لم يكن سمير قصير نائباً او وزيراً. ولا اهتم يوماً للأمر. جل ما اراده ان يكون صحافياً. هكذا فعل ايضاً جبران تويني، ومن بعده وقبله غسان تويني، اذ لم يجعل اي منهم لقب النائب يتقدملقب الصحافي. فالصحافة ارفع شأناً لدى اصحابها من كل المراكز الرسمية، وان كان صحافيون توسلوا المقعد النيابي او الوزاري مدخلاً لهم لتحقيق احلامهم الصحافية، وجعل الكلمات واقعاً.
في مثل هذه الايام، سقط سمير قصير شهيداً. تبعه كثيرون من أهل القلم او الكلمة. وقف مجلس النواب دقائق صمت لبعضهم. نسي البعض الآخر كما حصل مع النائب انطوان غانم الذي اقفل رئيس المجلس ابواب ساحة النجمة منذ استشهاده. وفي الأمس، نسيه النواب او تناساه البعض، فلم تكن له دقيقة صمت كما لآخرين من نواب أتى عليهم المرض والعمر. الشهادة لا تكتمل بدقيقة صمت. ولا تزيد رفعة. ولا يهم الشهيد وأهل الشهيد اذا تناسى هذا البعض قيمة تلك الشهادة. والعيب العيب أن يتحدث البعض عن الضحايا في حرب عبثية، فيصنِّف البعض شهداء وآخرون ضحايا.
ايضاً لا تهم التسميات. لكن السؤال الصعب الذي طرحه البعض بعد اتفاق الدوحة وتوزيع صور المتخاصمين يتبادلون القبل هو: هل ذهب الشهداء سدى؟ ولماذا ماتوا؟ وفداء اي قضية، طالما ان أشكال التدخل السوري عادت من جديد؟.
سؤال صعبة الإجابة عنه، وقد يأخذنا دائماً الى التفكير فنردد "اللي راح راح وليك وين صرنا". هل نرضخ لهذا الواقع الأليم؟ كلا. أليس الموت بالشهادة، أفضل من ميتة أخرى في شارع يتصارع عليه الاخوة؟ أليست الشهادة أرفع من ميتة قاتل وسارق ومعتد على حرمات الآخرين؟ أليست الشهادة أكثر رقياً من سجل أموات سقطوا في اجتياحات مناطق وانقلابات على الدولة ومؤسساتها؟.
وماذا عن إرث الشهداء، ماذا عن كتابات سمير قصير وجبران تويني، وماذا عن نضال جورج حاوي، وعن التزام الوطن والعائلة مع بيار الجميل وانطوان غانم، وماذا عن عنفوان فرنسوا الحاج ووسام عيد ومناقبيتهما العسكرية؟ ماذا وماذا وماذا عن رفيق الحريري وباسل فليحان... هل ماتوا سدى؟ ألم يحرك موت الحريري كل الاحاسيس الوطنية ويلهب المشاعر اللبنانية؟ ألم يعد اناساً الى حضن دولتهم؟
هل مات هؤلاء؟ هل ننسى سمير قصير في ذكراه؟ هل يموت الفكر والعقل والابداع والعمران؟ هل يموت النضال والجهاد؟ هل يموت هؤلاء فينا. بالتأكيد لا. هم يموتون في قلوب ميتة أصلاً. قلوب لا تخفق للحب وللحياة. قلوب لا تهلل للسيادة للحرية للاستقلال... قلوب لم تحب لبنان يوماً.
* دعت مؤسسة سمير قصير و"النهار" الى قداس في ذكرى سمير قصير، الساعة 9,30 صباح الاحد 1/6/2008 في كنيسة مار متر في الأشرفية.