قضيتنا فكر والتزام وممارسة
الكلمة التي ألقاها الدكتور سمير جعجع، في مقرّه في غدراس، في المشاركين في الدورة الثالثة من دورات المعلومات السياسية تاريخ 26/5/1992.
أهمية الدورات التي بدأناها منذ حوالي السبعة أشهر، تفوق، بدرجات، أهميتها الانضباطية أو الأكاديمية أو التنظيمية.
مركز الإنماء السياسي نقطة انطلاق للبدء بالتعرّف الى فكر القضية التي من أجلها نعمل ونقاوم. فمن دون فكر لا يمكننا أن نحقق شيئاً.
جزء كبير من الأزمة اللبنانية، وجزء كبير من الدمار والخراب الذي لحق بمجتمعنا ووطننا، مسؤول عنهما غياب الفكر السياسي عند أكثرية المتعاطين بالشأن العام، باستثناء بعض العقائديين.
أيها الرفاق،
نحن ، كشعب، لا تنقصنا لا القدرات الاقتصادية ولا المالية ولا العلاقات السياسية... إننا نملك الكثير من الطاقات على مختلف المستويات. إنما ينقصنا شيء أساسي هو الفكر. لا أعني بالفكر، هنا، الثقافة، او بعض المعلومات، أو القرارات المتنوعة. الفكر الذي أعنيه أبعد بكثير. وسأحاول أن أعرض بشيء من التبسيط مفهومي الشخصي للفكر، من دون أن أغوص بالشرح الأكاديمي أو العلمي للموضوع.
لكي يعرف أحدنا ماذا يفعل، فهو في حاجة الى فكر. كثيرون يتحدثون عن القضية منذ خمسة عشر عاماً، وعن المسيحيين ووجودهم وحريّتهم، الخ... هؤلاء، يعرفون بعض جوانب القضية. أما المفهوم الشمولي لهذه القضية فينقصهم.
إذا سألنا مقاتلاً صار له عشر سنوات في المقاومة: ماذا تعرف عن القضية التي تقاتل من أجلها؟ فقد يجيب ان قضيتنا هي الدفاع عن وجود المسيحيين في لبنان وضمان حريّتهم ومعتقدهم.
مثل هذا الجواب، وان صحيحاً، غير كاف.
فكر القضية يبدأ بشكل عام في فهم الاسلام وفهم مجتمعنا والتعمّق في تاريخ لبنان، والغوص في أسباب الاحداث المعاصرة وتلك التي نعيشها منذ الخمسينات.
في يقيني انه لم يعد مسموحاً أن يضحّي فرد في مجتمعنا بحياته من أجل قضية لا يدركها من كلّ جوانبها وفي كلّ أبعادها.
هل تعلمون لماذا إنحرفت بندقية المقاومة مرّات كثيرة عن أهدافها؟ لسبب بسيط جداً وهو ان الكثيرين من حاملي هذه البندقية يفتقرون الى فكر القضية. إن من العشرين الف مقاتل، ممن اشتركوا في المقاومة اللبنانية منذ بدء الحرب في نيسان 1975، هناك حوالي خمسماية شخص واعون تماماً لكل ما يحصل. أما الباقون فمشاركتهم في الحرب جاءت ردّة فعل غرائزية وهي الدفاع عن أنفسهم وعن عيالهم ضد الفلسطينيين أو المسلمين أو اليساريين... ومع مرور الوقت إنتظموا في صفوف المقاومة. علماً بأن قسماً لا بأس به منهم تصرّف على نحو لا يتناسب وروح المقاومة، فأساء الى أهدافها وجوهرها، وشوّه حقيقتها. أضف الى ذلك أن أفراداً في صفوفنا، حتى اليوم، يعتبرون المقاومة آخر همّ من همومهم. وهم غير مستعدين للتضحية بأي شيء في سبيل القضية المقدّسة. لماذا؟ لأنهم يجهلونها، ولا فكر عندهم.
وهنا نطرح السؤال: كيف يمكننا تحصيل الفكر؟
بالعلم نحصّل الفكر. لا تعتقدوا البتّة ان الفكر ينبت فينا عند الولادة . صحيح ان بعض الناس تتوفّر لهم ظروف أفضل من سواهم لتحصيل العلم. ولكن جميع أبنائنا قادرون على تحصيله إذا شاؤوا. هنا الطموح يلعب دوره.
الفكر، يا رفاق، هو ضالتنا. ووجودنا يتعلق به. الفكر هو ضمان وجودنا ومستقبلنا. لا تلقوا بمسؤولية الفكر على المدارس وحدها. الفكر "ينمو" و "يتجوهر" بالممارسة وبالاستمرار من الغرف منه. وعلينا تشجيع أولادنا على تحصيله حتى يصبح هذا الهمّ جزءاً من تراثنا الإجتماعي والتاريخي.
كان علينا ان ننطلق من نقطة ما. فكانت هذه الدورات.
صار عندنا حتى الآن حوالي ثلاثماية رفيق او مسؤول مهيئين ليكونوا حملة فكر القضية في مجتمعنا. وطموحنا لا يتوقف عند هذا العدد. نحن مستمرون حتى يصبح عندنا من أمثالهم الآلاف.
وهكذا سنة بعد سنة، وجيل بعد جيل، تتغيّر الممارسات السياسية في مجتمعنا ويتبلور فكر القضية. فنكون هكذا قد شققنا الطريق. وكل ما يبقى يصبح سهلاً. بهذه الطريقة نصل في وقت قياسي الى تكوين أكبر قوة سياسية مسيحية تملك فكراً ووعياً لقضيتها وعندها تصبح فرص النجاح أكبر.
أعود وأكرّر أنه لا يعقل أن يكون هناك أشخاص مستعدين للموت في سبيل لا شيء. فإذا لم نتوصل الى وعي ومعرفة جوانب الفكر المحيط بقضيتنا كافة، فعبثا نحاول الاستمرار كمجتمع. إذا لم نعِ الأمور الأساسية والجوهرية المحيطة بنا ونتعرّف إليها بعمق، سنبقى محدودي الأفق، وبالتالي، محدودي القدرات.
وأعود وأكرّر أن فكر القضية يبدأ بالتعرّف الى حقيقة الاسلام ووضع المسلمين والمسيحيين، والى تركيبة الشرق الأوسط، والى تاريخنا، والى المعاناة التي عاشها ويعيشها المسيحيون.
إن ما حدثتكم عنه هو "فكر إيديولوجي". إنه مهمّ جداً جداً. ولكنه لوحده لا يكفي. وإلاّ أصبحنا مثل جماعة حزب الله. تلك الجماعة تعتبر ان الانسان، بفعل حكم الله، يمكنه ان يكون مندفعاً ومستعداً لتقديم حياته في سبيل الآخرين، لكن هذا غير كاف، فبفعل حكم الله لا يمكن للإنسان أن يضع استراتيجيات وخطط سياسية وعسكرية. أو أن يغيّر معادلات، فجماعة الجمهورية الإسلامية في إيران، مثلاً، يتمتعون بفكر إيديولوجي هائل، لا بل فكر شمولي على مستوى العالم ككلّ وليس على مستوى إيران فحسب. لكن هذه الإيديولوجية لم تمكّنها من الانتصار على العراق. فما السبب في ذلك؟
السبب واضح وهو أنه لا يكفي أن تتعرف الى قضيتك فقط. إنما يجب أن تعرف كيف تصل الى تحقيق أهداف هذه القضية. إنّ معرفة القضية أمرٌ ضروري، والإحاطة بفكر هذه القضية مهم جداً، لكن الطريقة التي تتوسلها لتحقيق أهداف هذه القضية شيء مختلف تماماً.
لا يكفي، يا رفاق، أن نكون أمناء على قضيتنا. علينا أن نعرف كيف نضع الاستراتيجيات واتباع التكتيكات العائدة الى كل مرحلة من المراحل لكي ينجح مشروعنا.
أنا متأكّد أن عند كل المسيحيين أمانة لقضيتهم (بإستثناء بعض الخونة والعملاء وضعاف النفوس والمترددين والمنتفعين). ومع ذلك لم نصل الى تحقيق أهدافنا بعد. لماذا؟ السبب الرئيسي هو أننا، الى جانب فقرنا الفكري، لا نعرف كيف نعمل لنصل الى تحقيق هذه الأهداف.
مع الفكر ومع معرفة المشكلة، أية مشكلة، على نحو صحيح، علينا أن نعرف طريقة حلّها. وهذا ما يعرف بالإنكليزية The know how.
العرب عندهم اطلاع واسع على القضية الفلسطينية. وعندهم مطبوعات كثيرة صادرة عن معاهد عديدة، مثل مركز الدراسات الفلسطينية ومعهد الدراسات العربية، الخ... على الرغم من كل إمكانات العرب الفكرية والمالية والطاقات البشرية، فإنّ الـ The know howعندهم شبه معدوم. لذا، وحتى اليوم، لم ينجحوا على الإطلاق. فإذا كانت كلّ الإمكانات المتوفّرة عند العرب لم تساعدهم على النجاح لأن الـ The know how شبه معدومة عندهم، فكيف الحال عندنا، وشعبنا غير مؤدلج وليست عنده معرفة قوية في كيفية التصرّف. شعبنا طيّب. عنده حسّ وطني مرهف. يضحّي من أجل ما يؤمن به. ولكن عنده ثغرات على مستويات كثيرة، وعقله السياسي في حاجة الى تثقيف وتغذية حتى لا تضلّله ديماغوجية ولا تغشّه شعارات. هذه خلاصة التجربة التي شهدناها في العشرين أو الخمسين او المئة سنة الماضية. من يوسف بك كرم حتى ميشال عون شهدنا التجربة نفسها، لكن مع اختلاف الوسائل والإمكانات. هل يعقل أن تعاد الظاهرة الخاطئة نفسها بعد مئة سنة وبالتأييد الشعبي نفسه؟ هذه من الكوارث الكبيرة في تاريخنا.
لا تعتقدوا أن الفكر شعر أو أدب، مع احترامي لمحبي الشعر والأدب.
الفكر السياسي ليس فكاهة أو إستجمام أو تمنيات أو أحلام.
الفكر السياسي بحث في حقيقة المجتمع وفي الأبعاد المحيطة به على المستويات والمجالات كافة وفي المخاطر المحدقة بالمجتمع والقضية. إضافة الى كل هذه الامور يجب ان نتمرّس بالـ The know howحتى تتحقّق أهداف القضية التي نذرنا أنفسنا جميعاً من أجلها. وهذا شرف كبير لنا.