|
|
|
الصوت
والضوء
النهار
بقلم سمير عطاالله
يجب ان نتأمل الصور
جيدا. ليس من اجل ان نعاقبهم، على ما قال الرئيس المستقال، مفاخرا: "اننا
نعرفهم بالصوت والصورة"، او على ما قال دولته "يا جبل ما يهزك ريح" فيما
البلد في مهب الرياح، او على ما قال يوم قال "بفرجيهم"، لأنه كان يملك
"الصوت والصورة". لا. يجب ان نتأمل الصور جيدا لكي نرى لعبة "الصوت
والضوء". صوت الناس وضوء الحرية. من الغباء الا نتأمل الصور جيدا: صورة
الشبان، من المدنيين، يتبادلون المشاعر مع شبان الجيش. راجعوا الصور. ولو
متأخرين. راجعوا الصور. شبان في عمر الورود. وشابات مثل الزنبق. ولا فؤوس
ولا فراعات ولا ابو عدس، تأملوا في صور عشرات الالاف. في ملامحهم. في
اناقتهم. في خطابهم. في اعلامهم. تلك هي الحقيقة الكبرى: شباب لبنان وغده
ومستقبله، تلك هي النسائم التي زعزعت الجبل. لا حاجة الى الريح ولا الى
العواصف. ولا الى شراء الإعلام "من بابه الى محرابه". ذلك لم يكن
الإعْلام. ذلك كان لبنان، من جبله الى ساحله، من ثلوجه الى شاطئه، جاء
يودع رفيق الحريري بالورود الحمراء، ورود 14 شباط والفالنتاين، وبالشموع،
وبالتكبير. وجاء يستودع حكومة "بفرجيهم". ووزراء "البراكيل" و"بنغو
قريطم". تأملوا الصور. تأملوا الصبا والجمال ونسائم لبنان. تأملوا رجال
الجيش الذي قيل انه سوف ينقسم. تأملوه وقد صار جزءا باسماً من الجمع،
يكاد يهتف، في صدره، ما يهتفون. ودعنا الرئيس كرامي، والحمد لله، برسالة
مكتوبة. هذا يضمن انها خالية من "الفودفيل". فلا مقام الشهادة يحتمل
المزيد، ولا الخوف على حياة لبنان يطيق المزيد. لا تستطيع، حتى لو شئت،
ان "تفرجي" كل هؤلاء الخارجين على شهود الزور وبلاغة البراكيل. يا للسهل
الممتنع. تأملوا الصور جيدا. انها بالصوت والصورة. والالوان. ما ابهج هذه
الالوان التي أُعتقت في ساحة الشهداء. ساحة الشهيد الذي عمل دون ان
يثرثر. ذلك الدؤوب الذي "لم يكن يملك الوقت للموت" كما قال داود الصايغ.
في الزمن الاستقلالي الاول كان الرئيس كميل شمعون وزيرا مفوضا في بلاط
"السان جيمس"،
ويبدو انه اكثر من التصريحات حتى خف معناها وحررت
كلماتها. فلم يهن الامر ولا هانت كرامة الكلمة على جورج نقاش، فكتب في
"الاوريان" افتتاحيته التاريخية: "اسكتوا السيد شمعون". كان ذلك لا يزال
عصر الكلمة في معناها المقدس: الكلمة كانت عند الله. وكانت قيمة لبنان في
انه ينقب عن الكلمة كما ينقب الآخرون عن الذهب او يحفرون في الالماس.
ويوم خرجت جماهير طرابلس في جنازة عبد الحميد كرامي وقف رياض الصلح يؤبّن
فقيد الشمال فجعله فقيد العرب، وطافت المدينة تهتف لرجلي الاستقلال، رياض
وبشارة. اهكذا في كل عصر يأتي شهيد الاستقلال من صيدا؟ وهكذا يصير في
لبنان ساحتان للشهادة، واحدة ينفرد بها رياض واخرى يشارك فيها رفيق
الحريري اهل 6 ايار؟ ذلك كان عصر الذهب. عصر رياض وبشارة وعبد الحميد.
وعصر الغيارى على رفعة الخطاب السياسي مثل جورج نقاش الذي خرج يكتب في
عصر الحرية والكلمة: اسكتوا السيد شمعون! لم اقرأ في حياتي ما قرأت ايام
حكومة عمر كرامي ذات الشهرين. وكان بعض الوزراء يتعثرون بوضوح في قراءة
ما كُتب، مما اثار شعورا بالشفقة في بلاد العرب: هل هذا حقا لبنان؟ لا.
ولا لبنان هو روكامبول الجوّ الذي طارد "تي. ان. تي" على الرحلة الى
سيدني على علو 40 الف قدم. ولا لبنان هوالذي سلَّم قضية في حجم اغتيال
رفيق الحريري الى مشرد صغير يدعى احمد ابو عدس لا يجيد قيادة السيارة.
ولا لبنان هو الذي استخدم كلمة "بركيل" التي لا يعرفها سوى الرعاة، ليصف
قامة الحريري حيا. اذا اردتم ان تعرفوا لبنان حقا تأملوا الصور جيدا.
تابعوا الاعلام الذي "اشتُري من بابه الى محرابه" لمجرد انه حزن على
فقدان رئيس وزراء هائلة قامته. نعم، دولة الرئيس، "بالصوت والصورة" هذا
هو لبنان، خاليا من الفؤوس وخفة ظل القراصنة وما مسخرت وجوههم السقيمة.
هذا هو لبنان الانيق الجميل والمتزايد ألقاً.
سمير عطاالله |
|