|
"القوات
اللبنانية" التي نريد
بقلم جورج
العلم
منذ بداية
الاعتقالات التي طاولت بعض رموز "القوات اللبنانية" عام 1992 كان واضحا
لكل من يتقن قراءة ما بين السطور أن مدبر الاعتقالات ينشد الوصول الى رأس
الهرم القواتي، اي اعتقال الدكتور سمير جعجع، وهكذا كان.
كان وقع
اعتقال القائد ورفاقه على الساحة القواتية أشبه بزلزال ضخم عصف بكل شيء
ولم يترك وراءه سوى دمار، شمل المسؤولين والافراد والمؤسسات كافة. فهاجر
وهجّر قسم كبير من رجالاتها، واعتقل قسم آخر ونكل به، بينما تستر وغط في
سبات عميق وطويل من تبقى منهم. وبدا واضحا أن الزلزال الذي ضرب "القوات"
لن يقف عندها، بل هو موجّه الى مجتمعها لكون "القوات" عصبه وخط الدفاع
الاخير عنه.
حيال هذا
الواقع ابت نخبة قليلة جدا من القواتيين ان تخضع او تُخضع لمشروع سلطة
تحاول بكل خلفياتها الداخلية والخارجية تدجين القوات اللبنانية، وترويضها.
فتحرك افراد هذه النخبة كل على حدة، ودون اي تنسيق مسبق في ما بينهم
ايمانا منهم بأن المجتمع لم يقم تاريخيا الا على همة افراد قرروا الدفاع
عنه ومن اجله حتى الرمق الاخير.
شكل كل منهم
بادئ الامر مجموعات صغيرة لا تتجاوز اصابع اليد، انطلقوا الى العمل يحثون
المجتمع على النضال وعدم الاستسلام في ظل ذهنية قمعية تفتك بهم
وبعائلاتهم. وكان لا بد من وضع بعض الاستراتيجيات ضمانا لنجاح العمل، وتم
اتفاق غير مكتوب على ثلاث منها:
1- تسييس
قضية الدكتور جعجع ونقلها من خانة المحاكمات القضائية الى المحاكمات
السياسية بكل ابعادها. وقد نجح هذا الامر سنتين تقريبا بغض النظر عن مدى
تكلفته على مستوى المناضلين.
2- نقل
معاناة "القواتيين" الى الساحة المسيحية، ولاسيما الى بكركي التي كانت
متحفظة عنها الى حد ما، وخلق اجماع مسيحي ومن ثم لبناني حول قضيتهم يكون
مناهضا للظلم الذي يطولهم. ونجح الامر الثاني بامتياز، بدليل ان المجتمع
برمته رفض الاعتقالات والقمع والظلم الذي تركز على هؤلاء الشبان والشابات،
في حين تطابق خطاب بكركي وسيدها مع "الحلم القواتي" على اكثر الاصعدة.
3- حث الشارع
القواتي للنهوض من سباته، وكان لا بد لهذه الغاية من ان تتوجه الانظار
الى "الشهيد" الذي يمثل الوجدان ويلامس القلوب والعنفوان والايمان،
وخصوصا بعدما تحول الشهداء قتلى وضحايا حرب بسبب خنوع بعض القواتيين.
نجح هذا
الامر ايضا، وكان صائبا، بعدما اقام عدد قليل من المناضلين رغم
الاعتقالات اليومية والتعذيب في السراديب قداسا بسيطا في اول احد بعد عيد
ارتفاع الصليب في بطريركية سيدة ايليج.
كانت تلك
الخطوة الاولى من رحلة الالف ميل، وتمت على اثرها لملمة عظام الشهداء
التي نثرت خارج نعوشها في اعتداء تعرضت له المدافن.
وتعاهد اولئك
الرجال في ما يشبه النذر على ان يعودوا في الموعد نفسه سنويا الى ذلك
المكان لتكريم شهدائهم وانتشال مجتمعهم من رعبه.
نجحت
الاستراتيجيات الثلاث وارتفعت مجددا الدعوات المطالبة بالحرية والسيادة
والاستقلال. وعمت روح النضال التي بثت في صدور شبان يحملون دما جديدا،
وبدت الحركة كرة ثلج تكبر كلما تقدمت الى الامام.
ولكن عبر تلك
السنوات وما فيها من منجزات نضالية كان بعض المستفيدين يكرس مصالحه
الخاصة عن حسن نية او سوء نية، ويبث الافكار والمصالح التي حاربت وناضلت
القوات لالغائها. فكان تعارض بين المجموعتين ادى الى اختلاف في وجهات
النظر، وتطور الى خلاف سببه عقم واخفاق من اعتقدوا انهم يديرون السياسة
القواتية، وانتقل الصراع الى الشارع القواتي فأصبح مثل سوق عكاظ.
لهذه الاسباب،
ومحافظة على تاريخ هذه الجماعة وكامل المجتمع الذي يعلق الامل عليها،
وحاضرهما ومستقبلهما نجد انفسنا ملزمين ان نحدد ما نريده قائلين:
نريد القوات
اللبنانية اما خصبة تنجب من صلبها مؤسسات تفعّل بها حركة المجتمع فتنعشه،
وليس قوات عاقرا، قحلة، كهلة، تنتقم لهم من المؤسسات فتخونها وتقفلها.
نريد للقوات
اللبنانية العيش في جو ديموقراطي، وأقله توافقي في ما بين افرادها ومع
الغير، فلا تعود تجيز لنفسها ما تحجبه عن غيرها وتحاسبه عليه.
نريد قوات
تأبى الاقالة وترفض الاستقالة وتنشد الحركة المسؤولة، وتعمل على نقل هذا
النهج الى بقية افراد المجتمع.
نريد قوات
تسعى الى جعل التنافس الداخلي والخارجي على قيم الشرف والصفاء واحترام
الغير والقبول بالمنطق الآخر وبالديموقراطية التي تناهض اختزال القرارات
بالشخصانية.
نريد القوات
اللبنانية فكرا حرا متمايزا عن الفكر التقليدي بكل الابعاد والتمايز،
جناحا نطير به الى الحرية، وليس فكرا معلبا خامدا، او قيدا أصدئا كان ام
مذهّبا.
نريد ابعادا
استراتيجية تمتد سنوات الى الامام وتتابع حتى النهاية، فلا نقع في اخطاء
اهمال سابقة، ولا تأتي افعالنا ردود فعل على فاعل فنصبح مسيرين بفعله.
نريد وضع
استراتيجيا واضحة المعالم للمعطيات المتوفرة، والتي يمكن ان تتوفر لاخراج
الدكتور جعجع ورفاقه من سجنهم.
نريد القوات
اللبنانية التي ترفض التيوقراطية، او اي مدخل منها واليها، لان فيها
دمارا وزوالا لهذا المجتمع.
نريد طاولة
مستديرة توافقية تجمع حولها كل وجهات النظر بتناقضاتها، وتخضع للمساءلة
والمحاسبة على كل قراراتها.
نريد استغلال
تعاطف الشباب مع قضيتنا بصقل الفكر الذي اصبح نادرا، وشبه مغيب، وهذا لا
ينجح في عمقه الا اذا فتحنا الباب لتلقف اي عمل او موضوع او طرح من اينما
اتى.
نريد القوات
اللبنانية التي تحمل التغيير نهجا وعملا وليس عنوانا بمضامين فارغة
وخلفية تقليدية اقطاعية.
وهل نُسأل
بعد من نحن؟ وماذا نريد؟
|