Lebanon HR Speeches Interactive Video Radio Activities Links

 

Contact Us | Mailing List | Forums | En Français

LF
LF History
Manifesto
LF Martyrs

LF Pictures
LF Forums
More
 

Bachir Gemayel
Biography
The Dream
Foreign Policy
Lebanese Society
Assassination File
Pictures
Speeches
 

Samir Geagea
Biography
Thought & Cause
For Justice & Truth
Political Trial
Remembers
Conference
Speeches
Pictures
 

LF Media
Daily News
Interviews
Articles
Radio
Press Releases

 

Audio & Video
Bachir Speeches
Geagea Speeches
LF Songs
LF Videos

 

Interactive
LF Forums
Chat Room
Send Postcards

 

Miscellaneous
Belief & Covenant
We Witness For
Our Daily Prayer
The LF Cross

 

Contact
Webmaster
Human Rights
Editorial Section
Opinion Section
LF Forum Admins
Post Activities

لبنــان تراثــاً وأزلاً

بقلم فيلسوف المقاومة اللبنانية الراحل الدكتور شارل مالك

بحثي في الشؤون الخطيرة دائماً بحثّ كياني. هذا الضرب من البحث يضع الانسان الموجود بالفعل، المصارع الحياة والموت، في مركز النظر. البحث الكياني لا يحوم حول الموضوع، ولا يتهرّب منه الى أطرافه وهوامشه. انما يرسو فوراً على الموضوع الموضوع، الذي هو في كلّ شيء الانسان الحيّ المائت. اذ لا قيمة ولا معنى لأيّ شيء الاّ بالمركز الذي يحتلّه، وبالوظيفة التي يشغلها، في كيان الانسان. فانا أرى الانسان الموجود الحيّ، وبالتالي الانسان المائت، وراء كلّ شيء.

بالنسبة لبحث لبنان كيانياً، فهو يتناول لبنان كياناً ومصيراً، كما يتناول لبنان تراثاً وأزلاً. ولقد سبق أن عالجت موضوع لبنان كياناً ومصيراً في السابق، وأنا الآن أبحث في لبنان تراثاً وأزلاً.

ولدى بحث لبنان كياناً ومصيراً، حددت أولاً، خصائص كيانه، وما يتألف منه، وعينّت الأعمدة العشرة لهذا الكيان : هذا الجبل الفريد، القرية اللبنانية الفذّة، مركز لبنان السياحي المميّز، تجارته العالمية الفريدة، ظاهرة الاغتراب اللبناني بكل ما تعنيه تاريخياً وكيانياً، التواجد المسيحي الاسلامي السمح الرائع، الحرية الشخصية الكيانية المسؤولة، الانفتاح على العالم في بعدي الزمان والمكان، معنى لبنان الفكري المتواضع في الشرق الأوسط وفي العالم، اسهام لبنان في المعترك الدولي، على محدوديّته وتواضعه.

وقد حددت القيم الأساسية الأخيرة، ثانياً، وهي القيم التي لا مصير للبنان الاّ بوجودها حيّة فاعلة فيه، وعينّت هذه القيم على أنها قيم ستّ : الحقيقة، العقل، الانسان، الحرية، المحبة، الله.

أما بحثي الآن فينحصر في لبنان تراثاً وأزلاً، أي انه يتعلق بالتراث اللبناني، وما يتألّف منه، وما يفترضه، وما يعنيه، وهل ثمة نظرة أزلية للبنان، ينبع منها ويؤول اليها كيانه ومصيره وتراثه معاً. الاّ أن الأبحاث الأربعة، في الكيان، والمصير، والتراث، والأزل، تتداخل وتتكامل فيما بينها، حتى اذا وفينا هذه الأبحاث حقها، غايةً ومادة، نكون قد اتممنا بحثنا الكياني في الشأن اللبناني. نكون قد عرفنا أنفسنا بالفعل.

التراث في كونه الشيء الموروث عن الجدود، يتضمن بعد الماضي في حدّ ذاته.

ولكنّ التراث شيء حي، أي أن الحاضر يحياه ويحفظه، ولولا ذلك لما كان.

أما التراث الذي ينطوي على نفسه، ويقبع في ماضيه، دون أن يتطلع الى مستقبل، فلا يعرف، حتى أهلوه، أنه تراث.

الوجود الحقيقي هو المستقل الفاعل في الحاضر والمتبنّي التراث. فمن لا مستقبل له يحيى حاضره كأنّه ميت، وليس له، بالتالي، أيّ تراث.

انّ تواصل الزمن، دون تقطّعه وتناوبه، هو المبدأ الذي انطلق منه في تحديد الأفكار والأشياء. أما المستقبل المترامي بأبعاده فهو الحاسم في أمر هذا التواصل. ولذلك فان تطلعي كلّه مستقبلي. من المستقبل استمدّ قوتي وحماستي، فالمستقبل يحيى الحاضر، ويغرف من الماضي ما يحتاج اليه. المستقبل يحسم حياة الحاضر وتراث الماضي في آن معاً.

والتراث الحيّ هو تواصل الزمن الذي يقرّره المستقبل المترامي بأبعاده، وكل ما ليس يؤتي نفعه مستقبلياً، مما عفى عليه الدهر، ليس من التراث في شيء. فالتطلّع الى الماضي وحده نوع من الموت، والعيش في الاوان الحاضر وحده عيش حيواني، لأن الحيوان فقط ليس له بعد ماض ولا بعد مستقبل. أما الانسان، فيعيش أولاً في مستقبله، وثانياً في ماضيه، وثالثاً في حاضره.

من هنا أهمية ما اسمّيه " بالمؤسسة "، التي يتجسّد فيها التراث، ويتطلع الى المستقبل. وأعني " بالمؤسسة " نمطاً مشتركاً مستقراً من العيش والحكم والتعبير، يرمي الى هدف معين، ويتراضى عليه الناس، وينظّمون وجودهم على أساسه. الحاسم بشأن " المؤسسة " هو المشاركة، والاستقرار، والتراضي، والهدف الواحد، والتنظيم على أساس أصول وقواعد.

" المؤسسة " اذن تجسيد التراث. واذا قلت تراثاً، دون أن تقول " مؤسسة "، فأنت لا تقول شيئاً معّيناً واضحاً. ولا بدّ لك، ان كنت تبحث عن تراثك، ان تبحث أولاً عن مؤسّساته. فلا تراث على الاطلاق في الخيال أو التصّور الفردي، بل أنه يتجسد في المؤسسة الجماعية.

لذلك، فان بحثنا عن التراث اللبناني، هو بحث عن المؤسسات اللبنانية التي ينصب فيها التراث ويكون. حيث لا مؤسسة، فلا تراث، وحيث تراث، فثمّة حتماً مؤسسة.

ينتج عن هذا أن القول باحياء التراث هو القول بتعزيز المؤسسات التراثية، أن بخلق مؤسسات تراثية جديدة، لأنّ كلّ ما هو تراث يكمن في " المؤسسة " وينبع منها.

تأكيدي اذن على أمرين أساسيين :

المستقبل الذي يحسم كل شيء بشأن التراث.

والمؤسسة التي يتجسد فيها التراث، والتي لا مستقبل، أي لا وجود، للتراث الاّ في اطارها. 

التراث اللبناني يتجسّد في سبع مؤسسات.

اولاها القرية اللبنانية التي تجسّد تراثاً حياً عظيماً، فهي تحتل مكانها في واصل الزمن، والتطلع الهنيء الواثق الى المستقبل. ويتألف تراث القرية من التعلّق الحميم بالأرض، والتراب، والشجرة، والداجن الأليف من الحيوان والأشياء، ثم التكيّف الكياني على الطبيعة، بفصولها الأربعة، وبما يأتي به كلّ فصل من نفحات خاصة يطبع بها الوجود، وما هي عليه دورة الحياة الطبيعية هذه من بساطة وبراءة. كذلك يتألّف تراث القرية من التقاليد العائلية الراسخة، والعادات والمآكل والمشارب المتوارثة، والصداقة الخالصة المتواصلة، واللقاءات الحلوة في المناسبات المختلفة، من اجتماعية ودينية وموسمية، والسهرات والغدوات وما تعنيه من سمر وحديث، وصفو معشر، ورفقة ووصال، والأغاني، والرقص، والشعر، والحبّ في القرية، وما ينقله الآباء والأمهات والجدود والجدّات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات الى الأبناء والحفداء، مما انتهى اليهم عن آبائهم وأجدادهم، من أشياء الحلال والحرام، ودوافع الحمد وشواهد العار. وكذلك الحكم والأمثال المتداولة النابعة من معين حياتي كثيف سحيق، وهي تنظم الحياة وتنير سبيلها باطمئنان.

 

القرية تعني الخلق الصامد السليم.

القرية تعني الوجود المرح الطلق المنيع.

القرية تعني الطمأنينة في الكيان.

القرية تعني الركون الى قواعد ثابتة مجرّبة في الحياة.

القرية تعني فرح الحياة العميق.

القرية اللبنانية هي اذن مجتمع تراثي عريق أصيل، في جذوره وتقاليده، وعاداته، مجتمع ثبات ورسوخ وصمود، مجتمع أخلاق، وحرية، وألفة ومحبة، وطلاقة، وتطلع، واحترام.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن عزّزوا القرية اللبنانية، ووطّدوا أركان العيش فيها، عندئذ نهديها الى المستقبل، مؤسسة تراث أصيل.

2- مؤسسة التراث الثانية هي الوساطة، أو أدب المعاملة. وهنا أيضاً نجد أنفسنا حيال تقليد عريق، يرجع الى ألوف السنين. فالتجارة وساطة بين المنتج والمستهلك، أياً كان الانتاج المادي الذي تتوسط بينهما لتصريفه. والتعاطي الثقافي والحضاري وساطة بين الآخذ والمعطي. وكما ان اللبناني توسّط منذ القدم، في نقل البضائع التجارية بين الشعوب، كذلك توسّط في نقل الفكر ونتاج العقل، والنظر في الأشياء والكائنات والماورائيات. وليست بيروت اليوم ذلك المركز الدولي لتبادل السلع التجارية وحسب، بل انها مركز التبادل والمعاملة في ميادين الفكر والروح، وهي النافذة التي يطلّ منه الشرق على الغرب، والغرب على الشرق. ثم ان حركة النقل والترجمة اللبنانية الرائعة من العربية واليها من لغات اوربة، هي أيضاً من ضروب الوساطة. فاللبناني عندما يكتب أو حتى عندما يتكلم، يقع فعل ترجمة في ذهنه من لغة الى أخرى، سواء أوعى ذلك أم لم يعه. أما الكيان اللبناني، فهو كيان وسيط " بين " الكيانات. انه قضاؤه، وقدره، ومصيره. وهذه " البينية " الكيانية أصبحت تراثاً يتجسّد في مؤسسات، مادية تجارية، أو فكرية ثقافية، أو حضارية روحية.

البيوت التجارية الذائعة الصيت ظاهرة وساطة، كذلك المصارف التي تعمل باقدام وبعد نظر في اطار مواثيق الشرف. حتى العقلية اللبنانية هي عقلية " بينية " وسيطة متوسّطة، أكثر انسانيةً وأعمق حضارةً من العقلية البدوية أو العقلية الزراعية، أو حتى العقلية الصناعية، لأن هذه العقليات تتفاعل مع الطبيعة من حيوان ونبات وجماد، أما كمالات العقلية " البينية " فهي في النهاية كمالات انسانية، دبلوماسية، تقوم على أدب المعاملة. فالخلق الوساطي يهدف الى اكتساب الثقة عند الآخرين، والخلوص الى اتفاق يرضى به الفريقان، وذلك عن طريق المفاوضة الكّيسة والاقناع المجرد. واذا كانت الدبلوماسية هي، كما يحدّدها علماؤها، " فن المفاوضة " ( ) ، فيمكن القول ان الفينيقيين الأوائل هم الذين أسّسوا الدبلوماسية في التاريخ، وهي مأثرة لا تقلّ أهمية عن اختراعهم للأبجدية. واعتقد أن حفداءهم اليوم هم كذلك امراء كياسة ومعاملة ودبلوماسية، ان بالمعنى الضيق للكلمة، أو بالمعنى الأوسع.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن أرهفوا أدب الوساطة والمعاملة، وطهّروه، وارفعوه فوق كل شبهة، عندئذ نورثه الى الأجيال القادمة، مؤسسة تراث عزيز.

3- مؤسسة التراث الثالثة هي اللغة. واللغة كنز حيّ باق تكدّست فيه تجارب الأجيال والقرون. أما اللبنانيون فقد أخذوا اللغة العربية بعد السريانية واليونانية، وقبلها الآرامية، وغيرها مما يتصدر فناء العصور القديمة، وانكبوا على احياء تراثها، فاذا " بالضاد " تكتسب ليونة شطآنهم، وترتدي حلة هذا الجبل الأخضر، فتزداد روعة وتألقاً. لن أذكر ما اشتقّه اللبنانيون في عصور النهضة المتأخرة وقبلها، من ألفاظ، وما اغنوا به اللغة العربية من تعابير، وما استكشفوا من بحارها الواسعة وابعادها الغنية المشرقة، وما حقّقوا من معاجمها، ودقّقوا من فصولها الخالدة نثراً وشعراً. لن اعدّد ما شرحوه من دواوين، وما نشروه من آثار العرب والمسلمين، وما اختزنته مكتبات أديارهم ومناسكهم من لآليء الفقه والشريعة، وحماسات الجاهلية، وصدر الاسلام، ومعلّقات، ونقائض، ورسائل ومقامات، وما عكفوا عليه من معاني الحديث النبوي والسيرة، وأخبار العرب وأيامها، وما ألفوه في المعاني، والبيان، والعروض، والأدب، والأنساب، والتاريخ. ان الكلام ليعجز عن وصف هذا العطاء خلال ما يقرب من ثمانمائة عام، وعن تحديد ما عربه اللبنانيون من روائع الفكر الأوربي، وما قدّموه للعالم من تراث هذا المشرق العربي، بالصورة البهية والحلة القشيبة، وما أحيوه من معاهد العلم، وصروح المعرفة، وصحائف الحرية والنور، في مصر والشام والعراق، وما أدخلوه على فنون الطباعة والتنضيد، وما استهلكوا من جهد في تقويم الهنات اللغوية، ومحو الرطانة التي عصفت باللغة خلال أزمنة الانحطاط. كل ذلك يصعب وصفه وتعداده، وتسمية روّاده من البستانيين الى اليازجيين، الى غيرهم من جهابذة القلم وأساتذة البيان، وأكتفي الآن في هذه العجالة بتقرير واقع، وهو ان اللغة العربية مؤسسة لبنانية يتجسد فيها التراث، وعلينا أن نحب هذه المؤسسة ونعمل على حفظها وصيانتها بكل ما نملك من وسائل.

ان ما كتبناه نثراً ونظماً وشعراً باللغة العربية قلما يجاريه، في حجمه وجودته، أي نتاج آخر في العالم العربي.

وان ما أكدناه بالبحث والدليل الاختباري من شمول هذه اللغة، واتساعها الفائق، وقدرتها على استيعاب العصر، وأي عصر آخر.

لقد جعلنا من اللغة العربية، بما فيها الاسلام، مؤسسة تراثية لبنانية. ولا عبرة بصغار بعض النفوس وتفاهة بعض العقول التي تظن أن المشكلة هي في اللغة، والمشكلة انما تكمن في ذلك الصغار وتلك التفاهة. فاللغة أكبر وأشمل وأعمق من الظنون والأباطيل والانفعالات.

اللغة تعكس تجربة الشعوب التي حملتها وحضنتها. وهي اليوم تعكس تجربة الشعب اللبناني، من روائع الفصحى الى روائع العامية، في ما تعبر به أمثالها – على ما يقول أنيس فريحة – من صور التمزّق الذي حلّ بالنفس اللبنانية عبر القرون، ومن صور الطموح الذي يدفع بالنفس اللبنانية الى أبعد الآفاق.

النفس اللبنانية المتمزقة الطامحة التي امتصّت أرفع التراثات، هي التي تكيّف اللغة وتحملها الخلق المجيد والابداع المترفع السامي، وهي في طموحها الى الأرفع والأمثل، تفتش عن كمال الاتصال بالحضارة ومواكبها الأصيلة والمستجدة. ولذلك فان النفس اللبنانية تسعى الى اعتناق لغات أخرى بالاضافة الى العربية تنهل من معينها الروحي والكياني الحي.

واستدرك هنا فأقول ان لبنان يتعقم أن هو انعزل على صعيد اللغة. أما اذا وثق وثوقاً تاماً من لغته العربية، وعانق أسمى وأرفع ما في الوجود الانساني من قيم، باتقانه لغات الحضارة الحية، وأعني بالدرجة الأولى، الفرنسية، والانكليزية، والألمانية، والروسية، فان آفاق الخلق التراثي التي تنفتح أمامه عندئذ لا حدود لها، وقد لا تنفتح لسواه.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، حمّلوا اللغة العربية، التي بامكانها أن تحمل كل شيء، أعمق القيم والمعاني في الوجود، وصبّوا فيها قيماً ومعاني لم توجد بعد، عندئذ نقدمها الى المستقبل، في لبنان وفي العالم العربي كله، مؤسسة تراث حضاري كريم.

4- مؤسسة التراث الرابعة هي الشخصية المذهبية السمحاء. فمع أن القرية اللبنانية تتميّز عموماً بطابع مستقلّ عن المذاهب الدينية، ومع ان الوساطة اللبنانية تتبع أصولاً وقواعد وتجسد تراثاً مستقلاً تماماً عن دعاتها وعناصرها، سواء أكانوا مسلمين أم دروزاً أم مسيحيّين، ومع أن اللغة العربية هي مؤسسة تراثية مستقلة في حدّ ذاتها، مع كل ذلك أقول، ان كلّ طائفة، سواء في القرية أو في المدينة، تحافظ على شخصيتها وتراثها الخاص، وتغار عليها كل الغيرة، في الطقوس والفرائض؛ وفي الأحوال الشخصية، والحياة العائلية، والشؤون التربوية، والعلائق الاجتماعية، في الأسماء والأزياء، أسماء الأفراد والعائلات، وأزياء رجال الدين، وحتى في الكتب المدرسية، وأساليب التعليم، وحياة المجتمع. ففي هذه جميعاً تتميّز ا لبيئات الطائفية بعضها عن بعض، بتقاليد وعادات ونزعات ذاتية مستقلة.

البيئة السنية تتميّز الى حدّ ما عن البيئة الشيعية، وكلاهما تتميزان عن البيئة الدرزية، والبيئات الثلاث تتميّز عن البيئات المسيحية، سواء أكانت مارونية أو ارثوذكسية، أو ما عدا هاتين من طوائف شرقية أو غربية. فالواضح في الواقع اللبناني أن كل طائفة تتمسك بشخصيتها، وتحتفظ بقيمها الخاصة، وتحاذر أن تطغى عليها أي قيم أخرى. الشخصية المذهبية اذن هي مؤسسة لبنانية يتجسّد فيها كلّ من الطوائف بخصائصه المستقلة، ولذلك يتعيّن علينا، لدى البحث في التراث اللبناني، على أنه شيء حقيقي باق وحيّ، ان نشدد ونؤكد على ما تختصّ به كل طائفة لبنانية من تقاليد وقيم غنية رائعة ومميزة، وان نشدّد ونؤكد في الوقت نفسه على النظام المستقّر في تعايش هذه الطوائف. فاذا كانت الشصخية المذهبية في لبنان شخصية مستقلة، فان صفتها الأساسية هي في كونها شخصية سمحاء تقوم على التعايش، والتعاون، والتسامح الخلاّق في اطار الاحترام المتبادل.

ان لبنان بلد مؤلف من طوائف متعددة، وهذه ا لمجتمعات المذهبية ذات شخصيات مستقلة تحرص عليها كل الحرص.

ان لبنان – كما يحدده جواد بولس – هو نظام فدرالي طائفي، أو اتحاد طائفي

( federation des communautes) . وهذا النظام الاتحادي المتسامح، المنسجم، المتعايش بسلام، الناقض للحقد والتعصب والكراهية والعنصرية الدينية، هو أيضاً جزء لا يتجزأ من التراث اللبناني، يجب المحافظة عليه، والتخطيط المستقبلي لانماء فضائله.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، قوّوا روح الألفة والاحترام المتبادل بين الطوائف في لبنان، بالشعور الذاتي، وبالفكر والقول والفعل، وفي كل مناسبة، عندئذ نترك لأولادنا وأحفادنا مؤسسة تراث اجتماعي مستقر ثابت.

5- مؤسسة التراث الخامسة هي الدولة. وهنا لابدّ من التأكيد أن دستورنا هو أقدم دستور حيّ في الشرق الأدنى، لم تعصف به نوازع التبديل والنقض. ومع أن نظامنا الديموقراطي البرلماني مقتبس من نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة، الاّ ّ أن حياتنا السياسية عريقة في الديموقراطية. فالشعب في لبنان هو في نهاية النهايات مصدر السلطة بالفعل. وعند كل قرار سياسي يتعلّق باختيار الشعب لممثليه، سواء في الانتخابات البلدية أو في الانتخابات النيابية أو حتى الانتخابات الرئاسية، يختار الناخب من يشاء بين عدة مرشحين. أما المنافسة السياسية فهي منافسة حرّة وحادّة. وكل هذا يقع بالطبع في اطار التوازن الطائفي الذي يؤلّف هو أيضاً جانباً من التراث. وأما القضاء فهو عريق مستقل منزه، وافر التقاليد، غني المنابع من شرائع العالم المتمدّن. وفي كلّ ظاهرة من حياتنا السياسية والقضائية في لبنان نجد الأثر الواضح للسابقة، والتقليد، والعرف؛ ونحتكم أخيراً الى ما هو في صميم عاداتنا الأصيلة.

ولعلّ الخاصة المميزة للنظام اللبناني بالدرجة الأولى، هي ان الدولة ليست " مؤسسة المؤسسات "، كما هي الحال في كثير من البلدان، بل أن الدولة مؤسسة بين المؤسسات.

وقد يكون في عداد مؤسّساتنا ما هو أقوى وأعظم وأعرق من مؤسسة الحكم. فالنظم، والعهود، والحكومات، تمرّ على مسرح الحياة الوطنية، ثم تتوارى، أما القرية، والشخصية المذهبية، والوساطة، وغيرها من مؤسّسات التراث، فقائمة لا تبرح ولا تزول، وكثيراً ما برهنت هذه المؤسسات أنها أقوى من الدولة، بل أن الدولة سرعان ما تتعرض لخطر الانهيار ان هي دخلت معها في صراع التحدي.

ثم ان هذه المؤسّسات ليست أعضاء في جسم الدولة، بل أن الدولة نفسها عضو يشارك المؤسّسات التراثية الأخرى في الجسم الحضاري اللبناني المتناسق الرائع العجيب. ومن هنا أنّ ردود الفعل التي تريد أن تحمل الدولة مسؤولية كلّ شيء ليست من لبنان وتراثه في شيء. والذين لا يرون في لبنان الاّ مؤسّسة واحدة هي الدولة ينتقدون أو يمتدحون، يعيشون بعقلية غير لبنانية، هي أقرب الى النزعة البيروقراطية البوليسية الكلية، منها الى النزعة الديموقراطية الأصيلة التي شاءت أن تكون الدولة، وهي مؤسّسة خدمة الشعب والتراث، لا أكثر ولا أقل، وأن تكون بنظمها وقوانينها وفروعها المتعددة مؤسسة يتجسد فيها تراثنا السياسي الحيّ الديموقراطي الحرّ.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، لتحقّق الدولة معاني وجودها، في توطيد الأمن والحرّية، في رفع الظلم، في اشاعة العدالة، في تعزيز الخير العام فوق النفع الخاص، ولنساعدها جميعاً كمواطنين أحرار، بتوقّعاتنا المنضبطة، ان تعطي ما تستطيع اعطاءه في نطاقها المحدود، عندئذ نسلّم للمستقبل مؤسسة تراث انساني أصيل.

6- المؤسسة اللبنانية السادسة في عداد مؤسسات التراث، هي المدرسة : المدرسة الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والمدرسة الجامعية العليا. اني لأسأل عن منشأ التراث فأراه في مدارس لبنان الأولى، تحت السنديانة، في جوار الكنائس والأديار، أو في حلقات المساجد والكتاتيب، حتى تجسّد بعد ذلك في المدارس الخاصة الى يومنا، من دور الحضانة والروضة الى عشرات الثانويات والكلّيات التي نفاخر بها تقدّماً وتنظيماً، وبعضها نشأ منذ قرون. وما برح ينمو ويزدهر ويتحّول الى وسط فكري وثقافي وتربوي، نموذجي في الشرق العربي بأسره.

أما تراثنا الفكري البعيد الأثر والانطلاق، فهو يتجسد في الجامعات. وهنا لا بدّ من الاقرار بفضل المؤسّسات العلمية الأجنبية على تراثنا المدرسي، وكل تهّرب من الاقرار بهذا الفضل هو عقوق ليس من اخلاقنا اللبنانية في شيء. فان المدارس والجامعات ذات المنشأ الوطني أو الأجنبي في لبنان أسهمت معاً في بناء تراث فكري عظيم يدخل في كيان التراث اللبناني بوجه عام. ولا أغالي اذا قلت ان لبنان سيواجه في السنوات العشر القادمة مشكلة التنسيق بين الجامعات القائمة على أرضه، والربط والتطوير في مناهجها، والتقريب فيما بينها على أسس موضوعية بعيدة عن المكابرة والتحزّب والارتجال. وعندها سيكون القرار المتعلق باللغات الأجنبية وانفتاحنا على الثقافات العالمية الحية قراراً حاسماً. فقد سبق، وأشرت، في الحديث على مؤسسة اللغة، الى أن أي انتقاص من الانفتاح اللبناني على التراثات الانسانية الكبرى بلغتها الحية، هو تنازل من جانب لبنان عن مركزه الفذّ، ودعوته الخاصة في الشرق الأدنى، وأضيف هنا أن هذا التنازل هو بمثابة كارثة ليس من المعقول أن يقدم لبنان على انزالها بنفسه، واضيف كذلك ان كل شوفينية في أمور الفكر والروح ليست من تراث لبنان في شيء على الاطلاق، فان لبنان واحد مع هوميروس، وأفلاطون، والكتاب، والاكويني، ودانته، وشكسبير، وغوته، وكانت، ودوستويفسكي، كما انه واحد مع القرآن، وعلي بن أبي طالب، وابن سينا، وابن رشد، والمتنبي، والجاحظ، وابي العلاء.

تراثنا الفكري الجامعي الذي يتعين ان نعمقه أضعافاً مضاعفة عما كان حتى الآن، يجب أن يرمي الى اكتناه الحقيقة التامة، في ميادين الوجود كافة، بالحرية المطلقة والانفتاح التام، بالمناقشة والحوار المسؤول، وبالمقاييس والاحكام العقلية المأثورة والمعترف بها في التاريخ، كل ذلك بقصد الوصول الى خلق عقلي عالمي جديد.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، بثّوا روح الجدّ والمسؤولية والرسالة في المدرسة والجامعة، في صفوف الطلاّب والمعلمين، واربطوا مؤسسة التربية والعقل بأرفع مراكز الخلق والابداع في العالم، في العلم والفكر والفنّ، عندئذ نخلق للأجيال الطالعة مؤسسة تراث مبدع عظيم.

7- المؤسسة اللبنانية السابعة التي تجسد التراث هي الكنيسة. واذا كانت الطوائف