|
...
في انــــــتـــــظـــــار الاعـــــتـــذار مـــــنّــــــا
أيـــــضـــاً
بقلم عبد الحميد
الاحدب
"النهار"
الاربعاء 29 كانون الاول 2004
من حقنا الحصول على
اعتذار من رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس،
كذلك الاعتذار الذي قدمه للكويت عما بدر من القيادة الفلسطينية خلال
الاحتلال العراقي للكويت عام 1990. فما بدر من القيادة الفلسطينية حيال
الكويت هو نسبيا قليل قليل، اما ما بدر حيال لبنان فكثير كثير.... صحيح
ان صدام حسين حين احتل الكويت لم يجد سائق تاكسي يعينه حاكما على الكويت،
بينما وجد البعث السوري ومخابراته صفا طويلا من السياسيين اللبنانيين
الذين وقفوا حسب الاحرف الابجدية يتوسلون أن يمنّ عليهم البعث السوري
بحكم لبنان، وقد حصل ذلك وهو أمر محزن ومؤسف للبنان ومشرف جدا للكويت.
ورغم كل ذلك يستحق لبنان اعتذاراً من القيادة الفلسطينية على زرعها
الفتنة بين الطوائف مما ادى الى نشوب الحرب الاهلية عام
1975. ويستحق اعتذاراً على اعتبار القيادة
الفلسطينية ان طريق فلسطين تمر بجونيه وعيون السيمان! واعتذارا على تصريح
ياسر عرفات من رام الله انه حكم لبنان، واعتذارا على العودة الى طرابلس
بعد الخروج من بيروت وهدم طرابلس على رأس ابنائها للخروج مجددا منها،
واعتذارا على قتل القضاة الاربعة وهم على قوس المحكمة، واعتذارا على
تحويل مخيم عين الحلوة ثكنة لارهاب الشعب اللبناني، ولا سيما صيدا.
بالطبع الاعتذار هو رمز.. وهو يعني الرجوع عن الخطأ، ويبشر بأن القيادة
الفلسطينية عادت عن اخطائها، وانها سائرة لتغيير سياستها لتؤمن للشعب
الفلسطيني سعادة وكرامة ورخاء بعد نصف قرن من الدم والعنف والارهاب، كانت
فيه استعراضات كثيرة واموال واعلام اكثر وانتهى باوسلو. ولو قبل
الفلسطينيون عروض الرئيس المصري الراحل انور السادات الذي اعتبروه خائنا
لكانوا حصلوا على الضفة الغربية وغزة في دولة فلسطينية بدون دماء ولا
استعراضات ولا اعلام ولا اموال وبدون حرب اهلية في لبنان، ولكانت طريق
فلسطين قد مرت بغزة والضفة الغربية بدلا من جونيه وعيون السيمان. ولو
قبلت القيادة الفلسطينية بعروض الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون لكانت
الدولة الفلسطينية قامت بدون كل هذا العذاب والقهر والدم والذل. مطلوب
اعتذار من محمود عباس الى الشعب اللبناني لتعود العلاقات بين الشعبين الى
ما كانت عليه قبل "عيون السيمان وجونيه"، وقبل ان "يحكم عرفات لبنان"،
لتعود علاقات اخوة ومحبة ووفاء وتضحية. والاعتذار مطلوب كي يكون محمود
عباس منسجما مع نفسه، ومؤكدا التغيير في القيادة الفلسطينية عن "جونيه
وعيون السيمان" وعودته الى غزة والضفة الغربية في الدولة الفلسطينية. فلا
معنى للاعتذار من الكويت من دون اعتذار من لبنان، والا كان للقيادة
الفلسطينية ابناء ست وابناء جارية! ولكانت بلدان النفط وحدها تستحق
الاعتذار وكأن الاعتذار مسألة ثمن ومال وليست مسألة خطأ وخطيئة. مطلوب من
محمود عباس ان يعتذر خصوصا عن مرافقة "العميد" ابو العينين له في زيارته
للبنان وهو المحكوم من القضاء اللبناني بالاعدام. مطلوب اعتذار عن
مرافقته له تحديا للسلطة اللبنانية وللقضاء اللبناني، لانه لا معنى
للاعتذار عن "حكم لبنان" و"جونيه وعيون السيمان". اذا عادت حليمة
الفلسطينية الى عادتها القديمة بالاستعانة بالمحكومين بالاعدام من القضاء
اللبناني لحماية"... القضية الفلسطينية". واذا اعتذر محمود عباس من لبنان
فانه يكون فعلا غيَّر السياسة والثقافة السياسية الفلسطينية والثوروية
العربية التي اوصلت العرب وقضية فلسطين الى الحضيض الذي نحن فيه، لانه
يكون قد اكد انه ذاهب الى حل قضية فلسطين وانشاء الدولة الفلسطينية
مستفيدا من التجارب الاليمة الماضية ومن الظروف الدولية الراهنة، غير
معول على تطريز ابهة بطولة فارغة على حساب القضية. منذ ست سنوات القى
محمد حسنين هيكل محاضرة في باريس عن المستقبل العربي، وكان دوري تقديم
المحاضر. فقلت في تقديمي ان لبنان لا يزال جرحه ينزف دما من السياسة
الفلسطينية التي مررت طريق فلسطين بجونيه وعيون السينمان، وكان بين
الحضور كثر من قادة "عيون السيمان" الفلسطينيين و"حكم لبنان" الفلسطينيين
و"الحرب الاهلية" الفلسطينيين وعلى رأسهم ليلى شهيد ممثلة عرفات في
باريس. وتوقعت ان تكون هذه الفرصة التوبة والرجوع عن الخطيئة، ولشدة ما
كانت دهشتي كبيرة عندما انتقدني قادة عيون السيمان الفلسطينية بتجريح
وتخوين! حتى ان نبيل خوري (رحمه الله) كتب في اليوم التالي مقالا نصفه عن
محاضرة هيكل ونصفه ينتقد بتجريح طلبي التوبة عن جونيه وعيون السيمان. كان
ذلك يدل ان طريق فلسطين لا يزال بعيدا لان مسيرة القيادة الفلسطينية كانت
بقيادة العيون السيمانيين. اذا سارت الامور على الدرب الصحيح، وحصلنا على
الاعتذار فان القضية الفلسطينية تعود الى طريق الامان وتنقشع صورة فلسطين
بعد ان تكون غيوم اربعين سنة من "جونيه وعيون السيمان" قد حجبتها لحساب
تطريز صورة "البطل الجبار العملاق العظيم الخارق؟" الذي يطرب العرب كثيرا
ويضيع حقوقهم اكثر من ذلك بكثير! واذا حلت قضية فلسطين بالدولة
الفلسطينية فسيأتي دور لبنان اذذاك لطلب اعتذار ثان من البعث السوري
وايران اللذين ارادا تحرير فلسطين من مزرعة شبعا، فنكّدا حياة لبنان
بينما هو خارج من حرب "جونيه وعيون السيمان". حين يأتي وقت الاعتذار
الثاني عن مزارع شبعا تكون شمس الحرية قد اشرقت على هذا الشرق الذي بقي
معذبا بالقضية الفلسطينية اكثر من نصف قرن. وقد حان لليل ان يذهب وللصبح
ان يشرق. |