|
"وقولوا
للناس حُسناً" (قرآن كريم)
بقلم نصري سلهب
"النهار"
الثلثاء 21 كانون
الاول 2004
منذ اكثر من مئتي عام
قال فولتير،
الفيلسوف الفرنسي الغنّي عن التعريف، لأحد مواطنيه: "قد لا اكون من رأيك،
ولكني مستعد ان اقاتل الى جانبك لمساعدتك على التعبير عن رأيك". ولو
اخذنا في الاعتبار ان ذلك القول قيل في عهد الملكية ذات السلطان المطلق
لأدركنا كم كان لذلك الرجل من تأثير في الضمير الجماعي الفرنسي الذي اشعل
نار الثورة الفرنسية وجعلها تمتد الى العالم. واذا عدنا الى لبنان –
لبنان القرن الحادي والعشرين – لاكتشفنا اننا، بعد الثورة الفرنسية بأكثر
من مئتي عام، لا نزال نعالج الامور بعقلية عصر الظلام.
***
اعتقاداً من وليد
جنبلاط انه يعيش في دولة ديموقراطية تضمن حرية التعبير والرأي، فقد اعلن
رأيه في القرار 1559 فوقف منه موقفاً موشحاً بالاعتدال والواقعية، اذ
وافق على جزء منه ورفض جزءاً آخر، خلافاً لسياسيين كثيرين عارضوا القرار،
جملة وتفصيلاً، في
كل بنوده، ولسياسيين آخرين وافقوا على القرار جملة وتفصيلاً، وفي كل
بنوده. ورغم ذلك الموقف الذي لا يخلو من حكمة وحلم، تعرض الزعيم
الجنبلاطي الى اكثر من هجوم موشَّى بخيوط العنف. لن اذكر هنا ردود الفعل
التي تمُتّ بصلة وُثقى الى السباب والشتيمة، بل سأقصر كلامي على بعض ما
ورد في بيان القيادة القطرية اللبنانية في حزب البعث الصادر في 14 كانون
الاول الجاري: "الواضح ان جنبلاط قطع كل جسور العودة عن الخطأ الفادح
الذي ارتكبه في حق مبادئ والده الكبير كمال جنبلاط وافكاره... لان
التعويل على القوى اليمينية لم تُثبت التجارب والايام الا فشله وعقم
مشاريعه الطائفية، وقد كان من ثمارها اتفاق 17 ايار المشؤوم الذي ما كان
ليسقط لولا دور سوريا والقائد الخالد حافظ الاسد آنذاك". ("النهار"، 15
كانون الاول الجاري). ببساطة ومحبة الفت البعثيين اللبنانيين الى الوقائع
التالية التي لا يرقى اليها شك:
- عام 1983، ولأسباب
معروفة، كان وضع الشقيقة سوريا في لبنان غير قوي، وكان اصدقاؤها
اللبنانيون غير مسيطرين على مجرى الاحداث.
- بتاريخ 17 ايار في
تلك السنة، عقد
لبنان مع اسرائيل الاتفاق المشؤوم الذي باركته ودعمته اميركا بصورة خاصة
والذي حظى بتأييد عربي شبه اجماعي.
- ذلك الاتفاق وافق
عليه مجلس الوزراء اللبناني بالاجماع، كما ان مجلس النواب صدقه بشبه
اجماع النواب الحاضرين: 63 وافقوا، و4 امتنعوا عن التصويت، ونائبان اثنان
صوتا ضد ذلك الاتفاق: وليدجنبلاط ونائب آخر لا يحضرني اسمه.
- قبل توقيع الاتفاق
ببضعة ايام، عقد في
قصر الرئاسة حول الرئيس امين الجميل اجتماع ضم الشخصيات التالية:
البطريرك خريش والشيخ محمد مهدي شمس الدين والمطران عوده (عن يمين
الرئيس). ثم المفتي حسن خالد والشيخ محمد ابو شقرا والمطران الحاج
والمطران صفير، البطريرك الحالي (عن يسار الرئيس)، في ذلك الاجتماع
اطلعهم الرئيس اللبناني على مشروع الاتفاق المار ذكره فوافقوا عليه
بالاجماع. ولم يكتفِ وليد جنبلاط بالتصويت ضد ذلك الاتفاق بل مضى الى
ابعد فأعلن، بتاريخ 13 تموز، انشاء "الجبهة الوطنية" لإسقاطه. مما ذكر
اعلاه، يتبين في
شكل واضح ان وليد جنبلاط دعم الموقف السوري دعما مطلقا، يوم كانت
الاكثرية في لبنان ضد ذلك الموقف.
***
في اول حزيران 1976،
دخل الجيش السوري الى البقاع وشمال لبنان. "عمل صفقت له الجبهة اللبنانية
اليمينية وادانته الحركة الوطنية، برئاسة كمال جنبلاط، والمقاومة
الفلسطينية، وتصدتا له عسكريا". ذلك يعني ببساطة ووضوح، ان الرئيس حافظ
الاسد كان، في ذلك الزمن متحالفا مع اليمين اللبناني، وعلى طرفي نقيض مع
اليسار ومع كمال جنبلاط بصورة خاصة.
***
وفي محتوى آخر،
ليسمح لي الاخوان البعثيون بأن اطرح السؤال التالي: هل ان بشاره الخوري
ورياض الصلح وهنري فرعون ومجيد ارسلان وكميل شمعون والاخرين من ابطال
الاستقلال كانوا ينتسبون الى اليسار؟ هل ان بيار الجميل وجميل مكاوي
اللذين وحدا الكتائب والنجادة في وجه المستعمر ينتسبان الى اليسار؟ وعلى
الصعيد الدولي، هل ان البابا يوحنا بولس الثاني والرئيس الفرنسي جاك
شيراك اللذين وقفا بثبات وحزم ضد غزو العراق ينتسبان الى اليسار؟ ان هذا
التقسيم الفوقي الذي ويجعل اليسار مصدر الخيرات والنعم ويجعل اليمين مصدر
الويلات والشرور هو اجراء يجافي الحقيقة والواقع. فلا اليسار احتكر
الخير، ولا اليمين احتكر الشر. ان كلاً من هذا وذاك له ايجابيات وسلبيات
وان الكمال لله وحده، عز وجل... وهل ان المطالبة بتصحيح العلاقات السورية
– اللبنانية جريمة؟ افليس من مصلحة سوريا ولبنان، في آن واحد، ان تكون
العلاقة بينهما متوازية، فلا هيمنة من دولة على اخرى، بل تعاون وثيق
مخلص، من ند الى ند، من اجل خير الدولتين سواء بسواء؟ وهل ان هيمنة سوريا
على لبنان عادت وتعود بالخير على الدولتين؟ أفَلَمْ تؤد هذه الهيمنة الى
نوع من تقسيم نفسي لدى اللبنانيين، كما كانت الحال في "تظاهرة المليون"
التي تدنت الى عشرها وجعلت لبنان لبنانين: واحد بكثرة اسلامية مع سوريا،
وواحد بكثرة مسيحية ضدها؟ وأَلم تكن تلك الهيمنة في عداد الاسباب التي
ادت الى القرار 1559 الذي، مهما قلنا فيه، خلق للشقيقة سوريا – على
الصعيد الدولي – مشكلة كبرى كانت بغنى عنها؟ ان تصحيح العلاقات الذي طالب
ويطالب به وليد جنبلاط والذي يؤدي في شكل آلي الى السيادة اللبنانية،
طالب به كل من مجلس المطارنة الموارنة برئاسة البطريرك صفير، ولقاء قرنة
شهوان، والكتلة الوطنية،
والوطنيين الاحرار،
والكتائب الجميلية،
والتيار الوطني الحر،
والقوات اللبنانية،
والمنبر الديموقراطي،
والحزب الشيوعي و... و... أليس اولئك القوم جميعهم لبنانيين؟ أَفَلا يحق
للبناني ان يطالب بسيادة لبنان؟!
***
يُعلن اصدقاء الشقيقة
سوريا انه لا يجوز للامم المتحدة ان تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية،
وان الوجود العسكري السوري في لبنان شأن داخلي تقرره الدولتان الشقيقتان:
سوريا ولبنان. لاولئك الاصدقاء اقول، بمحبة وبساطة، ما يلي: اذا اعتبرنا،
جدلاً، انه ليس من حق الشرعية الدولية ان تتدخل في شؤون لبنان الداخلية،
فهل هذا يعني ان من حق الشقيقة سوريا ان تتدخل، هي وحدها، في تلك الشؤون؟
فهل في الدستور اللبناني او في الدستور السوري او في اتفاق الطائف او في
معاهدة الاخوة نص يجيز للرئيس السوري ان يتدخل شخصياً ومباشرة لفرض رئيس
جمهورية لبنان ورئيس مجلس النواب ورئيس حكومة لبنان ووزراء لبنان؟ فَمَن
يحكم لبنان، في الواقع وفي الحقيقة؟ اذا كانت الامم المتحدة قد تدخلت في
الشأن اللبناني فذلك لكي تضع حداً لتلك الهيمنة السورية غير الجائزة
شرعاً والتي تشكو منها وترفضها شرحة لا يُستهان بها من اللبنانيين. وتلك
الهيمنة السورية على لبنان ما كان يمكن ان تكون لولا تنازل اصدقائها لها
عن سيادة وطنهم وعن قراره الحر وعن معظم الصلاحيات التي اناطها الدستور
اللبناني بالسلطات اللبنانية. ان ذاك التنازل هو، في ذاته، غير شرعي، لأن
سيادة الوطن من القيم الاساسية والجوهرية "غير القابلة للتنازل". ان
الشرع الاوروبي والاميركي، في الدول الديموقراطية،
يطلق على هذه القيم صفة "inaliénables".
وهكذا فان تنازل الاصدقاء للشقيقة سوريا هو اجراء باطل لكونه غير شرعي
وغير مشروع، اصلاً. ولهذا السبب اصبح من واجب الشرعية الدولية – لا من
حقها فحسب – ان تتدخل كي تعيد الى لبنان حقوقه الشرعية التي أُخذت منه،
اي سيادته وكرامته وحرية قراره. ولو كان الوجود العسكري السوري على ارض
لبنان لم يؤد الى فقدان سيادته وحرية قراره والى سوء معاملة "السياديين"،
لما كان مجلس الامن قد تدخل. ولو اكتفت الشقيقة سوريا بوجود عسكري في
لبنان كالوجود العسكري الاميركي في المانيا،
لما كان مجلس الامن قد تدخل. وهكذا يكون اصدقاء سوريا هم المسؤولون
ادبياً ومعنوياً عن تدخل مجلس الامن في شؤون لبنان الداخلية.
***
وكما كانت الحال خلال
"تظاهرة المليون"،
هكذا كانت عام 1990،
عندما انقسم لبنان على نفسه: المسلمون، في صورة عامة، يؤيدون الوجود
العسكري السوري في لبنان، والمسيحيون، في صورة عامة، يؤيدون سيادة لبنان.
وهكذا، في تلك السنة، وبسبب الوجود العسكري السوري في لبنان واطلاق يد
الشقيقة سوريا فيه، وُجدت في لبنان وفي آنٍ واحد، حكومتان: واحدة في
"الغربية" يرأسها مسلم سني مُوالٍٍ لسوريا، وواحدة في الشرقية يرأسها
مسيحي ماروني موالٍٍ للبنان. وكان ما كان مما يعرفه الجميع: انتصار
"اصدقاء" سوريا المدعومين من اميركا – أجَلْ من اميركا اليمينية! -
وهزيمة "أصدقاء" لبنان، واطلاق يد سوريا في وطن الارز، بينما اسرائيل
تسرح وتمرح في الجولان وتتصرف فيه تصرف المالك بملكه. تلك هي "الصفقة"
التي دخلت ذاكرة التاريخ ولم تخرج منها بعد. |