|
بعد
عشرة أعوام على حلّ حزب "القوات اللبنانية": هل انقسم القواتيون ؟
القضية واحدة رغم كلّ التباينات والاختلاف على الأسلوب لا على الجوهر
طوال 18 عاماً شكّلت "القوات
اللبنانية" قوة سياسية - عسكرية بارزة: من الاشرفية الى القطارة
مروراً بالفيدار والمبنى الابيض في الكرنتينا وصولا الى غدراس...
محطات عدة تغيّرت فيها الوجوه والاسماء، لكن هل تبدلت
الاقتناعات؟اليوم، وفي الذكرى العاشرة لحلّ الحزب، كيف يقوّم "قواتيون"
الوضع القواتي؟.
-------------------------
تحـقـيـق مـنـال
شـعـيـا
في 23 آذار 1994 عقد مجلس الوزراء جلسة
استثنائية قرر فيها حل حزب "القوات اللبنانية" وتجريده من كل ما يملك.
بين 23 آذار 1994 و23 آذار ،2004 عشر
سنين مرّت على "القرار الرسمي" الذي وصفه اكثر من خبير قانوني بأنه
لا يمت بصلة الى اي قانون او اجراء قضائي. وهكذا "حُظِّر" عمل "القواتيين"
برغبة "أبعد" من وزارية واستمر نشاطهم بارادة شعبية.
مسائل ثلاث
بعد قرار الحل، مسائل ثلاث لا بد من
التوقف عندها، وفق مصادر قانونية.
اولا: مسألة تزوير قانوني فاضح في موضوع
حلّ الحزب، إثر صدور بيان رسمي عن وزير الداخلية آنذاك بشارة مرهج في
23 آذار ،1994 يفيد ان القوات طلبت تعديل نظامها الاساسي ونادت
بانشاء الدولة الفيديرالية، لذا تقرر حلها. يومها لم ينفِ احد هذا
الكلام او يؤيده، علماً ان القاضي جوزف فريحة سجّل مآخذ قانونية على
هذا الامر اثناء اطلاعه على حادثة تفجير كنيسة سيدة النجاة في الزوق.
في مطلق الاحوال، لا يمكن ان تكون الفيديرالية تهمة يُحاسَب عليها
القضاء، وبالتالي ان اي ملاحقة على هذا الاساس تكون ملاحقة لحرية
التفكير والمعتقد على المستويين المحلي والعالمي.
وتحمل هذه المسألة تزويراً بالمعنى
الجزائي للكلمة، لأن ثمة وقائع تُبرز ان القوات اعطت في ايلول 1991
علماً وخبراً لوزارة الداخلية (وزير الداخلية حينها كان سامي الخطيب)
حول انشائها وارفقته بالنسخ المنصوص عنها قانونا لنظامها الداخلي،
والتي تحدد انه من اهداف الحزب انشاء الدولة على الاساس الاتحادي.
يومها طلب الخطيب شطب هذه العبارة من اجل قبول العلم والخبر، وشُطبت
فعلا في ايلول .1991 ومنذ ذلك الوقت، لم يُطرح الموضوع بأي شكل.
وفجأة بعد حادثة تفجير الكنيسة يصدر بيان عن الوزير مرهج يقول ان "القوات"
طلبت تعديل نظامها الاساسي للدعوة الى الفيديرالية وبالتالي التقسيم.
وهذا تزوير جزائي لا بد من المحاسبة عليه، بحسب المصادر نفسها.
ثانيا: مسألة الممتلكات التي تُعرَف باسم
"القوات اللبنانية". ففي قانون الجمعيات الصادر في 1909 نص واضح يؤكد
ان اي جمعية يتم حلها توضع اليد على ممتلكاتها لمصلحة الخير العام.
وتبين ان الجمعية التي تحمل اسم حزب "القوات" لا تملك اي شيء منقول
ولا غير منقول. اما خارج هذه الجمعية، فثمة ممتلكات تقدّر بعشرات
ملايين الدولارات وهي ليست ملكاً للحزب، وفق القانون، بل ملك اشخاص
معنويين وحقيقيين تمّ وضع اليد عليها خلافاً للقانون. والاسوأ انه
بعد عشر سنين، لا احد يسأل عنها، وهي مصالح أناس انتزعت تواقيعهم
بالقوة على معاملات ادارية لمصادرة الممتلكات، وقسم منها تحوّل
ممتلكات عامة من دون اي اجراءات قانونية وخلافاً للاصول كلها. فهذه
الممتلكات تخص مجتمعاً معيناً ناضل وضحّى على مدى 15 عاماً، وهي
تُقابَل بالتعسّف والتعدي على الملكية الفردية. وهنا تُسأل الكنيسة
والسلطة عن هذا الموضوع لانه يتعلق بمساهمات ابناء الكنيسة.
ثالثاً: مسألة الحق الطبيعي في تشغيل
الجمعيات، وقد كفلته المادة 20 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان،
والتي تُعتبر المرجعية الوحيدة في هذا الاطار، وهي تنص على "حق كل
شخص في الاشتراك في الجمعيات والتجمعات السلمية، ولا يجوز ارغام احد
على الانضمام الى جمعية ما". وبالتالي، صلاحية اي سلطة "دولتية" او
قانونية وضعية تجاه هذا الحق تكون تنظيمية حصراً وليست تقييدية او
ترخيصية. واللافت ان قانون الجمعيات منسجم مع هذا المبدأ، لذا
فممارسات السلطة خارج حدود التنظيم تشكّل انتهاكاً. وما دام هناك حق
طبيعي يكفل إنشاء الجمعيات، فانه لا حاجة الى ترخيص لتقوم الجمعية
بكامل نشاطها. ثم ان قانون 1909 ينص ضمن بنوده على الجمعيات التي
يُسمَح باعادة انشائها بعد حلّها، ويحدد الآلية ايضاً ضمن مهل زمنية
واضحة. اذاً، يعطي القانون حق اعادة انشاء "القوات"، والدليل قرار
مجلس شورى الدولة الصادر قبل اسابيع، والسؤال: لماذا لما يُبادِر احد
الى اثارة هذه المسألة؟.
معارك
وانقلابات
وبمعزل عن النواحي القانونية التي تطرح
اسئلة لا يزال يلفّها الغموض، تكاد "القوات" تكون الطرف السياسي
الوحيد الذي عرف كل اشكال التنظيم: من عمل ميليشيوي، مروراً بحزب
سياسي، وصولا الى تنظيم محظور، وانتهاء بتشكيل تيار.
في ربيع ،1976 ظهر إسم "القوات اللبنانية"
للمرة الاولى في بيان ختامي وقّعته التنظيمات المسيحية عشية الهجوم
العسكري على مخيم تل الزعتر. ولدت "القوات" مع بشير الجميل ونجحت في
تكوين استقلالية عن حزب الكتائب فارضة نفسها قوة اساسية في الجبهة
اللبنانية... والمعادلة السياسية، بعد بشير، تبدّلت المعالم. تسلّم
فادي افرام وفؤاد ابو ناضر لفترتين قصيرتين كانتا مليئتين بالتطورات:
سقوط الحي الغربي في عاليه، حرب الجبل، حركة 6 شباط وسقوط الشحار
الغربي.
منذ نشأة "القوات" لم تكن المواقف منها
واحدة. البعض اتهمها بعزل المسيحيين وطنياً وعربياً الى حد انشاء
كانتون مسيحي ومطاره "حالات حتما"، وآخرون رأوا انها كانت تؤسس لوضع
ديموقراطي سليم عبر مساواة سياسية وقانونية فعلية بين ابناء الوطن
الواحد ترتقي باحترام العيش المشترك. ومهما تعددت الآراء، فان القوات
شكلت لاعباً مهماً على الساحة السياسية بصرف النظر عن ايجابية مسارها
او سلبياته. ففي مرحلة معينة، كان عدد كبير من الشباب المسيحي منضوياً
في صفوفها. وعلى فترات متلاحقة، شهدت الحالة "القواتية" محطات اعتبرت
علامات بارزة في تاريخها: عملية الصفرا في ،1980 معركة زحلة عام
،1981 والانتفاضتان في 1985 و،1986 معركة "القوات" والجيش في 1989
على خلفية المرافىء غير الشرعية، وحرب "الالغاء" في 1990 كما اسماها
"القواتيون" او "حرب توحيد البندقية" بحسب العماد ميشال عون. معارك
كثيرة خاضتها قوى محلية واجنبية على ارض لبنان، ربما ربحتها ولكن بقي
الوطن واللبناني من الخاسرين، وان كانت جهة واحدة دفعت الثمن في شكل
اكبر. ازاء هذه التحولات تدرّج المشروع السياسي لـ"القوات" من "محاربة
الوجود الفلسطيني" الى "شعار" الـ10452 كلم2 مرورا بمحاولة امرار
تسوية خارجية مع سوريا عبر توقيع الاتفاق الثلاثي وصولا الى القبول
بتسوية الطائف.
:1994 عام
مصيري
كان عام 1994 مصيريا بالنسبة الى "القواتيين".
في 23 آذار، وبعد اقل من شهر على حادثة الكنيسة حُلّ الحزب بعدما
ارتضت "القوات" بنفسها حل فرعها المسلح تنفيذا لاتفاق الطائف. وفي 21
نيسان، اوقف قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع بعدما رفض المشاركة
في الوزارة احتجاجاً على ضعف التمثيل المسيحي فيها، وكان الشعار "امّا
الوزارة وامّا النظارة".
يعلّق توفيق الهندي الذي كان مستشاراً
سياسياً لقائد "القوات" على مسألة حل الحزب بالقول: "في نظر السلطة،
حل الحزب وتوقيف قائده يندرجان في عملية واحدة. لذا، فإنه لا عودة عن
حل الحزب وسمير جعجع في السجن. والى ان يخرج جعجع ويستعيد الحزب
شرعيته سيظل سيف الملاحقات مصلتاً فوق رقاب الناشطين".
وعن المعاني السياسية، يعتبر ان "هذه
العملية توضع في اطار الامساك السوري بالوضع اللبناني في ظل تفاهم
اميركي-سوري بتلزيمه لسوريا تحت عنوان تنفيذ اتفاق الطائف. وهي ايضا
استكمال لتصحير الساحة السياسية المسيحية بضرب آخر المعاقل فيها التي
تجسّد حركة الممانعة السيادية اللبنانية الهادفة الى المحافظة على
مقوّمات الكيان اللبناني المميز والمستقل. فـ"القوات اللبنانية" شكلت
منذ 1975 رمز هذه الحركة وعنوانها الرئيسي الى حد انها باتت في ضمير
المسيحيين".
ويشير الهندي الى ان هذه العملية كانت "الضربة
القاضية التي اعاقت التنفيذ الصحيح لاتفاق الطائف، فتهددت المصالحة
الوطنية وترسّخ الخلل في التوازن الوطني داخل السلطة وخارجها، واهتز
الوفاق لان "القوات" كانت، الى جانب بكركي وسيدها، الدعامة الاساسية
لاقرار تسوية الطائف والتي كان يُفترض ان تضع حدا نهائيا للازمة
اللبنانية. وهكذا كانت الرسالة قوية الى كل القوى اللبنانية بأنها
ستُضرَب اذا سلكت طريق الممانعة الوطنية كما فعلت القوات".
ثلاث ثوابت
بعد مسيرة طويلة من الحكم انتهت بحظر
وسجن، ماذا يعني اليوم ان تكون قواتياً؟. لعل الاجابة تُختصر بحسب
احد القواتيين بعناوين ثلاثة ثابتة ورابع آني.
الاول: المطالبة بسيادة لبنان واستقلاله،
مع ما يتضمن ذلك من خروج كامل للجيوش الاجنبية سياسياً وعسكرياً
ومخابراتياً.
الثاني: إرساء نظام توافقي متوازن بين
المسيحيين والمسلمين.
الثالث: احترام الحريات العامة والحقوق
الاساسية للمواطن. اما العنوان الرابع والآني فهو مركزية قضية جعجع
في هذا الظرف.
وفي رأي الناشط فادي الشاماتي ان "القوات،
اليوم وقبل وبعد هي حالة تعبير عن وجدان المسيحيين، انها حركة نضالية
اكبر من زواريب السياسة، حركة لا تقف عند مرسوم او رخصة. انها شكل من
اشكال التحرك لأن خيارات النضال تبقى دائماً منطلق مسيحي لا يعني
تطرفاً بل نظرة حقيقية الى الواقع. فنحن نتهم أحياناً بأننا متطرفون
ومغالون، لكننا نتميز بجرأتنا وعدم مساومتنا على الثوابت، ونحن نؤمن
بالتعددية التي تكفل احترام الرأي الآخر وصون حرية التعبير. قد تكون
قراءتنا للواقع قاسية فيعتبرها البعض متطرفة، انما لا يستطيع القواتي
ان يتجاهل تاريخه ونضاله السياسي.
وثمة حقيقة لا يمكن تجاوزها هي اننا
اقلية مورست علينا اساليب عدة من الاضطهاد الديني والفكري، وبالتالي
لدينا هواجسنا ومن حقنا التعبير عنها، على ان نحاول مع الاخرين ان
نلقى حلاً لها على قاعدة قبول الواحد منا للآخر كما هو وليس كما
يريده".
ولا يخفي الشاماتي ان "ثمة ظروفاً عدة
تحكم الحركة القواتية فتكون فاعلة حيناً ومنغلقة احياناً كما حصل بعد
توقيف الهندي لكنها تبقى حالة استقطاب تمسّ احساس الشباب، وخصوصاً
انها الحركة السياسية المسيحية الوحيدة التي تتأصل فيها قيمة الشهادة
بمعناها الصحيح. فبعد نهاية الحرب صمدنا وواجهنا محاولات تحويل
الشهيد قاتلاً ونجحنا في ترسيخ قيمة شهادته يوم لم يجرؤ أحد على ذكره".
تباين
وانشقاقات
التباين داخل الحركات السياسية اعتاده
اللبنانيون، والاختلاف في صفوف "القوات" لم يكن طارئاً، ووصل أحياناً
الى الانشقاقات. هكذا برز تباين علني عندما اختار رئيس الهيئة
الادارية سابقاً لحزب "القوات" فؤاد مالك الالتفاف حول السلطة، واعيد
احياء الحزب بعدما رفض جعجع التفاوض معه قبيل اعلانه تشكيلة الحزب
المستحدث. ثم ظهر تباين آخر عندما اطلقت "مجموعة من رفاق سمير جعجع"
العريضة المطالبة باطلاقه من دون موافقة زوجة "الحكيم" السيدة ستريدا
واحيت قداس "شهداء المقاومة اللبنانية" في حريصا بعد 12 عاماً
انطلاقاً من كونها زوجة "القائد". وبعد حوالى ثلاثة اشهر صدر قرار
بابعاد الهندي عن القوات، وفيما لم تكن محطة انتخاب عاليه - بعبدا
جامعة لكل "القواتيين" بدأت تلوح في الافق تباينات واضحة بالنسبة الى
الاستحقاق البلدي. فالى اي حدّ يصح الحديث عن مجموعات متنافرة؟.
يجيب الهندي باستعادة تاريخية لنشوء تيار
"القوات" في صيف 1996 "بغية اعادة ضخّ الحياة في الجسم القواتي في
سياق عمل مشترك لقوى المعارضة ازاء الانتخابات النيابية"، وهو الذي
اطلق مفهوم التيار، يقول: "هذا المفهوم قائم على قاعدة انه اذا كانت
"القوات" محظورة كحزب فالدستور يؤمن للقواتيين حرية العمل السياسي".
ويعرّف التيار "بحالة شعبية غير منظمة ترتكز على ثلاثة أسس: خطاب
وطني سياسي، قيادة سمير جعجع واساسية اخراجه من السجن. وان خروج اي
قواتي عن واحدة من هذه الاسس يعني تلقائياً انه بات خارج التيار".
وعن الخطاب السياسي، يفصّل الهندي
عناوينه العريضة: "الحرية والسيادة والاستقلال والتوزان الوطني
والعيش المشترك وحقوق الانسان والديموقراطية التوافقية وتنفيذ اتفاق
الطائف. وان التعاطي السياسي مع اي موضوع طارئ ينبغي ان ينطلق من
مسلّمات هذا الخطاب الذي يحتّم على التيار التناغم المطلق مع بكركي
وسيّدها والتواصل مع قوى المعارضة".
قيادة جعجع
اما قيادة جعجع فتعني "ان يتولّى هذا
الاخير رئاسة الجماعة القواتية عند خروجه من السجن، ونأمل في ان تسمح
الظروف حينها في ان تنتظم ضمن حزب شرعي ديموقراطي، لأنه ليس من
الحكمة ان تُلقى مسؤولية قيادة التيار على عاتق جعجع من مكان اعتقاله
لاسباب ثلاثة. يتعلق الاول بعدم وفرة المعلومات السياسية لديه وعدم
دقتها واتسامها بذاتية مَن ينقلها اليه مهما اراد ان يكون موضوعياً،
فضلاً عن الصعوبة الموضوعية لادارة جسم قواتي بهذا الحجم عن بُعد،
وخصوصاً ان جعجع كان يصوغ مواقفه وتحركاته على قاعدة معلومات في غاية
الدقة وسلسلة اتصالات ومشاورات سياسية داخل القوات وخارجها. ويرتبط
السبب الثاني بقاعدة عامة مفادها ان اي اجتماع لجماعة سياسية لا يصح
ان يتم في حضور طرف ثالث، فكيف اذا انعقد على مستوى القمة وفي حضور
سجّاني جعجع ومسمعهم، وهم ليسوا حياديين؟. والثالث يتعلق بالضرر الذي
قد يتأتي من قيادته المباشرة للتيار في ظروف اعتقال معروفة".
وفي رأي الهندي "يتوجب على التيار التحرك
على اساس قاعدتي التواصل والتوافق الى ان يخرج جعجع من السجن"،
معتبراً ان التجربة برهنت ان التيار يمكن ان يستمر ويتطور في ظل هذا
الطرح، "ولا سيما ان اي هيكلية في ظل ظروف قاهرة يعيشها اللبنانيون
عموماً والقواتيون خصوصاً، وفي ظل توقيف جعجع وحلّ الحزب وعدم وجود
تنظيم داخلي، ستؤدي الى تغليب المعايير الذاتية وزيادة الحساسيات
داخل الجماعة وعدم تماسك التيار وفقدان فاعليته مما يخدم السلطة في
سعيها الدائم الى تدجين التيار اذا لم يكن ممكناً محوه".
ويدعو مَن اصر ويصر على الهيكلة الى "الاقلاع
عنها صوناً لوحدة التيار"، مؤكداً ان "لا مشكلة جوهرية في الاسس
الثلاثة للتيار، ولكن هناك مشاكل ثانوية نابعة من مقاربات تطبيقية
تتطابق في بعض النقاط وتختلف في اخرى".
وتعني اساسية اخراج جعجع من السجن، وفق
الهندي، ان "يسعى التيار الى ترسيخ وجوده وتعزيزه في الحياة الوطنية
الهادفة الى الخلاص الوطني، لان قضية جعجع ليست قضائية بل سياسية
ووطنية بامتياز، وخروجه رهن التقدم في عملية استعادة لبنان سيادته،
ولن يكون نتيجة مساعي او صفقات تضر بالمسار الوطني العام. ولا تعني
ان يتخذ التيار مبادرات علنية في موضوع جعجع انما ينبغي العمل بصمت
وجدّية على معالجة الحواجز. اذ يجب الا تتحول هذه القضية سبباً
لاستقطاب الشبيبة التي لم يتسن لها ان تعيش تجربة "القوات" في اوجها،
فيتم دفعها في اتجاهات غرائزية تطغى فيها المظاهر على المحتوى
السياسي، فتُختصر قضية القوات بقضية جعجع" جازماً بأن "هذا التوجه
يضر بالقوات وجعجع معاً".
ويشدد على ان "اي تفاوض حول خروج جعجع
يجب ان يتم حصراً معه، فهو الوحيد المعني بظروف خروجه من السجن لان
المسألة تتعلق باقتناعاته، وعلى جميع القواتيين التزام حذافير هذه
الظروف، وخصوصاً ان جعجع لن يتخلى عن مبادئه عند خروجه وهو الذي ضحى
ودخل السجن لتمسكّه بها".
صفات شخصية
وطموح
عندما يُسأل الشاماتي عن التباين داخل
القوات، يستشهد بقول لشارل مالك: أهم اسباب النزاعات ليست ناتجة من
افكار فقط بل من صفات شخصية فـ"نحن نؤمن بتعدد الاراء وثمة مسلمات لا
نحيد عنها. اذ لا يوجد قواتي لا يريد اطلاق جعجع او انه يرفض الوفاق
واستعادة سيادة لبنان، ولكن هناك ازمة داخل مجمل الاحزاب تعيشها
القواعد مع مَن يحاولون ادارة الاحزاب، كـ"الكتلة الوطنية" و"الاحرار"
و"القوات" وحركة "أمل"والاشتراكي والشيوعي. فهذه الاحزاب لم تبادر
بعد الحرب الى نقد ذاتي، وعادت وتصرفت كأن شيئاً لم يحصل وانغمست في
حيثيات السياسة اليومية بدلاً من تطوير خطابها السياسي، وبالتالي
المشكلة ليست في القوات وحدها".
ولا يرى الشاماتي ان ثمة انقساماً: "القضية
واحدة عند جميع القواتيين والاختلاف هو على اسلوب خدمة هذه القضية"،
ويشبه ذلك "بالتزام الرسالة المسيحية، فمقياسها الجوهري الكنيسة رغم
مئات الملل، فهل تكون اذاً المسيحية في جوهرها مقسّمة؟ بالطبع لا،
والقواتي بحالته السياسية كما بموقفه من المسيح، ولكن ما يشوه ذلك
العوامل الشخصية وحب الظهور والطموح والتفرد التي لها موقعها الاساسي
في تعامل الفرد مع الآخر. هناك "قوات" واحدة ولكن ثمة تعددية ومن
يخرج على الثوابت لا يعود قواتياً"، مؤكداً "مرجعية" القوات" اليوم
كما الامس، بعد 1994 كما قبله، هي مرجعية سمير جعجع المتمسّك بهذه
الثوابت، لا اصيل غيره ولا وكيل ينوب عنه ولا وارث سياسياً له".
يعمل الشاماتي مع "مجموعة من رفاق جعجع "انطلاقاً"
من مرتكزين: خروج جعجع والحفاظ على الوجود المسيحي، انهما مسألتان
مرتبطتان. فاطلاق الحكيم يعيد اجواء الثقة الى المسيحيين وينعكس
ايجاباً على الوضعين السياسي والاقتصادي، لأن اخطر ما نعيشه اليوم هو
ان الشاب فقد الحلم الشخصي فكيف سنجعله يفكّر بالحلم الوطني؟ مأزق
المسيحيين انهم اتكاليون يخوضون معارك وهمية، من هنا علينا ان نساهم
في تحرير الذات المسيحية، نحن لا نمارس السياسة بمفهومها التقليدي
ولا نستطيع ان نغيّر مواقفنا، لان "القوات" لا تعمل لذاتها بل
لمجتمعها من دون تمييز".
قبل عام، اطلقت المجموعة عريضة تطالب
باطلاق جعجع، يعلّق الشاماتي: "هدفنا الا تبقى قضية الحكيم في اطار
المواقف المنعزلة، ونسعى الى بلورة دينامية قواتية ومسار وفاقي.
والدليل ما احدثته العريضة من اختراق للشارع الاسلامي بعدما زرنا
عدداً من المراجع من دون اعلان الزيارة، لأننا لسنا حركة صورية
ولننتظر اعلان نتائجها.
المشكلة في لبنان ان النظام لا يعكس
البنية الاجتماعية، لذا ينشأ التوتر. نحن نعيش تعددية على الارض في
مقابل نظام مركزي في السلطة، لكننا لا نقرأ هذا الواقع على حقيقته
فتنتج الازمات".
"الحفاظ على الوجود اولوية"، بحسب
الشاماتي، "ومن دون غوغائية وضجيج لا مبرر لهما، يهمنا بقاء
المسيحيين فاعلين، ولا نرضى العيش ككائنات بيولوجية".
***
منذ التسعينات، انتهجت السلطة سياسة "فرّق
تسّد" وشقّت التيارات المعارضة وعاقبت قادتها سجناً ونفياً، وبالتالي
هي ستكون مرتاحة لاي انقسام جديد يخرق الجسم المعارض. يبقى ان قضية
جعجع تشكل الجامع الاكبر لـ"القواتيين" ربما لان "الحكيم" لم يقبل
اساليب ما بعد الطائف بعدما أمّن التغطية المسيحية له فبات حجر عثرة
أمام سوريا. وهكذا كان الوحيد الذي خضع في حقبة الفوضى لما يُفترض ان
تكون سلطة العدالة.
اشارة الى ان "النهار" اتصلت بـ"قواتيين"
آخرين لكنهم آثروا عدم الكلام.
|