يقول النائب صلاح حنين ان اقتراح قانون
بتعديل قانون العفو لا يحتاج الا لتوقيع نائب او عشرة نواب فقط خلافا
لاقتراح تعديل الدستور الذي يحتاج الى توقيع عشرة نواب وليس اقل من
هذا العدد.
لذلك فان العريضة التي تتضمن اقتراح
قانون معجلا مكررا بالعفو عن الدكتور سمير جعجع وعليها تواقيع تفوق
كثيرا العدد المطلوب اي عشرة نواب فقط قد يعتبره الرئيس بري، بناء
على حديث سابق معه، مخالفا لاحكام النظام الداخلي، لان توقيع اكثر من
10 نواب على اقتراح القانون بتعديل قانون العفو هو بمثابة ارتهان
مسبق لارادة النائب. لذا، ينبغي وضع اقتراح قانون بالعفو مستقلا عن
العريضة التي تشكل بعدد النواب الموقعين عليها قيمة معنوية واعلامية
داعمة للاقتراح ليس الا.
غير انه بات واضحا ان السلطة وفئة من
الموالين لها ليست في وارد اصدار عفو عن جعجع ولا السماح بعودة
العماد عون، خصوصا قبل الانتخابات النيابية ما لم يبدل كل منهما
مواقفه السياسية ويؤيدان في الانتخابات مرشحي السلطة. وما قول رئيس
الحزب السوري القومي الاجتماعي جبران عريجي "ان خروج جعجع من السجن
شيء وخروجه مع مشروعه السياسي شيء. وبالنسبة الى عودة عون، اذا كانت
عودته خارج المسألة القضائية هي عودة لمشروعه السياسي، فالامر يحتاج
الى نقاش" سوى تأكيد لنية السلطة والموالين لها.
وقد استدعى هذا الموقف المستغرب لرئيس
الحزب السوري القومي الاجتماعي ردا من النائب نعمة الله ابي نصر ذكر
فيه ان "الدكتور جعجع شريك في مشروع اتفاق الطائف السياسي الذي اوقف
الحرب الاهلية، وان القول بسجن المشروع السياسي لجعجع ورفض عودة
المشروع السياسي لعون هو اعتراف صريح بأن جعجع سجين سياسي وان عون
مبعد سياسي ايضا".
والواقع ان عريجي اذا كان يعترف بالتنوع
السياسي والفكري في لبنان واحترام حرية الرأي، فإن عليه ان يسلم
بمشاريع وافكار غيره السياسية ويبقى للشعب ان يقرر مع اي مشروع يقف
والا لماذا يحق للحزب السوري القومي الاجتماعي ان يكون له مشروع
سياسي يدعو الى "سوريا الطبيعية" والى احزاب وتيارات تدعو الى
الوحدة العربية.
ان الامر في حقيقته، كما ترى اوساط
نيابية ليست في مشاريع سياسية لجعجع وعون تحول دون العفو عن الاول
وعودة الآخر، انما هي مسألة سياسية وانتخابية، فاذا ايدت "القوات
اللبنانية" لوائح السلطة يصبح الدكتور جعجع بريئا من كل الجرائم التي
اتهم بارتكابها، واذا ايد "التيار العوني" هذه اللوائح، فإن عون يصبح
ملاكا لا بل رجلا وطنيا وشفافا كما وصفه الوزير وئام وهاب. اما اذا
ظل جعجع على موقفه الثابت من السلطة وسياستها، فانه سيظل في السجن
كونه مجرما خطيرا... ولن تسقط عنه الحقوق الشخصية، واذا ظل عون على
موقفه الثابت ايضا، فانه يبقى في منفاه الى اجل غير معروف لان عودته
قد تحدث اضطرابا في البلاد ويهتز معه السلم الاهلي...
واذا كان العفو عن جعجع وعودة عون يحدثان
انقلابا سياسيا ابيض على ابواب الانتخابات النيابية، فان البعض توقع
ان يتم ذلك بعد الانتخابات باعتبار ان السلطة تكون قد ضمنت فوز
الاكثرية النيابية فيها، وتصبح محصنة، تعين على "القوات اللبنانية"
والتيار العوني اظهار حسن نية في الانتخابات وذلك بالوقوف اما مع
لوائح السلطة والموالاة واما على الحياد، او تشكيل لوائح مستقلة عن
الموالاة والمعارضة كي لا تذهب اصوات "القواتيين" و"العونيين" الى
لوائح المعارضة. وان تسليف السلطة هذا الموقف يمهد للبحث الجدي في
العفو عن جعجع وفي عودة عون...
والسلطة لا تريد في الوقت الحاضر العفو
عن جعجع والا لكانت تدخلت لدى الرئيس كرامي ولدى غيره من اصحاب
الحقوق الشخصية لكي يتنازلوا عنها، ولا تريد عودة عون، والا لكانت
طوت ملفه امام القضاء وبرأته من التهم المنسوبة اليه واخذت بشهادة
الوزير وهاب بأن عون "رجل وطني وشفاف"... وان كان في هذه الشهادة
الشخصية هدف انتخابي ليس الا.
لقد سبق لرئيس حزب الكتائب كريم بقرادوني
ان قال في 22/12/2003 في حديث الى "المسيرة" حول خروج جعجع من السجن:
"نصيحتي في موضوع سمير جعجع التقليل من الكلام والاكثار من الفعل.
وباعتقادي قلة تعمل حقيقة من اجل اطلاقه وكثرة تعمل للافادة من سجن
جعجع بكثير من الصخب والضجيج" وعن شروط اطلاقه قال: "اتفاق وطني حول
صدور عفو عام يخرجه من السجن، طريق خروج سمير هو العفو العام. فمن
اول الطريق قال الرئيس لحود لا عفو خاصا والتزم هذا الكلام. وعلى كل
حال، مصلحة سمير في عفو عام لان شروط العفو الخاص غير متوافرة خصوصا
وانه يتطلب من اصحاب الحق الخاص التنازل اي آل كرامي وآل شمعون وآل
الزايك وآل المر. لذلك لا ارى امكانية خروج جعجع من السجن في الافق
المنظور وفي خلال العام 2004 سيخرج او حتى سيطرح موضوعه بجدية. هذه
سنة استحقاقات كبرى اقليميا ودوليا" (وقد صح ما توقعه).
والسؤال المطروح الآن هو: الى اين يمكن
المضي بعريضة العفو عن جعجع ما دام العفو الخاص مستبعد؟
ان التوقيع على هذه العريضة في رأي اوساط
سياسية هو بمثابة استفتاء نيابي لعدد المؤيدين والمعارضين حتى وان لم
يطرح الموضوع على مجلس النواب لاعتبارات سياسية او انتخابية وعندما
يتقرر التقدم باقتراح قانون بالعفو، فان ذلك سوف يكشف نيات السلطة
ونيات نواب يقولون بالتصويت عليه اعتقادا منهم انه لن يطرح. فالسلطة
ومن معها تقول تارة بالعفو الخاص وطورا بالعفو العام تبعا للظروف
السياسية والمصلحية، او تقول ان الظرف غير ملائم او ان العفو لا يمكن
ان يتم تحت ضغط التواقيع او وسط الضجيج... واذ يتبين ان النتيجة
واحدة فلا بجمع التواقيع يتم العفو ولا بالصمت والسكوت ايضا.
الى ذلك، فان الكرة الآن هي في ملعب
الرئيس بري وتحديدا في ملعب هيئة مكتب المجلس. فاما تنام العريضة في
الادراج او تتحرك، وهذا رهن بالايحاءات من فوق... وفي هذه الحال، فان
هذه العريضة ستحول الى اقتراح قانون معجل مكرر بتعديل قانون العفو
الصادر عام 1991 يطرح على مجلس النواب، وطرحه يصبح ملزما لرئيس
المجلس بموجب المادة 118 من النظام الداخلي ونصها: "للرئيس طرح
الاقتراح او المشروع المعجل المكرر على المجلس في اول جلسة يعقدها
بعد تقديمه حتى ولو لم يدرج في جدول الاعمال".
الا ان للحكومة بموجب المادة 119 "حق طلب
ارجاء البحث في الموضوع المعجل الى الجلسة المقبلة وعلى الرئاسة
اهمالها بدون استشارة المجلس. كما ان لمجلس النواب ان يناقش صفة
الاستعجال المكرر ويصوت عليها اولا حتى اذا ما اقرها وجبت مباشرة
مناقشة الموضوع والتصويت عليه بدون احالة على اللجنة او اللجان
المختصة (المادة 120). واذا رفض المجلس صفة الاستعجال المكرر احيل
المشروع على اللجنة المختصة واتبعت في شأنه الاصول العادية (المادة
121).
يقول عضو لقاء "قرنة شهوان" نقيب
المحامين السابق شكيب قرطباوي "ان القضية برمتها (جعجع وعون) هي قضية
سياسية لا تخضع لاعتبارات قانونية بل للتجاذبات السياسية، وحل القضية
يرتبط بشكل اساسي بالموقف السوري. فاذا كان القرار السياسي في شأن
عون وجعجع متخذا، فيمكن عندئذ توفير الصيغة القانونية. فقضيتا عون
وجعجع سياسيتان ألبستا لباس القضاء".
والسؤال الذي يطرح في حال صار التقدم
باقتراح قانون تعديل قانون العفو الصادر عام 1991 هو: هل يستفيد جعجع
وحده من العفو، ام ينبغي ان يستفيد سواه ايضا لان العفو عن شخص محدد
بالاسم هو من صلاحية رئيس الجمهورية دستوريا، كما نسب الى الرئيس بري،
وهل يمكن الاتفاق على من ينبغي ان يشمل العفو العام واعتبارا من اي
تاريخ!