سَمير
جعجع يتذكَّر
حروب
الْجمهورية الأولى
[ مقدَّمة ]
تذهب الْحرب و يبقى الْمحاربون . يذهبون الى سلام
لا يعكس انتصاراتِهم و لا يُبنى على هزيْمتهم . سلام يتَّسع لَهُم دون أن
يُشبههم . سلام يصلح لَهُم، فهل يصلح الْمحاربون للسلام ؟
تذهب الحرب و يبقى الْمُحاربون. فماذا يفعل
السَّلام بِهم ؟ و هل يُبنى بِحطامهم وحُطام حروبِهم؟ بالذَّاكرة الْمُثقلة
والْخَيبات، أَم بالْمراجعة و الرُّجوع الى الثَّوابت و جاذبية النَّموذج
الشرعي؟
إنَّها كيمياء الْمُعادلة اللُّبنانية . لا
تتَّسع لوهج الانتصارات الكاملة . و لا تتَّسع لِمرارات الْهزائم السَّاحقة .
إنَّها هذا الْمزيج من الثَّوابت، مع الاعتراف بالْمُتغيِّرات.لقاء بين
الواقعيَّة و شيء من الأمر الواقع .
تنتهي الحرب و تبقى حاضرة في الْمُحاربين . في
ذاكرة الأَيَّام الرَّاعبة و الدَّم الْمتروك على الْمتاريس . في مشاعر من
ذهبوا الى النَّار و عادوا . و في ذكرى من أكلتهم النَّار وحوَّلتهم الى صور
على الْحيطان يهجرها الشتاء كلَّما تكرَّر، و إلى حَرقة في قلوب أُمَّهات
ينتظرن أولئك الَّذين لن يرجعوا أبدا .
جاء الْمُحاربون من الْمأساة، ومدَّدوا إقامتهم .
جاءوا من الخوف الكبير، أو من وَهْم الانتصار الكامل . توزَّعوا على الْمتاريس،
و استدرجتهم دَوْرة الْموت . قاتلوا و اقتتلوا و قتلوا . أحبُّوا بعض الْمدينة
ضدَّ بعضها الآخر . و عشقوا شارعا ضدَّ الشارع الْمُجاور سقطوا دفاعا عن شبر
أو شرفة أو بناية . دافعوا عن الحدود الجديدة , و تناسَوا الحدود . و لكنَّ
الأوطان لا تُبنى بالعشق النَّاقص . تتطابق مشاعرك مع خريطة الوطن أو تتحوَّل
فيه قاتلا و قتيلا .
ليسوا غرباء أبدا . و لم تسقطهم الْمظلاَّت .
طلعوا من التاريخ الرجراج و صعوبات الجغرافيا. ذهبوا الى حروبِهم و انزلقوا الى
حروب أُخرى . الى حروب أكبر منهم . قاتلوا و اقتتلوا و قتلوا .
لا يُصنع السلام ضدَّهم . يحتاج الغد الى دمهم
الْحار . قبل أن يتحوَّلوا الى مأساة في الوطن كانوا مجرَّد أبناء لِمأساة دولة
و وطن . ألَم يقتلهم الكبار أوَّلا حين أورثوهم دولة عاجزة لا تستحق التسمية؟
دولة لم تذهب الى الحرب على حدودها، فاندلعت الحرب بين ضلوعها . دولة تنازلت
وتنازلت، فصار الوطن ساحة في قاموس بنيه، وقواميس الآخرين. وما جدوى الحديث
عمَّا ارتكبوه هنا وهناك؟ أوَ ليست الْجريْمة الكُبرى هي الانْهيار الكبير الذي
لَم يصنعوه، والذي سهَّل لِلمخاوِف وصيحات الثأر أن تخرجهم من مقاعد الدِّراسة
الى الثياب الخضراء وحروب الدفاع والانتصار والانتحار ؟
تذهب الحرب . لكنَّ السلام لا يبنى بالنسيان، و
لا باعتبار الحرب حادثا عابرا مهما كان فظيعا .
وأوَّل الحرب الجديدة هو تجاهل أسباب الحرب
السابقة، و تصويرها و كأنَّها شبيهة بخروج قطار عن خطِّه وأنَّه تكفي إعادة
العربات الى الخطّ ليرجع السلام . قبل عام حين أبرم البرلَمانيُّون اللبنانيون
اتِّفاق الطائف في تلاقٍ للإرادة اللُّبنانية مع قرار عربيّ و دوليّ بإحياء
الْمُؤسَّسات الشرعيَّة في لبنان، شعرت بأنَّ الحرب انتهت أو تكاد، وأنَّ أيَّ
حروب جديدة لن تكون أكثر من حروب الساعة الأخيرة . و تساءلتُ عمَّا سيقوله أيُّ
لبنانيّ لأطفاله حين تنكفِئ الْمدافع الى الْحُفر، ويأكل الصَّدأ بنادق
القنَّاصة .
وكصحافيّ شعرت بأنَّ بدايات السلام تُتيح فرصة
كتابة قصَّة الحرب . و السَّلام يبدأ بالرجوع من الحرب و التراجع عن أوهامها،
أي بالقراءة العقلانية الْهادئة، و هي الضمانة لعدم الوقوع مجدَّدا في مَنطقها
الْمجنون.
كُتب الكثير في هذه الحرب و عنها . لكنَّ معظمه
كتب على نار حامية أو من هذا الجانب أو ذاك من خطوط التماس . و كتب الكثير
بِمنطق الحرب و قاموس الحرب، فبرَّر ارتكاباتِها وصفَّق لِمجازرها . وتساءلتُ
في نفسي لِماذا لا نُحاول تنشيط ذاكرة كبار اللاعبين وكبار الْمُحاربين ليكتبوا
بأنفسهم تاريخهم وتاريخ الحرب . و كنت أُدرك سلفًا أنَّ في رواية كلِّ واحد
منهم ما يَحتاج إلى التدقيق أو التصويب وأنَّ الصورة لا تكتمل إلاَّ بتعدُّد
الروايات و الأصوات و المواقع . و هكذا بدأنا محاولة قراءة قصَّة الجمهورية
الْمُقيمة على خطِّ الزلازل، وابتداء من الأحداث الحارَّة التي أَعقبت إبرام
الاتفاق، أي من حروب الشرقية وعلاقتها بِمصير الجمهورية .
لِماذا سمير جعجع ؟
عندما توصَّل البرلَمانيُّون اللُّبنانيون إلى
اتفاقهم في الطائف، و غاب العماد ميشال عون عن اللقاء الأَخير، قال لي رئيس
سابق للحكومة : من الآن فصاعدا راقب سَمير جعجع . سألته عن السبب , فأجاب :
يبدو أنَّه أدرك حجم القرار العربِيّ و الدُّوليّ . فقلت له : و العماد عون
؟فأجاب: آمل أن لا يُحاول اعتراض القطار . و عندما انتُخب الرئيس الراحل رينيه
معوَّض رئيسًا للجمهورية في 5 نوفمبر (تشرين الثانِي)، قال لي سياسيٌّ
لبنانِيٌّ في باريس إنَّ جعجع حاول عبثًا إقناع الجنرال بترك القصر للرئيس
الْمُنتخب . وعندما اندلعت حرب الشرقية في 31 يناير (كانون الثانِي) الْماضي،
بدا واضحا أنَّ " القوَّات اللبنانية " التي يتزعَّمها الدكتور سَمير جعجع
اختارت السَّير في اتفاق الطائف , وأنَّ العماد عون يُحاول " معالجة الاختراق "
. وقد تأكَّد ذلك لاحقًا، فبدأ الحوار بين " القوَّات " و دمشق، ووافقت "
القوَّات " على الانسحاب من بيروت الكبرى . وها هي الشرعية اللبنانية تستعدُّ
لإشراك قادة الْميليشيات الثلاث الكبرى في الحكومة الوفاقية، أو على الأقل من
يُمثِّلهم .
وتساءلتُ في نفسي عن السبب الذي دفع هذا الرجل
الذي شارك في كلِّ حروب الشرقية و الجمهورية الى اتِّخاذ قرار السلام الصعب .
ولَم تكن تربطني بالدكتور جعجع علاقة سابقة . و
عندما اتصلتُ بأحد الأَصدقاء لترتيب الْمَوعد بسبب تعذُّر الاتصالات
الْهاتفيَّة بين لندن و بيروت، تَمنَّيت عليه أن يسأل الدكتور جعجع إذا كان
الظَّرف يسمح بطرح كلِّ الأسئلة بلا استثناء . و حين جاء الرد بالإيْجاب،
توجَّهت إلى مقر القيادة الْمؤقت في غدراس، وراح الحكيم يتذكَّر .
حوار طويل امتدَّ ساعات وساعات، تَخلَّلته
اختلافات في وجهات النَّظر حول تَحديد الكلمات و تسمية الأحداث . حملتُ إلى
الدكتور جعجع اتِّهامات خصومه له، و هي كثيرة و هم كثر . و أجاب عنها بلا
تردُّد . فكان هذا الْملف .
تَحدَّث عن " عملية إهدن " و عن " حرب الجبل " و
عن " انتفاضة 12 آذار " و " الاتفاق الثلاثي" واللَّيلة الأخيرة من عهد الرئيس
أمين الجميِّل " و " حرب الشرقية " . و في نِهاية الحوارات الطويلة سألته: هل
ستأخذون أنتم و الوزير جنبلاط و الوزير نبيه برِّي الدَّبابات معكم إلى مجلس
الوزراء ؟ و هل يصلح الْمُحاربون للسلام ؟ فأجاب : السلام يكون بين
الْمُتحاربين، وهم الأكثر شوقًا إليه . و سألته عن مقدار تأييده للشرعية ؟
فأجاب : مِئة في الْمِئة، وكلَّما سارت مترًا سرنا أمتارا.
وعن اتفاق الطائف قال : إنَّنا ملتزمون به
تَمامًا، ونطالب بتطبيقه حرفيًّا، لأنَّ تطبيقه يضمن عدم تَجدُّد العنف. .
وماذا لو حصلت خلافات؟ فأجاب : نَحلُّها
بالحوار، فالْمدفع لا يَحلُّ الْمُشكلة.
حان
وقت كشف الْحقائق
وأَعرف مَن أطلق كلَّ رصاصة
لا يُراودنِي شعور بأنَّني رجل سيِّئ الْحظّ. على
الْعكس تَمامًا. ربَّما كانت الْمرحلة هي مرحلة سوء الْحظّ العام. إنَّها أجواء
عسكريَّة وعنيفة. أجواء تفتيت وتقاتُل. البلاد بأسرها غرقت في هذا الْمناخ
الَّذي يفرض مُستلزمات مُعيَّنة على العاملين في الْحقل العام. كُلُّنا نعيش في
هذا الإطار، وكأنَّ الْحرب لَم تقع، أو كأنَّها غير موجودة. وَحدهم الَّذين
استقالوا من مصير الوطن ومصير النَّاس يُمكنهم القَول إنَّهم يعيشون خارج هذه
الدَّورة العنيفة. لكن ماذا يفعل هؤلاء، وماذا باستطاعتهم أن يُقدِّموا؟
مُجرَّد استعراض بسيط للأسْماء الَّتي طُرحت على السَّاحة اللُّبنانيَّة على
مدى خمسة عشر عامًا تُظهر تَمامًا أنَّ كُلَّ اسْم اقترن بِحدث عسكريّ أو
بِعُنف مُعيَّن، أو بأحداث دوليَّة، باستثناء الَّذين لَم يفعلوا شيئًا.
والأمثال كثيرة في هذا السِّياق. من كمال جنبلاط، إلى سليمان فرنجيَّة، ومن
كميل شَمعون، إلى بيار الْجميِّل. صحيح أنَّني بَدوت كرجل عسكريّ، واقترن اسْمي
بأحداث عسكريَّة، لكن كميل شَمعون كان رجلاً عسكريًّا، وبيار الْجميِّل أيضًا،
وسليمان فرنْجيِّة. وأكثر من ذلك، ثمَّة مؤسَّسات دينيَّة ارتبط اسْمها خلال
الأحداث بأعمال عسكريَّة وعنيفة، وحتَّى أسْماء شخصيَّات فِكريَّة وأدبيَّة
ارتبطت بِمثل هذه الأحداث.
في حرب كهذه الْحرب الطَّويلة تُحدِّد نتائجُها
مصير دولة ومصير شعب، لا تستطيع الوقوف علىالشُّرفة والتَّحديق إلى بلادك وهي
تَحترق. وليس من حقِّك بالتَّأكيد أن تُتابع من بعيد عبر الْمنظار. رُبَّما من
السَّهل أن تَتغنَّى بِشعار أنَّك ضدّ الْحرب، لكن هل تَقبل أن يصنع
الْمُحاربون لك وطنًا لا يُشبه الْمُواصفات الَّتي لا بُدَّ من تَوافرها في
الوطن والدَّولة؟
مُجرَّد وجودك على هذه الأرض يَجعلك جزءً ا من
هذا الصِّراع. وهذا الإطار العُنفِيّ لا يَترك لك خَيارات كثيرة. ولكي تُنهي
الْحرب يَجب أن تَكون قوِيًّا، ولكي لا يكون السَّلام ضدَّك يَجب أن تكون
مُشاركًا في صُنعه.
للأَسف، وفي كثير من الأَوقات، نَكتفي بالْحُكم
على ظواهر الأُمور، ولا نُكلِّف أنفُسنا عناء الغَوص في أعماقها لاستشراف
طبيعتها الْحقيقيَّة، ولِهذا نُخطِئ كثيرا. ولِلأَسف أيضًا، وعلى رُغم مرارات
الدُّروس الَّتي أكَّدتْها الْحرب، لَم نَستطِع، بعدُ، امتلاك هذه الرُّوح
النَّقديَّة الَّتي تُساعدنا على تَخطِّي الشِّعارات لِمُناقشة الْجَوْهر. على
مدى خمسة عشر عامًا والإطار الْمُحيط بِالعمل السِّياسيّ إطار عسكريّ وعُنفِيّ،
ولِهذا، فكُلُّ أسْماء الَّذين حاوَلوا إنقاذ الوَضع، أو دفعه إلى التَّدهور،
اقترنت بِأعمال عسكريَّة، ولَو بِدرجات مُتفاوِتة. ولِهذه الْمسألة علاقة
بِالإعلام، وبِرغبة الْمَعنيِّين في تَوظيف اللُّعبة الإعلاميَّة، وبِقُدرتِهم
أحيانًا. ولُنأخُذ أحداث "إهدن" (1978)، والَّتي كان اسْمي أوَّل الأَسْماء
الَّتي ظهرت بعدها. في هذه الأَحداث كان هناك عدد غير قليل من العسكريِّين
والسِّياسيِّين الْمَعنيِّين بِها. بعضُهم أعلى منِّي رُتبة ومَوْقعًا، وآخرون
مِثلي، وقسم أدنَى منِّي. لكن لِماذا لَم يَبقَ إلاَّ اسْمي من تلك الأَحداث؟
السَّبب بسيط جدًّا، فكُلُّ الْمَعنِيِّين بِالعمليَّة جرَّبوا بعدها، بِشكل أو
بِآخر، أن يُبَرِّروا حالَهم، وأن يُظهِروا أنفُسهم في صورة الأَبرياء، وأن
يَغسلوا أيْديَهم. في حين أنَّ كثيرين منهُم كانوا سبب القرار. في الْمُقابل،
أنا لا أُسجِّل على نَفسي سُلوكًا من هذا النَّوع، ولا أَسْمح لِنَفسي بِمثل
هذه الصَّغائر. أحداث كُنَّا فيها، وبِغضِّ النَّظر عن الصَّواب أو الْخطأ، وعن
حُسن النِّيَّة أو سوء النِّيَّة، لقد كُنَّا هناك. لا يَجوز مثل هذا
التَّهرُّب. على الأَقلّ، رحمة بِمَن قُتِلوا مَعنا، وتَعذَّبوا مَعنا. أُفضِّل
ألف مرَّة أن يَطولَك التَّجنِّي بِسبب وفائك لِدماء رُفقائك، من أن تَحصل على
شهادة حُسن سُلوك لأنَّك تَبرَّأت من دمهم. وأيَّة مِصداقيَّة تَبقى لِمَن
يَنكُر قرارًا اتَّخذه ويَتخلَّى عن مُقاتل أَرسله؟ رُبَّما تَنجح هذه الألاعيب
لِبعض الوَقت، لكنَّها لا تَنجح كُلَّ الوَقت. من الْمُعيب أن يَصل الْجُبن إلى
هذا الْحَدّ، وأن يُجرِّب كُلُّ واحد أن يُدافع عن مصلحته أو صورته. في مِثل
هذه الشَّدائد يُمتحن الرِّجال، وتُمتحن القِيَم الَّتي يَحملونَها، ومدى
التِزامهُم بِهذهِ القِيَم. أذكرُ جيِّدًا كثيرين كانوا يُسَوِّقون عن أَنفُسهم
صورة الْحمائِم، وكأنَّ لا علاقة لَهُم من قريب أو بعيد بِما جرى. بعضُهم حاوَل
استِدرار عطف سليمان فرنْجيَّة، أو الآخرين ذوي العلاقة بِأحداث "إهدن". كثيرون
غسلوا أيديَهُم مِثل يوضاس، وحاوَلوا تَبييض صفحتهم.
بصراحة أنا لستُ من هذه الْمدرسة. لقد كنتُ
هناك، وأعتبر أنَّه من الْجُبن ومن قِلَّة الإيْمان والالتِزام أن يَقوم الْمرء
بِعمل ثُمَّ يُنكر ويُجرِّب أن يُغطِّيَ العمل الَّذي قام به. لَم أفعل هذا
رُغم وُجود مَن هُم أعلى رُتبة مِنّي، وبِكثير.
مِثال آخر على ذلك. سَمير جعجع هو أقلّ شخص له
علاقة بِـ"حرب الْجبل"، وأقول أقلّ شخص على أرض الْجُمهوريَّة. ماذا حصل؟ دارت
الأَحداث ودارت، ثُمَّ بدا وكأنِّي أنا الْمَسؤول عمَّا حدث في الْجبل. ولأنَّ
وَقت تَسمية الأَشياء بِأسْمائها قد حان، أقول: لقد كنتُ أوَّل مَن عارض صُعود
"القُوَّات" والكتائب إلى الْجبل. أكبر الْمُعارضين كنتُ أنا. أمَّا لِماذا
كنتُ أوَّل الْمُعارضين، ثُمَّ صعدتُ إلى الْجبلِ؟ فالْمسألة مُختلفة. عندما
كان القرار سِياسيًّا، كان رأيي أن لا نَصعد إلى الْجبل. ولكن عندما صعدت
القُوَّات والكتائب، وحدث ما حدث، كان لا بُدَّ من أن يكون لدى الْمرء الْحدّ
الأَدنَى من الوَطنيَّة، والْحدّ الأَدنَى من الاِلتِزام بِرفاقه، وبالنَّاس،
وبِالأَحداث. وسواء أكان القرار صحيحًا أم غير صحيح، فقد بدأت الأَحداث.
ومن هذا الْمُنطلَق سارعْنا لِنَرى كيف يُمكن
استِدراكها، والْحدُّ من الْخسائر.
لا أقولُ أنَّنِي كنتُ ضدَّ الصُّعود إلى الْجبل
لأنَّ الوَقت مرَّ على تلك الأَحداث، بَل لإِظهار الْحقائق، ولأنَّ هذا
الْمَوضوع أُثير مرَّات ومرَّات. عندما وقعت أحداث الْجبل، لَم أكُن سوى مَسؤول
عسكريّ عن قِطاع الشَّمال في "القُوَّات". كان هناك رئيس لِلجُمهوريَّة (أمين
الْجميِّل)، وقائد لِلجَيش من جهة، وقائد لِلقُوَّات، ومَجلس قيادة لَها،
وجِهاز أمن واستِخبارات، وهيئة أركان من جهة أُخرى. كان بعد كُلِّ هؤلاء يأتِي
مَوقعي في سُلَّم "القُوَّات"، وكمَسؤول عسكريّ فَرعِيّ في الشَّمال. ومرَّة
جديدة لَم أُحاوِل أن أتنكَّر لِدماء مَن سقطوا. لَم أُحاوِل أن أُبرِّر ما
فعلتُ، لأنِّي لا أعتقدُ أنَّنِي أضرمتُ الْحرب، أو ارتكبتُ خطأً، أو أنَّنِي
أَشعرُ بِالْخجل مِمَّا فعلتُ. لستُ من قماشة الَّذين يُفكِّرون بِالنَّجاة
بِأنفُسِهم، أو بِتَحسين صورتِهم على حِساب كُلِّ شيءٍ آخر. أصحاب هذا الأُسلوب
لا يَستحقُّون الْمُشاركة في صُنع القرارات أو الْمصائر. لقد فوجئتُ فعلاً،
وعَبر هذه السِّلسلة الطَّويلة من الأَحداث، من "إهدن" إلى "الْجبل" إلى "شرق
صيدا والإقليم" إلى "انتِفاضة 12 آذار" وإسقاط الاِتِّفاق الثُّلاثِيّ، و"حرب
التَّحرير"، و"حرب إلغاء القُوَّات".
فوجئتُ بِأنَّ الْهمّ الرَّئيسيّ لِكبار
الْمَسؤولين هو تَبرير أنفُسِهم، وإلقاء تَبعة الأَحداث على الآخرين.
ماذا حصل بعد حرب الْجبل؟ لَم يُحاوِل
الْمَسؤولون إنقاذ ما تبقَّى منه، أو إعادة الْمُهجَّرين إليه، وهما ما كُنَّا
نُحاوِلُ القِيامَ بِهما. لقد أَمضَوا مُعظم الوَقت يُخطِّطون لِتَحميلنا
مَسؤوليَّة تُهمة الْجبل، أو جريْمة الْجبل. فنَّانون في التَّهرُّب
والتَّنصُّل. ورُبَّما كانت هذه مَوهبتهم الوَحيدة. لَم أَتحدَّث سابِقًا عن
هذه الأَشياء، لكن هذه الْمرَّة سأَحكي. أَعتقدُ أنَّ الوَقت حان لِدَحض
الأَكاذيب، وتَصحيح الرِّوايات. وما سأقوله ليس مُجرَّد رِواية، بَل هناك ما
يُثبته، وفي الْمَجلس الْحربِيّ محاضِر تَشهد على ذلك.
عندما طُرِح مَوضوع انسِحاب الإسرائليِّين من شرق
صيدا والإقليم، عقدتُ عدَّة اجتِماعات، كان فؤاد أبو ناضر يَترأَّسُها في بعض
الأَحيان، وفادي أفرام مرَّات أُخرى. كان فؤاد يَترأَّسُها بِوَصفه رئيسًا
لِلأركان، ثُمَّ صار لاحِقًا قائدًا لِـ"القُوَّات". ويَومها طُرِح موضوع
الإقليم بِشكل جِدِّيّ وقُوِيّ. وكان إيلي حبيقة (رئيس جِهاز الأَمن
والاِستِخبارات) يُشاركُ أيضًا، وكان من أكثر الْمُتحمِّسين لِلبقاء في
الإقليم، ولِلحرب. كما كان يُشاركُ الياس الزَّايك، ونازو نَجاريان، وأسعد
سعيد، وسِجعان قزِّي، وكريْم بقرادونِي، على أيَّام فادي أفرام، وبوسي أشقر،
وأنا، وعبَّاس. وأظهرت الاِجتماعات انقِسامًا: نازو، والياس الزَّايك، وحبيقة،
وبوسي، كانوا مُتحمِّسين لِلبقاء؛ وأسعد سعيد وأنا من أكثر الْمُعارضين لِبقاء
"القُوَّات" والكتائب هناك. فؤاد أبو ناضر كان مُتأرجحًا، ولا يَعرف ماذا
سيفعل. ومن فرط الْمُناقشات الْحامية قرَّروا تَشكيل لَجنة من أسعد سعيد وأنا
ونازو لِنَزور الْمنطقة، وندرس الوَضع على الأَرض. ذَهبْنا بَحرًا إلى الجِيِّه
(مرفأ عند شَمال صيدا) وأمضَيْنا يَومَيْن، وعَقدْنا اجتِماعات مع عسكريِّين
ومَدنِيِّين في مركز "القُوَّات" في قرية .
استطْلعنا الوَضع مَيْدانيًّا، وعُدنا إلى بيروت،
وقد تأكَّدت قناعاتُنا السَّابقة. وفي ضَوء ما شاهدتُه، تَوصَّلتُ إلى استنتاج
واضح مفادُه أنَّ علينا الاِنسحاب من هناك، وأن لا نَبقى دقيقة، ولا في صورة من
الصُّوَر، وأن نُسلِّم مواقِعنا للجَيش اللُّبنانِيّ في إطار الْخِطَّة
الأَمنيَّة الْمَطروحة لدى الاِنسحاب من منطقة نَهر الأُوَلي (حُدود مدينة صيدا
شَمالاً). هذا ما كان يَحصل، وهكذا كان مَوقفي. وخِلافًا لِرأيي، قرَّرت
الأَكثريَّة البقاء هناك، ثُمَّ جاء لاحقًا مَن يُحمِّلُني الْمَسؤوليَّة.
حاوَل
أمين الْجميِّل التَّخلُّص مِنِّي وزرعَ اللُّغم الكبير
قال لِي والِدي: ماذا تُريدُ... فغَدًا تَموت في الْحرب
لَم يَقبَل الْجِنرال بِنا جُثَّة، وقَصَّتُنا معَه مُحزنة ومُؤلِمة
اتُّخذ القرار، ثُمَّ اندلعت الأَحداث، وكنتُ لَم
أتسلَّ بعدُ الْمنصب الَّذي أُسند إلَيَّ، وهو قائد الوَحدات الْمركزيَّة.
وسألتُ نَفسي يَومها ماذا علَيَّ أن أفعل؟ كنتُ مُعارضًا لِقرار البقاء، لكنَّه
اتُّخذ، والاشتباكات بدأت. هل أكتَفي بإعلان مُعارضتِي وأتَهرَّب من القِيام
بأيِّ دَوْر قد أَلعبُه في تَخفيف الْخسائر؟ لِلأسف، جاء لاحقًا مَن
يُحمِّلُنِي مَسؤوليَّة سُقوط تلك الْمنطقة. بعض النَّاس لا يَستطيعون الْخُروج
من دائرة الْحسابات الصَّغيرة، حتَّى ولو كانت العاصفة تُهدِّد باقتلاع كُلِّ
شيء.
ولأنَّ وقت كشف الْحقائق قد حان، أُذكِّر هؤلاء
بأنَّه خلال هُجوم عنيف تَمكَّن الْمُقاتِلون الفلسطينيُّون من السَّيطرة على
رأس قرية "درب السِّيم"، ولَم يكُن أمامِي غير أن أَقود بِنفسي الْهُجوم
الْمُضاد الَّذي نَجحنا إثره في استرجاع مواقعنا، وإبعادهم عن البلدة. الصُّور
موجودة، وبعض مَن شاركوا في الْهُجوم موجودون أيضًا. في هذه الأَثناء، كانوا
يُسوِّقون في الشَّرقيَّة جُملة تَضليلات، شارك فيها خُصوصًا "إيلي حبيقة"،
وتَحت شِعار "هذا ما أَوْصلتنا إليه سياسة سَمير جعجع".ولَم يكُن الوقت وقت
كلام، وتَصفية حسابات، وفتح جُروح، ففضَّلتُ السُّكوت. ولأنَّ النَّاس لا تلمُّ
أحيانًا بكُلِّ التَّفاصيل، كان هناك مَن صدَّق. طبعًا، باستثناء أهالِي
الْجَنوب، وتَحديدًا أَهالِي الْمنطقة الْمعنيَّة، لأنَّهم عايَشوا الوقائع،
وكُنَّا على اتِّصال دائم.
أنا سيِّئ الْحظّ؟ أبدًا، أبدًا، أبدًا. أنا،
وعلى العكس، أعتبر نَفسي من أَصحاب الْحظّ الْجَيِّد. لكنَّ الْمرء لا يَستطيع
أن يَختار كُلَّ شيء. فنَحن جيل جاءَ ته الْحرب في أوَّل شبابه. لقد لفَّت
الأَحداث العسكريَّة والعنيفة لبنان من أَقصاه إلى أَقصاه، وتَركت بصماتِها على
الْمُؤسَّسات وتَفكير النَّاس. كثيرون كان همُّهم الكبير إنقاذ صورتِهم،
مُتناسين الدَّم والتُّراب وما دفعه النَّاس. حتَّى الَّذين كانت سياساتُهم من
أَسباب انفجار الْحرب يُحاوِلون التَّهرُّب من مَسؤوليَّاتِهم، والْحديث عن
بقائهم خارج لُعبة الْحرب. لقد هالَنِي فِعلاً حجم الْمسافة بين الواقع وبين
الفِكرة الَّتي تَتشكَّل في أَذهان النَّاس عنه. بين الْحدث وصورتِه في ذهن
الكثيرين. هذا الأَمر جعلَنِي أَخاف من أيِّ شيء أَقرأه في كُتب التَّاريْخ؛ لا
بَل إنَّه يَدفعُنِي إلى وَضع علامة استفهام على ما نقرأه. فمَن يَدري؟ رُبَّما
كان كُلُّ ذلك لا يُعبِّر تَمامًا عمَّا جرى. فالْخطأ وارد، وكذلك التَّزوير.
سيِّئ الْحظّ؟ لا. لكنَّ الإنسان يَقع أَحيانًا
ضحِيَّة مَجموعة مبادِئ، أو قِيَم يُؤمن بِها. مُنذُ البِداية لَم أَكُن من
أَنصار الْحَكي، واعتَبرتُ دائمًا أنَّ الكلام على ما أَعرفُه أَمر سيِّئ.
لَستُ من هُواة اصطياد السَّلبيَّات، وتَظهيرها، ونَقلها إلى الآخرين. ولستُ من
مدرسة الشَّائعات، ومطابِخ الْحملات، والتَّذاكِي والتَّشويه. رُبَّما لا
أَتَحدَّث عن وُجوه إيْجابيَّة في شخص ما، ورُبَّما تَحدَّثتُ، لكنَّنِي لا
أَتَحدَّثُ مُطلقًا عن الْجانب السَّلبِيّ. نَظرتُ دائمًا إلى هذه الْمسألة على
أنَّها بضاعة الضُّعفاء، يُروِّجون لَها في إطار النَّميمة والْحسد. واعتَبرتُ
دائمًا أنَّه إذا قُيِّضَ لِهذا الأُسلوب أن يُحقِّق نَجاحات أو مكاسب، فإنَّها
ستَكون عابرة بالتَّأكيد. التَّزوير لا يَشطب الْحقائق، وإن حجبَها لِبعض
الوقت. والدَّجل لا يُمكن البناء عليه. يَستحيل أن يَحترمَك الَّذين يَعملون
معك إذا لَم يكُن خَيْط الصَّراحة والوُضوح هو ما يَربطك بِهم. وحتَّى خُصومك
لا يُمكن أن يَحترموك إلاَّ إذا كان لدَيْك سُلَّم قِيَم.
مُنذُ بَدء تَسلُّمي لِمسؤوليَّات سياسيَّة، قبل
خمس سنوات أو ستِّ سنوات، اعتَبرتُ أنَّ عليَّ كمسؤول أن لا أَنساق إلى
الأَمراض الَّتي نَخرت مُجتمعنا وحياتنا السِّياسيَّة. لا يُمكن بناء مُجتمع
بِعقليَّة النَّميمة والنَّفعيَّة والغَدر. لَم أَلجأ إلى التَّشهير، ولا إلى
كشف ما أَعرفُه. لَم أَشُنَّ حملات، ولَم أُخطِّط لِتَشويه صورة الآخرين. ولا
أُبالغ إن قُلتُ لك إنَّنِي أَعرف الكثير الكثير عن الْمواضيع الَّتي تَطرحُها.
أَعرفُ تَحديدًا مَن أَطلق كُلَّ رصاصة، ومَن قتل فُلانًا، ومَن كان يَلجأ إلى
إشعال الأَحداث كُلَّما هدأت. أَعرفُ كُلَّ ذلك، وكنتُ أَعتبر أنَّ على
الْمَسؤول أن يَعيَ ما تَعنيه كلمة مَسؤوليَّة، وأن لا يَستَنْزف جهده ووقته في
الْحُروب الشَّخصيَّة والْمُهاتَرات، وأن لا يكون إظهار الْجانب السيِّئ في
الآخرين هاجِسًا لدَيْه. أَعرف أنَّك ستَتَّهمُنِي بِالْمِثاليَّة، غير أنِّي
اعتَقدتُ أنَّ شُيوع الاِستهتار، وفصل العمل السِّياسِيّ عن الأَخلاق لا
يَعنِيان أنَّ علينا أن نَندفع لِلانْخِراط في هذه الْمدرسة.
هذه الْحُروب الصَّغيرة على الْمواقع والأَضواء
رُبَّما تَصلح للأيَّام العاديَّة، رُغم اقتناعِي أنَّ معركة البناء في زمن
السِّلم تَفترض تَمامًا ما تَستلزمه معركة الدِّفاع في زمن الْحرب. وللأسف،
هناك تُراث من الْمُمارسة السِّياسيَّة السَّاقطة. عقليَّة دكاكين وسَماسرة
تُنجِب هؤلاء الْمُتسلِّقين الَّذين لا يَتردَّدون في الإقدام على أَيِّ شيء،
وفي استخدام أَيِّ وسيلة لِتَحقيق مآرب صغيرة ومُخجلة. عدم انتمائي إلى هذا
التيَّار الواسع جعلَنِي في مَوقع الاتِّهام الْمُستَمرّ. حملات من كُلِّ
اتِّجاه، لا تَهدأ إلاَّ لِتَتجدَّد. من أَقرب الأَصدقاء، إلى أَبعد الأَعداء.
اتِّهامات، اتِّهامات، اتِّهامات. وفي مُواجهة ذلك، كنتُ أُراهن على الرَّأي
العام، لِشُعوري أنَّه كان مُرتاحًا لِما أَقوم به. وبكُلِّ أَلَم أَكتشفُ أنَّ
الْحِسَّ العام يَحتاج إلى مُساعدة، وأنَّه ليس قادرًا على الدَّوام على
التَّمييز نَظرًا لِحَجم التَّشويه الْمقصود. وهكذا، بدأتُ بِتَغيير عاداتِي
الْجيِّدة-السيِّئة. بدأتُ أُصوِّبُ الوقائع، لا خِدمة لِشخصي، وأنا ضميري
مُرتاح جدًّا، وما يَهمُّنِي هو حُكم اللَّه والتَّاريْخ، وليس حُكم بعض
السِّياسيِّين، والأَفراد السَّطحيِّين. لِهذا قرَّرتُ أن أَتكلَّم، حتَّى ولو
حمل الكلام بعض السَّلبيَّات لبعض الْمسؤولين والأَشخاص الآخرين. لِهذا، سنَحكي
بِلا تَردُّد ولا تَحفُّظ. من حقّ النَّاس أن تَعرف ماذا جرى في تلك الْمحطَّات
الَّتي تسأل عنها. لا يَجوز أن يَبقى النَّاس أَسرى روايات تَفتقر إلى الأَمانة
أو الدِّقَّة. وللمرَّة الأُولى أَقول لك سنَحكي كُلَّ شيء، وبالوقائع
والأَسْماء.
أكيد أنَّ لديَّ هاجس التاريْخ، ورُبَّما أكثر
مِمَّا تعتقد، وأكثر مِمَّا يَتصوَّر أصحاب الاتِّهام. أنا أعتبر أنَّ ما أقوم
به إنَّما ينطلق من مسؤوليَّة مُعيَّنة. وهذه الْمسؤوليَّة لا بُدَّ وأن تُترجم
في الْجغرافيا والتاريْخ. لِهذا السَّبب يَهمُّنِي التاريْخ. "شو بدُّو يهمّنِي
غير التاريْخ؟" الْمنافع الْماديَّة والْمناصب والْمراكز؟ أكيد التاريْخ
يَهمُّنِي. كون التاريْخ يَهمُّنِي لا يَعني أنَّني أعتبر نفسي مُنقذًا. أنا
أعتبر الإنسان صغيرًا جدًّا، أي أنَّه أصغر من أن يَنتَزع لنفسه مثل هذه
التَّسميات. الإنسان مُهمّ، لكنِّي نِسبيّ جدًّا. وحِيال العالَم والكَون
والأَحداث، وأمام قامة التاريْخ، يَصعب على الإنسان الَّذي يبدو في صورة قزم أن
يعتبر نفسه مُنقذًا. هذا لا يَعنِي التَّشكيك بقيمة الإنسان والفرد. لا
يُراودنِي أيّ شكّ في مسؤوليَّة الإنسان، ولا في قوَّته وإمكانيَّاته. لكن
كُلُّ ذلك يَجب أن لا يُغرقنا في الأَوهام. لا حاجة لِسَوق الأدلَّة على
نسبيَّة الإنسان. حبَّة رمل في عينيه تعميه. وميكروب صغير يَشلحه في الفِراش
لِمدَّة شهر. خلل صغير في الْخلايا، وهي تَتكاثر وتَتوالد، يكفي لقتل الإنسان.
إذا كان هناك مَن يُدرك مَحدوديَّته، فأنا أعرف مَحدوديَّتي. ولِهذا لا يُمكن
أن أُفكِّر بِنفسي كمُنقذ. ومعَ ذلك، أقول هذه الواقعيَّة لا تَنال من دَوْر
الإنسان، ولا من قيمته وقُدرته على الفعل في الأحداث.
أمَّا الانطلاق من ذلك للقَول بأنَّنِي لِهذا
السَّبب لَم أستِطع التَّفاهم مع النُّجوم الَّذين كانوا مَوجودين على السَّاحة
السِّياسيَّة، وأنَّنِي لا أُطيق الْمُشاركة في القرار، فهو مفهوم من الْمفاهيم
الْمقلوبة رأسًا على عقب، وصورة روَّجها السِّياسيُّون الَّذين تعاطَيْتُ
معهُم. ما حصل هو العكس. مُنذُ بَدء اضطلاعي بِمسؤوليَّات سياسيَّة حتَّى الآن،
كنتُ قادرًا على الانسجام أو العمل مع الآخرين، لكنَّ الآخرين لَم يكونوا
قادرين على الانسجام، لا معي ولا مع غيري. والسَّبب بسيط، لقد كان لدى الكثيرين
شُعور بأنَّنِي أقدر منهُم، وأكثر ارتباطًا بالنَّاس، ولِهذا السَّبب كانوا
يَخافون منِّي، ويَشعرون بالعجز عن الانسجام معي. ولِهذا فتَّشوا دائمًا عن
تَحالفات أُخرى كانت مُوجَّهة ضدِّي، ومَبنيَّة على هذه الْحسابات. هناك أمثلة
حسيَّة على كُلِّ ما قُلتُ. التَّعاون مع "إيلي حبيقة". مَن الَّذي حاوَل أن
يُصادر القرار؟ أنا أم هو؟ قٌمنا معًا بالانتفاضة، واتَّفقنا على مبدإ القيادة
الْجماعيَّة، وكُلُّ الَّذين كانوا معنا يَعرفون القصَّة، لكنَّ بعضُهم جبناء،
يَرفضون حتَّى الآن كشف الْحقائق. اتَّفقنا على القيادة الْجماعيَّة، وفجأة،
وفي إحدى الْجلسات، جاء حبيقة ليُطالب لنَفسه بِمنصب رئيس الْهيئة
التَّنفيذيَّة، وإلاَّ لجأ إلى تَخريب كُلِّ شيء. وافقتُ لكي لا نفتح الباب
لِمشاكل داخل "القوَّات". لَم يَكتفِ بذلك، أخذ الصُّندوق الوَطنِي بكامله،
وراح يُحاوِل أخذ العسكر، عِلمًا أنِّي رئيس هيئة الأركان. لَم يُصادر قرار
القوَّات، صادر قرار الْمنطقة والطَّائفة، وألزم الْجميع بالاتِّفاق
الثُّلاثِي. وفي الوقت نفسه، راح يَقضي على أمين الْجميِّل والشَّرعيَّة، وما
تَبقَّى من القوَّات اللُّبنانيَّة. لكن عندما تَجاوز الْخطَّ الأحمر، أي عندما
بدأ يُهدِّد مصير الْمُجتمع، تَدخَّلتُ لإيقافه عند حدِّه.
فكرة القيادة الْجماعيَّة كانت جديَّة. على الأقل
من جانبنا، وهذا ما حصل في أوَّل مراحل انتفاضة 12 مارس (آذار). قبلنا بالقيادة
الْجماعيَّة، عِلمًا أنَّ الْجهد الأساسيّ في نَجاح الانتفاضة، وعلى
الصَّعيديْن السِّياسيِّ والعسكريِّ، بُذل من جانب الْمجموعة الَّتي كنتُ
مسؤولاً عنها. لَم تكُن عندي مُشكلة في التَّعايُش مع حبيقة، وكنتُ أعرف أنَّه
غير قادر على القِيام بشيء على الْمدى البعيد. بينما كان الفريق الَّذي نعمل
فيه يَبني يَوميًّا، ويُظهر قُدرة على تَحقيق أهدافه، وبالوسائل السِّياسيَّة.
لَم نَختَر الْمُواجهة العسكريَّة، خِلافًا لِما يعتقده الكثيرون. لَم نُبادر
إلى شهر السِّلاح، بينما لجأ إليه كُلُّ الَّذين خافوا من نَهج جديد راح
يُؤكِّد نفسه. وحين يَختار الآخرون اللُّجوء إلى السِّلاح، لا يَبقى لك غير
خيار وحيد هو الْمُواجهة، وهذا ما حصل.
القصَّة مع أمين الْجميِّل. هل هناك قصَّة تعايُش
أفظع من هذه القصَّة؟ لقد تَحمَّلنا الكثير من تَشاطُره وألاعيبه. إنَّنِي
أسألُ: هل هناك مَن هو أسوأ منه وأصعب؟ ومع ذلك، تعايَشنا ثلاث سنوات. لقد
بُذِل جهدٌ أكثر من استثنائيّ لِتَرتيب تعايُش مع رجل يَصعُب التَّعايُش معه.
خلال فترة التَّعايُش هذه، جرَّب مرَّات عدَّة أن يَتخلَّص منِّي. مرَّات
ومرَّات طلب من العماد ميشال عون إنزال الْجيش للقضاء على القوَّات. "عون" كان
يَروي أنَّ "أمين" طلب منه ذلك، وأنَّه رفض. طبعًا لَم يُقدم على الْخطوة، ليس
لِعدم اقتناعه بِها، بَل لأنَّه لا يُريد أن يُنفِّذها لِحساب "أمين
الْجميِّل". كان يُريد تأجيلها لِيُنفِّذها لاحقًا لِحسابه الشَّخصيّ. لقد
حاوَل "أمين" أن يُلغيَنا سياسيًّا، "ويُمكن جرَّب يلغينا جسديًّا مرَّات".
وحتَّى قبل أن يَترك قصر بعبدا، توَّج مآثره بِتَركيبة اعتقدَ أنَّها ستُلغينا
عسكريًّا.
ميشال عون فعلتُ الْمُستحيل لأَتعايَش معه. لقد
فعلتُ ما لا يُفعل كي لا يَحصل الاصطدام. أوَّل تَصريْح إيْجابِيّ لَحظة ولادة
حُكومته صدر عنِّي بِرُغم مُعارضتِي لِهذه الْحُكومة. كنتُ أعرفُ أنَّ "أمين"
زرع لُغمًا كبيرًا قبل ذهابه، وأنَّه يُراهن على انفجار هذا اللُّغم لإغراق
الشَّرقيَّة في الدَّم. لَم أترك وسيلة. وقدَّمتُ أكثر من تَنازُل للتَّعايُش
مع "ميشال عون". لكن ماذا تفعل بالْجنرال؟ ماذا تفعل بِهذا الْجنرال؟ لا يَقبل
بأقل من القضاء عليك، وبالْحرب العسكريَّة. فهل تَربط محرمة بيضاء في عُنقك،
وتَذهب إليه مُستسلمًا؟ هذا لَم يَحدث، هذا لن يَحدثَ أبدًا.
لقد جرَّبتُ التَّعايُش مع كُلِّ القيادات
اللُّبنانيَّة في الشَّرقيَّة وخارجها، لكنَّ التَّعايُش معي لا يُناسبهم،
لأنِّي أؤمن بالبناء الْهادئ، وبفريق العمل، والْجهد اليَوميّ.مَن يَعرف ماذا
يُريد، يَمتلك مفتاح النَّجاح. ومَن يَبْنِ كالنَّملة، قشَّة فوق قشَّة، وحجرًا
فوق حجر، يَستَطِع التَّقدُّم. مَن يُراهن على العمل الاِجتماعيّ مع العمل
السِّياسيّ، ومَن يَعتقد فعلِيًّا بضرورة الْمُؤسَّسات، تكُن له الغلبة في
النِّهاية. يُريدون إقطاعات جامدة ونِهائيَّة، وهذا يَتعارض مع منطق الْحياة
وسُنَّة التطوُّر. ولِهذا، كانوا يُسارعون إلى تَحويل الْخلاف السِّياسيّ إلى
مُواجهة عسكريَّة، وهذا ما حصل من "سليمان فرنجيَّه" الَّذي أقلقه جهدُنا
كشُبَّان حزبيِّين خلال حرب السَّنتَيْن، فبادرنا بالرَّصاص، إلى "ميشال عون"
الَّذي بادرنا بالْمدافع. قصَّتنا مع الْجنرال مُحزنة ومُؤلِمة.
انزعج من نشاطنا السِّياسيّ فأوقفناه. أصدر فرمان
السَّيطرة على وساءل الإعلام، فاختار بعضها التَّمرُّد عليه. أَقفلتُ وسائل
إعلامِنا كي أبتعدَ عن الْمُواجهة. لَم يَقبل بِنا حتَّى في صورة جُثَّة بِلا
حِراك. ورُبَّما كان خوف كُلِّ هؤلاء في محلِّه. فالزَّمن لَم يعُد زمن زعامات
عشائريَّة، وتَجمُّعات حول أشخاص. إنَّه زمن الْمؤسَّسات والبناء والتَّخطيط.
نَحن لا نَخشى أيَّ مُواجهة سياسيَّة، واختلاف الرَّأي يَجب ألاَّ يُؤدِّي إلى
الاِحتكام إلى السِّلاح. لكن عندما يُبادر هذا الطَّرف أو ذاك إلى إطلاق
النَّار لإلغائك، لا يَبقى أمامك غير أن تَضعه عند حدِّه.
اِتِّهامي بسُلوك نَهج انقِلابِيّ ليس صحيحًا.
الْحقيقة كانت على العكس تَمامًا. الواقع الاِجتماعيّ-السِّياسيّ الذي كان
قائمًا، ابتداءً من الشَّمال، وانتهاءً بآل الْجميِّل في حزب الكتائب
والقوَّات، كان مفروضًا بالقُوَّة. حاوَلنا في الشَّمال مُمارسة عمل حِزبِيّ
ديْمقراطِيّ، فسارعوا إلى استخدام القوَّة. نَحن لَم نسلك طريق الانقلابات،
لكنَّ الواقع الاجتماعيّ-السِّياسيّ فرض علينا بعض الأحيان أن نُواجههم بنفس
الوسائل. بِبساطة، مَمنوع عليك العمل السِّياسيّ والْحِزبِيّ، فإمَّا أن
تَستسلم بالكامل وتَرضخ، وإمَّا أن تُمارس حقَّك فتُعرِّض نفسك لاحتمال قتلك
على يد الْمُسيطرين هناك من جماعة "سليمان فرنْجيِّه". والْخيار الطَّبيعيّ هو
أن تُمارس حقَّك، وأن تَستعدَّ للدِّفاع عن نفسك. وفي حزب الكتائب نفسه، وفي
عهد الدكتور "إيلي كرامة" لَم يكُن لك حقّ في خَوض انتخابات الْمكتب
السِّياسيّ. أتذكَّرُ الضجَّة الَّتي ظهرت يوم ترشَّحنا، خُصوصًا وإنَّها كانت
الْمرَّة الأُولى الَّتي ترشَّح أحدٌ لعُضويَّة الْمكتب السِّياسيّ، من دون أن
يكون على لائِحة السُّلطة في الْحزب. كُنَّا "ألفرد ماضي" و "كريْم بقرادونِي"
وأنا. كُلُّ ماكينة الْحزب تَحرَّكت ضدَّنا، بِما في ذلك الشَّيخ أمين (رئيس
الْجمهوريَّة) والشَّيخ بيار الْجميِّل (رئيس الْحزب). استَدعَوا كُلَّ
النَّاخبين، ووزَّعوا التوجُّهات والتَّهديدات، ومع ذلك نَجح واحد من لائحتنا
في ذلك الوقت. لَم أعتمد النَّهج الانقلابِيّ. الوضع القائم كان وضعًا
انقلابيًّا ضدَّ كلِّ ما يُمكن تَسميتُه بِحُريَّات أو حُقوق أو مُساواة أو
تَكافُؤ فُرص. ثقل هذا الضَّغط حتَّم علينا في بعض الأَحيان مُجابَهة هذا
الواقع. حين يُصبح عليك أن تَختار بين إلغائك والدُّخول في مُواجهة للدِّفاع عن
مبادئك، فإنَّك تَختار الثَّانية بالتَّأكيد. تسألُنِي عمَّا إذا كنتُ شعرتُ في
صِغري وكطلع شبابِي بأنَّنِي قد ألعبُ دورًا في الشَّأن العام، وأُجيبُك
بصراحة: نعم ،ومُذ كان عُمري عشرة أعوام. ورُبَّما كانت أقرب إلى الْمشاعر
الَّتي تُراود كثيرين. لكن هذا الاتِّجاه ترسَّخ لاحقًا. كان عُمري نَحو
اثنَيْن وعشرين عامًا، وفي عزِّ نشاطي الْحزبِيّ الذي لَم يكُن موضع ترحيب
ومُوافقة فعليَّيْن من أهلي. ذات يوم، دخلتُ مع والدي في مُناقشة حادَّة. قال
لِي: ماذا تُريد من الأَحزاب؟ وماذا سيحصل لك بِسببها؟ وقال: "بُكرا بِتموت
بالْحرب، وبَدِّي إفهم شو بدَّك تعمل من ورا هالنَّشاط، ولوين بدَّك توصل".
فأجبتُ: "بَدِّي أعمل رئيس جمهوريَّة". ولَم أقصد الْمنصب تَحديدًا، بقدر ما
كنتُ أُريد تأكيد رغبَتِي في العمل في الشَّأن العام. وقبل اندلاع الْحرب،
وكنتُ أُتابع دراسة الطِّبّ، كان هَمِّي الانتهاء من الطِّبّ العام للتَّخصُّص
لاحقًا في ميدان معالجة السَّرطان. وكنتُ أشعر أنَّنا لو تابعنا أبْحاثًا
جديَّة، وعلى مدى سنين مُتواصلة، فإنَّنا سنصل إلى طريقة العلاج قبل أن يستشري
السَّرطان في الْجسم، ورُبَّما إلى طُرق لشفاء الْمريض حتَّى بعد الانتشار.
الواقع إنَّ شيئًا ما كان يشُدُّنِي دائمًا إلى دَوْر مُهمّ، والأشياء الصَّعبة
تَجذُبنِي.
قبل اتِّخاذ القرار أشعرُ بالْخوف. لكن بعد
اتِّخاذ القرار ليس للخَوف مكان. وحين يَتبيَّن من الدِّراسات والْمُناقشات
أنَّ القرار يَجب أن يُتَّخذ، تَنتهي مرحلة الانتظار. وسعة يُتَّخذ القرار،
يبدأ التَّنفيذ مهما كان الثُّمن. فبمقدار ما يكون التَّأنِّي ضروريًّا قبل
اتِّضاح الطَّريق، يُصبح التَّردُّد ضارًّا بعد الاختيار. وأحيانًا لا بُدَّ من
اتِّخاذ قرارات صعبة، وفي ظِلِّ موازين قِوىً ليست في مصلحتك. وهذا ما حصل في
الْجبل، حيثُ لَم يكُن سرًّا أنَّ القِوى غير مُتكافئة، وكان القرار أن نُحاوِل
الصُّمود. في مثل هذه الْحال لا تَستطيع التذرُّع بِميزان القِوى للاِبتعاد عن
الْموضوع، والاستقالة من مصير النَّاس. إذا اتُّخِذ القرار، لا تَبقى ذرَّة
خَوف.
كأيِّ إنسان لديَّ نُقاط ضُعف. ورُبَّما تكون
نقطة ضعفِي الأَساسيَّة رفضِي لأُسلوب توزيع الاِتِّهامات، وتَرويْج الأَخبار
السيِّئة، ونقطة الضُّعف الثَّانية أنَّنِي لا أُحبُّ الكلام، وحتَّى عن العمل
الذي نقوم به. الْحكي قصاص بالنِّسبة لِي. وتبيَّن أنَّ الْمسألة قصاص لأنَّ
ثمَّة حدًّا أدنَى من الكلام لا بُدَّ منه لكي تعرفك النَّاس، وتتعرَّف على
ماذا تُريد، وتُحدِّد موقفها فِي ضوء ذلك.
والنُّقطة الثَّالثة أنَّنِي غير موهوب فِي ميدان
السَّفاهة والتَّراشق بالتُّهم. هناك عدد من السِّياسيِّين اللُّبنانيِّين
لدَيهم خزنة من مُفردات هذه الْمعارك، ولا أَعرفُ من أين يَستنبطون كلَّ ذلك.
العماد ميشال عون، مثلاً، يُذكِّرنِي بيَسارِيِّي السِّتينات، يوم كانوا
يَفلتون على شخص ما: إمبريالِي، إستعماري، صهيونِي، رَجعِي. رُبَّما كنتُ أكبر
تَقدُّمي، لكن إذا لَم تتوافق مواقفك معهم، أفلتوا فِي وجهك هذه الغابة من
الكلمات الْجَوفاء. صدِّق عندما كنتُ صغيرًا وأسْمع حرتقة فِي البيت، كنتُ
أعتقد أنَّ الْحرامِي جاء. وعندما كنتُ أقوم لأُمسكه، كنتُ أشعر بالْخجل لا
بالْخوف. كنتُ أُفكِّر كم عليه أن يشعر بالْخجل من هذا الْموقف، وأخجل عنه قبل
الوصول إليه. تُصوِّرُنِي فِي سُؤالك وكأنَّنِي عاشق سلطة. أبدًا، على الإطلاق.
أنت تتحدَّث عن السُّلطة السِّياسيَّة، لكن فِي هذه الدُّنيا مواقع أهَمّ بكثير
من السُّلطة السِّياسيَّة. البعض منَّا يركضون على السُّلطة السياسيَّة فقط
لِشُعورهم بالتَّقصير. إمكانيَّاتُهم محدودة، ولا يعرفون إلاَّ فِي هذا
الْمجال. إذا شئتَ أن تفعل شيئًا مُهمًّا، فهناك مَجالات كثيرة. ثَمَّة مواقع
أهَمّ من الْمجالات السياسيَّة. نكفي أن نُراجع الأسْماء الَّتي يضجُّ بِها
التَّاريْخ: الْجاحظ، وغاليله، وآينشتاين، وأوبنهايْمر، على سبيل الْمثال. هل
تذكر الآن أسْماء الْحُكَّام الَّذين كانوا فِي زمانِهم؟ هناك مُساهمات أهمّ
وأعمق وأبعد أثرًا. السياسة ليست كلَّ شيء. لا أقصد التَّقليل من أهمِّيتها،
خصوصًا حين تُمارس وفق سُلَّم قِيَم، وبِرح علميَّة. سياسة الدَّكاكين مأساة.
السياسة بِمعنَى البناء والتَّغيير شيء آخر تَمامًا.
تقول إنَّنِي وصلتُ بانقلاب، فماذا أفعلُ لو حصل
انقلاب ضدِّي في "القوَّات"؟ أقول لك بِأسف إذا كنتَ تنتظره فلن يَحصل.
وتسألُنِي إذا كنتُ سأتفرَّغ للكتابة بعد نَجاح الانقلاب. لا أبدًا لن أقبل. أن
أتفرَّغ للكتابة والتَّاريخ معقول، لكن عن طريق انقلاب. لا، أفُكُّ رقبتهم
أوَّلاً، ثُمَّ أتفرَّغ للكتابة. نَحن وصلنا بانتفاضة. لا أُشاطرك رأيك أنَّنِي
وصلتُ بانقلاب. ثُمَّ إنَّ الْمُمارسات الْحليَّة لا تُشبه السَّابقة،
والظُّروف الْحاليَّة مُختلفة عمَّا سبق، وبالتَّالِي فلا مُبرِّر لانتفاضات أو
انقلابات.
جعجع: أحداث إهدن ما كانت لتقع لو قبل فرنْجيِّه بالآخرين
رُبَّما وكون الوقت قد حان فعلاً للكلام على هذه
الأحداث التي قيل فيها الكثير، ونُسجت حولَها الرِّوايات، وإلى حدّ تشويه
الْحقائق وتزوير الوقائع. لقد قيل الكثير الكثير، ولكن دائمًا انطلاقًا من موقف
مُسبق وحسابات مُغرضة. الرُّجوع إلى أحداث كُنَّا فيها يَجب ألاَّ يستهدف لا
فتح الْجُروح ولا التَّبرير. واجبنا تُجاه أنفسنا وتُجاه الْمُهتمِّين بِمعرفة
هذه الأحداث أن نَتحدَّث عنها بصراحة، فرُبَّما كان هناك ما يَجب تعلُّمه أو
استنتاجه. الْمشكلة هي قبل كلّ شيء في اختلاف النَّظرة إلى الْمفاهيم
والتَّسميات. يُسمُّونها مثلاً معركة إهدن أو عمليَّة إهدن، وهذا يُعطي لِما
حدث طابع الشُّموليَّة. وللوهلة الأُولى، يتبيَّن وكأنَّ الْمقصود كان خَوض
معركة ضدّ بلدة بكلّ سُكَّانِها، وهذا غير صحيح. ثُمَّ هناك مُشكلة أُخرى، وهي
النَّظر إلى ما حدث فِي إهدن وكأنَّه وقع فَجأة ودون مُقدَّمات. فِي مسائل من
هذا النَّوع لا يَجوز التَّغافُل عن الْحدث دون الالتفات إلى ما سبقه.
جزء
من السِّلسلة
أحداث إهدن مرتبطة فعلاً بسلسلة سبقتها، ولا
يُمكن الفصل بينهما تَمامًا، كما لا يُمكن فصل أحداث إهدن عن الذُّيول التي
تبعتها. وأقولُ بصراحة أنَّ ما أوردُه لا يَعنِي أنَّنِي أسعى إلى تَبرير أنَّ
هذه الأحداث كان يَجب أن تَحصل. لكنِّي أقولُ ذلك لأَضع الْمشكلة فِي إطارها.
معركة إهدن كانت حلقة من سلسلة بدأت قبل سنتَيْن، وكانت حلقة في السِّلسلة التي
استمَّرت سنتَيْن أو ثلاث من بعدها. وهنا، مرَّة جديدة، أختلفُ معك يا أستاذ
غسَّان بالنِّسبة للتَّسمية، ومن خلالك أختلف مع كلّ الذين يَعتمدون هذه
التسمية، وأختلفُ معك أيضًا حَول ما تعتبره حجم تأثيرها على الْمسار الوطني
العام.
أُريد أن أوضِّح قبل كلّ شيء أنَّ الْمواجهة التي
حصلت لَم تكن مواجهة بين حزب الكتائب وإهدن، بل كانت مواجهة مَحدودة بين حزب
الكتائب وجماعة سليمان فرنْجيّه. ولا أقولُ كلّ آل فرنْجيّه. هذا صحيح، ومَن
يعرف عاداتنا وتقاليدنا وتُراثنا لا يستغرب هذا الأمر. في القُرى أو البلدات
هناك حدّ أدنَى من التضامن في السلوك، سواء توافرت القناعة أم لَم تتوافر.
ونعرف أنَّه على رغم كلّ ما يُمكن أن يكون مَوجودًا بين الفئات والعائلات،
فإنَّ كلّ الْمُختلفين يَمشون في جنازة الفقيد إلى أي جهة انتمَوا. في مسألة
الْموت يَمشي الأصدقاء والأعداء معًا. إذا كان هذا ما يَحدث عادة، فكم بالْحَري
حين جرَّب سليمان فرنْجيّه وجماعته الضرب على الوتر الإقليمي والعشائري
الْحسَّاس، أي وتر إهدن وكرامتها. ونَحن نقول لَم تكن البلدة مُستهدفة، وقد
تبيَّن لاحقًا كم نَحن ضَنينون بكرامة إهدن، وكم تَمنيّنا، وكم فعلنا ما لا
يُفعل من أجلِها، وأكثر من سليمان فرنْجيّه وجماعته.
تقاليد التضامن
أمام الْموت تَنحني الناس وتَمشي. وهذا ما حصل
بعد موت طونِي فرنْجيّه. كان من البديهي أن تظهر عائلات البلدة والقوى
السياسيّة فيها. ولدينا مثال غير بعيد. العماد ميشال عون كان يَخوض حرب داحس
والغبراء ضدّ الرئيس رينيه معوض. عندما مات معوض سَمَّاه عون ومعه وسائل إعلامه
"الرئيس". لا بل إنَّهم قالوا لو أنَّ معوض بقي حيًّا لَخلَّص البلاد. بعدما
مات صار مُنقذًا بالنسبة إليهم. لا بُدّ من أن نلتفت إلى تقاليد القُرى، وكيف
تطغى الشكليَّات والتقاليد على الْجَوهر والْمضمون. لقد تضامنت عائلات زغرتا مع
سليمان فرنْجيّه، وبغضّ النظر عن رأي الْمَرحومَيْن "سمعان الدويهي" و"رينيه
معوض" ورأي "سليم كرم" وزعماء العائلات الآخرين بِـ"سليمان فرنْجيّه"، و"طونِي
فرنْجيّه"، وبصراحة فإنَّ بلدات كُبرى كـ"بشرّي" و"إهدن" و"العاقورة" وغيرها هي
في النّاحية قُرى صغيرة من حيث النفسيّة والتقليد. هكذا يَجب وضع الرّد على
الأحداث في هذا الإطار العائلي والعشائري.
لَيْست عمليّة إهدن
من
هنا، لا يصحّ تسمية العمليّة "عمليّة إهدن" إلاّ نسبة للمَوقع الذي حدثت فيه.
والْحقيقة إنَّ العمليّة هي حلقة من سلسلة الْمواجهات بين الكتائب وآل
فرنْجيّة، والأصحّ إنَّها مع بيت سليمان فرنْجيّة بالذات، لأنَّنا نعرف أنَّ
بيوتًا أُخرى في عائلة فرنْجيّه تتَّفق تَمامًا في الرّأي مع باقِي الزُّعماء
الْمُعارضين لِنهج سليمان فرنْجيّه. ولا أجد حاجة هنا لِسرد الْمواجهات
الدَّامية والعنيفة التي جرت بين مَجموعة الرئيس سليمان فرنْجيّه وأُناس من آل
فرنْجيّه، وتلك التي جرت بين مَجموعة الرئيس فرنْجيّه ومَجموعات من باقِي
العائلات التقليديّة أو السياسيّة في قلب زغرتا. عمليّة إهدن تُقال استنادًا
إلى الْموقع الْجغرافِي، أمَّا في الْجانب السياسي، فهي عمليّة فريق الرئيس
فرنْجيّه.
الاِنعكاسات والْمُبالغات
الْمُبالغة في تقدير انعكاسات ما حصل في إهدن على
الوضع العام كانت مَقصودة في كثير من الأحيان. ولِماذا لا تعود إلى التواريخ.
فللَّذين يقولون إنَّ العمليّة كانت سبب انتشار الْجيش السوريّ في شَمال
لُبنان، نُذكِّرُهم أنَّ عمليّة إهدن حصلت في 13 يونيو (حزيران)، في حين أنَّ
الرئيس الرّاحل "الياس سركيس" كان قد اتّفق في شهر مايو (أيّار) على خطّة
أمنيّة مع السوريّين، يُكلَّف الْجيش اللُّبنانِي بِموجبها بِمهام الأمن في
جبيل وكسروان وجزء من بيروت وبعبدا والْمتن، في حين يُكلَّف الْجيش السوري
بِحفظ الأمن في الشَّمال والبقاع وبقيّة الْمناطق اللُّبنانيّة. وجود الْجيش
السوري في الشَّمال كان مُقرَّرًا من قبل، في إطار خطّة أمنيّة بين الرئيس
سركيس والْمسؤولين السوريّين. وسليمان فرنْجيّه نفسه ضغط على سركيس لِوضع
الشَّمال تَحت الْمضلّة الأمنيّة السوريّة. يَومها حاوَل الرئيس سركيس توسيع
رقعة انتشار الْجيش اللُّبنانِي في اتِّجاه الشَّمال، لكنَّ فرنْجيّه أصرَّ على
موقفه، وبالطّبع لَم يُمانع الْجانب السوري.
على
الْمُستوى الْمحلّيّ
لا شكّ أنَّه كان لِعمليّة إهدن تأثير على
الْمُستوى الْمحلّي، لكنَّ تأثيرها على الصعيد الوطنِي العام كان مَحدودًا
جدًّا جدًّا، وأقلّ من تأثير أيّ حدث آخر. على سبيل الْمثال، هل أثَّرت على
الغَزو الإسرائيلي للُبنان، أو على انتخاب بشير الْجميّل رئيسًا للجُمهوريّة؟
وهل أثَّرت على انتخاب أمين الْجميّل؟ وفي هذه النقطة بالذات، ليتها أثَّرت.
فلو فعلت لكانت خلَّصتنا من وَيلات ووَيلات. على الصعيد الْمحلّي أثَّرت
بالطَّبع في العلاقات بين البلدات والقُرى. جَماعة سليمان فرنْجيّه، وبِتشجيع
ودعم من الْجهات الْحليفة لَهم، شنُّوا حملة تَصفيات ضدّ الكتائبيّين وأنصار
الكتائب في البلدات والقُرى القريبة. العمليّة مَحدودة جغرافيَّا وسياسيًّا.
فالرئيس فرنْجيّه وجَماعته لَيسوا في النِّهاية حزب التَّجمُّع من أجل
الْجمهوريّة، ولا الْحزب الدِّيْمقراطي الْهائل، صاحب الامتدادات في كلّ
الْمناطق. إنَّهم مسألة مَحدودة جدًّا داخل بيت فرنْجيّه، وليس في كلّ زغرتا
وإهدن.
وجود
الآخرين
الآن وقد صارت تلك الأحداث بعيدة، يُمكننِي
القَول، وبكلّ هدوء، إنَّ كلّ الذي حدث ما كان لِيحدث لو أنَّ الرئيس فرنْجيّه
قَبِلَ بِوجود الآخرين، أو بِحقِّهم في التَّعبير عن رأيِهم. لَم يكُن أحد
يَنوي شطب زعامة سليمان فرنْجيّه، وكان يُمكن أن تبقى الْمسألة مسألة أجيال، أي
بين زعامة عشائريّة عائليّة، وشُبّان رأَوا في العمل الْحزبِي فرصة في
الْمشاركة في العمل الوطنِي، بعدما أدركوا مَحدوديّة الإطار العشائري وتناقضه
مع تطلُّعهم إلى بناء وطن ودولة. وكان يُمكن أن يبقى الْخِلاف مُجرّد صراع
فكريّ وسياسيّ، لو لَم يَحتكم الطّرف الآخر إلى السّلاح. صحيح أنَّ أبناء
الشَّمال قبضايات وقُساة في الشّدائد، ولكنَّ الصّحيح أيضًا أنَّ أحدًا لا
يَقبل الإلغاء. والزّعامة التّقليديّة لا تُجيز قتل النّاس لِمُجرّد اعتناقهم
هذه الفكرة أو تلك.
الكتائب والشَّمال
قبل حرب السّنتَيْن (1975-1976) كان الوجود
الكتائبِي في الشّمال عاديًّا بسبب وجود العائلات الكبيرة هناك. وعندما اندلعت
الْحرب، ظهرت مَوجة شعبيّة مؤيّدة لِحزب الْكتائب، لأنّه كان أكثر الأحزاب
استعدادًا وحضورًا في الأحداث التي فرضتها الْحرب. أذكر أنّه قبل الْحرب كان
لِحزب الكتائب وجود في بعض القُرى. وجود مَقبول في بعضها، ووجود رمزي في البعض
الآخر. لَم يكُن حزب الكتائب قوّة سياسيّة ضاغطة. خلال حرب السّنتَيْن الْتحق
عدد كبير من الشُّبان بِحزب الكتائب بعدما لَمسوا مَحدوديّة السّياسات
الاقطاعيّة والعشائريّة وضرورة تَخطّي هذه الاعتبارات الْمحليّة. تَزايد حجم
حزب الكتائب، وارتفع تقريبًا إلى عشرة أضعاف ما كان عليه قبل اندلاع الْحرب. في
السّابق، وفي الكورة مثلاً، كان الوجود الكتائبِي مُقتصرًا على بعض القُرى
الْمارونيّة، وضعيفًا جدًّا في البلدات الأُرثوذكسيّة. بعد حرب السّنتَيْن
تبدّلت الصُّورة.
التَّمدُّد الْحِزبِيّ
أعرف ذلك بالأرقام، لأنِّي كنتُ مسؤولاً عن
القِوى النِّظاميّة هناك. صار هناك نَحو 30 أو 40 شابًّا في كلّ قرية. في
"أميون" صار للكتائب وجود عبر مَجموعة كبيرة، وكذلك في "دده" و"رأس مسقا"
وغيرها. في منطقة "بشرّي" حدث ما يُشبه الفَوران في الانتماء للكتائب. بعد حرب
السّنتَيْن جرى حفل كبير لِتأدية اليمين في الْحزب، في بلدة "قنات". وتكرّر
الأمر نفسه في "البترون". تَمدُّد حزب الكتائب وأقسامه لاقى قبولاً طبيعيًّا من
زعماء العائلات، من جبرا طوق وقبلان عيسى الْخوري وجورج ضو وسايد عقل وسِمعان
الدّويهي ورينيه معوّض. تعاملوا مع الْمسألة وكأنّها أمر طبيعي نظرًا
للمسؤوليّات التي تَحمَّلها حزب الكتائب في تلك الْمرحلة. ولِهذا السّبب
تَعاطَوا مع الواقع، وتفاعلوا معه، وكانت علاقاتنا معهم مُنسجمة، على رغم
انتمائنا إلى حزب قائم على مبادئ مُغايرة للمبادئ والْمفاهيم العشائريّة.
بدأت
الْمأساة بِقتل الكتائبيِّين، وحادثت "البايع" فرضت القرار
سليمان فرنْجيّه: لا مكان لَهم
وتعثّرت الْمفاوضات السّياسيّة. أبلغ سليمان
فرنْجيّة إلى الوسطاء ردًّا قاطعًا، وهو أن لا وجود للكتائب في الشَّمال، ولن
يسمح لَهم بأي وجود هناك. ولَم يكُن يشعر بالْحرج مِمَّا يَجري. أذكر في شهر
مايو (أيّار) صعدت إلى بلدتِي "بشرّي"، فوجدتُ ما لا يقلّ عن 200 كتائبِي فرّوا
إليها من قُرى الشَّمال، هربًا من حملة التّنكيل.
لَجأوا إلى "بشرّي" لأنَّ جماعة فرنْجيّه لا
يَجرأون على مطاردتِهم إلى داخل البلدة. يومها دبّرنا لَهم مساكن في
الشّاليهات. وفي إطار جهود الْحلّ عُقد اجتماع في "بكركي" مقرّ البطريركيّة
الْمارونيّة بين النّائب طونِي سليمان فرنْجيّه وبشير الْجميّل.
الطّالب الْمُنضبط
لا أعرف تفاصيل ما دار فيه. في تلك الأيّام كنتُ
مُنهمكًا بالدّراسة، وتركتُ كلّ عمل سياسي، والْتحقتُ بالْجامعة اليَسوعيّة
لأكمل دراسة الطِّب، بعدما جعلت الْحرب من الْمُتعذّر عليَّ أن أُتابعها في
الْجامعة الأميركيّة في غرب بيروت، حيثُ بدأتُ. كانت الدّراسة تَستحوذ على كلّ
اهتمامي، فقد صرتُ في الْمرحلة التي يُسمح فيها لطُلاّب الطِّب بأن يُعاينوا
الْمرضى، وبالدّخول إلى غُرف العمليّات. وكنتُ أُحبّ العمل في قسم الطّوارئ،
وبسبب غياب الأطبّاء، كان على الواحد منّا أن يتحمّل قدرًا أكبر من العمل
والْمسؤوليّة، وكنتُ أتطوّع أحيانًا لأعمل مكان رفاقي. لَم أكُن على علاقة
يوميّة بأوضاع الشَّمال، لكنَّنِي كنتُ أطّلع على التّطوّرات من خلال بعض
الشّباب والْمسؤولين أثناء زياراتِهم لِي.
جود
البايع
عمليّات الإرهاب انقلبت إلى حرب شاملة. وخُيّل
لِجماعة فرنْجيّه أنَّ دم أي كتائبِي مُحلّل للسّفك. فكلّما التقَوا بِواحد من
هؤلاء، نكّلوا به. وجاء مقتل جود البايع، مسؤول الكتائب في منطقة زغرتا
الزّاوية، لِيُؤجّج النّار. اغتيل جود البايع في مركز عمله، ودون أن يكون
ضالعًا في شيء، وهو شخص مُحبّ للحِوار وحلّ الْمشاكل بالْحسنى. ووجد الْحزب
نفسه أمام موقف صعب: إمَّا اتّخاذ قرار بإلغاء وجوده في الشَّمال، مع ما يُمكن
أن يعنيه ذلك، وإمَّا الدّخول في مواجهة لِوقف مسلسل القتل والتّشريد، ووقف مَن
أطلقوه.
أرجأنا عمليّة إهدن لِضمان غياب طونِي فرنْجيّه عن القصر
لم
يكن مُستهدفًا، ولم نعرف بِوجوده، لكنّها الأقدار تتدخّل
بشير
استدعانِي من أوتيل ديو، والغرض كان اعتقال القتلة
لَم
يكُن الْحزب راغبًا
وللتّاريخ وللإنصاف، لَم يكن حزب الكتائب راغبًا
في مواجهة مع سليمان فرنْجيّه وجماعته، على رغم كونه قادرًا على إنْهائهم،
وبِنهار واحد. فميزان القِوى معروف، والأحداث أكّدت ذلك. كان الْحزب ميّالاً
تَمامًا إلى
التّسوية السّياسيّة. بيار الْجميّل سعى لدى رئيس
الْجمهوريّة الياس سركيس، والبطريرك، ولَم تَترك القيادة الْحزبيّة شخصًا إلاّ
واتّصلت به. والوصول إلى صيغة لَم يكن مُستحيلاً، لولا أنَّ سليمان فرنْجيّه
تَمسّك بِشرط قال أن لا عودة عنه، وهو إلغاء الكتائب في الشَّمال. تَعدّدت
الوساطات والْجهات الْمهتمّة. لكن لَم تكن ثَمّة أرضيّة مشتركة للبَدء
بِمُباحثات، ذلك أنَّ الرئيس فرنْجيّه لَم يكن يُريد حلاًّ، بل كان يُريد تسليم
الآخرين بِقراره، أي إلغاء الكتائب في الشَّمال.
الْحادثة الصَّاعقة
سادت في الْحزب حالة من الْحَيرة والارتباك.
الأحداث تتوالى، وموقف فرنْجيّه يُحبط كلّ الوساطات. وهنا جاء مقتل جود البايع
شبيهًا بالصّاعقة في كلّ أوساط الْحزب الشّماليّة والبَيروتيّة. زاد من وقع
الْحادث أنَّ جود البايع الذي قُتل بِوحشيّة على درج مكتبه، كان شخصيّة
مُسالِمة وهادئة الطِّباع إلى درجة أنّه شارك لِفترة في الوساطة بين سليمان
فرنْجيّه، وكانت بَينهما صداقة، وبيار الْجميّل. أطلق الْحادث موجة غضب شعبيّة
داخل الْحزب. تولّد مناخ عام تَخطّى القيادة والقرار ومراكز القرار والطّرق
التي تُصنع فيها القرارات على كلّ الْمستويات، من رئيس الْحزب وحتّى آخر عضو.
الْحادث كهرب الْحزب، فشعر كلّ فرد أنّه مَعنِيّ ومُهدّد. في هذه الأجواء
اتُّخذ قرار، أو فلنقُل أنَّ هذا الْجَوّ فرض على كلّ الْمستويات بالْحزب
قرارًا بالْمواجهة.
تَخطّت الْمشاعر حدود التّضامن الْحزبِيّ. كثيرون
في الْحزب رأَوا أنَّ الْمسألة لَم تعُد مسألة حزب وسياسة، بل مسألة كرامة.
قالوا لا يَجوز أن يُقتل النّاس في القرن العشرين بِهذه الطّريقة. ولا يَجوز
الاستسلام للتّسلُّط. في جوّ من الغضب الكاسح، وفي اللّيلة التي أعقبت اغتيال
جود البايع، اتُّخذ قرار الْمواجهة. قرار على كلّ الْمستويات الْحزبيّة،
وبالإجماع، بالدّخول في مواجهة مع سليمان فرنْجيّه وجماعته، لإرغامِهم على وقف
التّصفيات. وبعد هذا القرار بدأ دَوري في هذه الْمسألة.
اتِّصال وتَكليف
كنتُ في غرفة العمليّات في مستشفى أوتيل ديو، وما
إن خرجتُ حتّى قالت لِي الْممرّضة: طلبوك بإلحاح من الْمجلس الْحربِي. تركتُ
الشّغل ونَزلت. التَقيت هناك بِبُطرس خَوند، فقال: الشّيخ بشير ناطرك. أطلعنِي
بشير على الوضع في الشَّمال، وقال إنَّ الْحزب اتَّخذ قرارًا بالْمواجهة،
وعلينا الآن أن نَجد الطّريقة. أضاف، إنَّ الْمواجهة ستكون شاملة على مستوى
الشّمال كلّه، وأنَّ عوامل أُخرى قد تَخل فيها، لذلك لا نُريد ترك الْمسألة بين
أيدي الْمسؤولين العسكريّين الْحاليّين. وقال: "بدّك تروح عالشّمال وتستلم
قيادة الْمنطقة حتّى نعمل هالْمواجهة، ولَمَّا بتخلص، بترجع تروح على شغلك".
وأجبته بأنِّي صرتُ في آخر السّنة السّادسة من دراستِي، وقدّمتُ قسمًا من
الامتحانات، ولا يزال لديّ نصف الْمواد، وهو النّصف السّهل. أصرّ بشير، وكان
عمري يومها 26 عامًا، وصرتُ في آخر سنة، وليس لديّ إلاّ شهر واحد فرصة بين
السّنتَيْن السّادسة والسّابعة، وحتّى أقلّ من شهر. رفض بشير، وقال: "ما حدا
غيرك قادر يتحمّل هالْمسؤوليّة على مستوى الْمنطقة ككلّ. إنت عايشت كلّ
الْمجموعات العسكريّة خلال حرب السّنتَيْن، ولَهم ثقة بك. ما لازم نبعث مسؤول
غريب كرمال معنويّات أولاد الشّمال". وافقتُ، وتَحدّثنا في بعض التّفاصيل.
يومها، صدرت عن بشير، بوصفه رئيسًا لِمجلس الأمن، مذكّرة أُبلغت إلى كلّ
الْمراكز الْمعنيّة: نظرًا للأوضاع الْحاليّة السّائدة في منطقة الشّمال،
يُعيَّن، وبشكل مؤقّت، سَمير جعجع مسؤولاً عن كلّ القِوى العسكريّة، والنّشاطات
والتّحرُّكات العسكريّة التي تشهدها منطقة الشّمال في الوقت الْحاضر، وذلك حتّى
نِهاية الوضع القائم.
لِماذا إهدن؟
وقلنا نُرسل لِهذا الغرض مَجموعات تعتقل هؤلاء
الأشخاص، وتحتفظ بِهم. هذه هي الْخطّة الأوّليّة التي أُعدّت بصورة سريعة.
طبعًا كان الأمر يَتضمّن احتمال حصول مُقاومة، ومقتل مَن يُقاوم. وكان الْهدف
اعتقال هذه الْمجموعة التي تُعتبر بِمثابة الذّراع العسكريّة لِفرنْجيّه.
وتساءَ لنا عمَّا يُمكن أن نفعله إذا تدخّل الْجيش السّوري. ووجدنا أنَّه من
الأفضل أن نتحصّن في إهدن. فلو كان الأمر في بلدة أُخرى، فإنَّ فرنْجيّه لن
يَتردّد في تشجيع القوّات السّوريّة على ضربِها، حتّى ولو أدّى الأمر إلى تدمير
البلدة. لكنَّ الْحسابات قد تَختلف حين تَتعلّق ببلدته إهدن، ورُبَّما فكّر
مليًّا قبل أن يطلب من القّوات السّوريّة التّدخّل ضدّنا. لَم تكُن هناك مشكلة
عسكريّة بالنّسبة لأنصار فرنْجيّه، فقدرتُهم على الْمقاومة لن تتعدّى الـ24
ساعة في أفضل الْحالات. ولَم يكُن الغرض التّعرُّض لأبناء البلدة، بل على العكس
كان الْمطلوب إلقاء القبض على الْمجموعة التي تفتعل الأحداث، لِدفع الرئيس
فرنْجيّه إلى اتِّخاذ قرار بِوقف مسلسل التّصفيات. أفراد هذه الْمجموعة كانوا
يَتحرّكون بين زغرتا وإهدن، لكنَّ كثيرين منهم كانوا يُقيمون في إهدن، لأنَّهم
يشعرون هناك بأنَّهم في أمان.
طونِي
لَم يكُن الْهدف
في الاجتماع الأخير للقيادة العسكريّة مع الشّيخ
بشير، كانت هناك اقتراحات عدّة. أنا فكّرتُ في أن تكون العمليّة ليل
السّبت-الأحد، وكان هاجسي في الواقع العَودة إلى الْجامعة في مطلع الأسبوع.
لكنَّ الْمُجتمعين عارضوا الفكرة، لافتين إلى احتمال أن تتصادف العمليّة مع
وجود الرئيس فرنْجيّه أو نَجله طونِي هناك، وهو ما لَم نكُن نُريده. فكّرنا في
ليل الأحد-الاثنَيْن، ثُمَّ تَخلّينا عن الفكرة للسّبب نفسه. ثُمَّ تقرّر أن
تَتمَّ ليل الاثنَيْن-الثُّلاثاء كي نتفادى وجود أي مسؤول من آل فرنْجيّه في
إهدن. لَم يكُن الصّيف قد بدأ، ولَم ينتقل آل فرنْجيّه إلى البلدة لقضاء
الصّيف. لكنَّنا أخذنا في الاعتبار احتمال أن يذهب الرئيس فرنْجيّه أو نَجله
لقضاء "ويك أند" هناك، وفي مثل هذه الْحالة سيُغادر البلدة مساء الأحد، أو صباح
الاثنَيْن، وبالتّالي فإنَّ الْموعد الذي اخترناه يضمن عدم وجود أي منهما، إذ
لَم يكُن الْمطلوب الدّخول في حرب الْمئة عام مع جماعة بيت فرنْجيّه.
حين
تَتدخَّل الأقدار
أقول ذلك بعد 13 عامًا، ودون أن يكون هناك ما
يُجبرنِي على قَوله. لقد سكتُّ طويلاً وفاء لِمَن كانوا معنا وسقطوا إلى
جانبنا. لَم أشرح هذه الْحقائق كي لا يُفسّرها النّاس على أنَّنِي أُريد إلقاء
الْمسؤوليّة على غيري. واليوم أقول للتّاريخ، ولأنَّ الأحداث صارت ملكه، أنَّ
كلّ الاحتياطات اتُّخذت كي لا يكون الرئيس فرنْجيّه أو نَجله في إهدن. لَم تكُن
هناك نيّة أبدًا للتّعرُّض لأيّ منهما. لكن حين تشاء الأقدار أن تتدخّل وتلعب
دَورها، لا شيء يَمنعها من ذلك، وهي تدخّلت فعلاً.
صباح 13 يونيو (حزيران)، وفي الرّابعة فجرًا،
انطلقت العمليّة. لَم يَمرّ بِبال أحد أنَّ النّائب طونِي فرنْجيّه هناك. لَم
يكُن مَقصودًا. لَم يكُن واردًأ، لا خطفه ولا التّعرُّض له، ولَم يكُن أحد يعرف
بوجوده. والعمليّة أُعدّت على أساس أنَّه من غير الْمعقول أن يبقى في إهدن حتّى
فجر الثُّلاثاء، وقبل حلول الصّيف. توزّعت الْمجموعات حسب الْخطّة الْمُعدّة
لَها، واصطدمت بِمقاومة عنيفة من الأشخاص الذين ذهبنا لاعتقالِهم. كنتُ
أتَحرّكُ بين كلّ الْمجموعات العسكريّة وأُرافق تقدّمها. وكنتُ في معظم الوقت
مع القوّة الْمتّجهة إلى إهدن من جهة زغرتا-إهدن، أي من الْمدخل الغربِي.
والسّبب أنِّي كنتُ أعتبر أنَّ هذه النّقطة هي الأصعب. كانت هناك مَجموعات
تُهاجم من جهة بشرّي، وكانت مُهمّتها سهلة نسبيًّا، لأنَّنا حمَيْنا ظهرها،
وكانت تُواجه من جهة واحدة. أمَّا نَحن فكُنّا في الْموقف الأصعب.
سَيْر
العمليَّة
كنتُ على اتِّصال مع كلّ الْمجموعات، وأتَحدّث
إلى مسؤوليها. وفي وقت من الأوقات كنتُ على الْمحور الفوقانِي الْموصل إلى
الْحارة الفَوقا في إهدن، فاكتشفتُ أنَّ الشّباب قبضوا على مدنِيّ اسْمه
"أنطوان الطّرّاف"، وكان يَحمل بندقيّة. سألته عن السّبب، فقال: سَمعت رصاصًا،
فَحملت بارودتِي. فطلبتُ منه أن يُعطيَنِي إيّاها، وأن يَتبعنِي حتّى لا يَقتله
أحد. وسَمعت لاحقًا أنّه روى القصّة بِحرفيّتها. كنتُ هنا بعيدًا جدًّا عن قصر
فرنْجيّه. نَزلتُ إلى الْمحور الوسطانِي لأرى الشّباب. استهدفهم الرّصاص من قصر
طونِي، ودارت اشتباكات بين القوّة الْمهاجِمة والذين كانوا يُطلقون النّار من
قصر طونِي. وصلتُ، فوجدتُ أحد شبابنا مَقتولاً على الطّريق. انتحَيْتُ جانبًا
لأرى كيف يُمكننا سَحبه، ونادَيْتُ شابًّا من ورائي وطلبتُ منه أن يَسحب
القتيل، وحين تَقدّم قُتل فوقه. عندها غيّرتُ مَوقعي لأرى كيف يُمكننا سَحب
القتيليْن دون التّسبّب في سقوط ثالث.
وفيما كنتُ أتحرّكُ من مكانِي، شعرتُ وكأنِّي
أُصبتُ في يدي. قفزتُ إلى قناة للمياه، وراح الرّصاص يُفرفر حَولي ، فيما
ارتَمى الشّباب عن شِمالي ويَميني. وشعرتُ أنَّ شيئًا ما راح يُعبِّئ رئتي. لَم
أعُد قادرًا على تَحريك يدي. صرتُ أسْمعُ أصوات الشّباب: عسّاف رحمة وهانِي
رحمة، اللّه يَرحمه، وهما يَصرخان: يا شيف سَمير، يا شيف سَمير. قلتُ لَهما: لا
يَهمُّكما. لكنَّنِي رُحتُ أشعر بالدُّنيا تَتماوج أمامِي. حاول عسّاف الوصول،
فأُصيب في يده. كان هناك عسّاف وهانِي وأسعد عريضة، وكلّما حاول أحدهم الاقتراب
أطلقوا الرّصاص عليه، وكنتُ أنزفُ. في النِّهاية، وصلت مَجموعة ثانية، وراحت
تُؤمّن لِي الْحماية. رمَوا لِي بِنربيش ماء كان في الْجُنينة، فتَمسّكتُ به
وقفزتُ من السّاقية إلى الْجَلّ، فصرتُ مَحميًّا. ركضتُ في اتِّجاه السيَّارة.
لحظات أغيب عن الوَعي، وأُخرى أرجعُ وأرى أمامِي، وكُنَّ على طريق "طورزا"،
فوَقعنا في كمين مُسلّح، وانهمر علينا الرّصاص. أُصيب هانِي في رجله وضاعف
السُّرعة. وشعرتُ أنَّنِي بعدما كنتُ مُصابًا بِكتفي أُصبتُ من جديد بِرصاصة في
رجلي ورصاصة في فخذي ورصاصة في زندي. وفي النِّهاية وصلنا إلى "أوتيل ديو".
جريح
لا طبيب
إنَّها مفارقات الأيّام الْمؤلِمة. كان مُقرَّرًا
أن أدخلُ قسم الطّوارئ في السّاعة الثّامنة من صباح الثُّلاثاء، وكطبيب
مُتمرّن. وها أنا أصلُ في الثَّامنة إلاّ خمس دقائق لا كطبيب، بل كمشروع قتيل.
كلّ الطّريق كنتُ غائبًا عن الوَعي وضغطي صفر. وعندما دخلت سيّارة الصّليب
الأحمر إلى قسم الطّوارئ، أفقتُ وارتَحتُ، ثُمَّ غبتُ عن الوَعي من جديد.
وعندما أفقتُ بعد 12 ساعة من العمليّة، وكنتُ تَحت تأثير صدمة قويّة، عرفتُ
أنَّ طونِي فرنْجيّه كان في القصر وقُتل. لقد أرجأنا موعد العمليّة لِنتفادى
وجوده هناك، لكنَّها الأقدار. لا صحّة للرّواية التي تقول إنَّ الْهدف كان خطف
طونِي فرنْجيّه، واقتياده إلى الْمجلس الْحربِي. كان هدف العمليّة اعتقال ما
بين 10 و 15 مُجرمًا لا أكثر.
في
البداية، عولِجتُ في "أوتيل ديو"، ثُمَّ في الكرنتينا، وبعدها في "بْحنّس"،
ومنها إلى "بشرّي، ثُمَّ نُقلتُ إلى "بِكفيّا".
ارتباك بعد مقتل طونِي
في مستشفى أوتيل ديو كانت زوجة بشير السيّدة
صولانْج قد أنْجبت طفلة، وكان بشير يَتردّد لِرؤيَتها، ويَزورنِي. حين التقيته
للمرّة الأُولى قال لِي: كلّ شيء كان منيح، بسّ طلع معنا حادث مُفاجئ، وقٌتل
طونِي فرنْجيّه. حصل ارتباك في القيادة الْحزبيّة بسبب الْمفاجأة التي شكّلها
مقتل طونِي فرنْجيّه، وارتبك الْمسؤولون.
تَبنِّي العمليّة سيبدو وكأنَّه تَبنٍّ لقتل
طونِي الذي لَم يكُن مَقصودًا. تَميّز الْموقف بالضّبابيّة والارتباك، وانعكس
ذلك على الْمستوى الإعلامي.
كان الْجميع يَعرفون أنَّ طونِي لَم يكُن الْهدف.
ولو كان الغرض إلحاق الضّرر بالْمسؤولين من آل فرنْجيّه لكان الأسهل التّعرُّض
للرئيس فرنْجيّه نفسه الذي كان مُقيمًا في النّقّاش. ليس صحيحًا أنَّ ما أعقب
الْحادث ولّد لديّ مرارة من آل الْجميّل، حكمت مواقفِي لاحقًا منهم. كان رأيي
أن نقول حقيقة ما حدث. لقد حاولنا تَجنُّب أيّ مفاجأة، فوقعت مفاجأة غير سارّة،
وعلينا أن نَتحمّل الْمسؤوليّة. بعد عمليّة إهدن سال دم كثير. قُتل مَن قُتل،
وهُجِّر مَن هُجِّر، وتعرَّض أبرياء كثيرون للتّنكيل. رُوِّجت روايات كثيرة،
لكن هذا ما حصل.
عارضت
صعود "القُوَّات" إلى الْجبل، وصعدت لاحقًا لأمنع الكارثة
الإصرار على الاستئثار بالقرار مُناقض للدّيْمقراطيّة، وهو سبب
التّفجير
هذه الْمحطّات الدّامية والْمؤلِمة في الْحرب
الطويلة تستحقّ أكثر من وقفة تأمّل ومُراجعة. فالْنستقبل لا يُصنع بِتجاهل
الْماضي، بل بِفهمه والاحتفاظ منه بِما يُمكن أن يُبنى عليه. في تاريخ الشعوب
صفحات موجعة لا يُمكن القفز فوقها وكأنّها لم تَحصل. ولا يَجرؤ على صناعة
الْمستقبل مَن لا يَملك جرأة التصدّي للْماضي. والعودة إلى الْماضي البعيد أو
القريب يَجب ألاّ تكون عودة مُغرضة، هدفها تَبرير مواقف أو قرارات أو أشخاص.
هذه الْمطّات صارت ملك التاريخ، وستجد دائمًا مَن يقرأها، ويتوقّف عندها،
ويُضيء خفاياها. لا يُمكن الْخروج من الْمأساة بوصفات سريعة ومُتسرّعة لا تأخذ
في الاعتبار الأسباب التي صنعت الْمأساة. ولا يَخدم الْحقيقة التّعامل مع جزء
من الصورة، أو جانب وحيد منها. إنّنا اليوم أحوج ما نكون إلى هذه القراء ة
العقلانيّة الْجريئة والْهادئة. وشجاعة مواجهة الْحقائق الْجارحة لا تقلّ عن
شجاعة الذّهاب إلى الْحرب للدّفاع عن حقائق مُهدّدة، أو مُعرّضة للطّمس.
حِزبيُّون عادوا بِصورة فرديَّة، ارتَكبوا حَماقات أَيقظَت حساسيَّات.
"حرب
الْجبل" لَم تكُن بداية الاِنْهيار، بل الإعلان عنه
أُدينُ الْحماقات
عندما حصل الغَزو الإسرائيلي في 1982، كانت قد
مضت على بعض أولاد الْجبل سبعة أعوام وهم يعيشون مُهجّرين في الْمنطقة
الشّرقيّة. وإرغام ابن الْجبل على العيش بعيدًا عن بيته وأرضه يَجعله مَكبوتًا
ومَضغوطًا. فور اتّساع الْمجال، وأقول من موقع الْمسؤوليّة، صعد حزبيّون ومن
دون قرار حزبِيّ إلى ضِيَعهم، لأنَّ الْحزب التّقدُّمي الإشتراكي لَم يَعُد
سُلطة فعليّة هناك. توافد مسؤولون وحزبيّون إلى قُراهم، وارتكب بعض العائدين
حماقات انطلقت من رغبة مبيتة بالانتقام. وأقول بوضوح: لقد صعدوا دون قرار
حزبِيّ. لست مضطرًّا على الإطلاق للدّفاع عن قيادة آل الْجميّل للحزب، لكن هناك
حقائق يَجب أن تُسجّل للتّاريخ. ولا أُبرّر أبدًا الْحماقات التي ارتُكبت...
قرار
الصُّعود
بدأ الوضع يَتوتّر في الْجبل. يومها طُرح
الْموضوع بصورة جدّيّة في الْمجلس الْحربِي وفي حزب الكتائب. الأفراد بدأوا
بالعودة إلى قُراهم، فهل تبقى العودة في صورة أفراد، أم تكون في صورة مؤسّسة؟
وحدث الكثير من الأخذ والردّ. عندما انتُخب الشّيخ بشير الْجميّل رئيسًا
للجمهوريّة، صار الاتِّجاه للصّعود إلى الْجبل. فمع الانتخاب استتبّ الوضع،
وثَمّة مَن قال لِماذا لا نصعد كحزب أو كمؤسّسة، خصوصًا وأنَّ الظّروف آنذاك
غيّبت الدَّور العسكري للحزب الإشتراكي. عندها اتُّخذ قرار الصّعود إلى الْجبل
كمؤسّسة، ولكن ليس إلى كلّ الْجبل. أي اتُّخذ قرار الصّعود إلى الْمناطق التي
لا يُثير الوجود الْحزبِي فيها حساسيّات. بِمعنى أنَّ العودة كانت إلى القُرى
التي تَنتمي إلى الفئة نفسها التي يَنتمي إليها العائدون إليها. وتَقرّر
تَجنُّب القُرى التي لَم يكُن للكتائب والقوّات فيها أصلاً أي وجود. وهكذا، لَم
تَتمّ إقامة أي ثُكنة في بلدة كـ"بيصور"، بينما أُنشئت ثُكنة في "معاصر بيت
الدّين"، والأمر نفسه في "دير القمر".
في
قرية "مَجدل بَعنا" لَم يُستحدث أي وجود سياسي أو عسكري، بينما في "بْحمدون
الْمحطّة" فُتحت أقسام كتائب وثُكنات عسكريّة. القرار كان إذًا عودة حزبيّة،
وبِموازاة الوجود الْحزبِي إقامة ثُكنات عسكريّة لِدعم هذا الوجود الْحزبِي في
مناطق مُتعاطفة مع الكتائب والقوّات، ولا وجود فيها للمشاعر العدائيّة. أمَّا
الوجود العسكري فيَرجع إلى ما خلّفته في النفوس أحداث السنوات السبع الْماضية
من جروح ومَخاوف كانت لا تزال في الذاكرة. فُتحت الْمراكز الْحزبيّة في الأماكن
السابقة نفسها، قبل أن تُقفل قسرًا، كـ"مَجدل الْمعوش" و"كفرنَبرخ" و"بريح"
و"دير القمر" و"بْحمدون" و"عين الْجديدة" و"بطلّون" و"وعين الْحلزون"
و"رشْميّا" و"شرتون" و"الفوّارة" وغيرها. مراكز حزبيّة وتَجمُّعان عسكريّان
فقط: الأوّل في معاصر بيت الدّين، والثّانِي في بْحمدون. وبدأ العمل الْحزبِي
في صورة طبيعيّة، ولكن في ظلّ الْحماقات التي ارتكبها مَن كانوا بكّروا في
الصّعود كأفراد. طبعًا، يُمكن القول أنّه كان على القيادة الْحزبيّة أن تَضبط
العودة منذ البداية، وهذا صحيح، لكن هذا ما حصل.
سياسة
"أمين"
في هذا الوقت انتُخب الشيخ بشير الْجميّل واغتيل،
وانتُخب شقيقه الشيخ أمين خلفًا له. انتُخب أمين رئيسًا للجمهوريّة، وراح يلعب
بالسياسة. يَسرح بين الأميركيّين والإسرائليّين والسوريّين وكلّ العرب. هذا
الأُسلوب أزعج الإسرائليّين جدًّا. وفي الوقت نفسه كان الْحزب التقدّمي
الإشتراكي يستعيد وَعيه من الصّدمة، وبدأ يَربط صلات مع السّلطات العسكريّة
الْموجودة. هذا الكلام ليس من باب الاتّهامات، لكنّه واقع لا يُمكن لأحد
إنكاره، وربّما كانت هذه الطريقة الْبراغماتيّة في التّعاطي مع الأمور.
هكذا كانت الصورة. مُمارسات الأفراد الذين
ارتكبوا حماقات أيقظت الْحساسيّات. والْحزب الإشتراكي الذي كان يَحكم الْمنطقة
أحسّ بِتقلّص نفوذه إلى داخل معاقله، ولَم تعُد له سيطرة على القوى التي لا
يَحظى فيها بتأييد سياسي. وإذا أضفنا إلى ذلك ما كان يَحصل على مستوى السّلطة
العُليا في البلاد، وبراغماتيّة الْحزب الإشتراكي، أمكننا فهم الصورة الْجديدة
التي قامت. في حوالى تشرين الأوّل 1982، كان الْجيش الإسرائيلي يُسيطر على
الْجبل. أمَّا في القُرى، فكان هناك من جهة حزب الكتائب وذراعه العسكريّة،
والْحزب الإشتراكي الذي استعاد وجوده السياسي وذراعه العسكريّة. سلسلة انفجارات
واحتكاكات وإشاعات وأحداث متسارعة أدّت في النّهاية إلى انفجار كبير، فشملت
الاشتباكات كلّ مناطق الْجبل التي انقسمت إلى قسمَيْن: منطقة مسيحيّة تُسيطر
عليها القوّات، ومنطقة درزيّة يُسيطر عليها الْحزب الإشتراكي.
الإطار الأوسع
طبعًا يُمكن قراء ة أحداث الْجبل من خلال وضعها
في الإطار الكبير، أي التّجاذبات الإقليميّة والدوليّة. فالإتّحاد السوفياتِي
لَم يكن ليَقبل بِوجود قوّة مُتعدّدة الْجنسيّات في لُبنان، تَنتمي إلى دول
أطلسيّة. وكان من الصّعب عليه أن يَنسى أنَّ لُبنان كان إحدى النّقاط الرئيسيّة
التي تَضمن حضوره في أزمة الشرق الأوسط. ولَم يكن سهلاً على سوريا القبول
بِميزان القوى الإقليمي الْجديد، وهي التي دخلت لُبنان في 1976. وبِهذا الْمعنى
كان التّفجير في الْجبل نتيجة التقاء عوامل مَحليّة وإقليميّة ودوليّة. ولَم
يكن مُجرّد انفجار لِحساسيّات أو وليد احتكاكات بين قوى مَحليّة.
عندما جرى الْحديث عن الْجبل، كنتُ شخصيًّا ضدّ
الصعود إليه كأفراد أو كمؤسّسة، قبل الوصول إلى تَركيبة ثابتة. الوجود العسكري
الإسرائيلي في الْجبل لَم يكن تَركيبة ثابتة، وهذا أمر واضح. وهنا ارتكب الْحزب
الإشتراكي خطأً رئيسيًّا لا يَجوز إغفاله. لقد كان في استطاعته التّوصّل إلى
نوع من التّفاهم مع قيادة حزب الكتائب حول موضوع الْجبل. الواقع أنّنِي لا
أفهمُ لِماذا هذا الْمَيل الْجامح إلى احتكار السّلطة السياسيّة في الْجبل. هذه
الْمنطقة مُتعدّدة الانتماء ات، والصيغة الأفضل لَها، أو الصيغة الوحيدة
الْحقيقيّة، هي أن يُسمح لكلّ طرف بالوجود، وأن يُعبّر عن رأيه ومُعتقداته.
احتكار السّلطة
أنا أعتقد أنّ الْمَيل الْجامح إلى الإمساك
الكامل بقرار الْجبل هو السبب الرّئيسي الذي فجّر الأحداث هناك. لدينا عدد غير
قليل من الْمُصابين بعقدة الذّنب. فكلّما حدثت مشكلة، يُسارعون إلى القول إنّنا
الطّرف الذي أخطأ. والْمسألة ليست مسألة عقدة ذنب فقط، بل هناك مَن تَحرّك عن
سابق تصوّر وتصميم، وانطلقوا من حسابات ضيّقة لِتحميل "القوّات" مسؤوليّة كلّ
الذي حصل، كالقول إنّ ما جرى ما كان ليَجري لولا صعود "القوّات". هذا غير صحيح.
صعود "القوّات" كان عاملاً من عوامل التّفجير، لكنّ العامل الثّانِي والأهمّ
والأكبر هو الْمَيل الْجامح لدى الْحزب الاشتراكي لِحصر كلّ السّلطة السياسيّة
والعسكريّة بالْجبل به. هذا خطأ، ويَتعارض مع تَركيبة الْمنطقة، ومع مَفهوم
التّعايش نفسه. بِبساطة كاملة، إذا كان لا يَحقّ لِنصف أبناء الْجبل إملاء
إرادتِهم على الْجبل بأسره، فلِماذا يُعطي النّصف الآخر لِنفسه هذا الْحقّ؟ كان
هناك في الْجبل مَن لا يَنتمي إلى الْحزب الاشتراكي، ومَن لا يَعتبر هذا الْحزب
مُمثّلاً له. وهؤلاء كانوا يُريدون مثلاً حزب الكتائب، وحزب الأحرار، أو
غيرهما.
ليس
العامل الوحيد
لا شكّ أنّ وجود "القوّات" كان عاملاً إضافيًّا
في هذه الصورة الْمُعقّدة، لكن لا شكّ عندي ولو للحظة أنّه لَم يكن العامل
الوحيد في عمليّة التّفجير. لو جاء الاشتراكيّون وقالوا للكتائبيّين حين صعدوا
إلى الْجبل: لكم الْحقّ في العمل الْحزبِي أسوة بنا، فَنحن وإيّاكم أبناء هذه
الْمنطقة، لكن الْمطلوب ألاّ تَعتدوا علينا، ومن جهتنا لن نَعتديَ عليكم. أنا
واثق أنّ مثل هذا الْمنطق كان كفيلاً بِترتيب الأوضاع. وفي التّركيبة
اللّبنانيّة لا قدرة للأحزاب الصاعدة إلى الْجبل على استقطاب قواعد الْحزب
الاشتراكي، والعكس صحيح. على قاعدة هذا الاعتراف بِحقّ العمل السياسي كان يُمكن
التوصّل إلى تَرتيبات ولِجان مشتركة لِمنع الاعتداء ات والانتقامات، بل وللحوار
السياسي. لكن أن تَختزل الْمشكلة برمّتها لِتصير مَحدودة بصعود "القوّات"،
فالأمر مغالطة تصل إلى حدود التّجنِّي. غريب أمر بعض النّاس، يَرضى القتيل وليس
يَرضى القاتل.
سِياسة أمين الغريبة سهَّلت الإجماع ضدَّه وضدَّ الْحُكم.
وعدَنا أمين بالْجيش بعد 12 ساعة فانتظرنا طويلاً
اللُّبنانيّون وحسابات الدُّول
التّجاذب السياسي الْحادّ في اللعبة الإقليميّة
والوضع القائم على الأرض وتناقض الْمصالح كلّها سهّلت التّفجير. ربّما كان من
الْممكن منع التّفجير لو شعرت إسرائيل أنّلَها مصلحة في ذلك. والواقع أنّ
إسرائيل كانت تراقب الوضع في لُبنان، والْمنحى الذي اتّخذته الأحداث، وشعرت
بأنّه لن يكون لَها دور أو ليس الدّور الذي تُريده، فتَركت الأحداث تقع. في أيّ
حال، لا بدّ للّبنانيّين أن يُدركوا أنّ مَصالح الدُّول تكون في بعض الأحيان
أكثر تعقيدًا مِمّا يعتقدون. وحان للُّبنانيّين أن يُدركوا أنّ تَمنّياتِهم لا
تُغيّر سياسات الدُّول، وهي سياسات تُرسَم على أساس الْمصالِح. ويُخيّل
للُّبنانيّين أحيانًا أنّ أحداث بِلادهم تُقلق العالَم، وتَقضّ مَضاجِع
الدُّول. والواقع هو أنّ الدُّول لا تقرأ الأمور من هذه الزاوية، وقد لا تبذل
أدنَى جهد لِمنع العنف والاقتتال إذا رأت أنّ ما يَجري لا يُهدّد مَصالِحها أو
حساباتِها.
إجماع
ضدّ أمين
ولَم يكن هناك صمّام أمان يَمكن أن يضبط اللعبة،
أو يَحدّ من اندفاعها نَحو التّدهور النّهائي. رئيس الْجمهوريّة أمين الْجميّل
تصرّف على نَحو يصعب تفسيره. شيء غريب وعجيب أن يوصل الْحاكم نفسه إلى درجة
يُجمع فيها كلّ الناس على العداء للحُكم. كانت هناك احتمالات عدّة، ويفترض في
الْحاكم في النّهاية أن يَختار وأن يُقرّر ويَتحرّك. لكن شطارة الشيخ أمين ذهبت
بعيدًا، إذ اختار التصرّف بالطريقة التي جعلت كلّ القِوى الْمُؤثّرة في الوضع
اللبنانِي تقف ضدّه وضدّ الْحُكم الذي يُمثّله.
بعيدًا عن القرار
في هذه الْمرحلة، كنت مسؤولاً عسكريًّا عن
الشَّمال، ولَم يكن لِي تأثير أصلاً في القرار، خصوصًا أنّنِي كنت قد وصلت قبل
عام إلى جوّ من الْجفاء أبعدنِي عن الْمجلس الْحربِي. كنت أُتابع الأعمال
العاديّة، ومَقرّي في القطّارة في أعالِي جبيل. لَم يكن لِي مَوقع في اتّخاذ
القرار أو صناعته، ولَم يكن أحد يسألنِي رأيي. لكنّنا كُنّا نَتداول في
الْموضوع في حلقاتنا. بدأت الْمواجهات في الْجبل، وراحت تزداد حدّة. حوالى
كانون الأوّل شعرت أنّ الوضع بلغ درجة كبيرة من الْخطورة. الْمعالَجات
السياسيّة غير واضحة، ولا توحي بنتائج. الشيخ أمين غائب عن الوعي، والْمعالَجات
التي تَجري على الأرض تُسعّر الْحرب، في وقت لَم يسبق هذه الْحرب الإعداد
اللاّزم لَها.
وبعد اغتيال بشير، صرتُ استدعى إلى بعض
الاجتماعات الْجانبيّة في الْمجلس، وكُنّا نُناقش قصّة الْجبل. كان واضحًا أنّ
فادي أفرام (قائد القوّات) وفؤاد أبو ناضر (رئيس الأركان) يشعران بالقلق من
سَيْر الأُمور. وسد الاعتقاد أنّ الظروف تستلزم مسؤولين عسكريّين غير الذين
يَتولّون القيادة في الْجبل، خصوصًا وأنّ الوضع السياسي غامض جدًّا. في أواسط
كانون الأوّل طُرحت فكرة صعودي إلى الْجبل، وانطلاقًا من ضرورة تَجميد الوضع
هناك، بانتظار التوصّل إلى معالَجة سياسيّة مناسبة. ولولا صعودنا في تلك الفترة
لَحصلت الْمعركة الفاصلة في كانون الثّانِي 1983 أو شباط. والذين عاشوا معركة
الْجبل يعرفون هذه الْحقيقة. في تلك الْمرحلة ارتَسمت ملامِح خطوط التّماس في
الْجبل، وقٌطعت الطّرقات، وصار على السكّان من الفئتَيْن أن يَعبروا هذه
الْمنطقة أو تلك بِضمانة الْجيش الإسرائيلي، أي الْجيش الذي كان يُسيطر على
الْمنطقة.
خافوا
في القيادة
عندما قلتُ إنّنِي مستعدّ للصعود إلى الْجبل،
خافوا في القيادة. وبدأ الْهمس وبدأت الأسئلة. ماذا يُريد، وبِماذا يُفكّر،
وماذا يُخطّط؟ بعد أسبوعَيْن اتّخذوا القرار بِصعودي إلى الْجبل. وأنا متأكّد
أنّه لو شعروا أنّ ثَمّة أملاً، وبنسبة واحد في الْمئة، في تَجميد الوضع دون
صعودي، لَما وافقوا على صعودي. كانوا في الواقع أمام خيار من اثنَيْن: إمّا
التّسليم بسقوط الْجبل سريعًا، وإمّا صعودي إلى الْجبل. عُيّنتُ مسؤولاً عن
الْجبل، واصطحبتُ معي عددًا من الْمسؤولين الأساسيّين من الشَّمال، وصعدتُ. وفي
الأُسبوع الأوّل درست الوضع الْميدانِي. كانت سنة قاسية، ثلوج وصقيع. ذات يوم
كنتُ في بيروت أُخلّص بعض الأعمال، وكان الطقس طبيعيًّا، فقرّرت العودة ليلاً
إلى الْجبل. وحين وصلت إلى بْحمدون، كانت الطريق مَقطوعة حتّى رشْميّا. عجز
الْجيب عن السّيْر، فلاقانِي آخر على أطراف رويسة النّعمان. أكثر من ساعة ونصف
الساعة من أطراف منصوريّة بْحمدون حتّى رويسة النّعمان. ثُمّ أقلّنِي الْجيب
إلى مركز القيادة في عين تريز.
أوضاع مُحزنة في الْجبل. كثيرون غادروا، ومَن
بقيَ يَرتسم الْخوف على الْمصير على وجهه. وبدا لِي وكأنّ الناس تُركوا
لِيُواجهوا قدرهم في ظروف بالغة الصعوبة. رؤية الناس زادتنِي إصرارًا وتَصميمًا
على أن أفعل شيئًا علنًا نَتمكّن من إنقاذ الناس. في اللحظة الصعبة لا تستطيع
الاستقالة من مصير الناس، وأن تبتعد وكأنّ الأمر لا يعنيك. وضعت خطّة بسيطة
وسهلة. تبدأ الْخطّة بوقف التّدهور، ثُمّ بالشروع في اتّصالات مع الْحزب
الاشتراكي على الْمستوى الْمحلّي، على أن تَجري القيادة في بيروت اتّصالات على
الْمستوى السياسي للوصول إلى ترتيب ما.
قوّة
من الشَّمال
عرضتُ الْخطّة على القيادة في بيروت، فوافقت
عليها، ولَم يَبخل "فادي" و"فؤاد" بشيء من الإمكانيّات اللازمة. وشعرتُ أنّ وقف
الانْهيار يستلزم رفع الْمعنويّات أوّلاً، وبعض التعديل في ميزان القِوى.
فذهبتُ إلى الشَّمال، وعدتُ مع قوّة كبيرة، الْهدف منها أن يستعيد الناس ثقتهم
بالقدرة على البقاء هناك. وشعر أهالِي القُرى بارتياح، ورُحنا نُركّز خطوط
الْجبهة لِوقف عمليّات الكرّ والفَرّ. أهالِي القُرى كانوا على أعصابِهم، ولا
يدرون متى يتسلّل الاشتراكيّون والْمقاتلون الفلسطينيّون إلى قُراهم. من
النّاحية الثّانية، بدأنا الاهتمام بالوضع الْمعيشي، وباشرنا اتّصالات مع
الْحزب الاشتراكي، بدأها "بيار الضاهر" و"نادر سكّر" باتّصالات مع "هشام ناصر
الدّين" و"أكرم شهيّب" و"توفيق بركات".
تَجميد الوضع
ما إن أطلّ شباط وآذار حتّى بدت صورة الوضع أفضل
من ذي قبل. عسكريًّا، زال الْخطر الدّاهم، واستعاد الناس الثّقة. وسياسيًّا،
بدأنا الْمحاولات التي كان علينا أن نقوم بِها. وفي حزيران، ارتفع عدد
الْموجودين في الْمناطق التي نَهتمّ بِها، من أربعة آلاف إلى خمسة وعشرين ألف
نسمة. ضاعفنا اهتمامنا بالوضع الاجتماعي-الاقتصادي. الطّرقات التي شُقّت في
سبعة أشهر زادت على تلك التي فُتحت في سبعين سنة من عمر الْجبل. ورشة دائمة.
طرقات زراعيّة، وأخرى للحماية من القنص، وصار الْجبل كلّه خليّة نَحل. حصلنا
على مساعدات من مؤسّسات اجتماعيّة وإنسانيّة لِتدعيم وجود الْمدنيّين هناك.
التَزمنا بِرشّ الْمُبيدات والأشجار، ونفّذنا مشاريع لِمُساعدة الْمُزارع على
البقاء في أرضه. وعادت الناس لِتُزاول أعمالَها، ولو بالْحدّ الأدنَى، وعلى
أساس أنّ الشيخ أمين وحكومته الكريْمة يُجريان اتّصالات لِترتيب الوضع.
أنباء
عن انسحاب
في شهر آب بات الوضع الأمني مَقبولاً، ووصل الوضع
الْمعيشي إلى حدّ مَعقول جدًّا. بين (يوليو) تَموز و(أغسطس) آب، بدأنا نسمع أنّ
الإسرائليّين يَنوون الانسحاب. نزلتُ إلى مركز القيادة مرّات عدّة، وكان رأيُهم
أنّه من الْممكن أن ينسحب الإسرائليّون، وبدأوا التّحضير لِما يُمكن عمله.
عندما كنتُ ألتقي الشيخ أمين، كان يستغرب هذه الْمعلومات، ويردّ عليَّ:
الأميركان أكّدوا لِي إنّو ما في انسحاب. وعندما كنتُ أسأله لِماذا لا ينتشر
الْجيش اللبنانِي هناك، كان يردّ: ما بِتسلَّم من الإسرائليّين. وكنتُ أقول له:
وماذا لو انسحب الإسرائليّون؟ فيُجيب: لن يَنسحبوا.
اندلعت الحرب و تأخر الجيش واختلّ الْميزان و بدأت الانسحابات
جعجع يرجع عبر الوديان من دير القمر الى الشرقية
الرئيس
و قائد الجيش
في أواخر آب تزايدت الْمؤشرات على انسحاب
إسرائيلي وشيك، و بدأوا في تفكيك الْمنشآت اللوجستية . قبل أسبوع نزلت الى
بيروت و التقيت الشيخ أمين و معه قائد الجيش العماد إبراهيم طنوس . خرجنا الى
الشرفة و كان الضباب كثيفا . جلس الرئيس في الأُرجوحة و أنا و العماد طنوس على
كرسيين قربه . استعرضت مع الشيخ أمين الوضع، و قلت له نحن معزولون هناك و القوة
محدودة . و الجبهة فوق مستطيلة عرضها ضيق جدا لا يزيد عن الكيلومتر الواحد في
حين أنّ طولَها يصل الى 40 كيلومتر . من الكحلونية حتى معاصر بيت الدين ومن
راس الحرف حتى كفرنبرخ و أطراف دير القمر . قلت لهم : نحن قبضايات , بتعرفوا و
لكن الجبهة هذا وضعها. لديهم امكانيات للاختراق من اماكن عدة و لا قدرة لدينا
لنقل مجموعة من مكان الى آخر حين يكون القتال محتدما . لأنّ كل الطرق تصبح
مقطوعة . و كان جواب أمين : لا تَهتم و لا تقلق .
اذكر في تلك الفترة صعد العماد ميشال عون الى
قطاع عاليه في اطار مهمة استطلاع لاستكشاف امكانية انتشار الجيش فور انسحاب
الاسرائيليين، او بالتزامن مع هذا الانسحاب . يومها اعترضت نساء الْموكب
وأنزلن عون من الرانج روفر و عملوا له اللازم .
12
ساعة فقط
ارجع الى الشيخ أمين . فقد سألني كم تستطيع
الصمود؟؛فسألته ما هو الوقت الذي تريدونني ان اصمد خلاله بانتظار وصول الجيش .
و بعد همس و وشوشة مع العماد طنوس قال : فيك تصمد 12 ساعة . فأجبت : اعتبرهم
24 ساعة لكن مش اكثر من هيك .
مررت لرؤية رئيس الكتائب الشيخ بيار الجميل و
عرضت له الاوضاع و سألته في النهاية هل هناك امكانية لانتشار الجيش فرد بالقول
: لا , فنحن لا نتسلم من الاسرائيليين . غريب منطق , بعض الناس . جيش غريب يقول
اريد ان انسحب، فمن هو صاحب الحق في بسط سلطته على الاراضي التي سيجلو عنها ذلك
الجيش ؟ في استعادة الارض و السيادة تتسلم الجيوش ارضها من الشيطان . لقد
اعتقدت آنذاك انه لا بد و ان تكون لدى هؤلاء الناس خطة كبيرة لِمواجهة
الْموضوع، و لكن للاسف . عدت الى الجبل و لم نكن نعرف موعد الانسحاب
الاسرائيلي، لكننا شعرنا انّ العد العكسي بدأ فعلا، و شرعنا في التحضير بسرعة
لكل الاحتمالات .
من حواري مع الشيخ امين فهمت ان المطلوب هو
الصمود بضع ساعات يصل بعدها الجيش وتصبح الْمنطقة في عهدة الدولة، فتزول أسباب
الْمواجهة و الاحتكاك و يكون الجيش ضمانة للفريقين فنتجنب مأساة في الجبل. كم
تتغير الايام . لم يصعد الجيش بالقوة الى الجبل لكنّه بعد اعوام سينْزل بالقوة
الى عين الرمانة و ضبيه محطما الْمؤسسات الاقتصادية و بيوت الناس
.
اسرائيل في الجبل
وهنا لا بد من التطرق الى موضوع نُسج حوله الكثير
الكثير من الاتّهامات . وهو موضوع "القوات" واسرائيل . لو كانت "القوات" حليفة
لاسرائيل او الطرف الذي يتعامل مع اسرائيل لَما خسرت حرب الجبل .
لو كانت اسرائيل تريد انتصار "القوات" في الجبل
لأمكنها ببساطة تحقيق ذلك ما كان يكفي إقفال عدّة طرق، لِيَتغيّر كلّ شيء، وكان
يكفي تَوجيه تَحذير للقوى الفلسطينية التي كانت تستعد لدخول الجبل ليتغير مسار
الْمعركة . ما حصل على الارض في الجبل يشكّل ردًّا قاطعًا على كلّ ما أُطلق من
اتّهامات . واكثر من ذلك اقول إنّ الاسرائيليين كانوا يعرفون طبيعة الْمنطقة،
والْمعركة، وما ينتظرنا، وماذا سيفعل الاشتراكيون والفلسطينيون بعد انسحاب
القوّات الاسرائيلية . اقول هذا للتاريخ و لكي لا يبقى أي التباس . مثال آخر
على الشائعات . خلال الْمواجهات مع العماد عون راحوا يردّدون أنّ الاسرائيليين
يَملأون شوارع جونيه و يتسبّبون في عجقة سير . هذه الْمناطق مفتوحة على الدوام
امام الصحافة و لم تقفل دوما.... مطبخ الشائعات قديْم و يعمل ليلا نَهارا . و
بعض الناس يبنون عمارات على نبأ تم تسريبه لِمجلة بعيدة .
اكملنا استعداداتنا و وضعت القيادة العسكرية في
الجبل في اجواء الصمود مدة 48 ساعة حتى و لو فتحت علينا نيران جهنّم. علينا أن
نَصمد 48 ساعة بانتظار الشيخ أمين ودولته. في هذه الاثناء شعر بعض اهالي الجبل
بأنّ شيئا قريبا سيحدث فنَزل كثيرون منهم الى بيروت و بقي معنا حوالي 15 الف
نسمة .
اندلعت الْحرب
ليل
السبت-الأحد جاء بيار الضاهر وقال لِي إنّ الإسرائليين سينسحبون في غضون
ساعات. أبلغتُ بيروت وكانوا على علم. رفعنا درجة
التأهّب، ثُمّ انسحب الإسرائليون من كل قطاع عاليه، وبِمجرّد انسحابِهم بدأت
الْمعارك على كل الْجبهات وفي كل الاتّجاهات، وبِحسب وعود الشيخ أمين فإنّ
الْجيش كان يُفترض أن يصل ظهر الأحد.
تزايدت حدّة الْمعارك وتَضايقنا على مِحور
صوفر-بْحمدون الذي تَعرّض لِهجوم بِالْمدرّعات، ليست بالتأكيد مُدرّعات الْحزب
الاشتراكي. وفي مُوازاة ذلك شُنّت هَجمات ثانويّة على مَحاور شاناي ومَجدل
الْمعوش-الباروك وكفرحيم. لكنّ الْمهاجِمين زجّوا بِثقلهم الأساسي في قطاع
بْحمدون. كانت الْمعارك طاحنة وضارية، وكان على الْمقاتل أن يُحافظ على مَوقعه
وسط طوفان من الناس. تلك الساعات الصعبة ذكّرت بكل صعوبات التاريخ، وكم عاند
الأجداد، وكم طحنوا صخور الْجبل وطحنتهم. وفي مثل هذه الساعات يَتذكّر
اللُّبنانِي سوء الْحظ الذي يُطارد وطنه وشعبه، وهذا القدر الذي يُرخي بِثقله
على جيل يسقط هنا وهناك بدل أن يعيش هنا وهناك.
ليلة
طويلة
مضى ليل السبت-الأحد. كان الْمهمّ أن نُحافظ على
الوضع العام، حتّى ولو خسرنا مَوقعًا أو قرية.
الأحد تصاعدت حدّة الضغط على مَحاور صوفر-شاناي.
بعد الظهر اتّصل بِي بول عنداري، الْمسؤول عن الْمحور هناك، وأبلغنِي أنّ الوضع
بات صعبًا. وقبل أن أتوجّه إلى الْمكان اتّصلتُ بِبيروت، وسألت عمّا يَجري،
وأين الشيخ أمين، فلَم أحصل على جواب. في بْحمدون شاهدتُ الوضع على الأرض. ضغط
كثيف، والْمهاجِمون يُلقون بالْمزيد من القوّات والْمدرّعات في الْمنطقة،
ومَواقعنا مُجمّدة. واتّضح لِي أنّ الوضع سيكون بالغ الصعوبة إذا ما استمرّ على
ما هو عليه.
معارك
بْحمدون
الأحد تَمكّنا تَقريبًا من تَجميد الوضع على ما
هو عليه. مع الليل خفّت حدّة الاشتباكات، فانتقلتُ إلى الْمراكز الْمتقدّمة على
الْجبهة لأبْحث مع الْمسؤولين الْمباشرين ماذا يُمكن عمله. وشعرت هناك بِقساوة
الْمعارك. إرادة الْمقاتلين صلبة، لكنّنا فقدنا 50 شابًّا في نَهار واحد.
عسكريًّا كان لا بدّ من إعادة انتشار لِتجميع الْمواقع أكثر. نَفّذنا ذلك خلال
الليل، وبعدما كُنّا نَنتشر على تلال بْحمدون وصوفر، انتقلنا وتَمركزنا في
الْمبانِي على أطراف بْحمدون. صباح الاثنين نَجحت عمليّة تسلّل في الوصول إلى
قلب بْحمدون، وفي الوقت نفسه تَعرّضنا لِهجوم قاس على مشارف بْحمدون. تَمكّنت
قوّة صغيرة من السيطرة على عمليّة التّسلّل، لكنّ الضغط كان فظيعًا، وقد مضى
على بدء الْمعارك 36 ساعة.
اختلال الْميزان
استمرّت الْمعارك ضارية حتّى ليل
الاثنين-الثُّلاثاء، واستطاع الْمقاتلون وبأعجوبة أن يُحافظوا على مَواقعهم.
لَم يكن هناك أي تكافؤ، لا في العدد ولا في العتاد. في الليل تفقّدتُ
العسكريين. منذ 48 ساعة وهم يُقاتلون، والْهجمات لا تَتوقّف. عدد كبير من
القتلى وعدد كبير من الْجرحى. والبقاء في الْمواقع الْحاليّة يُشبه الانتحار
الكامل. عدتُ إلى غرفتِي في مقرّ القيادة، واختليت بِنفسي نَحو ربع ساعة. ليس
سهلاً أن ترى هؤلاء الشبّان يُلقون بأنفسهم في النّار، وأن ترى الدّم في كل
قرية وعلى الصخور والْمتاريس. في هذا الوطن، كل شبر مُكلف، ولكل قطرة حريّة
ثُمن. إحدى الْمشاكل كانت أنّ لدينا مَجموعة عسكريّة على طريق الكحلونيّة حيث
يُهدّد أي اختراق على طريق بْحمدون-عاليه بإبادة العسكريين والْمدنيين معًا.
على الفور أبلغتُ كل الْموجودين في قطاع الكحلونيّة وعين الْجديدة بالانكفاء
إلى قطاع رشْميّا.
انسحاب جديد
ورحتُ أُعيد النّظر في الوضع بأسره. إذا طلع صباح
الثُّلاثاء علينا ونَحن في مَواقعنا ستَحدث مَجزرة عسكريّة وستنهار الْخطوط
الدّفاعيّة. مضى 48 ساعة على بدء الْمعارك. لقد طلبوا منّا أن نصمد 12 ساعة
ليصل الْجيش وينتشر، فيكون ضمانة للجَميع، وتصبح الْمنطقة في عُهدته. وفكّرت في
تلك اللحظة في هؤلاء الناس الذي يُطبق عليهم الْموت من كل الْجهات، وبأصحاب
القرار في بيروت الذين من واجبهم أن يتحرّكوا، أو يُحاولوا على الأقل. جمعت
الْمسؤولين العسكريين، وأبلغتهم قرار الانسحاب من كل قطاع بْحمدون إلى بْحمدون
الضيعة. وكانت التّعليمات تقضي بِترحيل الْمدنيين أوّلاً ومن بعد التّأكّد من
رحيلهم ينسحب العسكريون. ولولا ذلك لسقط آلاف القتلى من الْمدنيين في الْجبل.
في بعض القُرى تضاعفت الْمأساة. لَم يقبل السكّان بِمغادرة بيوتِهم، وقالوا
إنّهم من الاشتراكيين، ولا علاقة لَهم بالْمواجهة. ماذا تفعل؟ لا تستطيع
إقناعهم ولا إرغامهم. هذا ما حصل مع بعض أهالِي بلدة البيرة. وعندما كُنّا في
دير القمر، عرفنا أنّ الْمهاجمين جمعوا مَن وجودهم في البيرة وأطلقوا النّار
عليهم، وكانت الْحصيلة 50 قتيلاً.
سيرًا
على الأقدام
بدأنا بتنفيذ خطّة انسحاب تدريْجي من عين
الْجديدة وبْخشتَيْ وبْحمدون الضيعة والكحلونيّة ورأس الْحرف. وعند الصباح
كُنّا جميعًا في بْحمدون الضيعة. أنا عُدتُ سيرًا على الأقدام من بْحمدون
الْمحطّة إلى بْحمدون الضيعة. لقد عُدتُ مَشيًا لأتأكّد بنفسي أنّنا لَم ننسَ
أحدًا. وكانت تُرافقنِي في العودة مَجموعة صغيرة تتأكّد من أنّ الْمدنيين
انتقلوا إلى مكان أكثر أمانًا. صباح الثُّلاثاء كان مضى على الْمعركة 52 ساعة.
أين الشيخ أمين؟
الْحدّ من الْخسائر
بعد هذه الانسحابات والقتال الْمرير الْمتواصل،
شعرتُ أنّ أوضاع العسكريين صارت دقيقة، وأنّه لَم يعد في استطاعتهم مواصلة
القتال. عندها انفردتُ بنفسي نَحو ربع ساعة، ووجدتُ أنّ الأفضل هو اعتماد سياسة
الْحدّ من الْخسائر. لقد ظهرت معطيات الوضع واتّجاهاته. وفي الوقت نفسه، كُنّا
نتعرّض لِهجمات في مَجدل الْمعوش، وصرتُ مفصولاً عن كل القِوى، لأنّنِي مضطرّ
لِمعالَجة وضع بْحمدون بالتّحديد. عندها أعطيت الأوامر بِترحيل كل الْمدنيين من
بْحمدون إلى رشْميّا، ثُمّ ينتقل العسكريون إلى الْمنصوريّة. في تلك الساعات
مرّت في بالِي تواريخ الْجبل وأحداث 1860 كشريط تلفزيونِي سريع. ومع مَجموعة
صغيرة عُدتُ سيرًا على الأقدام إلى الْمنصوريّة. في الْمنصوريّة حاولنا صدّ
الْهجوم، لكنّه كان قويًّا، واندفعت مدرّعات الْمهاجِمين بكثافة، وضايقتنا
كثيرًا. كل خمس دقائق مزيد من القتلى والْجرحى. استمّرت الْمعركة في
الْمنصوريّة ساعتي لكنّها لَم تنفع. ومن جديد كان لا بدّ من سياسة الْحدّ من
الْخسائر. جمّدنا الوضع قليلاً حتّى أخلينا الْمدنيين إلى رشْميّا، والعسكريين
إلى رويسة النّعمان، وأقمنا هناك خطًّا دفاعيًّا. في هذا الوقت كانت القِوى
الْمهاجمة تنظّف بْحمدون الْمحطّة وبْحمدون الضيعة. ذهبتُ إلى رشْميّا واتّصلتُ
بأُمّي من هناك، فقالت لِي: انتبه على حالك وعالْمدنيين وعالعسكر اللي معك.
لِماذا دير القمر؟
الْمعارك مستمرّة، ومال ميزان القوى تَمامًا
لِمصلحة الْمهاجمين. وفكّرت بضرورة الإفادة من القوّة العسكريّة التي بقيت
لدينا. أي الانتشار في بقعة صغيرة بِحيث يكون هناك عسكريّ على كل شبر، وأن تكون
في تلك البقعة مقوّمات الْحياة. ولِهذا يَجب أن نفكّر بقرية كبيرة. وهكذا تَمّ
اختيار دير القمر. فهي بلدة عريقة، ولاسْمها وقع في تاريخ الْجبل وتاريخ
لُبنان، وهي بلدة الرئيس كميل شَمعون، مِمّا يُعطي للمسألة ثقلاً سياسيًّا. وفي
البلدة مُقوّمات البقاء والعيش لبعض الوقت. وهكذا أصدرتُ أمر الانتقال إلى دير
القمر وفق خطّة انسحابات تدريْجيّة انتهت صباح الأربعاء، إذ وصل إلى البلدة كل
الْمدنيين والعسكريين، باستثناء الْمدنيين الذين رفضوا.
التاريخ والْمشاهد
تلك الْمشاهد لا تغيب عن القلب والذاكرة. رؤية
الناس وهم يُقتلعون من قُراهم ويَتركون جنَى العمر والأرض التي أحبّوا. تلك
الْمشاهد كانت تَحمل كل تاريخ لُبنان، وكل ما في ذلك التاريخ. نساء وعَجزة
وأطفال يُهجّرون من الأماكن التي عاشوا فيها، واختلطت أيّامهم بِتُرابِها.
ذاكرة التاريخ لا تَنسى، وحُكمه سيكون مُبرمًا. أين كان "بطل التّحرير" ميشال
عون ليَأتِي لاحقًا ويُحاول إلغاء "القوّات"؟ أين كان أمين الْجميّل، وأين كان
جميع السياسيين؟ الْحقيقة، لَم يكن مُتوقّعًا من هؤلاء أن يَتصرّفوا بالْحدّ
الأدنَى من الضمير. نَحن فعلنا ما فعلنا لِنُرضيَ ضميرنا. في الساعة الصعبة
يُفترض بالْمسؤول أن يكون مع الناس. معهم في الْمصير وفي دائرة الْخطر. وأسهل
شيء هو التّلطّي والابتعاد لتَوزيع الانتقادات لاحقًا.
حاولنا نقل كل الأعتدة العسكريّة، وما لَم نستطع
نقله جررناه. تَمكّنا من تَخليص كل الْمدنيين. ولَو لَم أفعل ذلك لَحدثت أشياء
فظيعة. ربّما حدث اختراق كبير مُفاجئ، خصوصًا من قِبل حلفاء الاشتراكيين الذين
كانوا الطرف الأساسي في الْهجمات، وهذا يَعني مَجزرة كبرى، أي قتل كل العسكريين
وعددهم نَحو ألفين، وأثريّة الْمدنيين الذين لا يَستطيع أحد تَقدير عددهم. وفي
دير القمر بدأ الاهتمام بِترتيب أوضاع الْمدنيين، ووضعت على الفور خطّة دفاع عن
البلدة.
مكثنا في دير القمر بانتظار ما ستفعله الدولة
الكريْمة، وما ستفعله قيادة "القوّات". تَوقّفت الأعمال العسكريّة في الشّحّار،
وكنّا ننتظر أن يُصبح هناك خطّ عسكري من "البنيه" إلى "جسر سلفايا" على منطقة
دير القمر.
وتبيّن أنّ الْجانب العسكري قد تراجع، وتَحوّلت الْمسألة إلى مسألة حصار،
ورُحنا نُحاول ترتيب أوضاع الأهالِي، وكانت الْمياه من الْمشاكل الرئيسة.
بريد
وسجَائر
انتظار طويل وصعب. حصلت مَجموعة أحداث، بينها
تَفجير مقرّ قيادة "الْمارينْز" والوحدة الفرنسية، ونَحن مُعلّقون في دير
القمر. كان هناك طريق وحيد سيرًا على الأقدام من دير القمر إلى أطراف "كفرقطره"
وأطراف "الكنَيْسة"، ثُمّ وادي راشيّا وسلفايا ، ثُمّ صعودًا باتّجاه الشّحّار
على "البنيه" و"كفرمتّى" على الأطراف. بعض الشباب كانوا يُغامرون بسلوك الطريق
لشراء الدّخان والأكل، ويَحملون ما يَحصلون عليه على ظهورهم عائدين إلى البلدة
الْمحاصرة. كان البريد العسكري يَمرّ على الطريق نفسها، التي كان يسلكها بعض
الْمسؤولين في "القوّات" ليَصلوا إلينا.
عودة
عبر الوديان
تسألنِي إذا كان بعد الذي حصل يُمكن أن نَجلس مع
وليد جنبلاط حول طاولة مَجلس الوزراء، وأُجيبك: نعم. هناك الكثير من الْمشاكل،
ونَحن لا نعتقد أنّ الْحلّ هو الْحروب الْمتواصلة، بل الْحوار. القطيعة لا
تؤدّي إلى شيء. والْمقاطعة لا تَحلّ مشكلة. والْمسألة ليست شخصيّة، فأنا لَم
أشنّ حربًا على وليد جنبلاط، أنا كنت عسكريًّا، ولَم أكن في موقع الْحوار.
أمّا ما قلته عن حساباتِي من وراء الصعود إلى
الْجبل، فليس صحيحًا. لَم أصعد لأقوم بِدَور أعود منه مُنتصرًا إلى الْمنطقة
الشرقيّة. لو كنت أبحث عن دَوري الشخصي وحساباتِي الضيّقة، ربّما فضّلت خيارًا
آخر. كل لَحظة في الْجبل كانت تَحمل خطر الْموت. في الْجبل ظهرت ملامح كارثة،
فقلت سنحاول الإنقاذ. إذا الْمساهمة في الإنقاذ تعزّز الْموقع، فلا بأس. لكن
قصّة الْجبل كانت أكثر تعقيدًا.
انتفاضة 12 آذار…
صادر أمين الْجميّل القرار، فاستَرجعناه
تيّاران في حزب الكتائب، وأمين أوّل مَن خرج على القوانين
انتفاضة 12 آذار
لم يكن 12 مارس (آذار) 1985 حدثًا بسيطًا أو
عابرًا. إنّه حدث مُركّب بِخلفيّات مُركّبة. لكي يقع حدث بِهذا الْحجم لا بدّ
وأن تسبقه تراكمات تدفع باتّجاهه. الْخلفيّات وحدها لا تكفي، ولا بدّ من سبب
مباشر ليُترجم الْحدث على أرض الواقع. فلنبدأ من البداية. اعتبارًا من العام
1970 طُرحت في حزب الكتائب مسألة السّلطة والتّمثيل، وعلى نَحو صريح. واتّخذت
منحى أكثر حدّة عندما ظهر أمين وبشير، نَجلا مؤسّس الْحزب الشيخ بيار الْجميّل،
على ساحة العمل السياسي في الْحزب. بدأت ملامح اتّجاهين في حزب الكتائب،
ومناخين. مناخ أو جوّ كنّا نُسمّيه جوّ أعمدة الْهيكل، أي جوّ الذين يُسلّمون
بقيادة الشيخ بيار في صورة مُطلقة، ودون أي بَحث أو مناقشة، ودون أي دخول في
التّفاصيل. يمكن أن نُدرج مثلاً في هذا التيّار الأُستاذ جوزف أبو خليل،
والأُستاذ سليم رعيدي، والأُستاذ جوزف الْهاشم، وهلمّ جرّا. وهي مَجموعة تنتهج
أورثوذكسيّة حادّة لِجهة الزعامة والسلطة السياسية في الْحزب. ومع هذه
الْمجموعة في الْمرحلة الأُولى أمين وبشير. طبعًا في مرحلة لاحقة صار لـ"بشير"
خياره، ولـ"أمين" خيار أيضًا. كانا يبتعدان في بعض الأحيان عن هذه القاعدة بقدر
ما يَخدم ذلك خياراتِهما. لكن، وبالْمُجمل، إذا ظهر خارجهما أي تيّار حزبِي
يقوم بنفس ما يقومان به، كانا يعودان إلى الالتفاف والتحوّل مُجدّدًا إلى جزء
من الأورثوذكسيّة الْحزبيّة. بِمعنى أنّ أمين الْجميّل كان يسمح لنفسه أن
يُخالف القوانين الْحزبيّة في إقليم الْمتن، والشيخ بشير كان يسمح لنفسه أن
يُخالف القوانين الْحزبيّة بِمجلس الأمن الكتائبِي. لكن إذا حاول مثلاً غيث
خوري، رحمه اللّه، أن يُخالف القوانين في إقليم جبيل، يُسارع أمين وبشير إلى
الدّفاع عن القوانين الْحزبيّة. هذه قراء ة لأوضاع تيّار في الْحزب لا تَعني
أبدًا التّشابه بين أمين وبشير. في نظرنا الآن، وفي كل وقت، نَحفظ لـ"بشير"
مواقفه، والكثير الكثير، وتبقى ذكراه في قلوبنا. أمين شيء آخر تَمامًا، ورأيُنا
فيه مَعروف.
التيّار الآخر
في الْمقابل، كان هناك تيّار آخر بدأ بالتّحديد
مع كريم بقرادونِي في مَصلحة الطلاّب، واستمرّ بشكل مَحدود مع خليل نادر، لأنّ
خليل لم يكن ثابتًا ومُستقرًّا أصلاً. هذا التيّار كان يدعو إلى مزيد من
الانفتاح على مُختلف الصُّعد، وخصوصًا على صعيد تَمثيل الشباب داخل الْحزب.
وإذا شئتَ، فإنّ هذا التيّار كان يُمثّل نوعًا من "البيريسترويكا". وفي هذا
التيّار كان هناك كريْم بقرادونِي، وإبراهيم نَجّار، وخليل نادر، وجورج كسّاب،
وميشال سَماحة، ومَجموعة أُخرى من الشباب. هكذا بدأت قصّة التيّارين تَتبَلوَر،
وكان التيّار الثّانِي يدعو إلى الانفتاح على الصعيد اللُّبنانِي العام. فقد
أدّت سياسة الشيخ بيار إلى تَقوقع الْحزب في موقع سياسي واحد. وباستمرار تسأل
عن موقف الْحزب، فيأتِي الْجواب أنّه مع الشرعيّة.
أوّل
مَن خرج على القانون
طيّب، إذا الشرعيّة أخطأت؟ مع الشرعيّة. إذا طُرح
موضوع الْجنوب، يقولون ننتظر لِنرى موقف الشرعيّة، ونقف إلى جانبها. يا أخِي
إذا أنْجبت بقرة لدى زعيم، فماذا نفعل؟ والْجواب إنّنا مع الشرعيّة. كانت لِهذا
التيّار مَجموعة مآخذ على القيادة الْحزبيّة، ومن أهمّ هذه الْمآخذ الْموقع
السياسي الْمُتحجّر للحزب في مواجهة كثير من الأزمات. الْحزب يستوحي مواقفه من
مواقف الشرعيّة، كائنة من كانت هذه الشرعيّة، ثُمّ يأخذ موقفًا إمّا مائعًا،
وإمّا يعوزه الوضوح. هذا التّباين كان ينطلق من تلك النّقاط، وصولاً إلى مسألة
التّمثيل على مستوى الأجسام السياسيّة في الْحزب، أي على مستوى مواقع اتّخاذ
القرار. نوّاب الْحزب كان بعضهم في الْموقع الآخر، أي الْموقع الأورثوذكسي. ولم
يكن التّطابق كاملاً بين الْمُنتمين إلى هذا الْموقع، وكانت هناك درجات في
الأورثوذكسيّة. طبعًا كان هناك من النّواب مَن يُسايرنا، أو يُحالفنا، لكن في
ساعة التّصويت كانوا يعودون إلى الانسجام مع الْجوّ السّائد في الْمكتب
السياسي، غير أنّ هذه الْمسألة لم تكن مُهمّة. مع بداية الْحرب، وتصاعد
التّأزّم في الوضع العام في البلاد، راحت نقاط الْخلاف تَزداد، ومواضيع الْخلاف
تَتعمّق بقدر ما كانت الأزمة تستشري في جسم الوطن. ثُمّ تسلّم أمين وبشير
مسؤوليّات حزبيّة. وبإخلاص كامل للحقيقة يُمكننِي القول إنّ أوّل مَن تَجاوز
القانون الْحزبِي في الكتائب، وكسره، كان أمين، ثُمّ بشير. أوّل مَن كسر
القانون والنّظام، وتَخطّى الْمؤسّسة وقوانينها وأشخاصها، كان أمين
الْجميّل.
الانضباط الصّارم
أذكر في أوّل حرب السّنتين، كان الْحزب اتّخذ
جملة قرارات. والْحقيقة أنّ الرّوحيّة التي كانت سائدة في حزب الكتائب كانت
نقيّة ومُمتازة، والانضباط الذي كان سائدًا كان مُمتازًا أيضًا. لن أغرق في
التفاصيل لأرو |