|
"بريء"
من الموت والحياة !
"النهار"
الجمعة 28 كانون الثاني 2005
ما هي "المكونات"
الثابتة للصوت الانتخابي في لبنان بصرف النظر عن حجم الدائرة وطبيعة
التقسيم الانتخابي وأيا يكن قانون الانتخاب الذي درج النظام الحاكم منذ
الطائف على مباغتة الناس به قبل شهرين فقط من كل انتخابات؟
معظم هذه
المكونات "موروث" وقلة نادرة منها مكتسبة، ومن شذّ عن هذه القاعدة فهو
ناخب من جرم آخر ينتمي الى "القوة الثالثة" غير الموجودة الا في اذهان
النخب "الاكاديمية سياسيا" وهو التعريف المهذب للمهمشين عن "قانون الصراع"
بل عن قواعده. وتبعا لذلك، يحق للرئيس سليم الحص ان يخشى على "نعش" اتفاق
الطائف من آخر المسامير في قانون الاقضية الذي لا يرضيه. فهو منسجم مع
نفسه منذ تحفظ عن قانون الانتخاب عام 2000 حين كان رئيسا للوزراء وعجز عن
اقناع الوصي السوري بقانون آخر، ثم دفع الثمن في انتخابات بيروت، ويحق له
ان يعتبر الاقضية اطاحة لاتفاق الطائف.
ولكن ثمة
سؤالا هنا: هل ارتقى الطائف يوما الى مصاف الاموات ليكون له نعش؟ وأليس "المرور"
بالحياة اولا هو الشرط اللازم للموت والوفاة وعندها يستحق هذا الميت
المحترم النعش لدفنه؟
حتى
البديهيات الاولية لأي دولة بدائية لا تزال غالبية ساحقة من اللبنانيين
غير مؤمنة بأنها عاشت وماتت في عهد الطائف. فالطائف هو ام المحادل وابوها
ومبتكر الغالبيات والاكثريات والنوعيات في فوضى سياسية داخلية منذ 15
عاما كانت هي المحفز الاول لاستمرار نظام الوصاية المعطل حتى للطائف نفسه.
وهذا الطائف ان يكن له من فرادة لا تتوافر لغيره من كل الانظمة السابقة
واللاحقة هي انه غرز عميقا المكونات السلبية للصوت الانتخابي في اذهان
الناخبين تحت لافتة كاذبة خادعة مفادها ان لبنان يبارح "طائفيته" الى "قوميته"
و"وطنيته". ففي ظل "المحافظة" العملاقة كانت بؤر الطائفية اشد وطأة بكثير
مما كانت عليه في ظل القضاء، بل ان الخبث الطائفي لم يتعملق يوما ويزدهر
ويتمسك بتلابيب الناخبين اكثر مما فعل في العقد ونصف العقد الأخيرين تحت
وطأة القوانين الاستثنائية التي كانت تقيم ما يشبه النظام العنصري لتمييز
الطبقات المستأثرة والموالية واركان النظام ومحظييه وحفظ امتيازاتهم في
التربع على رقاب اللبنانيين. وما يسمعه اللبنانيون اليوم ويغبطهم في
انضمام تجمعات سياسية ونيابية واحزاب وقادة الى المعارضة لا يغني عن
اثبات حقيقة لا مجال لأي كان في انكارها وهي ان مفتاح الفرز السياسي في
لبنان سيظل حتى اشعار آخر هو الموقف من ازمة الوصاية السورية وقضية
السيادة. هذا ما يثيره كل موقف يومي لوليد جنبلاط تحديدا. وبمقدار ما
يمعن في ترسيخ هذا الانطباع سيكون عليه ان يقبل التشكيك ويجيب عن اسئلة
لا تعرف المداهنة كتلك التي وجهها اليه طلاب الجامعة اليسوعية.
من واجب
الطلاب والناس وليس من حق السياسيين المتلونين ان يسألوا جنبلاط لماذا
صمت في السابق عن الوصاية، اي عندما كان في السلطة، ولماذا "فجّرها"
بالكامل اليوم وقد بات من زعماء المعارضة؟ ومن واجب الناس ان يسألوا على
اي اسس ستنشأ التحالفات الانتخابية بين "المعارضين الاوائل" و"المعارضين
الجدد"؟ ومن واجب الناس ان يسألوا عن البرنامج السياسي الكامل للمعارضة
في مرحلة ما بعد الانتخابات وتصورها للسلطة البديلة.
ومن واجب
الناس ان يسألوا عن المعايير المبدئية الواضحة والصريحة في "المعارضة
الصامتة" للرئيس رفيق الحريري. وكيف يمكن اقامة خط بياني واضح وثابت بينه
وبين قوى المعارضة لا يقتصر على "ليلة دُخلة" انتخابية؟
ومن واجب
الناس ان يغرقوا المعارضة بألف تشكيك وتشكيك وألف سؤال وسؤال ما دام
الفرز قائما على محور اساسي هو محور السيادة وما دامت معارضة اليوم هي
مبدئيا سلطة الغد حتى لو لم تصل الى السلطة.
فالذاكرة
السياسية هي "القوة الثالثة" المتاحة الآن ولو ظلت مكونات الناخب وصوته
هي هي بطائف ميت او بطائف يدعي الموت ليقال انه مرّ بالحياة، وهو منها
براء تماما كما كان لبنان براء من سيادته.
نبيل بو منصف |