حتى الأمس القريب، كنت شديد الغيظ والغضب من
الوصاية السورية على لبنان.
اليوم، صرت شديد الرثاء للحكم السوري الذي
فقد اربعاً من حواسه، عندما لم يعد يسمع، او يرى، او يشم، او يلمس. بقيت
حاسة واحدة: ما زال يتذوق إخضاع شعب آخر، مباشرة قبل اشهر وعبر وكلائه
راهناً.
حاول الحكم البعثي اليتيم كل شيء حتى يبقى
جاثما، حاول شراء سكوت الولايات المتحدة من خلال خدماته في العراق عقب
سقوط صدام، ثم من خلال إقصاء القوى الفلسطينية الموالية له، ثم من خلال
بسط اليد لمفاوضات بلا شروط مع اسرائيل. واضاف الى التودد اغضاء البصر عن
التفجيرات الاسرائيلية في دمشق، فلا من يصمدون او يتصدّون.
ولما بقيت واشنطن على جفائها ولم تستجب
للعاشق الولهان فصدر القرار 1559، لجأت دمشق الى التحايل: خرجت من المسرح
بعد تجديد ولاية رجلها، وتلطّت خلف الستار. انتقلت من تقديم المسرحية
امام الجمهور، الى مسرح الدمى، تحركها بخيوط: تشكيل حكومة بعثية الهوى،
اطلاق يد الاجهزة الامنية، زرع الافخاخ بين المعارضين علّ احدهم يقع في
فخ.
وجاءت الحصيلة، داخليا، أنْ اتسعت مروحة
المعارضة: رفع المتروبوليت الياس عودة الصوت جهيرا رفضا للوصاية، دعا
الرئيس سليم الحص الى كف يد الاجهزة والانسحاب الى البقاع، ناشد الرئيس
حسين الحسيني تطبيق الطائف المغدور... بعدما تراصّت المعارضة في جبهة
تقول: الحرية والسيادة والاستقلال.
وجاءت الحصيلة: خارجيا، ان بات تطبيق القرار
الدولي يتصدر قائمة الطعام في كل وجبة اجتماع بين سوريا وقادة العالم،
عربا وعجما.
فماذا بقي في الجعبة؟
امام دمشق حلان:
اما ان تغيّر الشعب اللبناني الذي خرج من
القمقم، واما ان تغيّر نفسها وسياستها.
ولما كان تغيير الشعب محالا، ولا شعب في
المعمورة يصبر على ما صبرنا، فقد بقينا امام حل وحيد:
ان تستردّ دمشق حواسها المعطّلة، فتسمع
الهدير، وتبصر الواقع، وتلمس المتغيرات، وتشم العفن.
ان حاسة واحدة لا تكفي الانسان على مدى
الزمان، يا اخوان.