|
قداس
وجناز لعيراني وسط حشد قواتي في ساحة الشهداء
مطر:
على الدولة أن تعامل المعارضين كالموالين
رأى رئيس اساقفة بيروت للموارنة المطران
بولس مطر ان "التطرف لا يقمع بالتطرف، بل يصلحه الشعب بنفسه وبحكمته
الواعية وبفضل نظام يضمن تمثيل الجميع". ودعا الدولة الى ان "ترى في
المعارضين ابناء لها مثل الموالين وان تعاملهم بالحقوق نفسها والمحبة
نفسها". وسأل: "هل كان المقصود بقتل رمزي عيراني قتل الحرية في لبنان؟".
وقد ترأس مطر قداسا وجنازا اقيما في
الذكرى الاربعين لاغتيال المهندس رمزي عيراني، في كاتدرائية مار جرجس
المارونية وسط العاصمة، وعاونه رئيس كهنة الكاتدرائية المونسنيور
ميشال عون وامين سر مطرانية بيروت الخوري داني افرام وشارك المطارنة
جورج اسكندر، يوسف كلاس، نرساي باز.
وحضرت القداس شخصيات سياسية وحزبية
تقدمها الوزير جورج افرام والنواب نبيل البستاني ومنصور البون وفارس
سعيد وغبريال المر وفريد الخازن وبيار الجميل ونعمة الله ابي نصر،
رئيس حزب الوطنيين الاحرار دوري شمعون، رئيس الرابطة المارونية حارس
شهاب، رئيس مجلس ادارة "النهار" مديرها العام جبران تويني، رئيس حزب
التضامن اميل رحمه والسيدتان صولانج الجميل وستريدا جعجع. وتجمهر حشد
غفير من مناصري "القوات" خارج الكاتدرائية.
وبعد الانجيل القى مطر عظة جاء فيها:
"يطرح المواطنون عن حق سلسلة من الاسئلة
الكبرى عن هذه المأساة الرهيبة: كيف يموت رمزي عيراني هذه الميتة في
زمن توطد فيه الامن؟ ولأي قصد كان موته؟ وما هي النتائج المتوخاة من
هذا العمل غير الموصوف؟
في هذا الظرف العسير، نعلن ما اعلناه
مرارا وهو اننا طلاب امن وحياة مطمئنة لجميع اللبنانيين. وان ما تحقق
في هذا المجال، بعدما حطت الحرب اوزارها، بات ملكا لجميع اللبنانيين.
فلا عودة مقبولة الى الوراء ولا رغبة في ان يتعامل احد مع نظام
البلاد الا من داخل هذا النظام تحقيقا وتطويرا وتغييرا. لكن امن
البلاد وخصوصا في مثل هذه الظروف بات مطالبا بأن يثبت نفسه ليطمئن
الناس الى حياتهم والى ارزاقهم والى حقوقهم المشروعة كلها. وهو يتطلب
ايضا ان يكون الناس جميعهم سواسية امام القانون. وان دماء رمزي
عيراني لن تكون مادة للاستغلال، فصاحبها وذووه من بعده ما ارادوها
يوما الا قربانا للفداء وللاستقلال. غير ان هذا النبل في العطاء لا
ينفي الضرورة الملحة والواجب الوطني بأن يقوم الامن بدوره في كشف
الجناة وفي طمأنة المواطنين عن مغزى هذه الفاجعة ايا كان مغزاها
والقصد الذي من ورائها. لقد اختبرنا زمنا صعبا كانت القوى المتعددة
عندنا تقوم، بمثل هذه الادوار بالنيابة عن الدولة. واليوم نريد ان
تقوم الدولة بهذا الواجب بالنيابة عن الجميع. انه شرط من شروط قيام
الدولة وما من احد له مصلحة في الا تقوم. والا فاننا نكون قد شهدنا
هدما جديدا لا سمح الله لما بنيناه بالتعب طوال عقد ونيف من الزمن
وتعود الحلقة المفرغة الى دورانها فتبتلع الجميع.
اما الغاية من وراء هذه الفعلة النكراء،
فان الناس قد مالوا الى تلمس حقيقتها عبر المقارنة بين ميتة رمزي وما
كان يحدث مثلها من ميتات ابان الاحداث، يوم استبدل الكثيرون حوار
الكلمة بحوار السيف وترافضوا وتعادوا الى حد غير مقبول وغير متصور.
ومن المعروف ان رمزي عيراني ليس رمزا من رموز الحرب ولا هو من جيل
اكتوى بنارها في صحته او في ثقافته او في اعماله، بل هو مناضل لفكرة
حملها باسم عقيدته وباسم الحرية التي طبع عليها منذ صغره. وبلادنا،
كما اي وطن من اوطان الدنيا، لا تعرف قيمة لها الا بالحرية التي تزين
ارضها وصدور ابنائها، فهل كان المقصود من وراء قتل رمزي قتل الحرية
في لبنان؟ ام المقصود كان اسكات صوت معين من الاصوات حتى لا يعكر صفو
العيش لاصوات اخرى تصوغ منطقا خاصا بها ولا تأبه لمنطق الآخرين؟ ما
من احد في لبنان يرضى اليوم المساس بالثوابت الوطنية، الا ان الخير
العام وتنظيمه لا يتبلوران الا بالنقاش الحر وبتبادل الافكار فتتكون
القناعات في عقول المواطنين وتسير الحياة الديموقراطية سيرها الصحيح.
واننا نناشد المسؤولين جميعا من اجل لبنان الا يخاف احد من التطرف
الفكري عند بعض الناس. فالتطرف لا يقمع بالتطرف بل يصلحه الشعب بنفسه
وبحكمته الواعية وبفضل نظام يضمن تمثيل الجميع. وان لنا في
الانتخابات الفرنسية الاخيرة خير مثل لوعي الشعوب ولدفاعها عن
مصالحها الحقيقية باجماع الرجال وبوقوفهم وقفة واحدة حيال اخطار تهدد
الجماعة كلها. فعلى الدولة ان ترى في المعارضين ابناء لها مثل
الموالين وان تعاملهم بالحقوق عينها والمحبة عينها. ولا ضير اذا ما
انتقل الحكم يوما من دفة الى دفة، او اذا عاد بعدها الى دفته الاولى،
لأننا عندما نبلغ هذا المنحى من التناوب في السلطة ستشرق علينا شمس
مباركة جديدة في حياة الوطن ونصبح في عداد البلدان التي تسهم في مصير
الارض (...)".
وفي ختام القداس، وفي الباحة الخارجية
للكاتدرائية ووسط حشد كبير من مناصري "القوات"، القت جوسلين ارملة
عيراني كلمة جاء فيها: "انا الام الحزينة، ام ياسمينا وجاد الفاقدين
اجمل ما يتمناه طفل واحلى ما يطلبه ملاك واسمى ما تعطيه السماء. نعم،
انها مأساتنا لكنها الحقيقة، حقيقة ياسمينا الحالمة بعيد ميلاد آخر،
بل الحالمة بميلاد لبنان بعدما وعدها رمزي بمفاجأة فكانت فاجعة.
وحقيقة جاد الغافي على امل ان يوقظه رمزي
في الصباح.
لكن رمزي رحل بعيدا وترك لي اسئلة صعبة
اتلمسها كل مساء على شفتي معبودي ابيهما وكأني بهما يسألان: لماذا
قضوا على حلمنا الكبير؟ لماذا فعلوا فعلتهم وهل تابوا؟
لماذا خطفوا او قتلوا واستباحوا وهل
ارتاحوا؟
لماذا حقدوا وطعنوا وهل ندموا؟".
ثم القى جو سركيس كلمة باسم "القوات
اللبنانية" جاء فيها: "اربعون يوما، وعلامات الاستفهام تكبر وتكبر.
أيعقل ان يكون قاتل رمزي حرا طليقا، وقائد رمزي اسيرا معتقلا؟ ايعقل
ان يبقى قاتل رمزي متواريا عن انظار العدالة وقائد رمزي يحاكمه
سياسيون تواروا خلف القانون والعدالة؟ لقد كنا اول من ساهم وشارك في
ولادة وثيقة الوفاق الوطني، وكنا ايضا اول من نبه وعارض ورفض هذا
التشويه المتمادي في تطبيقها". واضاف: "لمن يريد وفاقا متينا نقول ان
احد اهم عناوين هذا الوفاق هو الحرية لسمير جعجع، ولمن يريد حوارا
نقول نحن مستعدون ان نمد اليد ونفتح القلب. اما لمن يريد ان يحيد عن
توجيهات الحكيم فنقول لن نخون العهد. فكما دفع رمزي حياته فدية عنا،
ها هو رفيقنا توفيق هندي يدفع حريته ثمن التزامه القضية الحقة".
ووزع كتيب عن عيراني ومسيرة حياته وكلمات
اهله ورفاقه فيه.
|