتائج،
وأطلعه على
الورقة،
فأبدى
ارتياحه
إليها. لكنّ
السؤال هو:
لِماذا لم
يعقدوا
اجتماعات
رسْميّة
حين شعروا
أنّها
ستقّدم
نتيجة؟
والْجواب
هو أنّهم
أرادوا
استخدامها
كورقة ضغط.
حضّر
حبيقة
الأجواء،
وراح يطرح
هذا
الْموضوع.
لم تكن هناك
أي
انتقادات
ضدّي،
لكنّه
تَهجّم على
كريْم
بقرادونِي.
قال إنّ
بقرادونِي
يُحاول
التقرّب من
أمين ووضع
رصيد "القوّات"
في الْحضيض.
ونَحن قمنا
بانتفاضة
لاستبعاد
أمين، وها
هو كريْم
يسعى
لتَقريبنا
منه. طبعًا،
مثل هذا
الكلام
يُمكن أن
يَجد قدرًا
من الصّدى
لدى عناصر
في "القوّات"
كانت
مشاعرها
تُجاه
سياسة أمين
الْجميّل
معروفة.
نَحن لم نكن
مُعجبين
أبدًا
بأمين، أو
بسياسته،
لكنّ
السياسة
ليست مسألة
غراميّات.
كان الرّجل
في موقع،
وكان علينا
أن نَحول
دون أن
يُجيّر هذا
الْموقع
ضدّنا.
أسلوب
حبيقة
معروف،
ويقوم على
طرح تفاصيل
ومعادلات
تبسيطيّة
وبسيطة،
وليس على
طرح
معادلات
سياسيّة
معقّدة.
وهكذا،
وفي اجتماع
للهيئة
التّنفيذيّة
لـ"القوّات"
طرح حبيقة
بإلحاح
فكرة
تَعيينه
قائدًا أو
رئيسًا
للهيئة
التّنفيذيّة،
ومن دون أن
يتعرّض لِي
بشيء. وكنت
أنا أمام
خيارين:
إمّا
القبول به
وإمّا
الرّفض
الذي يَحمل
في
طيّاته
قيام مشكلة
عسكريّة
داخل "القوّات".
فكرة
التّصادم
داخل "القوّات"
كانت
كريْهة
جدًّا
بالنّسبة
لِي، لا بل
إنّنِي لم
أكن قادرًا
على
تصوّرها.
منذ بداية
الْحرب
وأنا أعيش
مع
العسكريين،
نتقاسَم
مرارات
الأيّام
واللّحظات
الصعبة في
الثُّكن
وعلى
الْجبهات.
الانتماء
إلى قضيّة
واحدة
يَخلق
روابط
ومشاعر
تفوق روابط
الدّم. ولم
يكن
الاحتكام
إلى
السّلاح
داخل
الصّفوف
مقبولاً في
خياري، لا
بسبب موقع
ولا بسبب
تباين في
الرّأي.
وإذا كنّا
نعتبر أنّ
السّلاح لا
يَحلّ
الْمشكلة
على الصعيد
الوطني
العام،
وأنّ
الْحوار هو
الطريق،
فهل نقبل
بِمنطق
السّلاح
داخل
الْمؤسّسة
التي
أعطيناها
أعمارنا،
وراهنّا
على دورها
في إعادة
السّلام
والسّيادة
إلى لبنان؟
العسكريّون
الذين
عاشوا معًا
ساعات
الشدّة
والْخطر
يُدركون
تَمامًا
خطورة
خلخلة
الصّفوف،
وخطورة
الانقسام.
وبرغم كلّ
شيء، هناك
خطّ أحمر
وثوابت
وطنيّة،
والتنكّر
لدماء مَن
سقطوا غير
مقبول. وبعد
الْمحاولات
السّلميّة
والتفاوضيّة،
تأتِي ساعة
القرار.
أصرّ
حبيقة على
تولّي
قيادة "القوّات"،
وقلت في
نفسي
فلنُجنّب
الْمؤسّسة
هزّة
جديدة،
ثُمّ
فليَتولَّ
هذا
الْمنصب
ليَكتشف
أنّه ليس
بالوجبة
الطيّبة أو
السّهلة.
وكنت أشعر
أنّنِي
أحتاج إلى
سنتين أو
ثلاث في
رئاسة
الأركان
لأُعيد
تنظيم
العسكر،
وتأهيله،
ولنتخلّص
من مسألة
الْمجموعات،
ونُوفّر
القدر
الضّروري
من
الانضباط
في علاقات
أفراد
الْمؤسّسة
بِمجتمعهم.
مسألة
البناء هذه
ليست سهلة،
بل هي
شاقّة،
خصوصًا بعد
كلّ الذي
حصل. وقرّرت
أن أترك
حبيقة
يتولّى
رئاسة
الْهيئة
التّنفيذيّة،
واعتبرت
أنّ الْخطّ
العام
الْمعروف
يُوفّر من
الضّوابط
ما يَحول
دون حصول أي
جُنوح.
في
التّاسع من
مايو (أيّار)،
وخلال
اجتماع
للهيئة
التّنفيذيّة،
قال حبيقة
انتخبونِي،
ولديَّ
برنامج
سياسي. وقف
وأخرج من
جيبه
مجموعة من
الأوراق.
برنامج
سياسي
وأوراق
جاهزة. بدأت
قصّة
الأوراق
بعدما كانت
قد بدأت
قصّة
الاتّصالات
الْمعروفة.
عندها
تركتهم
يُتابعون
النّقاش،
وذهبت إلى
مكتبِي.
وأذكر أنّ
الصّحافيين
جاء وا
يومها
وسألوا
عمّا حدث في
الْجلسة
غير
العاديّة
التي
انتُخب
فيها حبيقة
رئيسًا
للهيئة
التّنفيذيّة.
وتلك
القصّة
زادتنِي
إصرارًا
على ضرورة
إعادة بناء
"القوّات"،
وتَحمّل
الْمسؤوليّات.
غريب أمر
مُجتمعنا.
لا أحد
يُحبّ
التّخطيط،
وهذا العمل
الذي
يستدعي
التّأنِّي
والْمتابعة
والصّبر.
نريد
الطّريق
الأسهل
والأقرب،
والأشياء
الْجاهزة،
وكأنّما
الْمجتمعات
تُبنى دون
جهد وعناء.
اعتبر
حبيقة
انتخابه
تفويض على
بياض، وبدأ
تَحرّكًا
سريعًا
لِحصر كلّ
شيء فيه،
والإمساك
بالقرار
بِمفرده،
بِحيث لا
تكون ثَمّة
حاجة لِبحث
أو تشاور.
وكانت
خطّته تقضي
بإمساك كلّ
الأوراق
لكي لا يبقى
للآخرين
غير خيار
الْموافقة
على ما
يستعدّ
للسّير فيه.
وأفضل مثل
على ذلك
كانت قصّة
الصّندوق
الوطني
الذي
يُفترض أن
يكون قراره
بيد
الْهيئة
التّنفيذيّة.
كنّا وضعنا
شخصين
للإشراف
على
الصّندوق: "بول
عريس" من
عند حبيقة،
و"جورج
أنطون" من
عندنا.
واعتبرنا
أنّ وجود
الشّخصين
يضمن
التّوازن.
فجأة، قال
حبيقة أنّ "بول
عريس" وحده
يَجب أن
يكون
مسؤولاً عن
الصّندوق،ولا
لزوم لـ"جورج
أنطون".
وبدأت
ترجمة هذه
الرغبة
عمليًّا
بوضع كلّ
الْمداخيل
الْجديدة
باسْم بول
عريس وحده.
كان ذلك
البداية
لأسلوب غير
مقبول. ورحت
أسأله: يا
إيلي، شو
عمبيصير؟
فيَردّ
مُمازحًا.
وأكرّر
السؤال: يا
إيلي، ما
بيجوز هيك.
فيَردّ:
اللي بدّك
ياه بيصير.
وما كان
يَحدث في
الواقع هو
العكس
تَمامًا.
بدا
واضحًا أنّ
لدى إيلي
خطّة
تَحرّك راح
يُنفّذ
محطّاتِها
بِخُطى
سريعة
وثابتة. من
جهة
الإمساك
بِتمويل
العسكر
للإمساك
بالقرار.
ومن ناحية
أخرى بدأ
التّحرّك
لتَوقيع
الاتّفاق
الثُّلاثي.
ورحت أسأله:
ما هو
الاتّفاق؟
ومع مَن؟
فيُجيب:
بُكرا
بُكرا،
هيدا فظيع،
لا تَهتمّ
ولا تقلق.
وتبلورت
خطّة حبيقة:
السّير
سريعًا في
الاتّفاق
الثُّلاثي،
بِحيث
يستطيع
الاعتماد
على "حركة
أمل" و"الْحزب
التقدّمي
الاشتراكي"
في مواجهته
داخل
الشرقيّة.
ومن جهة
ثانية،
إكمال وضع
يده على كلّ
شيء في "القوّات
اللبنانيّة".
أُجبرتُ
على
الْمواجهة
عاد الوضع
إلى
التّدهور.
وافقنا على
أن يتولّى
حبيقة
رئاسة
الْهيئة
التنفيذيّة،
لكن
فلنحافظ
على الأقلّ
على العسكر.
وبصفتي
رئيسًا
للأركان،
كان العسكر
من
مسؤوليّتي.
واعتبرت
أنّ الأهمّ
هو أن نُبقي
العسكريّ
بعيدًا عن
أي تَجاذب.
لكن إيلي لم
يتوقّف عند
حدود. أمسك
بالصندوق
ليُمسك
بالعسكر،
وبدأ
باجتذاب
مجموعات
عسكريّة.
آمر مجموعة
معيّنة
يستدعيه
ويُعطيه
ضعف
الرّاتب له
ولِمجموعته.
وبدأت
ترتسم
ملامح
الأزمة. كنت
أشعر
بالْحاجة
إلى سنتين
من البناء
لنُعيد
التقاط
أنفاسنا.
لعبة تفتيت
العسكر
واجتذاب
الْمجموعات
بالإغراء
الْمالي
أقلقتني.
وشعرت
بالْحَيرة
وشعرت
بالألم.
فعلنا كلّ
ما فعلناه
لنُعيد
للمؤسّسة
دورها، وها
هو هذا
الدّور
يتعرّض
مجدّدًا
للتّهديد.
وبصراحة
كاملة أقول
إنّني لك
أكن أريد
الْمواجهة
أو أبْحث
عنها. لقد
دفعني
حبيقة
إليها
وفرضها
عليَّ. لقد
انتزعني من
فراشي
وأجبرنِي
على الدخول
في مواجهة
معه.
صعّد
حبيقة
هجومه داخل
"القوّات"
وداخل
الْمجتمع،
وعلى
الصعيد
العام. ورحت
أقول في
نفسي: إذا
كانت خلوات
بكفيّا
الْحكوميّة
واحدة من
الأسباب
التي
دفعتنا إلى
القيام
بانتفاضة 12
مارس (آذار)،
فهل يعقل أن
نوافق على
الاتّفاق
الثُّلاثي؟
وبدا الأمر
لِي وكأنّه
كارثة، لا
بل وشعرت
وكأنّنِي
ساهمت بشكل
غير مباشر
بِمساهمتي
في دفع
الوضع في
هذا
الاتّجاه.
في تلك
الْمرحلة
بدأ
التّحضير
الإعلامي
لعمليّة
عودة
السّلام.
وبصراحة
كاملة أقول:
ليس هناك
مَن يتحرّق
لرؤية
السّلام
أكثر من
الْمحاربين.
الذين لا
يدفعون
ثَمن
الْحرب
يستطيعون
الانتظار
طويلاً،
لكنّ الذين
يدفعون من
لَحمهم
ودمهم هم
الذين
يشعرون
بإلحاح
السّلام.
لكنّ
السّلام لا
يُمكن أن
يَنْزل
بالْمظلّة.
هناك حقائق
يَجب أن
ينطلق منها
أي مشروع
سلام.
تركيبة
داخليّة،
ومَخاوف
تاريْخيّة،
ومشاكل
معقّدة لا
يُمكن
حلّها عن
طريق
الادّعاء
أنّها غير
موجودة. في
الْحلّ
الْحقيقي
ثوابت يَجب
أن تكون
حاضرة،
والسّلام
يَجب أن لا
يكون
مقدّمة
لِحرب
جديدة، ولا
فرصة لقيام
سُلطة
تفتقر إلى
القدرة على
القرار.
حرام أن
نُحاول
إنْهاء حرب
بِصيَغ
هشّة لا
يُمكن إلاّ
وأن تُنجب
الْمزيد من
الْحروب.
|