متى تعترف سوريا
ببراءة مسيحيي لبنان؟
بقلم سجعان القزي
مع ارتفاع نسبة الضغوط الاميركية على سوريا
منذ حوالى السنة، انهالت على المسيحيين اللبنانيين النصائح بتجميد
الملفات الخلافية مع سوريا (الوجود السوري المتعدد الوجه، السيادة
والاستقلال، وتقرير المصير...) ولاقت النصائح آذانا صاغية: "لقاء قرنة
شهوان" اكتفى بالمطالبة بسلطة لبنانية بديلة، معارضون آخرون صاروا في
عداد المفقودين، وغبطة ابينا البطريرك الكاردينال صفير اعتبر ("النهار"
18 تشرين الاول 2003) ان "لا حرج في بقاء الجيش السوري اذا تصرف
كالاميركيين في المانيا" وربط "الانسحاب السوري من لبنان بالسلام
الشامل في الشرق الاوسط" رغم ان القرارالدولي 520 لا ينص على ذلك.
احتجاب المسيحيين تجاوبا مع النصائح هو
ابلاغ سوريا، مرة اخرى بعد الف، ان مطالبتهم بانسحاب الجيش السوري ليست
تآمرا على نظامها ولا صدى مشروع اميركي - اسرائيلي بل امتداد لموقف
المسيحيين التاريخي حيال سيادة لبنان واستقلاله ما حادوا عنه لا امام
ام سابقة حنون (فرنسا) ولا امام شقيقة بعيدة (مصر) ولا امام اخرى مميزة
(سوريا).
"اعلان النيات المسيحية" هذا، هو كتبشير
مؤمن، فالنظام السوري، في قرارة نفسه، واثق من براءة "الاخوان
المسيحيين" من اي مؤامرة عليه، وامعانه في اتهامهم بارتباطات اقليمية
ودولية هو اختلاق ذرائع لمواصلة هيمنته على لبنان، ارضا وشعبا، دولة
ومسؤولين، مؤسسات ومرافق اقتصادية.
ان مفهوم العمالة غريب عن قيم الكرامة التي
تربى عليها مسيحيو لبنان. فمن ناضل في سبيل عزة النفس والسيادة الوطنية
لا يتأقلم مع العمالة. ومن لم يخضع الا لله لن "يتعملن" لانسان.
والمقاومة المسيحية في لبنان (1975 - 1982) وقد "ضحّت" بآلاف الشهداء،
ما كانت عميلة لأحد، فالعمالة لا تثير شهية الاستشهاد.
تقول قاعدة في علم النفس: "حين تكون الصورة
امامك لا داع للخيال". وتقول اخرى في علم السياسة: "حين تكون الوقائع
امامك لا مجال للتحليل". يعني: اذا عادت سوريا الى ملف علاقاتها مع
مسيحيي لبنان ستكتشف من دون عناء أنهم ليسوا هم الذين تورطوا في
مؤامرات على انظمتها المتعاقبة، وانهم لم يقاوموها في سنوات الحرب
لتغيير نظام دمشق بل حفاظا على استقلال لبنان. ان مسيحيي لبنان،
انطلاقا من ثوابتهم الوطنية، يرغبون في علاقات وطيدة بالنظام السوري،
ويأملون منه ان يبادلهم بالمثل ويتوقف عن الظن انهم يفضلون غيره عليه
اقليميا. فعلاقات المسيحيين الظرفية باسرائيل، في بعض مراحل الحرب،
فرضها، بداية، خوف من ابادة لا خيار استراتيجي.
لن نرجع في علاقات مسيحيي لبنان وسوريا الى
عهود الخلفاء الامويين. فأيام السلطنة العثمانية لم يكن الصراع مسيحيا
- سوريا، بل لبنانيا - عثمانيا بين الولاة العثمانيين في دمشق وحلب
وامراء جبل لبنان (وهم كانوا دروزا وسنّة قبل ان "يتمورنوا" مع الامير
ملحم الشهابي نحو سنة 1732). وبعد سقوط العثمانيين، رفض مسيحيو لبنان
الانضمام الى المملكة العربية الكبرى (بقيادة الشريف الحسين امير
الحجاز) وليس الى سوريا التي لم تكن قد انشئت بعد كدولة وكيان. ولما
احتل الفرنسيون سوريا، آزر قادة مسيحيي لبنان زعماءها في نضالهم من اجل
توحيد سوريا (1936) واستقلالها (1946). وفي مرحلة الانقلابات العسكرية
قبل البعثية (1949 - 1958) التزم مسيحيو لبنان الحياد تجاه الانقلابيين
المتعاقبين على دمشق. ويوم الرئيس جمال عبد الناصر ألحق سوريا بمصر
(1958)، رفض مسيحيو لبنان مشروع الوحدة وهول الرئيس كميل شمعون "بحلف
بغداد" للتحصن ضد المد الناصري، لا ضد سوريا تحديدا. وانصفت الايام
مسيحيي لبنان، فما ثاروا عليه سنة ،1958 انقلب عليه السوريون لاحقا
(1961) واعلنوا الانفصال عن مصر.
ولما استولى حزب البعث على السلطة (8 آذار
1963) وتعرضت سوريا لوابل انقلابات قبل ان يضبطها حافظ الاسد، كان كل
حاكم سوري جديد يتهم اطرافا لبنانية بالتآمر عليه، ودولة لبنان بسماحها
للاجئين سياسيين سوريين بالقيام بنشاطات ضده. والطريف ان كل الحكام
السوريين الذين انتقدوا اجواء الحرية في لبنان، لجأوا اليه تباعا بعد
انقلابات اطاحتهم.
وآثروا، لسلامتهم، سكن المناطق المسيحية.
فخالد العظم، مثلاً، رئيس الحكومة السورية الاسبق وعرّاب القطيعة
الشهيرة مع لبنان سنة 1951 قطن في "عين الرمانة" وتحديداً في شارع بيار
الجميل.
اتهامات سوريا ذلك الوقت كانت في محلها.
فلاجئون سوريون استغلوا أجواء الحرية في لبنان "للتآمر" على النظام
القائم في سوريا، واطراف سياسية لبنانية تواطأت مع انظمة عربية ضد
البعث السوري الحاكم. غير ان انقلابيي سوريا تناسوا ثلاثة امور: الاول،
ان وظيفة الديموقراطية (اللبنانية) ليست حماية الديكتاتورية (السورية
او غيرها)، الثاني، ان اجواء الحرية في لبنان اساءت اليه اكثر مما اضرت
بسوريا، لأن تيارات يسارية وفلسطينية وعربية واجنبية انتهزت تلك
الاجواء لضرب نظام لبنان وكيانه وصيغته (انفجار سنة 1973 وحرب سنة
1975). والثالث، ان الاطراف اللبنانية التي تواطأت عليها (بين
الخمسينات والسبعينات) لم تكن مسيحية. فليس المسيحيون من تآمر مع
السعودية ومصر والعراق والاردن، ومنظمات فلسطينية على قلب اي نظام بعثي
في سوريا، وبخاصة النظام الاسدي. مسيحيو لبنان رحبوا "بالحركة
التصحيحية" سنة 1971 وقامت علاقة مميزة بين قادتهم التاريخيين والرئيس
حافظ الاسد.
اجل، ليس مسيحيو الشهابية والكتائب
اللبنانية والوطنيين الاحرار والكتلة الوطنية والجبهة اللبنانية من أجج
صراع "البعثيين" (السوري والعراقي) لاضعافهما واستغلال انقساماتهما.
وليس رؤساء الجمهورية اللبنانية الموارنة من بادر الى اتخاذ موقف ضد
سوريا على الصعيد الثنائي او الاقليمي او الدولي. وللتذكير فقط، كل
رؤساء لبنان في تلك الفترة من كميل شمعون الى الياس سركيس، مروراً
بفؤاد شهاب وشارل حلو وسليمان فرنجية، حازوا موافقة سوريا قبل انتخابهم.
العلاقات بين المسيحيين وسوريا تدهورت جدياً
اواسط السبعينات عندما بدأت سوريا تتحضر للسيطرة على لبنان. وعبثاً سعى
مسيحيون رؤساء (سليمان فرنجية) وقادة (بيار الجميل) لتدارك الامر قبل
القطيعة النهائية (1975- 1976)، فالنظام السوري كان قد سار في مشروع
اقليمي ودولي ضحيته لبنان ووقوده المسيحيون، فقاوموه علهم يغيرون في
مجرى الاحداث.
ورغم ذلك، ما ان اعلن حافظ الاسد مبادرته
الشهيرة (21 تموز 1976)، حتى رحّب بها المسيحيون وتقبلوا فتح مناطقهم
"الحرة" لـ"قوات ردع سورية" رفضها كمال جنبلاط ومنظمة التحرير
الفلسطينية. وبلغ الترحاب المسيحي بالعلاقة مع سوريا حد اطلاق بيار
الجميل عبارة "سوريا الاسد"، واقتراح الرئيس كميل شمعون سنة 1977
كونفيديرالية لبنانية - سورية (حديث الرئيس حافظ الاسد في 28/12/1985)
لدى استقباله وفدا لبنانيا كنت من اعضائه).
فسحة العلاقات الطيبة لم تدم طويلا اذ لاحظ
المسيحيون ان "قوات الردع العربية" صارت قوات سورية صرفا وتحولت (بممارساتها)
قوة احتلال. ولأنهم قاوموا سنة 1975 محاولة قيام دولة فلسطينية داخل
الدولة اللبنانية، لم يكن واردا ان يقبل المسيحيون سنة 1977 دولة سورية
مقام الدولة اللبنانية. فكانت مرحلتا المواجهات العسكرية (1978-1990)
والتباعد السياسي (1991-2004). وفي المرحلتين حاول المسيحيون تنقية
العلاقة مع سوريا فعرض قادتهم، بمن فيهم بشير الجميل، على اركان النظام
السوري مشاريع تسويات وحلول، فرفضوها وآثروا التعامل مع شخصيات لا تمثل
الرأي العام المسيحي ولا حتى اللبناني.
هذا العرض التاريخي الموجز يوضح ان مسيحيي
لبنان ليسوا الفئة المعادية حكما لسوريا. وحين دعت مصلحة لبنان (السيادة
والاستقلال) او مصلحتهم (الامن والحرية) واجهوها بشرف لكنهم لم يتآمروا
عليها، بل ساءهم، وخصوصيات تجمعهم مع "الحالة الاسدية" الا يقوم تحالف
ثابت واستراتيجي بينهما.
ما مضى قد مضى. اما اليوم، ومن دون التنكر
لارواح الشهداء فان الظروف الحالية مؤاتية لتفاهم تاريخي بين سوريا
ولبنان، وبخاصة بين هذا النظام السوري ومسيحيي لبنان لأن اعداءهما
مشتركون في لبنان والمنطقة، ولأن مصيرهما واحد في المشرق مهما اختلفا
وتكبّر احدهما على الآخر. نجاح مثل هذا التفاهم يتطلب ما يلي:
1- ان يعرف الرئيس بشار الاسد الحقيقة من
اصحابها الذين لا يعرف احدا منهم بعد، فغالبية زواره المسيحيين لا
علاقة لهم بالهم المسيحي والقضية اللبنانية.
2- ان تتخلى سوريا نهائيا عن اعتقادها بأن
لبنان جزء مسلوخ عنها، ويجب ان تستعيده جزئيا اوكليا، فهي أيدت "اتفاق
الطائف" الذي اقر بنهائية الوطن اللبناني (الفقرة "أ" من مقدمة
الدستور).
3- ان تدع سوريا اللبنانيين يديرون شؤون
بلادهم بحرية واستقلال، فهم، والزمن عصر عولمة، باتوا مقتنعين ان
السيادة والاستقلال لا يتعارضان مع المصالح اللبنانية-السورية
المشتركة.
4- الا يعتبر قادة مسيحيون ان طريق الزعامة
يمر حتما بمهاجمة سوريا واستعدائها، خصوصا ان الانتشار العسكري السوري
الحالي (وان هو يمس في المطلق بسيادة الدولة اللبنانية) لا يشكل خطرا
على امن المسيحيين ولاسيما مسيحيي البقاع والشمال.
5- ان تقوم معادلة يعترف فيها المسيحيون
بدور النظام السوري المميز في المشرق مقابل اعترافه بوجودهم المميز في
لبنان.
وفي هذا السياق، لا بد من عودة قادة
مسيحيين منفيين وخروج آخرين من السجن. لأن هؤلاء القادة ليسوا بالضرورة
قنابل موقوتة ضد سوريا، هم الذين ابدوا اخيرا حرصهم على امن النظام
السوري و استعدادهم لتنسيق نضالهم الوطني الداخلي مع مصالح سوريا
الاقليمية.
ختاما، لا اظن المسيحيين اللبنانيين سعداء
بنزاعهم مع سوريا، ولا هي فخورة في قرارة نفسها "بحلفائها" الحاليين...