لفت الكاردينال الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير الى "ان توحيد المسيحيين لا يكون على مشروع سياسي بل على العمل بارادة الله". وقال: "واذا ألقينا نظرة على العالم المسيحي نرى ان المسيحيين تفرقوا مذاهب وشيع لا رابط بينها وغالبا ما تكون متحاسدة متنافرة". واعتبر "ان مصلحة الوطن مؤجلة والناس متباعدون ويجرون كل في سبيل مصلحته الخاصة".
كلام البطريرك صفير جاء خلال ترؤسه القداس السنوي لمكرسي جبة بشري وعاونه المطران فرنسيس البيسري وحضره حشد من الكهنة والرهبان والراهبات والمكرسين.
بعد تلاوة الانجيل المقدس ألقى البطريرك صفير عظة بعنوان "فليكونوا بأجمعهم واحدا". تناول فيها دعوة الشعب المسيحي والكهنوت ليكونوا واحدا ويعملون بارادة الله ومحبته ووصاياه وتوجيهاته الانجيلية وجاء فيها:
" تجتمعون اليوم مثلكم في كل سنة، في هذا الكرسي البطريركي الصيفي للصلاة، وتجديد التعارف في ما بينكم، وتوثيق عرى الصداقة، وتبادل هموم الرسالة في هذه المنطقة الشمالية من لبنان. إنا، اذ نرحب بكم نسأل الله، بشفاعة والدته البتول، ان ينجح رسالتكم ويطيل أيامكم على خير وعافية، ويبقيكم رسل وحدة ومحبة وسلام.
ان انجيل اليوم يذكرنا بقول للسيد المسيح، ورد في صلاته الكهنوتية، وهو دعوته تلاميذه، وعبرهم، ومن بعدهم الشعب المسيحي بأجمعه، "ليكونوا واحدا"، ويضيف قائلا: "وكما انت في، ايها الآب، وانا فيك، كذلك فليكونوا فينا واحدا". هذه دعوة صريحة لا لبس فيها ولا إبهام. يطلب من المسيحيين توحيد صفوفهم، وهذا الطلب يتردد صداه منذ ان كان السيد المسيح على الارض، اي منذ الفين وثماني سنوات. ويعلل هذا الطلب بقوله:" ليؤمن العالم بانك انت الذي أرسلني". وهذه الوحدة المسيحية تشبه ما بين الاقانيم الثلاثة من وحدة. لذلك قال:" ليكونوا واحدا كما نحن واحد: انا فيهم وانت في لتكون وحدتهم كاملة، ويعرف العالم انك انت الذي أرسلني". وحدة المسيحيين هي العلامة التي يعرف الناس منها ان المسيح هو مرسل من الله ابيه السماوي. لذلك عينت الكنيسة كل سنة وقتا محددا من اجل الصلاة لتحقيق الوحدة المسيحية. والمحبة هي علامة المسيحيين الحقيقية. قدما، عندما كان المسيحيون، في أوائل عهد الكنيسة، يضطهدون، كان الوثنيون يتعجبون من محبة بعضهم لبعض. وتوحيد المسيحيين لا يكون، على مشروع سياسي، على ما يتوهم بعضهم، بل على العمل بارادة الله التي أعرب عنها بما أعطانا من وصايا، وتوجيهات انجيلية.
واذا ألقينا نظرة على العالم المسيحي، ماذا نرى؟ نرى ان المسيحيين تفرقوا مذاهب وشيعا وجماعات لا رابط بينها. ولا حاجة الى تعداد هذه المذاهب، فهي معروفة عندنا خاصة، ولدينا ثماني عشرة طائفة، منها اكثر من نصفها مسيحية وغالبا ما تكون متناظرة، متحاسدة، متنافرة. هل هذا ما طلبه المسيح من أتباعه؟ وهذا الانقسام ظاهر في الطائفة الواحدة، وهو يتسبب لابنائها بالضرر الكبير.
اما عندنا، فالوضع لا يحتاج الى مزيد شرح. ان المسيحيين، بدلا من ان يكونوا قدوة في توحيد الصفوف، والشهادة للمسيح عن طريق محبتهم بعضهم بعضا، نراهم متباعدين، متنافرين، يعطون عن المسيح شهادة كاذبة لانهم يكذبون بمسلكهم ما أوصاهم به السيد المسيح عندما قال:" ليحب بعضكم بعضا كما انا أحببتكم". ومحبة المسيح ايانا كلفته الموت على الصليب، وما رافق الصليب من اساليب تعذيب.
ان غير المسيحيين اذا كانوا متنافرين، وهم كذلك، فانهم يتورعون عن تحقير بعضهم بعضا، ويبتعون عن الشتم والسباب. ومن أولى من الذين كرسوا نفوسهم للسير وراء المسيح، لتأدية شهادة حية له عن طريق ممارسة وصية المحبة لجميع الناس وبخاصة للفقراء والمعوزين والمتخلفين؟.
ان وقتا نعيش فيه في بلدنا هو وقت فيه صعوبة كبيرة، فالناس متباعدون ويجرون كل في سبيل مصلحته الخاصة. واما مصلحة الوطن فمؤجلة. وعلنا نحن المكرسين لله وخدمته وللكنيسة ان نكون مثلا حيا في نكران الذات، والبحث عن المصلحة العامة اكثر منا عن المصلحة الخاصة.
وبعد، نحن نذرنا نفوسنا لله وكنيسته وخدمتهما، فعلينا ان نشهد كل يوم على ما آمنا به، يقال عن احد القديسين انه كان في غالب الايام يخرج للوعظ، ولكنه لم يكن يعظ احدا، بل كان يكتفي بان يمر بين الناس، فيعرفه الناس من مشيته ومسلكه وحديثه، ثم يعود الى ديره، وكانت مشيته بين الناس وعظا مؤثرا. وكان يسمى ذلك عظا، وكان ذلك عن حق وحقيق وعظا.
اننا نسأل الله ، ونطلب اليكم رهبانا وراهبات، مكرسين ومكرسات، ان تسألوا الله في صلواتكم ان يرأف بنا ويجود علينا بتوحيد صفوفنا عملا بقوله تعالى "ليكونوا واحدا كما انا وانت ايها الآب واحد".
استقبالات
بعد القداس، استقبل البطريرك صفير في الصالون الكبير المشاركين في الذبيحة الالهية، في حضور المطران البيسري، وشدد أمامهم على "ضرورة الالتزام بالقيم الانجيلية وتعاليم الكنيسة والعمل على تعزيز روح الوحدة والتضامن بين أبناء الكنيسة".
واستقبل البطريرك صفير الملحق الصحافي في السفارة الفرنسية فرنسوا ابي صعب والشيخ روبير بولس. كما التقى النائب السابق جبران طوق وعرض معه الاوضاع العامة على الساحة اللبنانية اضافة الى مواضيع تتعلق بمنطقة بشري.