|
مقال طوباوي بقلم مدع عام
"النهار"
الاثنين 3 كانون
الثاني 2005
يحرص الاستاذ سمير
عطاالله في مقالاته عن الداخل اللبناني ان يستلهم "الطوباوية" عندما
يتناول خصوصا الحرب التي خاضتها الاحزاب المسيحية مرغمة ويستعمل كلمات
انتحارية، وهيجان وعصبية وغيرها. ففي رأيه ان كل ما جرى كان انتحارا او
نزعة شر او تفجير ضغائن واحقاد وامراض نفسية. وفي ذلك طوباوية ماكرة.
الحرب كانت صيفا حارا
ودمارا على المسيحيين وعلى كل طوائف لبنان ولم تخض لترف او لهو او مرض
نفسي. كانت حرب وجود وبقاء في مساحة حرة. وعندما يجرك المعتدي الى وضع
الهلاك او التعدي لا يعود يكفي استلهام سقراط وافلاطون.
كان هناك مشروع
كيسينجر التفتيتي، وهو اليوم يعاود عرضه على اهل العراق.
واذا بالمرحوم ياسر
عرفات وكل الفصائل الفلسطينية تهرول لتنفيذه بدل ابعاده، وحاولت حكم
لبنان كما اعترف عرفات لاحقا. صحيح اننا كنا في تجاذب داخلي وكلام عن
مشاركة وحرمان واعتكاف المرحوم رشيد كرامي لنصل الى اتفاق القاهرة،
ولبنان والمسيحيون خصوصا ارتضوا به على مضض تجنبا للصدام. لكن المقاومة
الفلسطينية التي وحدها كانت تملك السلاح وتوزعه وحتى تبيعه "للاخصام"
فضلت العمليات العسكرية وابقت لبعض زعماء الاحياء بعض الدور في ممارسة
ابشع التصرفات في حق المواطنين. كان مشروع استبدال غزة واريحا بعيون
السيمان وجونيه. فلا الترويقة في بكفيا بين ياسر عرفات وبيار الجميل قبل
الشرارة ولا كل اجتماعات التهدئة ولا محاولات القضاء اللبناني لتسلم ملف
مقتل جوزف ابو عاصي والاعتداء اللاحق على "البوسطة" كانا على اجندة عرفات
بل كانت الفرصة المناسبة للانقضاض على الدكوانة، وجسر الباشا وعين
الرمانة، الخ... وهي مناطق كانت تحتضن المقاومة قبل ان تتحول دولة ضمن
دولة، واصبحت مناطق انعزالية يجب تأديبها.
كانت حربا
كريهة واجهها المسيحيون بالقليل القليل في البدء املا في ان تتوقف. بعدها
دخل السوري والاسرائيلي على الخط وكل منهم ما شاء الله اتحفنا بما عنده
من فنون القصف. لا اظن ان بيار الجميل وكميل شمعون وشارل مالك وفؤاد
افرام البستاني وادوار حنين وهم في عليائهم اليوم يقبلوا بأن يصلح نعتهم
بالانتحاريين. بشير الجميل واجه اسرائيل رغم ضغط الاحتلال اكثر من الرئيس
المصري الراحل انور السادات والملك الراحل حسين وكل الملحقات التجارية
لبلدان الخليج عندما طلب منه التوقيع على السلام، وشعاره 10452 كلم مربع
اختفى تحت انقاض بيت الكتائب في الاشرفية، هدية سورية لرفضه الاذعان
لبيغن.
لماذا عدم الاعتراف
بأن المقاومة الفلسطينية لعبت دور حصان طروادة مع اسرائيل في لبنان؟
وحتى اذا كتب الاستاذ
سمير عطاالله عن المصالحة "تعوده" ذكرى الكتائبي الذي يشرب الشمبانيا في
الكرنتينا ولا يستذكر اهل الدامور التائهين في العراء على ايدي "الصاعقة"
وحلفائها.
وان كتب مقالا على
البطريرك يغمز خلاله الى "المشروع الانتحاري" او يتهكم على اعتماد "اللغا
اللبنانيي" كأنما الصومالي يتكلم بلغة الفارابي وابن خلدون حين يخاطب
الداخل عنده.
صحيح انه شاهد الحرب
اللبنانية من الخارج ولم يرها الا بالنظارات. ليس كما عايشها اللبناني
واحترق بها.
الاحزاب المسيحية
كانت تواجه اعتداء فرض عليها وكانت بكركي لها مصدر قوة وصمود عبر
التاريخ. ولو حظي عرفات بالانتصار لكان المقال عن البطريرك غير وارد
اليوم. الاحزاب المسيحية حاربت وقاومت وارتكبت اخطاء ايضا وعاشت الاضطهاد
لاحقا بعد الحرب. ولكن بفضلها رجع لبنان الى رحاب التعددية وصفاء العيش
المشترك وجاء البابا رئيس الكرادلة الى لبنان من اجل السينودس واستمرار
البقاء والعيش الحر مع الآخر.
جميل ان تكون في عالم
الصحافة اقلام بليغة مثل قلم الاستاذ سمير عطاالله، ولكن عندما تنتقل الى
دور المدعي العام نكون امام وضع آخر.
حبيب سالم |