ذاقت كل "الطوائف الكبرى" في لبنان بالتناوب على مراحل الحرب
وما بعدها طعم "الزعامة المغيبة" ان بالتصفية الجسدية لزعماء او
بالتصفية السياسية لآخرين. ولا تزال ظاهرة "التغييب" تثير في مجتمع كل
طائفة وصفوفها الكثير من الاضطراب وغالبا ما ترسم وقائع سياسية راهنة
لكأن الزعيم الذي رحل بالقتل او ازيح بالقمع "يتجدد" عند كل هبّة وكل
تطور وحتى عند مواسم الذكرى فحسب.
"منح" نظام الطائف سمير جعجع "امتيازا" لم يسبق ان منحه نظام آخر لاي
زعيم. هذا النظام الذي ازاح العماد ميشال عون بالقوة العسكرية السورية
ونفاه الى فرنسا, أطبق على جعجع وجعله أول اسير سياسي في مسار "الانقلاب
على الطائف" نفسه كما شهد عليه الدكتور البر منصور في كتابه الوثيقة
الدامغة بوقائعها التي لم يتمكن اي شاهد آخر لا من اهل الطائف ولا من
المنقلبين عليه ان يدحضها حتى اليوم.
وواقع الامر ان الانقلاب على الطائف كان اول نذير لانزلاق لبنان نحو
التماهي المطلق مع الانظمة العربية الاستبدادية.
لم ينج جعجع بحياته مصادفة ولم يُنف كالعماد عون. لا ألحق "برتل"
الزعماء الذين جندلتهم مواقعهم وادوارهم ابان الحرب ككمال جنبلاط
والمفتي حسن خالد والرئيس عمر كرامي, ولا تمكن من مصير مشابه للعميد
ريمون اده ومن ثم للعماد عون في "تصدير" الالهامات الحرّة المتواصلة
الى مناصريهما من قلب باريس. حقق نظام الطائف ما اراده تماما لجعجع ومن
خلاله لـ"المجتمع القواتي" فأسره وحلّ قواته وحزبه قبل عشرة اعوام لان
النظام افتقد بشدة آنذاك الذريعة السياسية - العقائدية بعد الامنية
لتبرير انبلاج فجر النظام الاستبدادي.
مشروع العماد عون السيادي لم يكن مبررا كافيا لتذخير الطائف بما يكفل
تجويفه من "روح الحريات". كان مشروعه ضد النفوذ السوري مبررا للطائف
ضربه عسكريا واقامة دولة اخرى. اما مشروع جعجع في بُعده الداخلي حصراً
فهو ما كان يحتاج اليه النظام بعد اعوام قليلة من اطاحة عون لاستكمال
ما بدأ بسجن جعجع وما لا يزال متواصلا حتى اليوم على "مساري" السيادة
والحريات.
ارادت سلطة الطائف التي تبدلت فيها كل الطبائع الاّ الطبع القمعي, ان
تحول "القواتيين" مناصري جعجع "كربلائيي الموارنة والمسيحيين" مع فارق
واحد هو أنّ زعيمهم أسير حيّ في زنزانة المتر بمترين, فنجحت في اماكن
واخفقت في اخرى. نجحت في تصديع البنية التنظيمية لقوة اشتهرت بحدة
العصب ونجحت في اذكاء الاحباط, ونجحت في تشريع القمع وتعميمه ونجحت في
عملقة المشروع العسكريتاري - الامني الى اقصى الحدود. ولكنها فشلت في
ردع قوة هذا العصب بدليل ان "القوات" تحولت التيار المتكيف مع ظروف
الاستهداف ولا تزال تشكل و"التيار العوني" القاطرتين الرئيسيتين للشارع
المعارض في لبنان. وفشلت ايضا وهنا الاهم في مغزى قضية حريات من الدرجة
الاولى - في اسباغ صورة السجين على حالة جعجع. فهو وان امضى ألوف
الليالي في زنزانته "وقد" يمضي الوفا اخرى, لا ينظر اليه من الخارج
الداخلي ولا من الخارج الخارجي على انه سجين, بل هو رهينة بالمعايير
الحقيقية غير الزائفة لعدالة عمياء تخضع لعسف السلطة واستنسابها
وتسلطها وقمعها. فالبارحة تحديدا كتب الرئيس سليم الحص في "وقفة تبصر"
هي شرعة انسانية حقيقية في الاخلاق السياسية, كتب انه لم يحرك قضية
محاولة اغتياله الا لان عشرين عاما مرت على وقوع الجريمة التي اودت
باربع ضحايا ولم يستجوب احد من الفاعلين والمحرضين والمتآمرين رغم انه
ابلغ الى القضاء معلومات موثوقة من مصادر لا ترقى اليها الشكوك.
اما في الامتدادات الأبعد لهذا الفشل السلطوي فيكفي ان يسمع جعجع من
خلف العازل بعضا عن "حال النظام" الذي استرهنه, ما دامت الصحف ممنوعة
عليه, اتراه عند ذاك لن يكون "راضيا" وسط ظلمته بعد العقد الاول من
أسره?
نبيل بو منصف