بحثي في الشؤون الخطيرة دائماً بحثّ كياني. هذا
الضرب من البحث يضع الانسان الموجود بالفعل، المصارع الحياة والموت،
في مركز النظر. البحث الكياني لا يحوم حول الموضوع، ولا يتهرّب منه
الى أطرافه وهوامشه. انما يرسو فوراً على الموضوع الموضوع، الذي هو
في كلّ شيء الانسان الحيّ المائت. اذ لا قيمة ولا معنى لأيّ شيء
الاّ بالمركز الذي يحتلّه، وبالوظيفة التي يشغلها، في كيان الانسان.
فانا أرى الانسان الموجود الحيّ، وبالتالي الانسان المائت، وراء كلّ
شيء.
بالنسبة لبحث لبنان كيانياً، فهو يتناول لبنان
كياناً ومصيراً، كما يتناول لبنان تراثاً وأزلاً. ولقد سبق أن
عالجت موضوع لبنان كياناً ومصيراً في السابق، وأنا الآن أبحث في
لبنان تراثاً وأزلاً.
ولدى بحث لبنان كياناً ومصيراً، حددت أولاً،
خصائص كيانه، وما يتألف منه، وعينّت الأعمدة العشرة لهذا الكيان :
هذا الجبل الفريد، القرية اللبنانية الفذّة، مركز لبنان السياحي
المميّز، تجارته العالمية الفريدة، ظاهرة الاغتراب اللبناني بكل ما
تعنيه تاريخياً وكيانياً، التواجد المسيحي الاسلامي السمح الرائع،
الحرية الشخصية الكيانية المسؤولة، الانفتاح على العالم في بعدي
الزمان والمكان، معنى لبنان الفكري المتواضع في الشرق الأوسط وفي
العالم، اسهام لبنان في المعترك الدولي، على محدوديّته وتواضعه.
وقد حددت القيم الأساسية الأخيرة، ثانياً، وهي
القيم التي لا مصير للبنان الاّ بوجودها حيّة فاعلة فيه، وعينّت
هذه القيم على أنها قيم ستّ : الحقيقة، العقل، الانسان، الحرية،
المحبة، الله.
أما بحثي الآن فينحصر في لبنان تراثاً وأزلاً، أي
انه يتعلق بالتراث اللبناني، وما يتألّف منه، وما يفترضه، وما
يعنيه، وهل ثمة نظرة أزلية للبنان، ينبع منها ويؤول اليها كيانه
ومصيره وتراثه معاً. الاّ أن الأبحاث الأربعة، في الكيان، والمصير،
والتراث، والأزل، تتداخل وتتكامل فيما بينها، حتى اذا وفينا هذه
الأبحاث حقها، غايةً ومادة، نكون قد اتممنا بحثنا الكياني في الشأن
اللبناني. نكون قد عرفنا أنفسنا بالفعل.
التراث في كونه الشيء الموروث عن الجدود، يتضمن
بعد الماضي في حدّ ذاته.
ولكنّ التراث شيء حي، أي أن الحاضر يحياه ويحفظه،
ولولا ذلك لما كان.
أما التراث الذي ينطوي على نفسه، ويقبع في ماضيه،
دون أن يتطلع الى مستقبل، فلا يعرف، حتى أهلوه، أنه تراث.
الوجود الحقيقي هو المستقل الفاعل في الحاضر
والمتبنّي التراث. فمن لا مستقبل له يحيى حاضره كأنّه ميت، وليس له،
بالتالي، أيّ تراث.
انّ تواصل الزمن، دون تقطّعه وتناوبه، هو المبدأ
الذي انطلق منه في تحديد الأفكار والأشياء. أما المستقبل المترامي
بأبعاده فهو الحاسم في أمر هذا التواصل. ولذلك فان تطلعي كلّه
مستقبلي. من المستقبل استمدّ قوتي وحماستي، فالمستقبل يحيى الحاضر،
ويغرف من الماضي ما يحتاج اليه. المستقبل يحسم حياة الحاضر وتراث
الماضي في آن معاً.
والتراث الحيّ هو تواصل الزمن الذي يقرّره
المستقبل المترامي بأبعاده، وكل ما ليس يؤتي نفعه مستقبلياً، مما
عفى عليه الدهر، ليس من التراث في شيء. فالتطلّع الى الماضي وحده
نوع من الموت، والعيش في الاوان الحاضر وحده عيش حيواني، لأن
الحيوان فقط ليس له بعد ماض ولا بعد مستقبل. أما الانسان، فيعيش
أولاً في مستقبله، وثانياً في ماضيه، وثالثاً في حاضره.
من هنا أهمية ما اسمّيه " بالمؤسسة "، التي
يتجسّد فيها التراث، ويتطلع الى المستقبل. وأعني " بالمؤسسة " نمطاً
مشتركاً مستقراً من العيش والحكم والتعبير، يرمي الى هدف معين،
ويتراضى عليه الناس، وينظّمون وجودهم على أساسه. الحاسم بشأن "
المؤسسة " هو المشاركة، والاستقرار، والتراضي، والهدف الواحد،
والتنظيم على أساس أصول وقواعد.
" المؤسسة " اذن تجسيد التراث. واذا قلت تراثاً،
دون أن تقول " مؤسسة "، فأنت لا تقول شيئاً معّيناً واضحاً. ولا بدّ
لك، ان كنت تبحث عن تراثك، ان تبحث أولاً عن مؤسّساته. فلا تراث
على الاطلاق في الخيال أو التصّور الفردي، بل أنه يتجسد في المؤسسة
الجماعية.
لذلك، فان بحثنا عن التراث اللبناني، هو بحث عن
المؤسسات اللبنانية التي ينصب فيها التراث ويكون. حيث لا مؤسسة،
فلا تراث، وحيث تراث، فثمّة حتماً مؤسسة.
ينتج عن هذا أن القول باحياء التراث هو القول
بتعزيز المؤسسات التراثية، أن بخلق مؤسسات تراثية جديدة، لأنّ كلّ
ما هو تراث يكمن في " المؤسسة " وينبع منها.
تأكيدي اذن على أمرين أساسيين :
المستقبل الذي يحسم كل شيء بشأن التراث.
والمؤسسة التي يتجسد فيها التراث، والتي لا
مستقبل، أي لا وجود، للتراث الاّ في اطارها.