التراث اللبناني يتجسّد في سبع مؤسسات.
اولاها
القرية اللبنانية
التي تجسّد تراثاً حياً عظيماً، فهي تحتل مكانها في واصل الزمن،
والتطلع الهنيء الواثق الى المستقبل. ويتألف تراث القرية من
التعلّق الحميم بالأرض، والتراب، والشجرة، والداجن الأليف من
الحيوان والأشياء، ثم التكيّف الكياني على الطبيعة، بفصولها
الأربعة، وبما يأتي به كلّ فصل من نفحات خاصة يطبع بها الوجود، وما
هي عليه دورة الحياة الطبيعية هذه من بساطة وبراءة. كذلك يتألّف
تراث القرية من التقاليد العائلية الراسخة، والعادات والمآكل
والمشارب المتوارثة، والصداقة الخالصة المتواصلة، واللقاءات الحلوة
في المناسبات المختلفة، من اجتماعية ودينية وموسمية، والسهرات
والغدوات وما تعنيه من سمر وحديث، وصفو معشر، ورفقة ووصال،
والأغاني، والرقص، والشعر، والحبّ في القرية، وما ينقله الآباء
والأمهات والجدود والجدّات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات
الى الأبناء والحفداء، مما انتهى اليهم عن آبائهم وأجدادهم، من
أشياء الحلال والحرام، ودوافع الحمد وشواهد العار. وكذلك الحكم
والأمثال المتداولة النابعة من معين حياتي كثيف سحيق، وهي تنظم
الحياة وتنير سبيلها باطمئنان.
القرية تعني الخلق الصامد السليم.
القرية تعني الوجود المرح الطلق المنيع.
القرية تعني الطمأنينة في الكيان.
القرية تعني الركون الى قواعد ثابتة مجرّبة في
الحياة.
القرية تعني فرح الحياة العميق.
القرية اللبنانية هي اذن مجتمع تراثي عريق أصيل،
في جذوره وتقاليده، وعاداته، مجتمع ثبات ورسوخ وصمود، مجتمع أخلاق،
وحرية، وألفة ومحبة، وطلاقة، وتطلع، واحترام.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن عزّزوا القرية
اللبنانية، ووطّدوا أركان العيش فيها، عندئذ نهديها الى المستقبل،
مؤسسة تراث أصيل.
2- مؤسسة التراث الثانية هي
الوساطة، أو أدب
المعاملة. وهنا أيضاً نجد
أنفسنا حيال تقليد عريق، يرجع الى ألوف السنين. فالتجارة وساطة بين
المنتج والمستهلك، أياً كان الانتاج المادي الذي تتوسط بينهما
لتصريفه. والتعاطي الثقافي والحضاري وساطة بين الآخذ والمعطي. وكما
ان اللبناني توسّط منذ القدم، في نقل البضائع التجارية بين الشعوب،
كذلك توسّط في نقل الفكر ونتاج العقل، والنظر في الأشياء والكائنات
والماورائيات. وليست بيروت اليوم ذلك المركز الدولي لتبادل السلع
التجارية وحسب، بل انها مركز التبادل والمعاملة في ميادين الفكر
والروح، وهي النافذة التي يطلّ منه الشرق على الغرب، والغرب على
الشرق. ثم ان حركة النقل والترجمة اللبنانية الرائعة من العربية
واليها من لغات اوربة، هي أيضاً من ضروب الوساطة. فاللبناني عندما
يكتب أو حتى عندما يتكلم، يقع فعل ترجمة في ذهنه من لغة الى أخرى،
سواء أوعى ذلك أم لم يعه. أما الكيان اللبناني، فهو كيان وسيط "
بين " الكيانات. انه قضاؤه، وقدره، ومصيره. وهذه " البينية "
الكيانية أصبحت تراثاً يتجسّد في مؤسسات، مادية تجارية، أو فكرية
ثقافية، أو حضارية روحية.
البيوت التجارية الذائعة الصيت ظاهرة وساطة، كذلك
المصارف التي تعمل باقدام وبعد نظر في اطار مواثيق الشرف. حتى
العقلية اللبنانية هي عقلية " بينية " وسيطة متوسّطة، أكثر انسانيةً
وأعمق حضارةً من العقلية البدوية أو العقلية الزراعية، أو حتى
العقلية الصناعية، لأن هذه العقليات تتفاعل مع الطبيعة من حيوان
ونبات وجماد، أما كمالات العقلية " البينية " فهي في النهاية
كمالات انسانية، دبلوماسية، تقوم على أدب المعاملة. فالخلق الوساطي
يهدف الى اكتساب الثقة عند الآخرين، والخلوص الى اتفاق يرضى به
الفريقان، وذلك عن طريق المفاوضة الكّيسة والاقناع المجرد. واذا
كانت الدبلوماسية هي، كما يحدّدها علماؤها، " فن المفاوضة " ( ) ،
فيمكن القول ان الفينيقيين الأوائل هم الذين أسّسوا الدبلوماسية في
التاريخ، وهي مأثرة لا تقلّ أهمية عن اختراعهم للأبجدية. واعتقد أن
حفداءهم اليوم هم كذلك امراء كياسة ومعاملة ودبلوماسية، ان بالمعنى
الضيق للكلمة، أو بالمعنى الأوسع.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن أرهفوا أدب الوساطة
والمعاملة، وطهّروه، وارفعوه فوق كل شبهة، عندئذ نورثه الى الأجيال
القادمة، مؤسسة تراث عزيز.
3- مؤسسة التراث الثالثة هي
اللغة.
واللغة كنز حيّ باق تكدّست فيه تجارب الأجيال والقرون. أما
اللبنانيون فقد أخذوا اللغة العربية بعد السريانية واليونانية،
وقبلها الآرامية، وغيرها مما يتصدر فناء العصور القديمة، وانكبوا
على احياء تراثها، فاذا " بالضاد " تكتسب ليونة شطآنهم، وترتدي حلة
هذا الجبل الأخضر، فتزداد روعة وتألقاً. لن أذكر ما اشتقّه
اللبنانيون في عصور النهضة المتأخرة وقبلها، من ألفاظ، وما اغنوا
به اللغة العربية من تعابير، وما استكشفوا من بحارها الواسعة
وابعادها الغنية المشرقة، وما حقّقوا من معاجمها، ودقّقوا من
فصولها الخالدة نثراً وشعراً. لن اعدّد ما شرحوه من دواوين، وما
نشروه من آثار العرب والمسلمين، وما اختزنته مكتبات أديارهم
ومناسكهم من لآليء الفقه والشريعة، وحماسات الجاهلية، وصدر الاسلام،
ومعلّقات، ونقائض، ورسائل ومقامات، وما عكفوا عليه من معاني الحديث
النبوي والسيرة، وأخبار العرب وأيامها، وما ألفوه في المعاني،
والبيان، والعروض، والأدب، والأنساب، والتاريخ. ان الكلام ليعجز عن
وصف هذا العطاء خلال ما يقرب من ثمانمائة عام، وعن تحديد ما عربه
اللبنانيون من روائع الفكر الأوربي، وما قدّموه للعالم من تراث هذا
المشرق العربي، بالصورة البهية والحلة القشيبة، وما أحيوه من معاهد
العلم، وصروح المعرفة، وصحائف الحرية والنور، في مصر والشام
والعراق، وما أدخلوه على فنون الطباعة والتنضيد، وما استهلكوا من
جهد في تقويم الهنات اللغوية، ومحو الرطانة التي عصفت باللغة خلال
أزمنة الانحطاط. كل ذلك يصعب وصفه وتعداده، وتسمية روّاده من
البستانيين الى اليازجيين، الى غيرهم من جهابذة القلم وأساتذة
البيان، وأكتفي الآن في هذه العجالة بتقرير واقع، وهو ان اللغة
العربية مؤسسة لبنانية يتجسد فيها التراث، وعلينا أن نحب هذه
المؤسسة ونعمل على حفظها وصيانتها بكل ما نملك من وسائل.
ان ما كتبناه نثراً ونظماً وشعراً باللغة العربية
قلما يجاريه، في حجمه وجودته، أي نتاج آخر في العالم العربي.
وان ما أكدناه بالبحث والدليل الاختباري من شمول
هذه اللغة، واتساعها الفائق، وقدرتها على استيعاب العصر، وأي عصر
آخر.
لقد جعلنا من اللغة العربية، بما فيها الاسلام،
مؤسسة تراثية لبنانية. ولا عبرة بصغار بعض النفوس وتفاهة بعض
العقول التي تظن أن المشكلة هي في اللغة، والمشكلة انما تكمن في
ذلك الصغار وتلك التفاهة. فاللغة أكبر وأشمل وأعمق من الظنون
والأباطيل والانفعالات.
اللغة تعكس تجربة الشعوب التي حملتها وحضنتها.
وهي اليوم تعكس تجربة الشعب اللبناني، من روائع الفصحى الى روائع
العامية، في ما تعبر به أمثالها على ما يقول أنيس فريحة من صور
التمزّق الذي حلّ بالنفس اللبنانية عبر القرون، ومن صور الطموح
الذي يدفع بالنفس اللبنانية الى أبعد الآفاق.
النفس اللبنانية المتمزقة الطامحة التي امتصّت
أرفع التراثات، هي التي تكيّف اللغة وتحملها الخلق المجيد والابداع
المترفع السامي، وهي في طموحها الى الأرفع والأمثل، تفتش عن كمال
الاتصال بالحضارة ومواكبها الأصيلة والمستجدة. ولذلك فان النفس
اللبنانية تسعى الى اعتناق لغات أخرى بالاضافة الى العربية تنهل من
معينها الروحي والكياني الحي.
واستدرك هنا فأقول ان لبنان يتعقم أن هو انعزل
على صعيد اللغة. أما اذا وثق وثوقاً تاماً من لغته العربية، وعانق
أسمى وأرفع ما في الوجود الانساني من قيم، باتقانه لغات الحضارة
الحية، وأعني بالدرجة الأولى، الفرنسية، والانكليزية، والألمانية،
والروسية، فان آفاق الخلق التراثي التي تنفتح أمامه عندئذ لا حدود
لها، وقد لا تنفتح لسواه.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، حمّلوا اللغة
العربية، التي بامكانها أن تحمل كل شيء، أعمق القيم والمعاني في
الوجود، وصبّوا فيها قيماً ومعاني لم توجد بعد، عندئذ نقدمها الى
المستقبل، في لبنان وفي العالم العربي كله، مؤسسة تراث حضاري كريم.
4- مؤسسة التراث الرابعة هي
الشخصية المذهبية
السمحاء. فمع أن القرية
اللبنانية تتميّز عموماً بطابع مستقلّ عن المذاهب الدينية، ومع ان
الوساطة اللبنانية تتبع أصولاً وقواعد وتجسد تراثاً مستقلاً تماماً
عن دعاتها وعناصرها، سواء أكانوا مسلمين أم دروزاً أم مسيحيّين،
ومع أن اللغة العربية هي مؤسسة تراثية مستقلة في حدّ ذاتها، مع كل
ذلك أقول، ان كلّ طائفة، سواء في القرية أو في المدينة، تحافظ على
شخصيتها وتراثها الخاص، وتغار عليها كل الغيرة، في الطقوس والفرائض؛
وفي الأحوال الشخصية، والحياة العائلية، والشؤون التربوية،
والعلائق الاجتماعية، في الأسماء والأزياء، أسماء الأفراد
والعائلات، وأزياء رجال الدين، وحتى في الكتب المدرسية، وأساليب
التعليم، وحياة المجتمع. ففي هذه جميعاً تتميّز ا لبيئات الطائفية
بعضها عن بعض، بتقاليد وعادات ونزعات ذاتية مستقلة.
البيئة السنية تتميّز الى حدّ ما عن البيئة
الشيعية، وكلاهما تتميزان عن البيئة الدرزية، والبيئات الثلاث
تتميّز عن البيئات المسيحية، سواء أكانت مارونية أو ارثوذكسية، أو
ما عدا هاتين من طوائف شرقية أو غربية. فالواضح في الواقع اللبناني
أن كل طائفة تتمسك بشخصيتها، وتحتفظ بقيمها الخاصة، وتحاذر أن تطغى
عليها أي قيم أخرى. الشخصية المذهبية اذن هي مؤسسة لبنانية يتجسّد
فيها كلّ من الطوائف بخصائصه المستقلة، ولذلك يتعيّن علينا، لدى
البحث في التراث اللبناني، على أنه شيء حقيقي باق وحيّ، ان نشدد
ونؤكد على ما تختصّ به كل طائفة لبنانية من تقاليد وقيم غنية رائعة
ومميزة، وان نشدّد ونؤكد في الوقت نفسه على النظام المستقّر في
تعايش هذه الطوائف. فاذا كانت الشصخية المذهبية في لبنان شخصية
مستقلة، فان صفتها الأساسية هي في كونها شخصية سمحاء تقوم على
التعايش، والتعاون، والتسامح الخلاّق في اطار الاحترام المتبادل.
ان لبنان بلد مؤلف من طوائف متعددة، وهذه ا
لمجتمعات المذهبية ذات شخصيات مستقلة تحرص عليها كل الحرص.
ان لبنان كما يحدده جواد بولس هو نظام فدرالي
طائفي، أو اتحاد طائفي
( federation des communautes) . وهذا النظام
الاتحادي المتسامح، المنسجم، المتعايش بسلام، الناقض للحقد والتعصب
والكراهية والعنصرية الدينية، هو أيضاً جزء لا يتجزأ من التراث
اللبناني، يجب المحافظة عليه، والتخطيط المستقبلي لانماء فضائله.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، قوّوا روح الألفة
والاحترام المتبادل بين الطوائف في لبنان، بالشعور الذاتي، وبالفكر
والقول والفعل، وفي كل مناسبة، عندئذ نترك لأولادنا وأحفادنا مؤسسة
تراث اجتماعي مستقر ثابت.
5- مؤسسة التراث الخامسة هي
الدولة.
وهنا لابدّ من التأكيد أن دستورنا هو أقدم دستور حيّ في الشرق
الأدنى، لم تعصف به نوازع التبديل والنقض. ومع أن نظامنا
الديموقراطي البرلماني مقتبس من نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة،
الاّ ّ أن حياتنا السياسية عريقة في الديموقراطية. فالشعب في لبنان
هو في نهاية النهايات مصدر السلطة بالفعل. وعند كل قرار سياسي
يتعلّق باختيار الشعب لممثليه، سواء في الانتخابات البلدية أو في
الانتخابات النيابية أو حتى الانتخابات الرئاسية، يختار الناخب من
يشاء بين عدة مرشحين. أما المنافسة السياسية فهي منافسة حرّة
وحادّة. وكل هذا يقع بالطبع في اطار التوازن الطائفي الذي يؤلّف هو
أيضاً جانباً من التراث. وأما القضاء فهو عريق مستقل منزه، وافر
التقاليد، غني المنابع من شرائع العالم المتمدّن. وفي كلّ ظاهرة من
حياتنا السياسية والقضائية في لبنان نجد الأثر الواضح للسابقة،
والتقليد، والعرف؛ ونحتكم أخيراً الى ما هو في صميم عاداتنا
الأصيلة.
ولعلّ الخاصة المميزة للنظام اللبناني بالدرجة
الأولى، هي ان الدولة ليست " مؤسسة المؤسسات "، كما هي الحال في
كثير من البلدان، بل أن الدولة مؤسسة بين المؤسسات.
وقد يكون في عداد مؤسّساتنا ما هو أقوى وأعظم
وأعرق من مؤسسة الحكم. فالنظم، والعهود، والحكومات، تمرّ على مسرح
الحياة الوطنية، ثم تتوارى، أما القرية، والشخصية المذهبية،
والوساطة، وغيرها من مؤسّسات التراث، فقائمة لا تبرح ولا تزول،
وكثيراً ما برهنت هذه المؤسسات أنها أقوى من الدولة، بل أن الدولة
سرعان ما تتعرض لخطر الانهيار ان هي دخلت معها في صراع التحدي.
ثم ان هذه المؤسّسات ليست أعضاء في جسم الدولة،
بل أن الدولة نفسها عضو يشارك المؤسّسات التراثية الأخرى في الجسم
الحضاري اللبناني المتناسق الرائع العجيب. ومن هنا أنّ ردود الفعل
التي تريد أن تحمل الدولة مسؤولية كلّ شيء ليست من لبنان وتراثه في
شيء. والذين لا يرون في لبنان الاّ مؤسّسة واحدة هي الدولة ينتقدون
أو يمتدحون، يعيشون بعقلية غير لبنانية، هي أقرب الى النزعة
البيروقراطية البوليسية الكلية، منها الى النزعة الديموقراطية
الأصيلة التي شاءت أن تكون الدولة، وهي مؤسّسة خدمة الشعب والتراث،
لا أكثر ولا أقل، وأن تكون بنظمها وقوانينها وفروعها المتعددة
مؤسسة يتجسد فيها تراثنا السياسي الحيّ الديموقراطي الحرّ.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، لتحقّق الدولة معاني
وجودها، في توطيد الأمن والحرّية، في رفع الظلم، في اشاعة العدالة،
في تعزيز الخير العام فوق النفع الخاص، ولنساعدها جميعاً كمواطنين
أحرار، بتوقّعاتنا المنضبطة، ان تعطي ما تستطيع اعطاءه في نطاقها
المحدود، عندئذ نسلّم للمستقبل مؤسسة تراث انساني أصيل.
6- المؤسسة اللبنانية السادسة في عداد
مؤسسات التراث،
هي
المدرسة : المدرسة
الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والمدرسة الجامعية العليا. اني
لأسأل عن منشأ التراث فأراه في مدارس لبنان الأولى، تحت السنديانة،
في جوار الكنائس والأديار، أو في حلقات المساجد والكتاتيب، حتى
تجسّد بعد ذلك في المدارس الخاصة الى يومنا، من دور الحضانة
والروضة الى عشرات الثانويات والكلّيات التي نفاخر بها تقدّماً
وتنظيماً، وبعضها نشأ منذ قرون. وما برح ينمو ويزدهر ويتحّول الى
وسط فكري وثقافي وتربوي، نموذجي في الشرق العربي بأسره.
أما تراثنا الفكري البعيد الأثر والانطلاق، فهو
يتجسد في الجامعات. وهنا لا بدّ من الاقرار بفضل المؤسّسات العلمية
الأجنبية على تراثنا المدرسي، وكل تهّرب من الاقرار بهذا الفضل هو
عقوق ليس من اخلاقنا اللبنانية في شيء. فان المدارس والجامعات ذات
المنشأ الوطني أو الأجنبي في لبنان أسهمت معاً في بناء تراث فكري
عظيم يدخل في كيان التراث اللبناني بوجه عام. ولا أغالي اذا قلت ان
لبنان سيواجه في السنوات العشر القادمة مشكلة التنسيق بين الجامعات
القائمة على أرضه، والربط والتطوير في مناهجها، والتقريب فيما
بينها على أسس موضوعية بعيدة عن المكابرة والتحزّب والارتجال.
وعندها سيكون القرار المتعلق باللغات الأجنبية وانفتاحنا على
الثقافات العالمية الحية قراراً حاسماً. فقد سبق، وأشرت، في الحديث
على مؤسسة اللغة، الى أن أي انتقاص من الانفتاح اللبناني على
التراثات الانسانية الكبرى بلغتها الحية، هو تنازل من جانب لبنان
عن مركزه الفذّ، ودعوته الخاصة في الشرق الأدنى، وأضيف هنا أن هذا
التنازل هو بمثابة كارثة ليس من المعقول أن يقدم لبنان على انزالها
بنفسه، واضيف كذلك ان كل شوفينية في أمور الفكر والروح ليست من
تراث لبنان في شيء على الاطلاق، فان لبنان واحد مع هوميروس،
وأفلاطون، والكتاب، والاكويني، ودانته، وشكسبير، وغوته، وكانت،
ودوستويفسكي، كما انه واحد مع القرآن، وعلي بن أبي طالب، وابن سينا،
وابن رشد، والمتنبي، والجاحظ، وابي العلاء.
تراثنا الفكري الجامعي الذي يتعين ان نعمقه
أضعافاً مضاعفة عما كان حتى الآن، يجب أن يرمي الى اكتناه الحقيقة
التامة، في ميادين الوجود كافة، بالحرية المطلقة والانفتاح التام،
بالمناقشة والحوار المسؤول، وبالمقاييس والاحكام العقلية المأثورة
والمعترف بها في التاريخ، كل ذلك بقصد الوصول الى خلق عقلي عالمي
جديد.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، بثّوا روح الجدّ
والمسؤولية والرسالة في المدرسة والجامعة، في صفوف الطلاّب
والمعلمين، واربطوا مؤسسة التربية والعقل بأرفع مراكز الخلق
والابداع في العالم، في العلم والفكر والفنّ، عندئذ نخلق للأجيال
الطالعة مؤسسة تراث مبدع عظيم.
7- المؤسسة اللبنانية السابعة التي تجسد التراث
هي
الكنيسة. واذا كانت
الطوائف اللبنانية جميعاً تتفاعل متعايشة في قلب التراث، في اطار
الشخصية المذهبية السمحاء، واذا كان النظام السياسي القائم في
لبنان يستند الى هذا التوازن والتعاون الطائفي الذي يؤمن الاستقرار
انطلاقاً من الاعتراف بالحقوق السياسية والاجتمتاعية لكل طائفة من
الطوائف، فان الكنيسة التي تبدو ذات علاقة بالوجود الطائفي في
لبنان، هي بطبيعتها وتراثها مستقلّة تمام الاستقلال عن أيّ شخصية
مذهبية، سواء أكانت مسيحية أم غير مسيحية، وسواء أكان ذلك في لبنان
أم في أي بلد آخر. فلو زال النظام الطائفي بكامله من لبنان، تبقى
مع ذلك الكنيسة مؤسسة تراث حيّ فاعل.
ذلك ان الكنيسة هي " المؤسسة "، بأل التعريف، على
الصعيد الانساني، وهي في لبنان المؤسسة التراثية المثلى، نظراً
لقدمها وتأصلها واستمرارها، ومسكونية انتمائها. ولو انعمنا النظر
في مؤسسات البشر كافة، لرأيناها تنهل من معين الكنيسة وتتأّثر بها
حضارياً وتنظيمياً، بدرجات متفاوتة. الكنيسة مستقلّة تماماً عن أيّ
نظام اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، وتراثها قائم في حدّ ذاته، بل
انه معطى من خارج هذه الأنظمة جميعا.
أما أهمية الكنيسة الأم في التراث اللبناني، فهي
انها وجدت في لبنان منذ أن وجدت، ولم تنفصل منذ وجودها، وخلال
الألفي سنة من تاريخ وجودها في لبنان، عن مركزيها العالمّيين :
القسطنطينية في الشرق، ورومة في الغرب. هذا الاتصال العضوي، الذي
لم ينفصم اطلاقاً، بالمركزين الرئيسيين نكاد الاّ نجده في بلد آخر
غير لبنان، ليس في الشرق الأدنى وحسب، بل في العالم بأسره.
الكنيسة لا تبتغي شيئاً من الاقتصاد أو الاجتماع
أو السياسة، بل أن كل ما تبتغيه هو أن يسمح لها بالوجود والعمل
الحرّ، وهي لا تتحمل مسؤولية أيّ قرار سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي،
فلديها مسؤولياتها الخاصة، في الحفاظ على الوديعة الغالية التي
تسلمتها، وفي تقديم بشراها الى العالم، وفي تعهد بيعتها وصون
حريتها. انها تنبه للخطأ، وتنهي عن الظلم، ولكن على المخطئين
والظالمين، ومن يقع عليهم فعل الخطأ والظلم، أن يتحمّلوا
مسؤولياتهم في الزمان والمكان. فللكنيسة ميدانها الخاص، ومصدر
سلطتها هو مصدر آخر مستقل. غايتها انقاذ النفوس من ربقة الشرّ
والفساد، واخراج العقول من الظلمة الى النور، أياً كانت الظروف أو
الأنظمة التي تعايشها. ان تراث الكنيسة العظيم لا يدانيه أي تراث
آخر من صنع البشر، تراث يتصل بألوف الشهداء، والقديسين، والفلاسفة،
والمعلمين، والأدباء، والعلماء، والمفكّرين، والفنّانين، وأهل
الخير من بناة صروح العلم، ودور التمريض، وملاجيء العجزة والبؤساء
والمعذّبين في الأرض، كما يتصل بمواكب لا نهاية لها من المؤمنين
بالعدالة، العاملين في اطار المحبة، الساعين الى الخير والصلاح،
المنشئين هياكل الايمان والمرسين قواعد السلطان من رجال الدين
والدنيا.
ولا يمكنني بعد أن أتصوّر التراث اللبناني بدون
الكنيسة، هذه المؤسسة العظمى، في مسكونيتها، وقدمها، ورسوخها،
وغناها، وفي كونها أسهمت كبير الاسهام في أن يظّل لبنان مطلاً
مشرفاً على أبعد آفاق المعمورة، شرقاً وغرباً.
أتريدون احياء التراث ؟ اذن، صونوا حقّ الكنيسة
التام في انماء ذاتها وفقاً لقوانينها وتقاليدها المستقلة، وليشترك
بالفعل ابناؤها المؤمنون، بعيداً عن كل سياسة، في استحضار دفق جديد
من الروح القدس عليها، عندئذ تقدّم ذاتها في لبنان، كما تقدّم
ذاتها في كل مكان، بركة لكل انسان، لأنها مؤسسة تراث زاخر عريق باق
الى الأبد.
قررنا، في مطلع هذا البحث، امرين أساسيين :
قررنا أولاً ان ما نسميه تراثنا يجب أن يكون حياً
باقياً فينا. لذلك لا يحقّ لنا أن ندعي ارثاً لا نتعهد اليوم
بالفعل، حتى ولو نشأ على أرضنا في غياهب الماضي السحيق، فتلك
محاباة كاذبة، ومفاخرة في غير موضعها.
وقررنا ثانياً أن التراث الحيّ الباقي لا يكمن في
الخيال والتصوّر والادّعاء، بل يتجسد في مؤسسات قائمة تسمى
بأسمائها، وقد تبين لنا انها سبع مؤسسات : القرية اللبنانية،
الوساطة اللبنانية، الشخصية المذهبية السمحاء، اللغة العربية
وتراثها، الدولة، المدرسة، الكنيسة.
والمهّم في هذه جميعاً ليس انها توحي بتأمّلات
وأفكار، بل المهّم هو كونها موجودةً بالفعل، حيّة، باقية، مستمرّة.
انها تختلف ولا ريب، أصالةً، وتواصلاً، وتأصلاً، وغنى وقوة، ومراتب،
وابعاداً، وبتفاوت ما تمثله في الوجود اللبناني، وما تعنيه وما
تحتويه، ولكنها هي المؤسسات التراثية الحية الحقيقية التي يتعين
انماؤها حاضراً ومستقبلاً.
هنالك مؤسّسات أخرى، كالأحزاب السياسية،
والنقابات، والهيئات الاجتماعية، والصحافة، وبعض العائلات
اللبنانية، وبعض الجمعيات والتنظيمات الأهلية، وغيرها مما لا مجال
الى تعداده، ولكن هذه المؤسّسات لا يمكن أن تقارن عمقاً، واتساعاً،
وشمولاً، وبعد أثر، بالمؤسسات التراثية السبع التي ذكرنا. فاذا
قلنا " لبنان تراثاً " فنحن نعني هذه المؤسسات السبع بالذات، واذا
قلنا باحياء التراث، فعلينا أن نعنى بهذه المؤسسات قبل أيّ شيء آخر.
والآن، ما هو الطابع الذي يطبع هذه المؤسسات
التراثية جميعاً ؟ وما هي روحها المتأصّلة فيها ؟ وما هو سرها
المكنون ؟
انه طابع الحرّية، وروح الاحترام، لأن الحرية
المسؤولة تفترض الاحترام.
لبنان التراث هو الحرية والاحترام.
يوم عانى لبنان ما عاناه في الأمم المتحدة لاثبات
كرامة الانسان، وحقوقه، وحرّياته الأساسية، في الاعلان العالمي
لحقوق الانسان، بصيغته الفريدة الرائعة، كانت أعماق الوجود
اللبناني هي التي تنطق بأفواه ممثليه. ان قصة هذه المعاناة لم تكتب
بعد، وهي، في خفاياها وأسرارها الكيانية، لن تكتب أبداً.
يبدأ الاعلان العالمي لحقوق الانسان كما يلي : "
أما وان الاعتراف بكرامة الانسان المتأصّلة في كيان أعضاء الأسرة
البشرية جميعاً، وبحقوقهم المتساوية، التي لا انتزاع لها عنهم،
انما هو أساس الحرية والعدل والسلم في العالم..."
وتقول مادته الأولى : " يولد البشر كلهم أحراراً،
متساوين، في الكرامة وفي الحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم
أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الاخاء."
والحقّ انه لولا هذه الكرامة وهذه الحقوق، ولولا
هذه الحريةوهذا الاخاء، ولولا هذا العقل وهذا الضمير، لما كان
لبنان، ولا تمكّن أن يتحدى الأزمنة والعصور حياةً وديمومة.
هذا هو الذي قلناه، وأعلنّاه، وسجّلناه أمام
العالم بأسره، مراراً، وهذا ما عملنا على تجسيده أخيراً في هذه
النصوص. وأؤكّد لكم ان احتفال العالم كلّ عام، في العاشر من كانون
الأول، بذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان هو احتفال بعيد لبنان.
العالم بأسره يعرف الصنيع اللبناني، ويشهد له في هذا اليوم، ونحن
لم نجعله بعد، مع الأسف، في طليعة أعيادنا الوطنية الرسمية.
أعود الى الحرية والاحترام، فأقول :
الحرية ليست فكرة أو عاطفة أو خيالاً. بل ان
الحرية ليست أيّ شيء، ما لم تتجسّد في الأحرار. الحرية هي الانسان
الكائن الحرّ. والانسان الحرّ المسؤول هو أعظم وأهمّ مؤسسة في
التراث اللبناني.
ففي قمة التراث اللبناني يوجد الانسان الحرّ، ان
هو وجد بالفعل.
الحرّ لا يكذب ولا ينافق.
الحرّ يعرف فضيلة الصمت.
الحرّ لا يغلب على أمره غوغائياً، ولا طموحياً،
ولا شهوانياً. أما شهوة الحكم والتسلّط فأبعد ما تكون عنه.
الحقد والنكاية، والبغضاء والنميمة، وصغار النفس،
والدس والتآمر في الظلام، كل هذه يفهمها الأحرار تماماً حين تمرّ
بهم، لكنهم يمّرون بها دون أن تترك فيهم أيّ أثر.
الحرّ يخلق في كل لحظة يخلق نفسه حرّاً.
الأحرار يقسون على أنفسهم حتى يتفجر الخلق فيهم
تفجيراً.
همّهم أن يرتفعوا الى ملأ الاشراف الخلق، وفي فعل
الخلق أن يوجدوا.
وهم اذ يرمقون لحظة الخلق بصبر وطول أناة، يخلقون
ان هي جاءت، وان هي لم تجيء، يسجدون ويصلّون.
الأحرار يقبلون الصلب، وفي اليوم الثالث يقومون.
الأحرار لا يسألون عن الموت، ولا يهابون الحياة.
يرحّبون بالموت، اذا كان فيه الحياة، واذا اقتضت الحياة الحرّة
الشريفة موتاً، فانهم يحيونها.
همّهم أن يبقوا هم الأسياد، ليس على الآخرين، بل
على كلّ ظلام وخسّة في نفوسهم.
هل يضبطون أفكارهم، هل ينظّمون تخيلاتهم، هل
يكبحون جماح عواطفهم، هل يلجمون ألسنتهم، هل يتحملون آلامهم، هل
يقبلون أقدارهم، هل ينتقدون أنفسهم تلك هموم الأحرار.
الماضي لا يكّبلهم الاّ ما يكونون تائبين.
والتوبة الصادقة تحرّرهم حتى من الماضي. تحرّرهم لأنها لا تنبع
منهم. تحررّهم لأنها من لدن اللّه.
يقتنصون الوجود لأنّ الوجود وجدهم قبل أن يجدوه.
وجدهم وترّبع فيهم، واستقّر، واستوى.
الأحرار لا يحلّلون، ويمحّصون، ويرفضون الأحرار
يعجبون ويحّبون.
الأحرار يقرّون بالأفضال، ويعترفون بالمصادر.
الأحرار يعلنون الى من هم مدينون.
اذا عنت الحرية ضرورة السقوط أصبح الحرّ عبداً
لما يسقط اليه.
أما الأحرار فيفسّرون حرّيتهم بأنها الابقاء على
امكان السقوط، دون الوقوع بالسقوط بالفعل.
الحرّ يعرف تماماً أن الوجود لا يتوقّف عليه، بل
على العكس، يعرف ويقّر أن وجوده هو يتوقف على الوجود الحقيقي
الموجود.
الأحرار يعيشون في العالم، لكنهم ليسوا من
العالم. الحرية قبس متعال آت من فوق.
الأحرار يقرون بما هو فوق، ويعترفون بمن هم
متكلون عليه، ولذلك هم أحرار.
الأحرار يعنشون، ويونعون مع الأحرار، دون أن ينسخ
بعضهم بعضاً، واذا كان حرّ ما نسخة تامة طبق الأصل عن أي حرّ آخر،
فهو عبد.
انها الصداقة، والمعاشرة، والمشاركة، والمحبة،
التي تعزّز الحرية في الأحرار.
يفتش الأحرار عن الأحرار في كل زاوية من زوايا
الكون، في الزمان وفي المكان، وحين يجد بعضهم بعضاً، أيّاً كانت
فوارق اللغة، والعصر، والتراث، والجنس، والدين، فكأنّهم وجدوا
اللّه في وجوههم.
الوجود كله يحصر في النهاية في الانسان الشخص
الكائن الحرّ. وكل تراث لا ينهض على أحرار، ولا يخلق أحراراً، هو
تراث عقيم. الانسان الشخص الحرّ الكائن هو مؤسسة التراث الأولى،
وكل مؤسسة أخرى انما تنحدر منه، وتؤول اليه. هو أمل الوجود، وهو
قبلة المستقبل. هو الذي يبّرر كلّ ثقافة وكلّ تراث. وما لم تتمكن
مؤسساتنا من خلق الانسان الشخص المسؤول، فباطل التبجح بالحرية،
وعبث القول بالتراث.